السبت 6 حزيران (يونيو) 2015

شخصية الأمير عبد القادر

السبت 6 حزيران (يونيو) 2015

- شخصية الأمير عبد القادر

1-مولده و نسبه:
ولد الأمير عبد القادر بن محي الدين في 23 رجب 1222 هـ الموافق لشهر ماي 1807 م ببلدة القيطنة قرب مدينة معسكر. و يعود نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب و ابن فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فأحد أجداده هو مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى و باني مدينة فاس. و رغم أن عبد القادر من أهل البيت إلا أنه كان يرفض رفضا قاطعا استغلال نسبه وأصله لاكتساب الاحترام و التقديس و طاعة الناس، فكان يقول" لا تسألوا أبدا ما هو اصل الإنسان و فصله، بل اسألوا حياته و أعماله و شجاعته و مزاياه، و عندئذ تدركوا من يكون ". و كان يستوحي ذلك من روح الإسلام الذي سوّى بين البشر مهما كان أصلهم، و أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول» كلكم من آدم و آدم من تراب، لا فرق بين عربي و أعجمي إلا بالتقوى« .
2- تعليمه :
تعلم عبد القادر القراءة و الكتابة و عمره لا يتجاوز خمسة سنوات و حفظ القرآن الكريم و كانت له معرفة بأصول الشريعة و لم يتجاوز 12 سنة من عمره. و أرسله أبوه محي الدين لمواصلة دراسته بمدرسة سيدي أحمد خوجة بوهران لكنه لم يبقى طويلا هناك لأن طريقة التدريس التقليدية لم تعجبه فعاد إلى القيطنة ليتلقى العلوم الحديثة على يدي سيدي أحمد ابن طاهر قاضي أرزيو، فدرس الحساب و الفلك و الجغرافيا، مثلما اهتم بالشؤون الأوروبية و ما يحدث فيها من تطورات علمية و تقدم كبير في الوقت الذي كان فيه العالم الإسلامي يتخبط في التخلف، الانحطاط، الضعف و الخرافة. فكان الأمير عبد القادر يؤمن منذ صغره بضرورة إخراج المسلمين من التخلف و استعادة أمجادهم الحضارية. و لا يمكن أن يتأتى لهم ذلك إلا بالعودة إلى مبادئ دينهم الحقيقية و الاهتمام بالعلوم الحديثة.
و لم يكتفي الشاب عبد القادر بتلقي العلوم الدينية و الدنيوية بل اهتم أيضا بركوب الخيل و القتال، فتفوق في ذلك على غيره من الشباب و بذلك كان من القلائل جدا الذين جمعوا بين العلوم الدينية و الفروسية، عكس ما كان عليه الوضع آنذاك إذ انقسم المجتمع إلى المرابطين المختصين في الدين، و الأجواد المختصين في الفروسية و فنون القتال.
إن إدراك الأمير بأن الإنسان يتكون من عقل و جسد و روح و مشاعر و جعله يهتم بكل هذه الجوانب فكان عابدا لله إلى درجة تصوف و عالما بالدين و العلوم الحديثة مثلما كان فارسا قوي الجسد، إلى جانب الحس المرهف فنظم الشعر بكل أنواعه وكان يعتبر أهم الفنون آنذاك، وقد أكسبه ذلك حنانا وعطفا وحبا للناس.
3- زواجه:
تزوج الشاب عبد القادر مبكرا بلالاّ خيرة بنت عمه سيدي علي بو طالب، و كانت ذات أخلاق عالية، فعندما بايعه الناس على تحمل مسؤولية قيادة الجهاد ضد الإستعمار الفرنسي، و إدراكا منه لثقل المسؤولية التي ستشغله عن أهله و بيته ذهب إلى زوجته و قال لها » لقد وضع القوم أمانة في عنقي، و من الواجب علي القيام بها، و إن ذلك لا يدع مجالا لي حتى أقوم بواجباتي الزوجية على أكمل وجه، و لك إن أردت البقاء معي من دون التفات إلى طلب حقوقك المقدسة، فإني أوافق الموافقة التامة على ذلك، و إما ‘ن كان قصدك إلا تفرطي فيها فأمرك بيدك، و ذلك لأني قد تحملت ما يشغلني عنك «، فقبلت الزوجة الصالحة ذلك و كانت تعلم مدى تقديس زوجها الأمير لحقوق الزوجة التي فرضها الإسلام لها فقالت له » لقد رضيت لنفسي ما ارتضيته لنفسك « .
و أثناء جهاده مرّ يوما بالقرب من مقام زوجته و كانت لم تراه منذ عدة شهور فبعثت إليه تطلب منه زيارتها فردّ عليها بأنه مزفوف إلى بلاده إي أنه تزوج بقضية وطنه و شعبه. و رغم كل ذلك بقيت هذه الزوجة وفية له لأنها كانت تدرك ثقل المسؤولية التي تحملها و إن قضية الوطن و العقيدة فوق كل شيء. و كان الأمير يتألم من فراق زوجته فله قصيدة طويلة يغازلها فيها و يقول في بعض أبياتها:

ألا هل يجود الدهر بعد فـراق-*- فيجمعنا و الدهر يجري إلى الضد
و أشكو ما قد نلت من ألم و م-*-تحمله ضعفي و عالجـه جهـدي
لكي تعلمي أم البـنـين بـأنه -*- فراقك نار و اقترابـك من خلـد

4- رحلته إلى الحج:
عندما بلغ والده محي الدين الخمسين من عمره أراد الحج إلى البقاع المقدسة، و رفض أن يرافقه أي أحد إلا ابنه الرابع عبد القادر الذي لم يبلغ بعد 17 سنة من عمره، فعندما سمع الناس بالخبر أتوا من كل الجهات لتوديع محي الدين و ابنه ، فخشي الحاكم العثماني في وهران من تحول التجمع الضخم إلى ثورة ضد النظام الفساد فاضطر إلى احتجازهما لمدة سنتين بوهران، خاصة و أن محي الدين كان من أشد المعارضين لهذا النظام الذي قسم الشعب إلى فئات تتقاتل فيما بينها عملا بسياسة " فرق تسد" و الهدف من ذلك هو الحفاظ على المصالح الخاصة للنظام الذي كان ينهب عرق الشعب و يفرض ضرائب باهضة عليه مما يسمح لحاشية النظام مواصلة حياة الرّغد و الترف بينما الشّعب يموت جوعا، فكيف يقبل محي الدّين و ابنه عبد القادر بذلك و هما المتشبعان بحب العدل الذي ألح عليه الإسلام.
و بعد سنتين من الاحتجاز تدخل داي الجزائر فسمح لهما بالذهاب إلى الحج معتقدا بأن ذلك وسيلة لإبعادهما عن البلاد و لو لمدة قصيرة. فعبرا تونس و وصلا إلى الإسكندرية عبر البحر المتوسط ليصلا إلى البقاع المقدسة برا، و عادا من الحد عبر دمشق و زارا قبر الولي الصالح عبد القادر الجيلاني ببغداد صاحب الطريقة القادرية التي تنتمي إليها أسرة الأمير عبد القادر، و أثناء حجهما أطلعا على أوضاع المسلمين المزرية التي جعلتهم لقمة سهلة للاستعمار الأوروبي في الوقت الذي كان فيه حكامهم يعيشون في غفوة عن ذلك لاهثين وراء حياة الترف و المجون.
5- عودته من الحج و التفرغ للمطالعة و العبادة:
عاد الشاب عبد القادر و أبوه إلى بلدتهما القيطنة بعد أكثر من سنتين قضاياها في الحج و الترحال و التجوال مما أكسب الشاب اطلاعا واسعا. فقد استقبلهما الناس بحفاوة كبيرة عند عودتهما عام 1828.
و لوحظ بعد ذلك اعتزال عبد القادر في بيته لمدة طويلة خصّها للعبادة و المطالعة الكثيرة للكتب فكان يطالع كتب الفقه و الفلسفة و التاريخ التي أنتجها مفكرون مسلمون و إلى جانب ذلك كان يركز كثيرا في مطالعاته على معرفة الفكر العالمي و الأوروبي، فقرأ لأفلاطون و أرسطو كما اطلع على الكثير من الكتب التي تعتني بالفكر و الشؤون الأوروبية. فكأنه يريد الزج بين الثقافتين الإسلامية و الأوروبية، و هو بكل تأكيد بمحاولته التعرف على تاريخ و عادات و تقاليد أو أفكار مختلف شعوب العالم فإنه كان يطبق الآية القرآنية التي تأمر المسلم بذلك و المتمثلة في قوله تعالى: » يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير « .[سورة الحجرات الآية 13]
يتبين لنا مما سبق أن شخصية الأمير عبد القادر قد اكتملت و هو لم يتجاوز العشرين من عمره فهو رجل دولة و سياسة مثلما هو فارس مقدام و متصوف زاهد و عالم عارف و أب حنون و عطوف و شاغر يغازل زوجته و يحمس المجاهدين للقتال. و كأنه كان يستعد دون علم أحد لمهمة عظيمة.
بناء الدولة الجزائرية الحديثة
1- مبايعته:
دخل جيش الإحتلال الفرنسي مدينة الجزائر يوم 05 جويلية 1830 و استسلم الداي العثماني بجيشه مقابل ضمان خروجه و حاشيته من الجزائر حاملين الأموال التي نهبوها من الشعب. فشرع الجيش الفرنسي في الزحف لاحتلال البلاد كلها فبدأ بالمدن الساحلية، فاحتل مدينة وهران في عام 1832، مثلما عمت الفوضى في البلاد و التقاتل بين مختلف القبائل التي زرع فيها الحكم العثماني الفاسد الأحقاد و الضغائن بينها، و لجأ جيش الاحتلال إلى التقتيل و النهب فاستولى على الخزينة التي كانت تحتوي على أموال طائلة فحوّلها إلى فرنسا.
أمام هذا الوضع المتردي لجأ سكان الغرب الجزائري إلى الشيخ محي الدين يطلبون منه توليه الحكم و قيادة الجهاد ضد الإستعمار و إعادة الطمأنينة و الاستقرار، لكنه رفض لأنه كان يدرك أنه غير قادر على ذلك، فأشار عليهم بتولي ابنه عبد القادر الذي يمتلك صفات رجل الدولة بالإضافة إلى تدينه العميق مثلما أظهر براعة فائقة في القتال عندما كلّفه محي الدين بقيادة المجاهدين ضد الجيش الفرنسي في وهران.
و رحب السكان بفكرة تولي عبد القادر الإمارة لكن هذا الأخير لم يقبل إلا بعد مبايعته من طرف السكان، فتم ذلك تحت شجرة الدردار الضخمة بقرب معسكر في شهر نوفمبر من عام 1832، فحددوا له مهمته بقولهم » إننا في حاجة إلى من يقود سفينتنا ويقف في وجه العدو في الداخل و الخارج ليذيقه الذاب، و لهذا قد اتفق العام و الخاص في إسناد الإمارة لعبد القادر بن محي الدين« . فكان أبوه أول المبايعين فأطلق عليه لقب " ناصر الدين" .
و بعد المبايعة بدأ الناس يرددون و هم فرحون برئيسهم الذي طلب منهم الإستعداد للجهاد ضد المستعمر فيقولون » حياتنا و أملاكنا و كل ما عندنا له، لن نطيع قانونا غير قانون سلطاننا عبد القادر« فأجابهم بقوله » و أنا بدوري لن آخذ بقانون غير القرآن، لن يكون مرشدي غير تعاليم القرآن، و القرآن وحده، فلو أن أخي الشقيق قد أحل دمه بمخالفة القرآن لمات « .
2- بناء الدولة :
أدرك الأمير عبد القادر بحم ذكائه أنه لا يمكن مواجهة الاستعمار الفرنسي إلا بعد بناء دولة قوية و حديثة، و هذا يتطلب إقامة مؤسساتها و القضاء على القبلية و العروشية و توحيد الشعب على أساس الولاء للوطن و العقيدة فقط لا غير و لذلك قام بعدة أعمال منها ما يلي:
توحيد القبائل و توسيع نفوذه : إن أول عمل قام به الأمير عبد القادر يتمثل في إخضاع القبائل التي رفضت الولاء له بصفته السلطة الشرعية للبلاد، و هذه القبائل تتمثل أغلبها في تلك التي كان الحكام العثمانيون الفاسدون يستعملونها لجلب الضرائب من القبائل الأخرى، و هذه القبائل كانت تسمى بقبائل المخزن و هي على استعداد لعرض ولائها للجيش الفرنسي مثلما كانت تعرضه على الحكم العثماني. و كان الأمير يعلم جيدا أن هذا الصراع بين مختلف القبائل سببه الحكام العثمانيون الفاسدون. فعمل عبد القادر من أجل القضاء على ذلك و توحيد الشعب كله تحت راية واحدة ضد العدو المشترك الجديد و هو الاستعمار الفرنسي.
إقامة مؤسسات الدولة الجديدة و تتكون مما يلي :
- مجلس الشورى: و يشبه البرلمان و يتكون من العلماء الكبار العارفين بشؤون الشريعة و السياسة و يستشيرهم الأمير في كل كبيرة و صغيرة طبقا لقوله تعالى» و أمرهم شورى بينهم«.
- الحكومة: وكان يترأسها الأمير عبد القادر و تتشكل من سبع وزارات و هي الداخلية، الخارجية، المالية، الأوقاف، الأعشار و صنوف الزكاة، الحربية و وزارة الخزينة الخاصة، و يعتبر وزيره للخارجية " المولود بن عراش " أشهر وزراء حكومة الأمير
و كان يشترط في تولي وظائف الدولة عدة شروط أهمها التدين العميق و الخلاق العالية و الكفاءة العلمية و الخبرة و الذكاء السياسي و القدرة على القيادة، هذا ما جعل حكومة الأمير تعتبر من أفضل حكومات العالم أثناء القرن 19 م.
و من أوائل أعمال حكومة الأمير إعلان المساواة بين جميع المواطنين دون أي تمييز عرقي أو ديني، فكان له مستشارون مسلمون و يهود و مسيحيون يشتركون كلهم في الولاء و الإخلاص للدولة، مثلما ألغى ما كان يسمى بقبائل المخزن التي كانت لها امتيازات أثناء العهد العثماني، و ألغى الضرائب الباهضة التي فرضها العثمانيون على السكان.

- الرقابة الشعبية: كان الشعب يراقب حكومته في كل صغيرة و كبيرة و كان يطلب من الناس في الأسواق ممارسة هذا الحق فكان البراح ينادي دائما» من كانت له شكوى على الأمير أو نائبه أو الآغا أو القائد أو الشيخ أو الوزراء، فليرفعها للقاضي من غير واسطة، فإن الأمير ينصفه من ظالمه و من ظلم و لم يرفع مظلمته إلى الأمير فلا يلوم إلا نفسه « . و أكد الأمير على هذا المبدأ عندما كتب إلى ملك فرنسا يقول له » عليك أن تعلم أن أي إجراء لن يكون صالحا إذا لم يحظى بمصادقة الشعب« .
- التقسيم الإداري: قسم الأمير عبد القادر البلاد إلى ثماني ولايات و على رأس كل واحدة منها نائب لها يدعى بالخليفة و هي: تلمسان، معسكر، مليانة، المدية أو تيطري، مجانة أو سطيف، بسكرة، الصحراء، برج حمزة أو البويرة أي منطقة القبائل الكبرى. و كل ولاية مقسمة إلى دوائر و كل دائرة تشمل على مجموعة قبائل.
و كان ينصب نوابه شخصيا أثناء زيارته إلى الولايات أين يطلب من سكانها اختيار حاكم لها، فمثلا عندما زار منطقة جرجرة بالقبائل الكبرى حظي باستقبال حاشد فخطب فيهم بقوله» إن كل مل أطلبه منكم هو الطاعة و الوفاق و المحافظة النامة على شرائع ديننا المقدس حتى ننتصر على الكفار، و لا اطلب منكم لتعضيد جيشنا سوى ما فرضه الله العلي القدير. إنني لا أرغب في تغيير تقاليدكم، و لا في إبطال قوانينكم و أعرافكم... إنني أدعوكم إلى الجهاد في سبيل الله ، ثم اقترح عليهم اختيار أحمد بن سالم رئيسا عليهم، فأجابوه بصيحة واحدة »اعطنا ابن سالم ...وخذ منا الزكاة. وخذ منا العشور، و قدنا قد الكافرين، إننا أبناؤك و جندك و خدمك « .فولى ابن سالم نائبا له في منطقة القبائل وسط الأفراح و المهرجانات، و قد كان ابن سالم من أشهر الخلفاء الأوفياء الأمير عبد القادر و أشدهم بأسا على الجيش الفرنسي. وبقي الأمير أكثر من شهر في منطقة القبائل يتفقد أوضاعها، و كان يقوم بالأمر نفسه عند تنصيب نائبه في كل ولاية من الولايات الثمانية.
التعليم:
اهتم الأمير بالتعليم كثيرا عملا بأول الأمر من الله تعالى للمسلم و هو» اقرأ باسم ربك« و الذي فهمه أنه لا يمكن التقدم و بناء دولة مسلمة قوية جديرة بإيصال رسالة الإسلام إلى العالم إلا إذا تعلم المسلمون و اهتموا بقراءة الكتب و الأمل في الكون و الطبيعة مما يسمح لهم باكتشاف القوانين الطبيعية و العلمية ثم استعمالها في الاختراعات و الاكتشافات.
و لهذا كان التعليم يحتل المقام الأول في دولة الأمير عبد القادر فمثلا أسس في مدينة تلمسان وحدها 50 مدرسة أساسية و معهدين كبيرين للتعليم الثانوي و الجامعي. كما اهتم بالكتب النفسية و حرص على جمعها و جعلها في متناول شعبه.
الاهتمام بالصناعة:
أدرك الأمير أن أوروبا لم تصبح قوية إلا بعد القيام بثورتها الصناعية، مما جعله يهتم بالصناعة خاصة صناعة الأسلحة كالمدافع و البنادق والبارود و الرصاص لأن ظروف الاحتلال الفرنسي فرضت عليه ذلك، و كان يريد أن يجعل تلك الصناعة العسكرية قاعدة لصناعات أخرى بعد طرد الجيش الفرنسي من الناطق التي احتلها.
جيش الأمير عبد القادر:
كان للأمير جيش نظامي محترف بلغ عدده 16 ألف جندي بالإضافة إلى المتطوعين الذين كانوا يلبون نداء الجهاد كلما دعا إليه الأمير.و قد صنف جيشه النظامي إلى الفرسان و المشاة و رجال المدفعية، و يتجاوز جيشه 60 ألف جندي إذا جمعنا النظاميين و المتطوعين، و يتبين لنا من كل ما سبق أن الأمير عبد القادر كان يضع أسس دولة جزائرية حديثة و قوية تشبه الدول الأوروبية الكبرى لكن عمله على مواجهة و طرد الجيش الفرنسي من المناطق التي احتلها من الجزائر عرقلته كثيرا في مواصلة بناء الدولة التي تتطلب استقرارا.

- مقاومته للاحتلال الفرنسي

كان الصراع بين الجيش الفرنسي و الأمير عبد القادر عنيفا، فالأول كان يعمل من أجل توسيع سيطرته على الجزائر، أما عبد القادر فكان يسعى لإيقاف الاحتلال و بناء دولة قادرة على طرد الغزاة من المدن الساحلية التي احتلها.
1- محاصرة الأمير للجيش الفرنسي:
حاصر الأمير عبد القادر جيش الاحتلال الفرنسي بوهران اقتصاديا و عسكريا، فمنع السكان من تزويده بالمواد الغذائية و كان يقوم بغارات عسكرية عليه و كانت تتوالى انتصاراته العسكرية فطارت شهرته إلى أنحاء البلاد، فهرع الناس من كل النواحي للإنضمام إلى جيشه. لكن استطاع جيش الاحتلال فك الحصار و استيلائه على مدينة أرزيو الساحلية و التي تحتوي على ميناء يسمح له التزود بالمواد الغذائية و الأسلحة عن طريق البحر.
2- معاهدة عبد القادر – دي ميشال 1834:
أمام ضغط جيش الأمير عبد القادر عمل دي ميشال الحاكم الفرنسي بوهران من أجل عقد هدنة مع الأمير، فلجأ إلى حيلة تسمح له بالاتصال بالأمير و إقتراح الهدنة عليه فعمد دي ميشال إلى مرافقة بعض جنده لخونة جزائريين كانوا يزودون جيش الاحتلال بالمواد الغذائية، فألقى جيش الأمير القبض عليهم، فطار دي ميشال فرحا لان ذلك كان وسيلة للاتصال بالأمير عبد القادر و محادثته بشأن الأسرى و اقتراح الهدنة عليه. إلا أن الأمير عبد القادر رفض اقتراحات دي ميشال في البداية لكنه بعد استشارة المجلس الشوري و التفكير العميق بالمعاهدة التي كانت تنص على توقيف القتال و إطلاق سراح الأسرى و حرية التجارة.
و كان هدف الأمير عبد القادر من قبوله المعاهدة هو إيجاد متسع من الوقت لمواصلة بناء دولته و تصنيعها خاصة و أنها تسمح له باستيراد الأسلحة و الآلات الصناعية من أوروبا عبر البحر.
3- نقض المعاهدة و انتصارات الأمير:
ندمت فرنسا على عقد الهدنة خوفا من أن يتسع نفوذ الأمير و تتقوى دولته أكثر فعمدت إلى نقض الهدنة بتنحية دي ميشال عن حكم وهران و تنصيب الجنرال تريزل حاكما جديدا عليها، و كان من أشدّ المعارضين للمعاهدة، فنقضها بالمهاجمة على جيش الأمير عبد القادر بجيش ضخم يتجاوز 10 آلاف جندي، فهزم جيش الأمير بغابة مولاي إسماعيل فقتل أكثر من 150 جنديا. ففر الجيش الفرنسي تحت الضربات القاسية للمجاهدين، لكن الأمير عبد القادر أغلق في وجهه الطريق إلى أرزيو، فعاد جيش تريزل عبر مسلك واحد و هو نهر المقطع فنجحت خطة الأمير عندما أحاط المجاهدون بالجيش الاستعماري من كل الجهات فأشعلوا فيه النار و دبت الفوضى فيه، فقتلوا و أسروا أغلبهم و استولوا على العتاد و الأسلحة و المؤن و هرب تريزل مع القليل من جنده الناجين من ضربات جيش الأمير. وتعتبر معركة المقطع في 1835 من أشهر معارك الأمير التي تظهر دهاءه العسكري.
عزلت الحكومة الفرنسية الجنرال تريزل بعد هزيمته في معركة المقطع التي أثارت الرأي العام الفرنسي، و عينت مكانه الجنرال كلوزيل كحاكم جديد لوهران، فطلب من حكومته دعما بجيش كبير للانتقام من الأمير، وسطر هدفه بقوله » لقد عزمنا على الانتقام من الأمير، لأنه انتصر على تريزل في المقطع و كبده من الخسائر ما لا يعلمه إلا الله، ولن نرتاح حتى نكيل له خسائر فادحة، ونقصيه عن دار ملكه- معسكر- و بذلك يدرك الجزائريون أن الأمير مزعزع، و أن مكانته قد انهارت«.
فجرت عدة معارك في معسكر و تلمسان و غيرهما تكبّد فيها كلوزيل هزائم شنيعة و كاد جيشه أن يموت جوعا في تلمسان و يحكى عن الجنرال كافينياك أحد قادة الجيش الاستعماري أنه كان يشتري لمائدته بسعر يقدر بـ 40 فرنك ليسد جوعه.

4- معاهدة تافنة 1837:
أمام هذه الهزائم المتتالية أرسلت الحومة الفرنسية الجنرال بوجو أحد اشهر قادتها العسكرية على رأس جيش كبير جدا لمواجهة الأمير عبد القادر. فأدرك الجنرال أنه من الصعب تحقيق ذلك، فاقترح معاهدة على الأمير في عام 1837 تعرف بمعاهدة التافنة فقبلها هذا الأخير لأنها فرصة لمد نفوذه و مواصلة بناء دولته، خاصة و أنها تعترف للأمير بالسيادة على ثلاثة أرباع من البلاد باستثناء بعض المدن الساحلية كالجزائر و وهران.
5- نقض العاهدة و تجدد القتال:
نقض الجيش الفرنسي المعاهدة مرة أخرى كعادته و ذلك عندما عبر اراضي دولة الأمير دون إذن منه، فأدرك الأمير أن الجيش الفرنسي كان يعمل من أجل مهاجمته خوفا من تزايد قوة دولته، فأرسل رسائل إلى نوابه يقول لهم فيها إن الكافر قد جابهنا بالخيانة، و دليل خيانته واضح كالنهار، لقد عبر بلادي دون إذنين فاجمعوا شملكم و اربطوا أحزمتكم استعدادا للمعركة. إنها على الأبواب... كونوا عاجلين في عملكم، و سارعوا على الانضمام إليّ في المدية حيث أنتظركم.
فاجتمع رجال دولة الأمير في المدية لنقاش المسألة فاتفق جميعهم على العودة إلى القتال فقال لهم الأمير ليكن ذلك ما دامت هذه هي رغبتكم. ولكني أقبل المسؤوليّة بشرط واحد. إنّكم ستتعرّضون للتعب و المشقة و المحن و الخيبات، و قد تقنطون أو تتعبون من الحرب، فأقسموا لي إذن على القرآن الكريم أنّكم لن تتخلوا عنّي أبدا ما دمت أحمل راية الجهاد ، فأقسم له الجميع بذلك. و أخبر الأمير الحاكم العامّ الفرنسي بإعلانه الحرب عليه لأنّه ليس من يم الأمير الخديعة و الخيانة و الغدر و نقض العهود مثل القادة الفرنسيين.
و لم يطلب الأمير من قادته القسم إلا لأنّه يعرف مدى المصاعب التي سيلاقونها لأن الحكومة الفرنسيّة صمّمت على احتلال الجزائر كلها و لو كلف ذلك إرسال مئات الآلاف من جندها إلى هذه البلاد الطاهرة و كانت تعلم أنها لو لم تقض على الأمير و دولته فإنّ دولة قويّة مسلمة ستظهر في العالم الإسلامي مما يمنع الإستعمار الأوروبي من تحقيق أطماعه في هذه البلاد، لكن الحكام المسلمون كانوا في سبات عميق غافلين عمّا كان يدور حولهم.
فعادت رحى الحرب بمهاجمة جيوش الأمير عبد القادر مواقع للجيش الاستعماري، و كاد ابن سالم أن يحرّر مدينة الجزائر حيث أباد المعمّرين الذين استولوا على أراضي متيجة الخصبة، لكن الأمير عبد القادر لم يستع مواجهة الجيش الفرنسي الضخم الذي كان يفوقه عددا و عدة و يملك أسلحة متطورة، فلجأ الأمير إلى التنقل بين المناطق ثم مباغتة الجيش الفرنسي. فساء وضع الأمير العسكعري خاصة بعد تحطيم زمالته في عام 1843 و هي عبارة عن عاصمته المتنقلة.

6- محاصرة الأمير و استسلامه في عام 1847:
اضطر الأمير عبد القادر إلى الإنسحاب إلى المغرب الأقصى أمام ضغط الجيش الفرنسي القوي طالبا من سلطان المغرب عبد الرحمن بن هاشم مساعدته محذرا اياه من سقوط الجزائر لأن ذلك سيؤدي إلى سقوط المغرب و بلدان إسلامية كثيرة تحت السيطرة الإستعمارية، لكنه لم يستمع إلى نصائح الأمير متذرعا بمواجهة المتمردين ضد السلطان في المغرب، و كأن مواجهة الشعب الثائر ضده أفضل من مواجهة العدو الكافر الذي يهدد أرض الإسلام.
و أكثر من ذلك تعاون هذا السطان مع الجيش الفرنسي لمحاصرى الأمير عبد القادر الذي اضطر للإستسلام في عام 1847 بعد محاصرته من طرف الجيش الفرنسي شرقا و جيش السلطان المغربي غربا و خيانة بعض القبائل له. و لم يستسلم الأمير إلا بعد أن اشتط على الجيش الفرنسي إعطاء عهد الأمان لجميع رفاقه وجنوده و السماح لهم بالإلتحاق بقبائلهم، أما هو فطلب السماح له بالهجرة إلى الإسكندرية بمصر أو عكا بفلسطين، و إذا لم تقبلفرنسا بهذين الشرطين فإنه الجهاد حتى الموت. و كان هدف الأمير من ذلك هو إبقاء شعاة المقاومة ضد الإستعمار ملتهبة على يد رفاقه بعدما يضمنلهم الحياة، و هذا ما حدث بالفعل فيما بعد مما يدل على بعد نظر الأمير عبد القادر.

- في المنفى:

1-أعماله:
غادر الأمير و عائلته الجزائر على باخرة أسمودس الفرنسية تحت حراسة مشددة، فاتّجهت به نحو مدينة طولون و اقترحت فرنسا إعطاءه قصرا ضخما يعيش فيه في فرنسا لكنه رفض ذلك قائلا أنه يفضل الإقامة في ديار الإسلام على كل كنوز الأعداء و ثرواتهم. فنقلته السلطات الفرنسية إلى سجن لامبواز فنقضت بذلك تعهدها مثلما هو شأن الفرنسين دائما، فرغم مطالبه بإطلاق سراحه و السماح له بالهجرة إلى بلاد الإسلام إلا أنها كانت ترفض ذلك باستمرار خوفا من نشر روح المقاومة و فكرة بناء البلاد الإسلامية لمواجهة الإستعمار الأوروبي الذي كان يستعد لإحتلالها مثلما احتل الجزائر.
و لم ينجح الأمير في مساعيه إلا بعد مجيء نابليون الثالث إلى الحكم في فرنسا عام 1851 بعد القيام بثورة ضد الملك لوي فيليب. فاستقر الأمير ببروسة بتركيا منذ عام 1853 و غادرها في عام 1855 بعد أن حطمها زلزال عنيف،فتوجه إلى إسطنبول و منها إلى دمشق بسورية فاستقر بها و اتخذها مكانا لإقامته مع عائلته. و قد قام بدور إنساني كبير في منفاه حيث أنتقذ آلاف المسيحيين من القتل على يد مسلمين متعصبين عام 1860 و ذلك عندما أثار المستعمران الفرنسي و البريطاني فتنة بين المسلمين و المسيحيين ليتخذ ذلك ذريعة لدخول سورية ثم احتلالها، و لكن الأمير عبد القادر نجح في إطفاء نار الفتنة إنطلاقا من سمعته و تأثيره و إدراكا منه لقوق أهل الكتاب الذين يعيشون في بلاد الإسلام فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم» من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، و إن ريحها لتوجد من سبعين عاما « و يقول أيضا » إلا من ظلم معاهدا " مثل أهل الذمة " أو كلّفه فوق طاقته، أو انتقصه حقه أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة «. و هكذا اوقف الأمير جيشها بإيقافه للفتنة، فأنقذ بذلك سورية من الإحتلال الفرنسيفي القرن19 م.
و قد اكتسب الأمير عبد القادر إحترام العالم كله و أعطى صورة نموذجية للمسلم الذي يدافع عن وطنه و يعمل من أجل بناء بلاده و تقدمها، و يتسامح مع أصحاب الأديان الأخرى، و يتحلى بالأخلاق العالية و يحترم كلمته و عهوده، و بذلك الإحترام العالمي الذي اكتسبه شارك إلى جانب كبار قادة و ملوك العالم في احتفالات افتتاح قناة السويس في مصر عام 1869.
ألف الأمير عبد القادر الكثير من الكتب في منفاه و أهمها:
- المقراض الحاد لقطع لسان الطاعن فيدين الإسلام من أهل الباطل و الإلحاد.
- ذكرى العاقل وتنبيه الغافل : ضمنه آراءه في التاريخ و الفلسفة و الدين و الأخلاق و الإصلاح الإجتماعي .
- المواقف : كتاب في التصوف .
2- وفاته:
توفي الأمير عبد القادر في عام 1883 بدمشق عن عمر ينهاز 76 سنة و هو عمر قضاه في الجهاد ضد الإستعمار و في العبادة و طلب العلم ففاز بالدنيا و الآخرة، و بقي جهاده شعلة تنير الطريق في الجزائر أثناء فترة الإستعمار فشارك إبنه محي الدين في ثورة المقراني عام 1871، و ناضل حفيده خالد بن الهاشمي ضد الإستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى فنفته السلطات الإستعمارية من الجزائر عام 1919.
و بعد الإستقلال اتخذت صورة الأمير عبد القادر رمزا للدولة الجزائرية فكانت توضع على الأوراق النقدية، و أعيدت رفاته إلى مقبرة العاليا، و وضع له تمثال بالعاصمة ليبقى عالقا في ذهن الجيل الصاعد كواحد من عضماء الجزائر الذين صنعوا استقلالها و مجدها العملاق .

المراجع:
1- رابح لونيسي، الامير عبد القادر فارس العقيدة و الوطن، دار المعرفة،باب الواد – الجزائر، 1998 .
2- اسماعيل العربي، الامير عبد القادر الجزائري مؤسس دولة و قائد جيش، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة الرغاية، الجزائر، 1984


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 117 / 168790

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع في الثورة والثوار   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010