الثلاثاء 17 نيسان (أبريل) 2012

الخصائص التاريخية للثورة الثقافية في الصين

الثلاثاء 17 نيسان (أبريل) 2012

مرحلة ما قبل حركة 4 مايو (أيار) ومرحلة ما بعدها تشكّلان مرحلتين تاريخيتين مختلفتين للجبهة الثقافية أو الإيديولوجيّة في الصين.

قبل حركة 4مايو (أيار)، كان الصراع على الجبهة الثقافية في الصين صراعا بين الثقافة الجديدة للبرجوازية والثقافة القديمة للطبقة الإقطاعية. وكانت الصراعات وقتذاك بين نظام المدرسة الحديثة ونظام الامتحانات الامبراطورية(18)، بين العلوم الحديثة والعلوم القديمة، بين العلوم الغربية والعلوم الصينية، تتّصف جميعها بطابع ذلك الصّراع. وإنّ ما يسمّى بالمدارس الحديثة والعلوم الحديثة والعلوم الغربية في ذلك الحين كانت تتركّز بصورة أساسية (ونعني "بصورة أساسية" أنّه ما زالت تشوبها بقايا فاسدة من الإقطاعية الصينية) على العلوم الطبيعية والنظريات السياسية – الاجتماعية البرجوازية التي كان ممثّلو البرجوازية يحتاجون إليها. ولقد لعبت إيديولوجية العلوم الحديثة هذه في ذلك الحين دورا ثوريا في النضال ضدّ الإيديولوجية الإقطاعيّة في الصين وهي في خدمة الثورة الديمقراطية البرجوازية الصينية للمرحلة القديمة. ولكن نتيجة عجز البرجوازية الصينية ودخول العالم عصر الإمبريالية بالفعل، فإنّ هذه الإيديولوجية البرجوازية لم تستطع الصّمود إلا بضع جولات في الصّراع مع التحالف الرّجعي القائم بين إيديولوجيّة العبودية للإمبريالية الأجنبيّة وإيديولوجيّة العودة إلى القديم للإقطاعيّة الصينية فانهزمت أمامه. وما كاد هذا التحالف الإيديولوجي الرّجعي يشنّ هجوما مضادّا بسيطا على ما يسمّى بالعلوم الحديثة حتّى طوت راياتها وأسكتت طبولها واعلنت تراجعها محافظة على هيكلها مع فقدان روحها الحيّة. وبما أنّ الثقافة الديمقراطية البرجوازية القديمة قد تفسّخت ووهنت في عصر الإمبريالية فلا مفرّ لها من الإخفاق.

ولكن منذ حركة 4مايو (أيار) لم تعد الحال كما كانت عليه. فقد نشأت في الصين قوة ثقافية جديدة كلّ الجدّة، أ لا وهي الثقافة أو الإيديولوجيّة الشيوعيّة التي يقودها الشيوعيون الصينيون أي المفهوم الشيوعي عن العالم ونظرية الثورة الاجتماعية. لقد حدثت حركة 4 مايو (أيار) في عام 1919، وتأسس الحزب الشيوعي الصيني وابتدأت الحركة العمالية الصينية بصورة حقيقية في عام 1921– هذه الأحداث وقعت جميعها في أعقاب الحرب العالمية الأولى وثورة أكتوبر، أي حين ظهرت القضية القومية والحركات الثورية في المستعمرات بمظهر جديد في مختلف أرجاء العالم، ومن هنا نجد الرّابطة بين الثورة الصينية والثورة العالمية في غاية الوضوح. وبفضل دخول القوّة السياسيّة الجديدة – البروليتاريا الصينية والحزب الشيوعي الصيني إلى الحلبة السياسية الصينية، استطاعت هذه القوّة الثقافية الجديدة، وهي في زيّ جديد وبأسلحة حديثة ومتّحدة مع جميع الحلفاء الذين يمكن الاتّحاد معهم، أن ترصّ صفوفها وتشنّ هجمات بطولية على الثقافة الإمبريالية والثقافة الإقطاعية. ولقد اكتسبت هذه القوّة الجديدة تطوّرا كبيرا جدّا في حقل العلوم الاجتماعيّة وحقل الآداب والفنون، بما في ذلك الفلسفة والعلوم الاقتصادية والعلوم السياسية والعلوم العسكرية و التاريخ والأدب والفن (بما فيه المسرحية والسينما والموسيقى والنحت والرسم). وخلال العشرين سنة الماضية فإنّ هذه القوّة الثقافية الجديدة، أينما وجّهت هجومها، حقّقت ثورة كبرى في المضمون الإيديولوجي وفي الشكل (اللّغة المكتوبة وغيرها) على حدّ سواء، وكانت جبّارة الصّدى عظيمة الجبروت لا تُقهر حيثما توجّهت. وقد عبّأت الجماهير على نطاق واسع لا مثيل له في تاريخ الصين. وكان لو شيون هو الرّجل الأعظم والأشجع الذي حمل لواء هذه القوة الثقافية الجديدة. إنّ لو شيون هو القائد الرئيسي للثورة الثقافية الصينية، فهو لم يكن أديبا عظيما فحسب، بل كلن مفكرا كبيرا وثوريّا عظيما كذلك. كما كان أكثر الرّجال صلابة وثباتا، وأبعدهم عن التملّق والتذلّل، وهذه هي صفة رفيعة لا تُقدّر بثمن عند شعوب المستعمرات وشبه المستعمرات. إنّ لو شيون الذي يمثّل الغالبيّة العظمى من أبناء الأمّة بأسرها على الجبهة الثقافية، هو أكثر الأبطال الوطنيين صوابا وبسالة وحزما وإخلاصا وحماسا في الاقتحام والانقضاض على العدوّ، وبطل فريد منقطع النّظير في تاريخنا. والاتّجاه الذي كان يتّبعه لو شيون هو اتّجاه الثقافة الجديدة للأمّة الصّينيّة.

لقد كانت الثقافة الجديدة الصينية، قبل حركة 4مايو (أيار)، ثقافة تحمل صفة الديمقراطية القديمة، وهي جزء من الثورة الثقافية الرأسمالية البرجوازية العالمية. بيد أنها أصبحت، منذ حركة 4 مايو (أيار)، ثقافة تحمل صفة الديمقراطية الجديدة وجزءا من الثورة الثقافية الاشتراكية للبروليتاريا العالمية.

قبل حركة 4مايو (أيار)، كانت الحركة الثقافية الجديدة والثورة الثقافية في الصين تجري تحت قيادة البرجوازية التي كانت لا تبرح تلعب دورا قياديا. ولكن بعد حركة 4مايو (أيار) أصبحت ثقافة أو إيديولوجية هذه الطبقة أكثر تخلّفا من سياستها، ولم يعد في مقدورها أن تلعب أيّ دور قيادي، وأقصى ما تستطيعه أن تخدم إلى حدود معينة كحليف خلال الفترة الثوريّة، أمّا مسؤولية قيادة التحالف فلا بدّ أن تقع على كاهل ثقافة أو إيديولوجيّة البروليتاريا. هذه هي حقيقة دامغة ما من أحد يستطيع إنكارها.

إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هي ثقافة الجماهير الشعبيّة المناهضة للإمبريالية والإقطاعية، وهي في الوقت الراهن ثقافة الجبهة المتّحدة ضدّ اليابان، ولا يمكن ان يوجّه هذه الثقافة سوى ثقافة أو إيديولوجية البروليتاريا أي الإيديولوجيا الشيوعية، أمّا الثقافة أو الإيديولوجية لأيّة طبقة أخرى فلا تستطيع أن تتولّى توجيهها. وبكلمة واحدة، فإنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هي ثقافة الجماهير الشعبيّة المناهضة للإمبريالية والإقطاعيّة والتي تقودها البروليتاريا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 515 / 165540

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع الثقافة الجماهيرية   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010