الأحد 9 شباط (فبراير) 2014

استخدامات الجغرافيا في التخطيط العسكري

الأحد 9 شباط (فبراير) 2014

التخطيط والجغرافيا

تمثل القوى المسلحة السند الحقيقي للسياسة، وتساند السياسة بالمثل القدرة العسكرية وتخفف الأعباء عن القوات المسلحة، أي أنه من الصعب الفصل بين النواحي السياسية والعسكرية، كذلك يصعب الفصل بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا العسكرية لصعوبة التمييز بينهما.

وتمثل الجغرافيا عمقاً أساسياً لكل التحركات العسكرية وسير العمليات الحربية، إذ أنه من المستحيل فصل العمليات العسكرية عن ظروف البيئة الجغرافية حيث تمثل الأرض بواقعها الطبيعي والبشري مسرحاً للعمليات العسكرية. لذا تهتم الجغرافيا العسكرية بدراسة العلاقة بين البيئة الجغرافية من جهة وبين الأنشطة العسكرية من جهة أخرى.

وهناك ارتباط وثيق بين الجغرافيا العسكرية والخطط الإستراتيجية الوطنية . إذ تبحث الأولى عن الخطوط العريضة، التي تحدد اتجاه القوى، والأهداف، والمصالح القومية، وتحديد أماكن النزاع الفعلي أو المحتملة، والتنبؤ بوقت ومكان الأحداث، وتهتم الثانية بإعداد، واستخدام القوة السياسية والاقتصادية للدولة، إلى جانب قوتها المسلحة في السلم والحرب لتامين الأهداف الوطنية. لذا يصعب الفصل بينهما فكل واحدة منهما تعتمد على الأخرى، تتأثر بها وتؤثر عليها، كذلك يصعب فصل الإستراتيجية العسكرية عن الشؤون السياسية، والمدنية، والاقتصادية، وذلك لأن الحرب لا تقتصر على معارك الجيوش في الميدان، بل تشمل جميع مظاهر الحياة كذلك.

ومن البديهيات أن العلاقة وثيقة بين الجغرافيا العسكرية والحرب، فعندما تتوتر العلاقات بين الدول وتصل إلى درجة الحرب، تقوم الجغرافيا العسكرية برسم المسارات الجغرافية البرية والبحرية، التي سوف تنتهجها القوات المحاربة في سبيل الوصول للهدف، فضلاً عن أنها تحدد مواقع الأهداف الرئيسية الحيوية، التي يكون في تدميرها أثر على إعاقة تقدم الجيش المعادي، مثل الطرق والكباري والمناطق الصناعية، وتعد الأخيرة من الأهداف الإستراتيجية المهمة في الحرب، لأنها تزود الجيش المحارب بالضرورات اللازمة، وتدميرها يثير القلق داخل صفوف الجيش المعادي. أي أن للجغرافيا العسكرية دوراً فعالاً في كل أنواع الحروب البرية، والبحرية، والجوية، توضحها الدراسة التالية.

الجغرافيا العسكرية والحرب البرية

غالباً ما يكون الهدف من الحرب البرية الضغط المباشر على أفراد الشعب المعادي، بتدمير وسائل المقاومة لديه، والسيطرة على مراكز القوى التي يعتمد عليها. بمعنى أن الهدف الرئيسي من الحرب البرية تحطيم جيش العدو عن طريق تدمير مراكز الصناعات الحربية، والمدنية، والمراكز التجارية، باعتبار أنها تحد من قدرة العدو على القتال وإشعاره بأنه غير قادر على إحراز أي نصر عسكري وكشفه أمام شعبه بأنه غير قادر على الحفاظ على أراضيه مما يؤدي إلى انهيار الروح المعنوية لدى الشعب واستسلامه أمام عدوه.

وتحدد الجغرافيا العسكرية المحاور الرئيسية على الجبهة، التي تتوزع عليها القوات، بشن هجوم مباشر على القوات المعادية بعد تحديد مناطق الضعف فيه، حتى تتمكن من الدخول إلى أراضيه، أو التسلل من حوله للوصول خلف صفوفه لقطع طرق النقل والمواصلات، وبالتالي شل حركات الإمداد والتموين إليه، وتراعي الجغرافيا العسكرية في ذلك العوائق الطبيعية مثل التضاريس والمناخ، وتشترك مع الأفرع العسكرية في تجهيز الإمكانيات اللازمة للتغلب عليها. فمثلاً في حرب أكتوبر 1973، استطاعت القوات المسلحة المصرية أن تعبر العائق المائي المتمثل في قناة السويس من ضفتها الغربية إلى الضفة الشرقية بالقوارب المطاطية، لمفاجأة العدو، واستغلال مراكز الضعف في جبهته، ثم مُدَّت بالآليات والمركبات بعد بناء كوبري سابق التجهيز. أي أنه مجرد أن توضع الخطط الإستراتيجية، ويُحدد الهدف، تنطلق القوات نحو الهدف بعد دراسة وسائل الحركة والطرق، التي تتبعها الجيوش مع وضع جدول زمني للتقدم، ومراعاة العوائق التي قد تحد من كفاءة الحركة.

الجغرافيا العسكرية والحرب الجوية

تطورت أهداف الجغرافيا الإستراتيجية للحرب الجوية تطوراً كبيراً وسريعاً مع تطور التكنولوجيا الحديثة، فلم تعد وظيفة السلاح الجوي قاصرة على نقل الجنود، والسلاح، والذخيرة، والمؤن، لتعزيز الهجوم العسكري، بل تطور دورها، وأصبحت تسهم بدور فعال وبخاصة خلف خطوط العدو وفي أعماق أراضيه، وذلك بتحطيم وتدمير كل ما يمكن أن يقلل من عزيمة الجيش المعادي وإرباك خطوطه، وهذا ما حدث في حرب أكتوبر 1973، حيث بدأتها مصر بالسلاح الجوي، ونجحت في تحطيم معنويات الجيش الإسرائيلي وحدت من قدرته وعزيمته على القتال.

كما تهدف الجغرافيا العسكرية إلى التحكم في الفراغ الجوي وتدمير الطائرات المعادية وحرمانها من استخدامه، وبالتالي يتمكن السلاح الجوي من السيطرة على قوات العدو البرية والبحرية، ويقوم بضربها وتحطيم الصواريخ المضادة، وبذلك يقضي على المقاومة الأرضية ضد الطائرات، وعليه يقوم بحماية، ومساعدة قواته البرية المتقدمة، وإرشادها إلى مناطق الضعف في صفوف العدو للتركيز عليها.
تهتم الجغرافيا العسكرية بدراسة الظروف المناخية لطبقات الجو، ومنها اتضح وجود تيارات هوائية شديدة السرعة، ويُطلق عليها التيارات النفاثة Jet Streams. وأول من أكد على وجود هذه التيارات رجال السلاح الجوي الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية أثناء عمليات هجومهم الجوي فوق الجزر اليابانية على ارتفاعات 30 ألف قدم، وقُدرت سرعة هذه التيارات حينئذ بين 200 إلى 300 ميل/ ساعة. وأصبح لهذه التيارات أهمية كبيرة في الطيران خاصة بعد استخدام الطائرات النفاثة التي تُحلق على ارتفاعات شاهقة. إذ يمكن أن تستفيد منها إذا كانت تسير في نفس اتجاها. أو تتجنبها إذ كانت تسير في اتجاه مضاد لها. كما لا يستغني السلاح الجوي والملاحة الجوية عن بيانات الطقس، وذلك تأميناً لسلامة الطلعات الجوية وحركات الطيران. ولا يتوقف دور الجغرافيا العسكرية على دراسة ظروف الطقس فحسب، بل تتعداه إلى اختيار مواقع المطارات بالأماكن، التي تقع في سهول فسيحة حتى لا تُشكل عقبة أمام الطيران من جهة، والتي يقل تعرضها لحدوث الضباب بكثرة ولا تتأثر بالزوابع والأعاصير من جهة أخرى.

الجغرافيا العسكرية والحرب البحرية

تقوم الجغرافيا العسكرية للحرب البحرية بتحديد المسارات البحرية والاستفادة من التيارات البحرية إذا كان الإبحار في اتجاها، أو تجنبها إذا كان خط السير في اتجاه مضاد لها، كما تهتم بدراسة العوائق، التي تؤثر على المناورات البحرية وبخاصة ما يتعلق بالظروف المناخية مثل الأعاصير ـ وما يتبعها من ارتفاع الأمواج أو ما يعرف بهياج البحر ـ والضباب وأثره في حجب الرؤية، كما تهتم بتحديد أماكن الشعاب المرجانية وجبال الجليد حتى تتجنبها السفن أثناء الملاحة البحرية، إضافة إلى أنها تُحدد أعماق البحار والمحيطات على خرائط تُعرف بالخرائط البحرية Marine Maps، كما أنها تدرس المد والجزر وحركات الأمواج واتجاهاتها.

وتهدف الجغرافيا العسكرية للحرب البحرية إلى مهاجمة السواحل وإنزال القوات عليها لتقوم بدورها في تدمير مراكز العدو الإستراتيجية والحيوية، أو في الاستيلاء على مصادر الثروة الموجودة مثل ما كان يحدث في الحروب الاستعمارية، كما تهدف إلى حماية سواحل الوطن من الهجوم، كما هو الحال بالنسبة للبحرية الأمريكية التي تعمل على درء الخطر عن القارة الأمريكية بعيداً عن سواحلها، بحيث يكون الدمار على أرضٍ غير أراضيها. فوزعت الأساطيل الحربية على المحيط الأطلسي، والهادي، والهندي، والبحر المتوسط، والبحر الكاريبي.

وتهتم الجغرافيا الطبيعية بدراسة الأغلفة الأربعة للكرة الأرضية، (الغلاف الجوي، والغلاف المائي، والغلاف الصخري، والغلاف الحيوي). أمّا الجغرافيا البشرية فتتناول دراسة الظاهرات البشرية على سطح الأرض ومدى التأثير المتبادل بينهما وبين بيئاتها الطبيعية والصور الاجتماعية الناجمة عن تفاعل الإنسان مع بيئته المحلية مثل توزيع السكان وأنماط العمران، كما تشمل دراسة النشاط البشري ومؤثراته وتوزيعاته، وكذلك التركيب السياسي للدولة بوصفه ظاهرة جغرافية، وتعرف كل الأفرع سابقة الذكر بالجغرافيا الموضوعية Topical Geography، أو الجغرافيا الأصولية Systematic Geography، وتركز على الموضوعات أكثر من تركيزها على الأماكن، أو على الظاهرات الجغرافية أكثر من المساحة. وإضافة إلى ما سبق، هناك فروع جغرافية تهدف إلى الربط بين الظاهرات الجغرافية المختلفة لإبراز العلاقة التبادلية بين الإنسان والبيئة، مثل الجغرافيا الإقليمية، والجغرافيا الطبية، وجغرافيا المياه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 2324 / 181128

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع العلوم العسكرية   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010