الأربعاء 11 أيلول (سبتمبر) 2013

العنف السياسي:أسبابه , آثاره , أهدافه , وسبل مكافحته

الأربعاء 11 أيلول (سبتمبر) 2013

تمهيــــــــــــــد

يشهد عالمنا اليوم مزيدا ً من العنف , المتعدد الوجوه والأشكال والمختلف المرامي والأهداف , مخلفا ً العديد من الضحايا والخسائر , وقد تنوعت أسبابه وبواعثه , وكثرت أشكاله ونماذجه .
ولعل ازدياد العنف , واتساع مداه , قد دفع الباحثين لدراسة هذا الموضوع , والإطلالة عليه , وبحث نتائجه وآثاره .
لذلك , ارتأيتُ أن أبحث موضوع العنف , من زاوية ارتباطه بالجانب السياسي , معتصما ً بحبل الموضوعية , ومتمسكا ً بأهداب البحث العلمي .

أولا : العنف والعنف السياسي

أ – تعريف العنف :
العنف لغة ً: الشدة , وهو ضد الرفق واللين , وفي لسان العرب (( الخـُـرق بالأمر وقلــّة الرفق به , وهو ضدَّ الرفق )) ( 1 )
يشير مفهوم العنف الى استخدام القوة المادية لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص وإتلاف الممتلكات , باعتباره (( استخدام وسائل القوة والقهر أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والممتلكات , وذلك من أجل تحقيق أهداف غير قانونية أو مرفوضة اجتماعيا ً )) ( 2 )
إن إحدى مظاهر العنف , هو العنف الزوجي , وهي ظاهرة قديمة , وتترافق مع موقع المرأة والتعامل مع حقوقها من مجتمع الى آخر . وقد عمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الى إصدار إعلان في كانون الأول عام 1993 يدعو الى القضاء على العنف تجاه النساء ويطالب الدول بعدم التذرع بالعادات أو بالدين أو بالتقاليد وذلك من أجل محاربة هذه المسألة .
ودلت التحقيقات الاجتماعية في فرنسا , مثلا , على إن (10 % ) على الأقل من النساء اللواتي شملهن التحقيق تحملنَ عنف أزواجهن . مثلما أشار التقرير الصادر عن المجلس الأوربي بأن واحدة من خمس نساء هي ضحية عنف زوجي خلال حياتها .
ويقول جوليان فروند " نطلق كلمة عنف على انفجار القوة التي تعتدي , بطريقة مباشرة على الشخص وأمتعة الآخرين ( أفرادا ً كانوا أو جماعات ) من أجل السيطرة عن طريق القتل , أو التحطيم , أو الإخضاع , أو الهزيمة " ( 3 )

ب – العنف السياسي :
وما يهمنا في هذه الدراسة , هو العنف السياسي , أي المرتبط بالحصول على السلطة أو الاحتفاظ بها , وإن العلاقة بين العنف والسياسة قديمة قدم المجتمع الإنساني.
والعنف السياسي باعتباره وسيلة للتعبير عن الرأي السياسي والحصول على الشرعية أو كونه وسيلة للانتصار السياسي على الخصم . هو الذي يقوم به فاعله ابتداءً لتحقيق هدف سياسي أو للتعبير عن موقف سياسي , أو يقوم به فاعله ردا ً على موقف أو حالة أو عنف سياسي مسلح .
وثمة شبة اتفاق بين اغلب الدارسين لظاهرة العنف السياسي على عن العنف يصبح سياسيا عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية رغم الاختلاف بينهم في تحديد طبيعة هذه الأهداف ونوعيتها وطبيعة القوى المرتبطة بها , ومن هنا , عُرفَ العنف السياسي بأنه " استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين لتحقيق أهداف سياسية " ( 4 )
ومن هنا , قد تمارس السلطة السياسية العنف لغاية إخضاع خصومها , وضرب القوى التي تمثل تحديا ً لها . وقد تلجأ القوى المعارضة الى العنف السياسي وذلك لتحقيق غاياتها في الوصول الى السلطة .
وهناك أمثلة تاريخية على دور العنف ففي ( إيطاليا ) أثناء عهد موسوليني , كان للفعل العسكري والعنف القومي مكانة مقدسه , ليس كمكونين أساسيين للحفاظ على الأمن الوطني فحسب , وإنما باعتبارهما أعلى أشكال وأسمى درجات الحياة الوطنية . وتم تعريف الحرب , ليس باعتبارها مسألة ضرورية لبناء الإمبراطورية العظمى الجديدة فحسب , وإنما كمتطلب أساسي للدولة ولصحة الشعب الإيطالي . بل إن الحرب كانت تعتبر الاختيار الحقيقي الفعلي لأي أمة , ومن دونها لا يمكن أن يولد الإنسان الإيطالي الجديد ولولاها يصبح الاضمحلال والتدهور حتميا ً. ( 5 )
وقد استمر هذا المنهج , إذ لم تكن الحرب العالمية الأولى سوى المرحلة الافتتاحية لسلسلة من الأحداث السياسية الدامية , الثورة الروسية والتحول من الدكتاتورية الثورية الى الستالينية , وصعود الفاشية في إيطاليا , وبداية جمهورية ڤـيـمــر , وصعود النازيين الى السلطة , والنشاط الثوري في أسبانيا وانتصار فرانكو , وتدمير هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية ( 6 )
ج – العنف السياسي والصراع السياسي
نصل هنا , الى التساؤل عن كيفية التمييز بين العنف السياسي والصراع السياسي . لذلك , يفترض , أولا أن نعرف الصراع السياسي لكي يتبين لنا الفارق , إن وجد بينه وبين العنف السياسي .
إن مفهوم الصراع قائم على المنازلة لطرف آخر , واستخدام الفنون التي تحقق الانتصار في جولاته , بما فيها العناصر المادية والمعنوية وما يتفرع عنهما .
وهو يهدف الى تحقيق التفوق على الآخرين وإخضاعهم للسيطرة والتحكم والتوجيه , وإملاء الإرادة عليهم , وجعلهم طوع هذه الإرادة , وعدم خروجهم عن هذه السيطرة.
ولا يتم الصراع إلا لتحقيق أهداف معينة , حيث لا يتم الصراع من أجل الصراع ذاته , بل إن الصراع مجرد وسيلة من الوسائل لتحقيق أهدافه , وهو إحكام السيطرة وتوجيه الآخرين , والحصول على الثروة وتحقيق المكانة التأثيرية في الحياة , والاستحواذ على القوة بكل عناصرها , وإملاء الإرادة على الجميع .
أما أسباب الصراع فهي ترجع الى نوعين أساسيين هما :أسباب صراع حقيقية خفية لا يتم إعلانها , أو التعامل معها جهارا ً نهارا ً , وإنما يعرفها فقط مشعل الصراع , والأخرى أسباب علنية يتذرع بها لنشوب الصراع ويتم استخدام الأسباب العلنية لتخفى بها والتستر خلفها .
وبذلك يمكن القول بأن الصراع حالة استنفار القوة , والإعداد لكسب جولاته وتحفيز المهارات الأساسية في إدارة الصراع , وهو تباري بين الأطراف المتصارعة , كل يستخدم الحيل التقليدية والابتكارية التي يتوصل إليها وهو ما يحتاج الى تحديد لأبعاد هذا الصراع من خلال معرفة أطرافه .( 7 )
وإن الصراع السياسي ينجم عن جوهر السياسة نفسها التي هي صراع بحد ذاتها . وليس هناك من سلطة سياسية واحدة لا تتضمن أشكالا معينة من الصراع وإن بدرجات متفاوتة . وتتحدد مستويات الصراع بحجم القوى التي تحشدها كل من الأطراف المتصارعة . والنظام السياسي المتوازن هو ذلك القادر على ضبط التنافس والتصارع بين شتى القوى وتكييف بنيته وسلوكه بما يتلاءم وتطور هذه القوى الفاعلة حتى يتمكن دائما ً من لعب دور الحكم بينها .( 8 )
وبذلك , يكمن الفارق الجوهري بين مفهومي الصراع والعنف , إذ إن مفهوم الصراع أوسع من مفهوم العنف , حيث تتعدد صور الصراع وآلياته . ويعدّ اعنف إحدى هذه الآليات في إدارة الصراع .

ثانيا : العنف السياسي والإرهاب

هناك صلة وثيقة بين الإرهاب والعنف السياسي إذ يمكن تعريف الإرهاب بأنه " استخدام متعمد للعنف أو التهديد باستخدام العنف من قبل بعض الدول أو من قبل جماعات تشجعها وتساندها دول معينة لتحقيق أهداف إستراتيجية وسياسية وذلك من خلال أفعال خارجة عن القانون , تستهدف خلق حالة من الذعر الشامل في المجتمع غير مقتصرة على ضحايا مدنيين أو عسكريين ممن يتم مهاجمتهم أو تهديدهم ( 9 )
وقد أشارت الى ذلك , مؤتمرات دولية وندوات عالمية وإعلانات لحقوق الإنسان , منها ( إعلان روما حول حقوق الإنسان في الإسلام ) الصادر عن ندوة حقوق الإنسان في الإسلام 25 – 27 فبراير , شباط 2000 , ففي المادة ( 12 ) : " لقد أصبح الإرهاب والعنف ظاهرة عالمية , وللإسلام منهجه الخاص في مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة التي تعرض حياة المدنيين لأخطار عشوائية سواء صدر من الأفراد أو الدول . إن الإسلام ينبذ هذه الظاهرة ويدعو لإشاعة العدل والسلام والفضائل التي تجعل من الإنسان فردا ً مسؤولا واعيا ً يحترم حياة الإنسان الذي كرمه الله سبحانه , كما يدعو لتحاشي الظلم والعدوان ومحاولات السيطرة على الآخرين وهو المناخ الذي يولد أسباب العنف والتطرف "
وتقول الموسوعة البريطانية إن الإرهاب هو الاستخدام المنظم للخوف أو العنف غير المتوقع ضد الحكومات أو الناس أو الأفراد بهدف تحقيق أهداف سياسية . وتذكر إن الإرهاب استخدم عبر التاريخ من قبل المنظمات السياسية اليمينية واليسارية على السواء ومن قبل المجموعات الوطنية أو العرقية , ومن قبل الثوريين , ومن قبل الجيوش الرسمية والشرطة السرية التابعة للحكومات . ويعرف قاموس اوكسفورد الإرهاب بأنه " استخدام العنف والترهيب لحقيق أهدف سياسية " .
ويلاحظ إن الإرهاب هو من صور العنف , ومظهر له , إذ تعرف لجنة الإرهاب الدولي التابعة للأمم المتحدة الإرهاب بأنه " عمل من أعمال العنف الخطيرة , يصدر عن فرد أو جماعة , بقصد تهديد الأشخاص , أو التسبب في إصابتهم وموتهم , سواء كان يعمل بمفرده , أو بالاشتراك مع أفراد آخرين , ويوجه ضد الأشخاص أو المنظمات أو المواقع السكنية , أو بهدف إفساد علاقات الود والصداقة ببين الدول , أو بين مواطني الدول , أو ابتزاز تنازلات معينة من الدول في أي صورة كانت " ( 10 )

وهناك تعريف آخر للإرهاب , يرد فيه " استخدام متعمد للعنف أو التهديد باستخدام العنف من قبل بعض الدول أو من جماعات تشجعها وتساندها دول معينة لتحقيق أهداف إستراتيجية , وذلك من خلال أفعال خارجة على القانون, تستهدف خلق حالة من الذعر الشامل في المجتمع غير مقتصرة على ضحايا مدنيين أو عسكريين ممن يتم مهاجمتهم أو تهديدهم " ( 11 )
ومن هنا يصبح بالإمكان الاستنتاج من خلال تعريف الإرهاب , مدى الارتباط الوثيق بينه وبين العنف السياسي .

ثالثا : أسباب العنف السياسي

هناك العديد من المؤشرات الدالة على ارتفاع منسوب العنف السياسي , منها ما يرتبط بالتنمية الاقتصادية كمتغير مفسر للعنف إضافة الى عدم المساواة وغياب الديمقراطية .
لذلك , فإن سوء الأحوال الاقتصادية لبعض الشعوب , وما يصاحبه من قضايا ومشكلات , وسوء بعض النظم السياسية التي تتجاهل الأساليب الديمقراطية والمشاركة الشعبية في قيادة الدولة وتسيير أحوالها ..... وقد يحدث أن تتولد لدى الأفراد – نشؤوا أو عاشوا في ظروف معينة – طموحات تستهدف الاستيلاء على السلطة , فيعمدوا على تشكيل جماعات تناهض الدولة وتسعى الى الإطاحة بالسلطة القائمة ...... ( 12 )
هناك جملة من الأسباب التي تدفع الى العنف , لعل منها :
-  الفكر : حيث إن الفكر يصنع المبرر الذي يعطي الإنسان الضوء الأخضر في انتهاج السبيل الذي أوحى إليه لتحقيق فكرة السيطرة والاستحواذ .
-  أثر الدين : لأن كثيرا ً من الحروب تـُشنّ بإسم الدين , يعتقد القائمون بهذه الحروب بكفر من يقاتلونهم .
الى ذلك , تشكل الأيديولوجيا المغلقة عادة مصدرا ً لصناعة الموت , وذلك بسبب كونها حذفية وعنيفة . فالانغلاق على جملة من الأفكار والأحكام المعيارية يفضي الى إنكار الواقع وحذف المختلف . وإذا ما تحول الدين الى أيديولوجيا مغلقة وحذفية , فإنه سيتحول الى وسيلة تدمير للمجتمع . ( 13 )
وهناك أسباب وعوامل كثيرة تساهم في العنف السياسي , تتمثل في بعض الأمور , ومنها , ارتباطه بالدكتاتورية , إذا لا ينفك العنف عن الديكتاتورية , إذ تقوم حكومة الديكتاتور بتركيز جميع السلطات في شخص الديكتاتور , وهو يمارس العنف لأدنى شك أو شبهة مع أي شخص أو جهة . فكل من تسول له نفسه معارضته أو التمرد عليه سيواجه عقوبة قصوى , إذ العنف بالنسبة له فعل متواصل وكذلك عندما تختفي لغة الحوار بين أفرقاء العمل السياسي , يطغى العنف السياسي وتتضاءل فرص التسوية السلمية لحل النزاعات السياسية والعسكرية . ومن الملاحظ , أن العنف السياسي يتلاشى عندما يسود التفاهم والحوار . ( 14 )
يشكل الاستبداد ( 15 ) خطــرا ً حقيقيـــا علــى الوحـدة الوطنية وكيان الدولة , تسهـم الديمقراطيـــة فـــي معالجـــة الاستبـداد , إذ أنهـــا تعتــرف بالقــــوى الأخـرى ولا تدخلهـــــا خانـــــة الأعــــــــــداء .
إن مميزات الاستبداد وإن تغيرات مظاهره فجوهره واحد وهو حكومة لا تخضع للقانون ولا تتقيد به .
والحل يكمن في التعددية الحزبية التي ستعمل على تضييق أسباب الصراعات كونها من وسائل التبادل السلمي للسلطة .
إذ لن تحتكم أية جهة للقوة للاستيلاء على السلطة ؛ لأنها ليس الجهة أو القوة الوحيدة في ساحة النشاط السياسي .

إن اكتشاف السلطة ومنذ وقت مبكر عدم جدوى استخدام العنف , يمكن أن يدفع نحو إرساء الحوار وتخليص المجتمع من أخطاء كثيرة وحتى إذا عجزت السلطة عن هذا الاكتشاف المبكر فإن استمرارية العنف السياسي وثقل أعبائه سيجعلها تكتشف من إن الخاسر من جراء هذا العنف هو الجميع . ( 16 )
ولعل من أهم أسباب الصراعات والعنف السياسي المصالح , وقد أوردَ ماكس فيبر أنه تسيطر المصالح المادية والمعنوية , لا الأفـكــــار , سيطرة مباشرة على أعمال الناس , وتتحكم فيها . ومع ذلك , فإن صور العالم التي تخلفها هذه الأفكار , كثيرا ً ما تعمل كمحولات , تقرر الطرق التي تعمل فيها دينامية المصالح على إبقاء أعمال الناس هذه , ماضية في حركتها . ( 17 )
وقد بات للجريمة المنظمة تنظيم وأساليب عمل وأهداف محددة , وتجد بؤرا ً عالمية مؤاتية مع تدهور الأوضاع الاجتماعية , واتساع دائرة الفقر , وانحدار القيم الاجتماعية والإنسانية في ظل طغيان العولمة المادية , وبصرف النظر عن التعقيدات القانونية والاجتماعية التي تحول دون وضع تعريفات محددة للعنف والإرهاب وما يرتبط بها من ممارسات وأعمال , فإنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل عزل هذه الظواهر عن النزاعات الأهلية داخل الدولة الواحدة . ( 18 )

رابعا : أشكال العنف السياسي

وللعنف أنواع عدة , ونماذج كثيرة , وأساليب مختلفة , وضع بعض الباحثين أشكال العنف السياسي في ثلاثة مؤشرات أساسية هـــــــــــــي :
1- العنف المرتبط بحالة الاضطراب والغليان , ويشمل الأحداث غير المنظمة , كالمظاهرات المعادية للحكومة وأحداث الشغب والإضرابات .
2- العنف الثوري , ويتضمن الأعمال العنيفة المنظمة , التي تشارك فيها قطاعات أوسع من المواطنين , كالثورات وحملات التطهير .
3- أعمال التآمر والتخريب , وتتضمن أعمال العنف المنظمة التي تتسم بدرجة من السرية , كحروب العصابات والاغتيالات والانقلابات . ( 19)
هنا لابد من التأكيد على ضرورة التفريق بين العنف الاجتماعي والعنف السياسي ؛ لأن محاولات إيذاء أو قتل الآخرين لا ترجع الى ذات المسببات ولا تفسر بذات العوامل السيكولوجية على الرغم من إن الغرض واحد وهو الاعتداء على الآخرين , ورغم إن نتائجها متشابهة في كثير من الأحيان حيث تؤدي الى إيذاء أو إلحاق ضرر جسدي بالضحية .
ولعـلَّ أهم أشكال العنف السياسي هي الحروب والتي تكون صفة مرافقة لنشاط الإنسان منذ بدء الخليقة ومحرك أساسي للإنسان في التحكم بمصادر الحياة المادية وفرض سيطرته على الآخرين عن طرق الهيمنة على مقدرات الآخرين أو سفك الدماء وفرض الموت القسري على الخصوم . ( 20 )
أ – طبيعة العلاقة بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي
تفترض مناقشة هذه القضية على المستوى النظري ضرورة التمييز بين النظم السياسية الديمقراطية من جانب , وتلك التسلطية من جانب آخر , ففي النمط الأول هناك ضوابط وقيود قانونية للعنف الرسمي , لإضافة الى وجود مؤسسات , تـُمكن مختلف القوى من إيصال مطالبها والتعبير عــن رغباتها دونما حاجـة الـى العنف . أما في النموذج الآخر , فإنه غالبا ً ما يتم تعطيل القوانين العادية بقوانين الطوارئ التي تطلق يد النظم الحاكمة في ممارسة العنف الرسمي .
وفي ظل الأنظمة التسلطية فإن زيادة العنف الرسمي تؤدي الى نقص العنف غير الرسمي , وربما القضاء عليه نهائيا ً إذ يستطيع النظام أن يضرب القوى المناوئة ويقلص من نشاطاتها , ولكن ذلك يولد عدم استقرار بسبب استخدام المزيد من وحدات القهر .

ويمكن أن تتخذ العلاقة بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي أحد الأشكال التالية:
أ – علاقة طردية ( إيجابية ) بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي فزيادة أو نقص الأول تؤدي الى زيادة أو نقص الثاني .
ب – علاقة طردية ( سلبية ) بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي فزيادة أو نقص الأول تؤدي الى نقص أو زيادة الثاني .
ج – علاقة طردية ( إيجابية ) بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي إذ تؤدي زيادة أو نقص الأول الى زيادة أو نقص الثاني , وهذه العلاقة ليست حتمية ولا مباشرة , إذا تتوسطها بعض المتغيرات الأخرى . ( 21 )
ب – العنف السياسي بين الشرعية والمشروعية
هناك اتجاه يحدد شرعية العنف السياسي ومشروعيته استنادا ً الى طبيعة النظم السياسية , ففي دول التعددية السياسية يعدّ العنف الذي يمارسه المواطنون أو فئات معينة منهم , استخداما ً غير مشروع للقوة , لأنه يمثل خرقا ً للقانون وتخطيا ً للمؤسسات الوسيطة التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم , بينما العنف المشروع فقد هو الذي تمارسه الدولة , ويجب أن يكون في إطار القانون , أما في النظم التسلطية والقهرية , فإن ممارسة العنف من قبل مواطنين يعد عملا مشروعا ً لعدم وجود قنوات شرعية فعالة للمشاركة في السلطة أو لتغييرها .
وقد اعتبر بعضهم إن العنف الذي يمارسه النظام ضد فئات معينة في المجتمع يكون مشروعا ً طالما استند الى نص قانوني يبررهُ ويحددهُ , ويكون هذا العنف الرسمي شرعيا ً عندما تقره الجماعة أو غالبية أفرادها , إذ يعتبرونه ضروريا ً لحماية النظام الاجتماعي , ومؤدى ما سبق إن العنف الذي تمارسه الدولة قد يكون مشروعا ً , أي يستند الى نص قانوني , غير شرعي , أي ترفضه الجماعة وتستهجنه في الوقت نفسه لأنها فيه تعديا ً على حقوقها وحرياتها ( 22 )

خامسا : نتائج العنف السياسي

إن العنف السياسي يحرم الإنسان من حقه في الحياة , الذي نصت عليه جميع المواثيق الدولية , فقد ورد في المادة الثالثة مــن الإعــلان العالمــي لحقوق الإنسان إن " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه " ونجد الأمر عينه في الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية , في المادة ( 6 ) الفقرة ( 1 ) " لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة ويحمي القانون هذا الحق ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي " .
إن العنف السياسي في المجتمع الحديث يؤدي , بسبب الطبيعة الفتاكة للسلاح الحديث وتأثيره الواسع النطاق الى قتل وجرح أشخاص آخرين لا علاقة لهم بالخصم الذي يستخدم ضده العنف , ويؤدي الى تهديم وإتلاف ممتلكات للأهالي الذين ليس لهم علاقة بالخصم المستهدف , وغالبا ً يؤدي العنف المسلح الى اضطرار عدد كبير من الناس لترك بيوتهم ومزارعهم فرارا ًمن القتل , وقد تصل إصابات القتل والجرح الى مئات الأشخاص وقد تصل الخسائر المالية الى مئات ملايين الأموال . (23)
وإن بعض مظاهر الأهداف المادية من العنف تتضح من خلال قيام بعض الدول بإشعال الحروب لغزو أو استعمار أراضي غيرها لاستغلال خيراتها واستعباد شعوبها وتسخيرها , هذا على الصعيد الخارجي الواضح الذي يشكل أكثر مظاهر العنف في تاريخ البشرية , وقد يكون للعنف مظهر داخلي تهدف منه حكومات الدول إخراس معارضيها وضرب كل من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه السلطة فترفع المشانق وتفتح السجون وسيلة رهيبة لغاية قبيحة . ( 24 )

سادسا : سبل مكافحة العنف السياسي

هناك بعض الآراء تدعو الى نبذ العنف كليا ً, وحتى لو أتى بصورة رسمية , ولغاية معاقبة المجرمين حيث دعا هؤلاء الى إلغاء عقوبة الإعدام والاقتصار على عقوبة الحبس .
هناك سبل عديدة لمواجهة العنف السياسي ومكافحة آثاره , والتقليل من أضراره , منها تبني تداول السلطة بشكل سلمي , بعيدا ً عن وسائل العنف والإكراه , وإجراء انتخابات دورية , يشارك فيها الشعب , ويؤخذ بنتائجها , واعتماد مبادئ الشفافية والعدالة والنزاهة .
ولعل منها تبادل المعلومات والتعاون المشترك بين أجهزة الدولة المختلفة , وكذلك من المفترض أن تعمل أجهزة الإعلام على صياغة أهداف القوى التي تستخدم العنف السياسي بشكل لا يكفل لهم مكاسب دعائية , ولا يمنحهم تعاطف الجمهور .
ومن هنا , يبدو دور الإعلام السياسي الذي يستهدف من خلال ما يقدمه من أخبار وموضوعات وصور وتعليقات وتحليلات خلق المناخ الذي يهيئ مساندة الرأي العام لتوجهات العمل السياسي عبر تزويد الجماهير بالمعلومات والقرارات السياسية التي تساعد على تكوين رأي عام موحد يدعم من توجهات النظام السياسي في هذا المجال , والارتفاع بمستوى الوعي العام كوسيلة لتنمية روح الجماهير وحشد طاقاتها للوصول الى تنمية المجتمع والارتقاء به . ( 25 )
إن القوة ليست غاية في ذاتها , إنما وسيلة لتحقيق غاية سياسية , لذلك كان لا بد من وضع ضوابط لممارسة القوة والإكراه , وهذه الضوابط يعبر عنها بالقانون , أي " مجموع القواعد الحقوقية التي تضعها السياسة من أجل استعمال القوة في خدمة هدف السياسة بشكل أكثر فاعلية , وبدون القانون تصبح القوة غاية بذاتها وتتناقض مع غاية السياسة , وبدون القوة يصبح القانون مجرد قواعد ل قيمة لها عمليا فالقوة والقانون ليسا سوى وسيلتين , لا معنى لهما بذاتهما , وإنما بالهدف الذي يطمح الإنسان الى تحقيقه , عبر التنظيم السياسي " . ( 26 )
إن القوة لا تمارس فقط من خلال التأثير في المسائل والقرارات السياسية , وإنما حاول أولو القوة إن يخلقوا من القيم الاجتماعية والسياسية , ومن الممارسات التنظيمية , ما يحيل العملية السياسية الى الاهتمام فقط بالمسائل التي يرغبون في إثارتها , واتخاذ القرارات بشأنها . ( 27 )
وهناك من الباحثين من يشدّد على الجانب الثقافي في إيجاد الحلول لمشكلة العنف المسلح , إذ يقول في هذا الصدد : " إن الثقافة التي يحتاج إليها الإنسان اليوم وفي المستقبل القريب والبعيد هي ثقافة الكشف عن مقاصد أيديولوجيا العنف بدءا ً , ثم السعي الى تجاوز وقائعها وأحكامها , فهذا الكابوس الذي استبد بحياتنا الراهنة يستدعي تفكيكا ً خاصا يعود الى الأسباب الأولى عند توصيف الظاهرة , إذ العنف في مختلف الوضعيات , هو حادث لسالف , وهو الحادث الذي لا يمكن أن ينتج سوى حادث آخر , كالعنف المضاد " . ( 28 )
ووفقا ً لروستو Rustow تنشأ الديمقراطية عندما تقبل النخبة , إما بالتدرج أو عند مفترق تاريخي , مبدأ التعددية السياسية , وما يهم في هذه المرحلة وهو ليس قناعات النخبة بل أفعالها , ويكتسب الخيار ألأداتي الذي تم قبوله قيمة أو يحول الى قناعة في مرحلة التعود أو الترويض . ( 29 )

- م . د . محمد حسن دخيل

الهــوامــــــــــــش
1- ابن منظور , لسان العرب , دار أحياء التراث العربي , بيروت / 1405 هـ , مادة ( عنف ) ج 9 , ص 257 .
2- د. عيسى بيرم , حقوق الإنسان والحريات العامة مقارنة بين النص والواقع , دار المنهل اللبناني , بيروت , 2011 , ص 375 .
3- اليزابيث بيكار وآخرون , ظاهرة العنف السياسي من منظور مقارن , مركز البحوث والدراسات السياسية , جامعة القاهرة , القاهرة , 1995 , ص 16 .
4- د. حسنين توفيق إبراهيم , ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية , مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت , 1999 , ص 48 .
5- موسوعة كمبريدج للتاريخ , الفكر السياسي في القرن العشرين , تحرير تيرنس بول , ترجمة مي مقلد , المركز القومي للترجمة , القاهرة , 2009 , ج 1 , ص 191 .
6- المصدر نفسه , ج 1 , ص 254 .
7- د. محسن أحمد الخضيري , إدارة الصراع – ايتراك , القاهرة , 2010 , ص 46 .
8- د. خضر خضر , مفاهيم أساسية في علم السياسة , المؤسسة الحديثة للكتاب , لبنان , 2008 , ص 191 .
9- د. عزت سيد إسماعيل , سيكولوجيا التطرف والإرهاب , حوليات كلية الآداب , جامعة الكويت , 1996 , ص 17 .
10- Portatarticlendah : www.daralhayat.com http
11- ALEXANDER , Y. & PICARD , R. D. , IN THE (1) CAMERA’S EYE , NEWS COVERAGE OF TERRORIST EVENTS. N.Y. BRASSEY’S (U. S.) , 1991.
12- د. عزت سيد إسماعيل , سيكولوجيا التطرف والإرهاب , مصدر سابق , ص 41 .
13- د. صلاح الجابري , حفريات في الاستبداد , معهد الأبحاث والتنمية الحضارية , بيروت , 2010 , ص 125 .
14- ماجد الغرباوي , تحديات العنف , معهد الأبحاث والتنمية الحضارية , بغداد , 2009 , ص 119 .
15- قال الشيخ عبد الرحمن الكواكبي ( 1849 – 1902 )
" الاستبداد أشد وطأة من الوباء , وأعظم تخريبا ً من السيل , أذل للنفوس من السؤال , إذا نزل بالنفوس سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء , والأرض تناجي ربها بكشف البلاء ...... " , " مستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنسانا ً فصار إلها ً " .
16- د. عبد الجبار أحمد عبد الله , العالم الثالث بين الوحدة الوطنية والديمقراطية , وزارة الثقافة بغداد , 2010 , ص 295 .
17- د. طارق علي الربيعي , الأحزاب السياسية , مكتبة السنهوري , بغـداد , لا . ت , ص 300 .
18- د. عدنان السيد حسين , العرب في دائرة النزاعات الدولية , مطبعة سيكو , بيروت ، 2001 , ص 55 .
19- Rummel , " Dimensions of Conflict Behavior with in Nations " Journal of Conflict Resolutions , P. 64 .
20- د. محمد الربيعي," العنف والحرب من الناحيتين البيولوجية والاجتماعية " في : مجلية العهد , إصدار معهد الدراسات العربية والإسلامية , لندن , العدد , آذار 2003 , ص 255 .
21- د. حسنين توفيق إبراهيم , مصدر سابق , ص 97 .
22- د. حسنين توفيق إبراهيم , مصدر سابق , ص 59 .
23- الشيخ محمد مهدي شمس الدين , فقه العنف المسلح في الإسلام , المؤسسة الدولية , بيروت , 2001 , ص 113 .
24- د. تسير خميس العمر , العنف الحرب والجهاد , دار الآفاق , دمشق , 1996 , ص 257 .
25- د. السيد أحمد مصطفى عمر , الإعلام المتخصص دراسة وتطبيق , مكتبة الجامعة , الشارقة , 2002 , ص 181 .
26- د. عصام سليمان , مدخل الى علم السياسة , بيروت , 1998 , ص 23 .
27- د. أحمد زايد , مقدمة في علم الاجتماع السياسي , دار نهضة مصر , القاهرة , 2009 , ص 107 .
28- مصطفى الكيلاني , أيديولوجيا العنف , دار أزمنة , عمان , 2005 ص 132 .
29- Dankwart A . Rustow , " Transition to Democracy Toward a Dynmic Model ," Comparative Politics , VOL. 2 no. 3 ( April 1970 ) , P. 357 .

المـراجــــــــع
1- ابن منظور , لسان العرب , دار أحياء التراث العربي , بيروت / 1405 هـ , مادة ( عنف ) .
2- د. عيسى بيرم , حقوق الإنسان والحريات العامة مقارنة بين النص والواقع , دار المنهل اللبناني , بيروت , 2011 .
3- اليزابيث بيكار وآخرون , ظاهرة العنف السياسي من منظور مقارن , مركز البحوث والدراسات السياسية , جامعة القاهرة , القاهرة , 1995.
4- د. حسنين توفيق إبراهيم , ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية , مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت , 1999.
5- موسوعة كمبريدج للتاريخ , الفكر السياسي في القرن العشرين , تحرير تيرنس بول , ترجمة مي مقلد , المركز القومي للترجمة , القاهرة , 2009 .
6- د. محسن أحمد الخضيري , إدارة الصراع – ايتراك , القاهرة , 2010 , .
7- د. خضر خضر , مفاهيم أساسية في علم السياسة , المؤسسة الحديثة للكتاب , لبنان , 2008.
8- د. عزت سيد إسماعيل , سيكولوجيا التطرف والإرهاب , حوليات كلية الآداب , جامعة الكويت , 1996.
9- د. صلاح الجابري , حفريات في الاستبداد , معهد الأبحاث والتنمية الحضارية , بيروت , 2010.
10- ماجد الغرباوي , تحديات العنف , معهد الأبحاث والتنمية الحضارية , بغداد , 2009.
11- د. عبد الجبار أحمد عبد الله , العالم الثالث بين الوحدة الوطنية والديمقراطية , وزارة الثقافة بغداد , 2010.
12- د. طارق علي الربيعي , الأحزاب السياسية , مكتبة السنهوري , بغـداد , لا . ت .
13- د. عدنان السيد حسين , العرب في دائرة النزاعات الدولية , مطبعة سيكو , بيروت ، 2001 .
14- د. محمد الربيعي," العنف والحرب من الناحيتين البيولوجية والاجتماعية " في : مجلية العهد , إصدار معهد الدراسات العربية والإسلامية , لندن , العدد , آذار 203 .
15- الشيخ محمد مهدي شمس الدين , فقه العنف المسلح في الإسلام , المؤسسة الدولية , بيروت , 2001 .
16- د. تسير خميس العمر , العنف الحرب والجهاد , دار الآفاق , دمشق , 1996 .
17- د. السيد أحمد مصطفى عمر , الإعلام المتخصص دراسة وتطبيق , مكتبة الجامعة , الشارقة , 2002 .
18- د. عصام سليمان , مدخل الى علم السياسية , بيروت , 1998 .
19- د. أحمد زايد , مقدمة في علم الاجتماع السياسي , دار نهضة مصر , القاهرة , 2009 .
20- مصطفى الكيلاني , أيديولوجيا العنف , دار أزمنة , عمان , 2005 .
21- Portatarticlendah : www.daralhayat.com http
22- ALEXANDER , Y. & PICARD , R. D. , IN THE (1) CAMERA’S EYE , NEWS COVERAGE OF TERRORIST EVENTS. N.Y. BRASSEY’S (U. S.) , 1991.
23- Rummel , " Dimensions of Conflict Behavior with in Nations " Journal of Conflict Resolutions .
24- Dankwart A . Rustow , " Transition to Democracy Toward a Dynmic Model ," Comparative Politics , VOL. 2 no. 3 ( April 1970 ) .


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 18542 / 159631

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع الثقافة الجماهيرية   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010