الاثنين 10 حزيران (يونيو) 2013

المنهاج والسياسة في القتال الفعّال

الاثنين 10 حزيران (يونيو) 2013

الخطّ السياسي والتماسك

إن مشكلة تحديد خطّ سياسي صحيح متماسك ليست بالمشكلة السهلة وإن كانت مسألة حاسمة. ولكن تحديد الخطّ السياسي الصحيح لا يأتي بدون تحليل صحيح للوضع العام وللطبقات، وبدون تقدير صحيح ودقيق لميزان القوى، ودون موقف مبدئي يحمل أكبر درجة من الثبات. كما لا يمكن أن يحدد بصورة نافذة ويمتاز بالتماسك إذا لم يكن مقرونا بخطٍّ فكري صحيح. وتأتي المحصلة قيام وحدة حية بين الفكر والسياسة، يسندان فيها بعضهما بعضاً، ويتبادلان فيها التأثير الإيجابي.
إن تحديد الخطّ السياسي بمبادئه الاستراتيجية وأهدافه يتطلب تماسكاً في تحديد تكتيكاته، بما في ذلك الشعارات والمواقف التكتيكية. بل إن التكتيك الصحيح هو الذي يقرر صحة الخطّ السياسي ومدى اتجاه سهمه نحو مبادئه الاستراتيجية وأهدافه. فالتكتيك المتخبط المرتبك المتقلب هو الدليل الذي لا يخطئ على عدم صحة الخطّ السياسي. وعندما يقال التكتيك المتخبط المرتبك المتقلب فهذا يعني عدم التماسك وعدم الثبات المبدئي، والانتقال من موقف إلى نقيضه دون إعطاء تفسير دقيق لهذا الانتقال. هل هو صحيح في الحالتين، أم هو صحيح في حالة وخطأ في حالة أخرى؟ إن التماسك والثبات المبدئي في التكتيك لا يعنيان عدم التغيير في الشعارات والمواقف أو عدم المرونة في طرح السياسات المناسبة وإحداث التغييرات المناسبة تبعاً لتبدل الظروف والأوضاع. بل يجب أن يفسر كل ذلك لكي يستطاع أن يحدد أين وقع الخطأ إذا كان التغيير اقتضته إعادة النظر في الموقف ونقده، أم أن التغيير تمّ بسبب تغير الظروف ومن ثم كان الموقف صحيحاً في الحالتين. أما أن تتغير المواقف وتتقلب وتتحرك بارتباك وتجعل كلام الليل يمحوه النهار، وأن ينسى ولا يحاسب عليه فهو ما يجب أن يسلط عليه الضوء. ولهذا ينبغي على المناضلين ألا يتعاملوا مع التكتيكات السياسية والخطوط السياسية والتحليلات موسمياً أي يوم بيوم. بحيث لا يحاسب اليوم ما قيل بالأمس ولا يحاسب غداً ما يقال اليوم. إن المطلوب من المناضلين أن يكونوا أقوياء الذاكرة وأن يكونوا جريئين على السؤال وطلب الحساب. فلا يجوز أن يفوت شيء، ولا يجوز أن يناقش من يكتبون المقالات أو يصدرون النشرات أو البيانات أو الكتب، أو الذين يلقون الخطب ويعطون التصريحات ويعلنون المواقف، على المقالة والنشرة والبيان والكتاب وعلى الخطاب والتصريح الصادر الآن، والموقف المعلن الآن فقط. وإنما يجب أن يناقش ما يكتب وما يقال الآن وما كتب وقيل بالأمس ويجب أن تجري المقارنة، ويبحث عن التماسك أو التناقض أو التفكك. وأن يلاحظ جيداً التطوير أو التغيير تبعا لسياق تطور الأحداث وتغير الظروف كما يلاحظ التقلب والتناقض والتفكك بسبب التحليلات الخاطئة، أو الانتهازية، أو الركض وراء ذنب الأحداث، أو معاملة السياسة يوم بيوم وبلا مسؤولية، وبلا ذاكرة، وبلا احترام للشعب. كما أن المحاسبة هذه يجب أن تستند على ما تحكم به الوقائع الملموسة وليست مجرد المقارنة لاكتشاف التفكك والتخبط والتناقض.
يظنّ البعض أن التكتيك يعني التلاعب، ويعني الغشّ والخداع. أو أنه شيء غير جادّ ولا يجب أن يعامل بجدية تامة. بل شاع استخدام خاطئ ومضلل لعبارة تكتيك، كأن يقال: "فلان من الناس يتكتك على فلان"، بمعنى أنه يكذب عليه ويخدعه ويغشه، وليس بجادٍّ معه. إن فهم التكتيك ومعاملته على هذه الصورة، مسألة خطّ سياسي وفكري. إن التكتيك شيء جادّ وبالغ الجدية. ولا يعني بأي صورة من الصور أنه نقيض للمبدئية. وإنما يجب أن يعامل بجدية بالغة وبمبدئية حازمة. هذا توجه لخطّ سياسي صحيح ولخطّ فكري صحيح. فعندما تطرح على سبيل المثال قضية تحالف ما، يجب أن تطرح بجدية وصدق وبمبدئية. ولا يجوز أن تطرح كذباً وخداعاً ولعباً على الحبال.
حقاً قد لا تكون هذه المعاملة للتكتيك سريعة المردود. ولكنها من خلال المثابرة والنفس الطويل تستطيع أن تأتي بالمردود المرجو منها وعلى أسس وطيدة.
إن المبادئ ليست شيئاً مؤجلا. كما أن الاستراتيجية ليست مسألة بعيدة قائمة بذاتها لا علاقة لها بالتكتيك اليومي. فالمبادئ والاستراتيجية يجب أن تظلاّ حاضرتين في التكتيك دائماً وفي كل المراحل وفي كل يوم. فهما لا يمكن أن تُرَيا إلا عبر التكتيك. ولهذا فالتكتيك يجب أن يجسد المبادئ والاستراتيجية وإن كان التكتيك ليس المبادئ وليس الاستراتيجية إلا أن بينهما وحدة عضوية.
إن فهم مسألة الخطّ السياسي والتماسك، وفهم مسألة التكتيك والتشرب بروح المحاسبة مسألة فكر ثوري. وإن التعود على التذكر جيداً والاحتكام إلى ما تثبته الوقائع سوف يساعد على بذل أقصى الجهود لاكتشاف الخطّ السياسي الصحيح، كما سيساعد على ضرب الحصار على الخطوط السياسية الخاطئة، وعلى ممارسة النقد الصحيح لكل خطأ من الأخطاء التي تنشأ في مجرى تطبيق الخطّ السياسي الصحيح.
ليتأرجح الصراع بين الخطّين في هذا المجال أيضاً.

ليس السلاح هو العامل الحاسم

واجهت الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية معضلة أثناء النهوض الشعبي العارم في لبنان، وهي ازدياد طلب الجماهير للسلاح. وقد اندفع عدد كبير من الكوادر يلحّ على تأمين كميات من السلاح له. وذلك لكي يتمكن من توسيع صفوفه بعناصر جديدة. أو لكي يحافظ على العناصر التي عنده. وقد تفاقمت هذه الظاهرة إلى حدّ برز معه اتجاه يتصور بأنه من غير الممكن كسب قوى جديدة إلا عن طريق تسليحها. وكان لا بدّ من أن ينشأ الصراع الحادّ بين خطّين حول هذه المسألة، وخاصة، في ظروف ازدياد الطلب على السلاح، وعدم توفر الكميات التي تلبي هذا الطلب. وكذلك في ظروف انتقال المنافسة بين القوى الوطنية إلى ميدان توزيع السلاح بحيث أصبحت القاعدة: "لديك سلاح أكثر تستطيع أن تجند أعضاء أو أنصار أكثر". واعتبر البعض أنه لا يستطيع التحرك بين الجماهير إذا لم يحصل على السلاح.
إن الصراع الذي نشأ بين الخطّين حول هذه المسألة اتجه إلى بروز الخطّ الذي أعطى السلاح الأولوية في كسب الأعضاء والأنصار وتوسيع الصفوف. واعتبر أن العمل غير ممكن إذا لم يتوفر السلاح. ولكن أبرز في المقابل خطأ رأي أهمية السلاح بقدر حاجة المعركة له.
ومن ثم رفض أن يعتبر السلاح هو العامل الحاسم أو يعتبر كثرة الرجال المؤيدين هي العامل الحاسم. فإذا كان السلاح ضرورياً لخوض المعركة، وإذا كان العدد الكبير من الرجال ضرورياً لخوض المعركة، إلا أن هذين العاملين ليسا بالحاسمين. وإنما الخطّ السياسي والخطّ الفكري هما العاملان الحاسمان. بل هما حاسمان بالنسبة للحصول على السلاح والحفاظ عليه. وبالنسبة لكسب الرجال والمحافظة عليهم. وقد دلت التجربة فعلاً أن في حالة وجود هبّة شعبية واسعة، وفي حالة وجود طلب شديد على السلاح مع توفره يمكن أن يكسب عدداً متزايداً من الأعضاء والأنصار. غير إن الذي يقرر في النهاية ويلعب الدور الحاسم إنما هو صحة الخطّ السياسي أو عدم صحته. وكذلك صحة الخطّ الفكري أو عدم صحته. لأن السير على خطّ سياسي خاطئ سوف يؤدي إلى ضربات ونكسات وإلى تزعزع الثقة ومن ثم فقدان السلاح وتناقص الرجال. كما أن اتباع خطّ فكري خاطئ يؤدي إلى النتيجة نفسها. فالسلاح لا يقاتل بدون الرجال، والرجال لا يقاتلون إلا وفق السياسات التي يحملونها والأفكار التي يتبنونها. فالخطّ السياسي والخطّ الفكري هما اللذان يحسمان سلباً أو إيجاباً. ولهذا فقد كان إعطاء الأولوية للحصول على الكميات الكبيرة من الأسلحة وكسب أكبر عدد من الرجال خطّاً خاطئاً. فالأولوية يجب أن تعطى أولاً وقبل كل شيء لصحة الخطّ السياسي ولصحة الخطّ الفكري وإذا ما تأمن ذلك فلسوف يصبح من الممكن النضال بأية كمية من السلاح المتوفر وبأي عدد من المناضلين. لأن ذلك سوف يجلب المزيد من السلاح ويجلب المزيد من المناضلين ويثبت المكتسبات. في حين سوف يصبح السلاح على كثرته بلا "بركة"، بل ربما فقد كلياً إذا لم يكن الخطّ السياسي والخطّ الفكري صحيحاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرجال. وهذا ما يمكن أن نراه بأم أعيننا حين نرصد تجربتنا خلال الثلاثة عشر شهراً الماضية. حيث سنرى كم حدث هنا وهناك من انتفاع بالسلاح وأعداد الرجال، ولكن دون فاعلية في المعارك وذلك بسبب الخطّ السياسي والفكري ومن ثم بدأ المؤشر يدلّ على العدّ العكسي والتساقط. وبعد فهل كان السلاح وكسب الأعداد من الرجال هو العامل الحاسم؟
طبعاً عندما يطرح هذا الصراع يجب ألا يقود إلى الاعتقاد بأن السلاح لا قيمة له. أو إن أعداد الرجال لا قيمة لها. بل على العكس. إن السلاح مهم وإن العدد مهم. ولكن الأولوية يجب أن تكون دائماً للخطّ السياسي الصحيح وللخطّ الفكري الصحيح. وهذان الخطّان يشكلان بدورهما منطلقاً أساسياً لكي يكون الخطّ العسكري صحيحاً أيضاً. لأن في حرب الشعب، الخطّ السياسي الصحيح والخطّ الفكري الصحيح في المقدمة، وهما يشكلان الأساس للخطّ العسكري الصحيح. ومن ثم لزيادة السلاح وتطوير القدرات وزيادة عدد المقاتلين. وذلك لأن السياسة الصحيحة والأفكار الصحيحة تتحولان إلى قوة مادية. والسياسة الخاطئة والأفكار الخاطئة تلحقان بصاحبهما الأضرار المادية. فالسياسات الصحيحة، والأفكار الصحيحة هي التي تكسب صاحبهما ثقة الشعب وتستنهضه. وهذا يعني السير على طريق الانتصار لأن الشعب هو الذي يصنع الانتصار. وفي المقابل إن السياسات الخاطئة والأفكار الخاطئة تخسر الشعب وتمزقه. وهذا يعني السير على طريق الهزيمة.
يجب أن ندرك أولوية الخطّ السياسي الصحيح والخطّ الفكري الصحيح ونخوض في سبيلهما الصراع، بما في ذلك حين نكون في أمسّ الحاجة إلى السلاح والأعداد الكبيرة من الرجال.

لا تستهتر بالعدو تكتيكياً

عندما نقول إن انتصار الثورة أكيد وحتمي، وإن هزيمة العدو أكيدة وحتمية. وعندما نقول إن شمس الشعب إلى شروق، وشمس العدو إلى غروب لا محالة، وعندما نقول إن العدو يتدحرج وسيستقبله القبر في نهاية المطاف، وإن الشعب إلى صعود وسينتصر في نهاية المطاف.
عندما نقول بهذه الموضوعات فهذا لا يعني أننا نستهتر بالعدو تكتيكياً، أي الآن. ولا يعني أننا لا نقيم حساباً دقيقاً في كل مرة لموازين القوى، ومن ثم نرسم السياسات المناسبة. وإنما يعني أننا واثقون من النصر ومن حتمية انهيار العدو مستقبلاً، مهما ظهرت عليه علامات القوة الآن، ومهما واجهنا من صعوبات في الظرف الراهن. ولهذا يجب علينا، أولاً، أن نصارع، عبر هذه الموضوعات، اتجاهات التشاؤم والتهويل بقوة العدو. وينبغي أن نبني الثقة الأكيدة بانتصار الثورة وبهزيمة العدو. ولكن، ثانياً، علينا أن نصارع عبر هذه الموضوعات اتجاهات الاستهتار بالعدو الآن واتجاهات الضرب بعرض الحائط بموازين القوى الراهنة.
لقد تعلمنا من تجربتنا في لبنان أن الاستهتار بالعدو وعدم رسم السياسات الصحيحة وفق حساب دقيق لموازين القوى، يعرّض الثورة وانتصاراتها إلى الضربات والنكسات. كما علمتنا هذه التجربة بأن هذا الاتجاه نفسه حين يلحق بنا وبالثورة الضربات والنكسات ينقلب إلى التشاؤم الشديد والخوف من العدو والتصور أن قضيتنا خاسرة. وهكذا نرى مرة أخرى وجهين اثنين لعملة واحدة في صلب الاتجاه الواحد. ونرى كم هو من الضروري أن يخاض الصراع عبر التأكيد على حتمية انتصار الثورة وحتمية هزيمة العدو باعتبارهما التيار الأساسي للمجرى التاريخي، أو على أن شمس الثورة إلى شروق وشمس العدو إلى غروب هو المجرى التاريخي. ونرى كذلك إن من الضروري في الوقت نفسه خوض الصراع الحازم ضدّ الاستهتار بالعدو الآن، أي تكتيكياً. وضدّ عدم رسم السياسات الصحيحة وفق حساب دقيق لموازين القوى القائمة.
تبقى هنالك ظاهرة فرعية عبرت عن نفسها لدى بعض الأفراد والمجموعات خلال الحرب الأهلية في لبنان وهي الاستهتار في التحصين والتمويه، وأحياناً التنقل على الجبهة بلا سلاح. أو التنقل بين المواقع بلا يقظة وبلا حرص. إن هذه الظاهرة تشكل فرعا من شجرة الاستهتار بالعدو الآن. وهي اتجاه لا بدّ من خوض الصراع الفكري ضدّه أيضاً.
ضدّ سياسة - هجوم - هجوم فقط
أو تقدم - تقدم - تقدم -
برز اتجاه فكري خاطئ في الحرب الأهلية في لبنان، وذلك في معالجة سياسة الثورة والقوى الوطنية والشعبية اللبنانية أثناء إدارة الصراع سياسياً وعسكرياً. لقد طرح هذا الاتجاه باستمرار خطّ الهجوم ثم الهجوم ثم الهجوم. أما الدفاع فهو مسحوب من القائمة. وأما التراجع التكتيكي فهو موبقة ولا يمكن القبول به. وأما المفاوضة والمساومة فهما من عمل المستسلمين والخونة. لقد طالب هذا الاتجاه الثورة والقوى الوطنية والشعبية بالتقدم - التقدم فقط. وبالهجوم - الهجوم - فقط. وهو يظن أنه أكثر ثورية عندما يفعل ذلك. وأن الأمور ستسير على أحسن ما يرام إذا هي اتبعت هذا الخطّ. إنه يفهم المضي بالثورة حتى النهاية بمعنى عدم التوقف أبداً عن شنّ الهجوم المستمر. والاستمرار هنا ليس بمعنى القيام بالثورة تحت ظروف الدفاع والهجوم والتقدم والتعرج.

الفكر القتالي السليم

إن هذا الاتجاه الفكري هو نقيض الخطّ الفكري الصحيح من عدة وجوه:
أولاً - إنه يعتبر أن القانون الذي يحكم الصراع... يحكم التاريخ، هو تقدم - تقدم - تقدم. وليس تقدم - تعرج - تقدم. ثم تعرج جديد فتقدم وهكذا. إن هذين الفهمين لقانون تقدم الثورة والتاريخ وللقانون الذي يحكم كل صراع، يشكلان خطّين فكريين متعارضين تماماً، كما يمثلان خطّين طبقيين.
ثانياً - إنه يعتبر أن القانون الذي يتحكم بإدارة الصراع في الثورة هو الرغبات الذاتية وليس دراسة الوضع الملموس من مختلف جوانبه وفي مقدمتها دراسة موازين القوى. حيث تتقرر مسائل الهجوم والدفاع ومسائل المفاوضة ورفض المفاوضة ومسائل القبول بالمساومة أو رفض المساومة. إنه لا يدرك على سبيل المثال أننا إذا ارتددنا إلى الدفاع ضمن ظروف محددة، فهذا لا يعني الثبات في الدفاع أو الغرق في الدفاع السلبي. وإنما على العكس يعني أن التحول إلى الدفاع ستحول إلى الهجوم في ظروف محددة نرتب دفاعنا باتجاهها.
ثالثاً - ثمة اختلاف أساسي في المنهج بين هذين الخطّين الفكريين وهو أن خطّ الهجوم - هجوم - هجوم يعني اتباع منهج يقوم على أساس جامد يعالج حركة الصراع معالجة أحادية الجانب. ولا يرى أن الهجوم والدفاع يشكلان وحدة الضدّين اللذين يتحول الواحد منهما إلى الآخر.

إن الصراع بين هذين الخطّين الفكريين هو صراع حاسم ويجب أن نخوضه بجرأة وشجاعة.
2 - لتنطبق أفكارنا على الواقع
عندما نعالج معضلة من المعضلات أو ظاهرة من الظواهر ولا ننجح في حلها. فهذا يعني أن معالجتنا لها كانت خاطئة. ولماذا معالجتنا كانت خاطئة؟ لأننا أخطأنا في دراسة هذه المعضلة أو الظاهرة، أخطأنا في تحليلها وفي اكتشاف جوهرها، أو في اكتشاف القوانين التي تحكمت بها. ومن ثم القوانين التي يجب اتباعها في معالجتنا لها. إن الفشل في معالجة المعضلة أو الظاهرة هو خطؤنا. وهذا يعني أن علينا أن نعود إلى إعادة دراسة المعضلة واكتشاف الخطأ في معالجتنا السابقة لها. ومن ثم اكتشاف الخطّ الصحيح في معالجتها. إن إدراك هذه المقولة والعمل بموجبها أو عدم إدراكها وتطبيقها يشكلان خطّين فكريين متعارضين، يشكلان منهجين مختلفين.
هنالك من يفشل في التعامل مع أخوة يريد أن يعمل معهم. ويجد فجأة أن المشاكل أخذت تتفجر بينه وبينهم. ويرفض أن يلاحظ فوراً أن الخطأ يكمن في معالجته لعملية التعامل مع أولئك الإخوة، خاصة حين لا يكون سبب تفجر المشاكل سياسياً، وحين يريد الاستمرار بتلك العلاقة. أي أن الصراع لم يتحول إلى صراع عدائي يقضي بفصم عرى العلاقة. أما الاتجاه الذي يحاسب نفسه أولاً، ولا يبحث عن الخطأ في طريقة معالجته لذلك التعامل، ويجنح إلى توجيه النقد كل النقد للآخرين ويعتبر بأن سلبياتهم ونوا قصهم هي المعضلة. أما معالجته لهذه المعضلة فصحيحة. ولكن كيف يمكن أن تكون صحيحة وقد فشل في معالجة المعضلة؟ وإذا فعل الآخرون الشيء نفسه في النظر لهذه المعضلة. فكيف يمكن أن تحلّ؟ إذن لا حلّ غير استمرار تفجر المشاكل. وإذا بقي هذا النهج مستمراً فلسوف تذهب الرغبة لدى أولئك الإخوة في استمرار العلاقة.
هذا خطّ. أما الخطّ الفكري الآخر - وهذا له مساس بالمنهج أيضاً - فيعتبر أننا حين نفشل في معالجة المعضلة فإن السبب يرجع إلى أننا قد أخطأنا في دراستها وفي معالجتها. ومن ثم علينا أن نعيد النظر بأفكارنا وممارساتنا وكيفية معالجة تلك المعضلة. علينا أن نعود لتحليلها من جديد واكتشاف قوانينها وقوانين معالجتها. وهذا يتطلب أن نجري تحليلاً لنعرف بالضبط أين الخطأ الذي ارتكبناه في التحليل السابق وفي المعالجة السابقة. وكيف يجب أن نصحح أفكارنا في فهم تلك المعضلة وفي معالجتها.
علينا أن ندرك المقولة التي مفادها أننا حين نقرر معالجة معضلة ما أو ظاهرة ما لنصل إلى نتائج محددة، ولا نصل إلى تلك النتائج المرجوة فهذا يعني أن أفكارنا لم تنطبق على واقع المعضلة أو الظاهرة. ومن هنا علينا أن نعود من جديد لتحليلها ودراستها ونقد أفكارنا السابقة والخروج بالأفكار الصحيحة التي تنطبق على واقع المعضلة أو الظاهرة.
إن تكوين قناعة فعلية بهذه المقولة وتطبيقها في عملنا الثوري مسألة خطّ فكري صحيح ومنهج صحيح، يجب إعادة صياغة أنفسنا بهما، ويجب خوض الصراع ضدّ الخطّ الفكري والمنهج اللذين يستسلمان أمام المعضلات والظواهر عند الفشل في حلّها والوصول إلى النتائج المبتغاة. ولا يريان الخطأ في عدم انطباق أفكارنا على واقع المعضلات والظواهر. ويرفضان إعادة النظر في تلك الأفكار عن طريق النقد وإعادة البحث لاكتشاف القوانين التي تحكمها والقوانين التي تحكم معالجتها للوصول إلى الغاية المبتغاة.

حول المساومة

ظهر تيار فكري في الحرب الأهلية اللبنانية يرفض كل مساومة مع القوى التقليدية. ويعتبر كل مساومة استسلاماً وتراجعاً وطعناً للشعب. إن هذا التيار الفكري يجرد الصراع من أحد أشكاله، أي يجرده من المساومة، ويتنكر لكل الظروف المحيطة بالصراع، ولا يرى الظروف التي توجب الانتقال من القتال إلى المفاوضة والمساومة، أو من المفاوضة والمساومة إلى القتال؛ فهو يعتبر القتال شيئاً قائماً بذاته، ونابعاً من الرغبة الذاتية فقط، وليس خاضعاً لقوانين محددة تعمل ضمن ظروف وشروط موضوعية وذاتية محددة. ولهذا فإن الخطّ الفكري الذي يرفض كل مساومة إنما يقوم على أساس النظرة الذاتية، أي النظرة غير الموضوعية. إنه لا يدرك أن هنالك ظروفاً توجب المفاوضة والمساومة، وأن هنالك ظروفاً تتطلب رفض المساومة والمفاوضة، كما أنه لا يدرك أن هنالك مساومة مشروعة وصحيحة، وأن هنالك مساومة استسلامية وخيانة، ولا بدّ من التفريق بين مساومة ومساومة، وإنه لا يجوز رفض كل مساومة؛ فالمساومة المشروعة والصحيحة التي تفرضها ظروف محددة نقبل بها ونقدم عليها، أما المساومة الاستسلامية والخيانة فنرفضها ونقاومها بكل قوة. وإذا كانت هنالك مساومة استسلامية وخيانية فهذا لا يعني تبني خطّ رفض كل مساومة، وإنما يعني رفض تلك المساومة المحددة.
إن الخطّ الفكري الثوري الصحيح هو الذي لا يتخذ موقفاً مسبقاً من المساومة مهما تكن المساومة، ومهما تكن الظروف. إنه يدرك أن هنالك مساومة ومساومة ومن ثم يربط قبول هذه المساومة أو رفض تلك الظروف المعطاة. ويناقش الحالتين بالتحليل الملموس لظروف لبنان. كما يدرك الخطّ الفكري الثوري الصحيح أن المساومة المشروعة والصحيحة شكل من أشكال الصراع وهي تتضمن الصراع، وأن ما ينجم عنها ترتيب معين وفق موازين القوى، وهو ترتيب موقت ومشروط وسرعان ما يعود الصراع الحادّ أو القتال عند أول تغيير جدي في ميزان القوى والظروف التي أحاطت بتلك المساومة.
أما من الجهة الأخرى فإن التيار الفكري الذي يرفض كل مساومة يجهل أنه يقوم بالمساومات غير المكتوبة وغير المعلنة في كل يوم وفي كل لحظة. إن الطبقة العاملة التي تقبل بالعمل في مصانع الرأسماليين أولاً تقوم بالمساومة لبينما تستطيع القيام بالثورة؟ والجماهير التي تدفع الضرائب للسلطة العميلة أو بالاستعمار أولاً تقوم بالمساومة لبينما تستطيع الامتناع عن دفع الضرائب والثورة على السلطة العميلة أو على الاستعمار. ولهذا فمن غير الممكن رفض كل مساومة وتحت كل الظروف.
إن الخطّ الفكري الثوري هو الذي يعرف متى يشنّ القتال ومتى يقبل بالمساومة المحددة ومتى يعود للقتال من جديد، ومتى يستمر بالقتال ويرفض المساومة المحددة، ومن ثم فهو حين يفعل ذلك لا يستسلم ولا يطعن الشعب ولا يخون دم الشهداء، وإنما على العكس يعبر عن الصلابة والتمسك بالمبدأ ويخدم الشعب ويكون وفياً لدم الشهداء، ويمضي بالثورة حتى النصر، وهذا نابع من فهم وضع لبنان وعلاقته بميزان القوى في المنطقة.
إن هذا الخطّ الفكري الثوري الصحيح هو وحده الذي يتجرأ على خوض النضال ضدّ التيار الفكري الذي يتبنى موضوعة رفض "كل مساومة" دون أن يأخذ بالاعتبار كل حالة من الحالات.
كل صراع متعرّج
كل شيء يحمل نقيضه. والجديد يخرج من قلب القديم. والأشياء الجديدة تحل محل الأشياء القديمة. ذلكم هو القانون الموضوعي، ولا يمكن لإدارة بشر أن تلغيه، أو أن تحول دونه.
ولكن هذا القانون يعني الصراع... الصراع بين الشيء وبين نقيضه، الصراع بين الجديد وبين القديم. الصراع بين الأشياء القديمة والأشياء الجديدة... الصراع بين ما ينمو وبين ما يضمحل. ذلكم هو القانون الموضوعي الذي لا يمكن لإرادة بشر أن تلغيه أو أن تحول دونه.
على أن الصراع، وفي كل الحالات وبصورة مطلقة، يمرّ عبر طريق متعرّج، ولا يمضي على طريق مستقيم؛ فالقديم يقاوم مقاومة ضارية، والشيء القديم يكافح ضدّ نقيضه، وهو يمتلك عوامل قوة مؤقتة لأنه مسيطر. والجديد النامي يبدأ من الضعف ويخوض الصراعات المتكررة لكي ينمو ويقوى ويهزم القديم ويسود. ولهذا لا بدّ من أن يترابط النجاح والفشل في وقت واحد ويتحولان إلى بعضهما بعضاً. ولا بدّ من أن تترابط النكسات والانتصارات في وقت واحد وتتحولان إلى بعضهما بعضاً؛ فالجديد لا يستطيع أن ينتصر إلا عبر الصراع وهذا يعني التقدم على طريق متعرج. هذا القانون الموضوعي: التقدم على طريق متعرج لا يمكن لبشر أن يلغيه أو أن يحول دونه.
وإذا كانت عملية الصراع هذه بين ما يمثل القديم الصائر إلى الاضمحلال وبين الجديد النامي الصائر إلى الانتصار تأخذ طريقاً متعرجاً، علينا عندئذ أن نميز بين التيار الأساسي - أو المجرى التاريخي - وبين التيار الثانوي - الظواهر العريضة - في هذا الصراع بين القديم والجديد. فبالنسبة إلى القديم إن التيار الأساسي - المجرى التاريخي - الجوهر في حركته هو التقهقر والاضمحلال، أما بالنسبة إلى الجديد النامي فإن التيار الأساسي - المجرى التاريخي - الجوهر في حركته - فهو التقدم. أما التعرج وما يصاب به من نكسات وفشل فهو التيار الثانوي والظاهر العرضي. أي يجب التمييز بين الاتجاه العام لحركة الصراع، وبين تعرجاته.
إن الفهم العميق لهذه الموضوعات ورؤيتها في مجال الثورة ككل، وفي مجال كل جزء وكل خطوة، يجعلنا نرى خصوصية تلك الموضوعات في مجالات الثورة والنشاط الثوري في مختلف جوانبهما.
أولاً - إن انتصار الثورة على القوى المضادة للثورة هو القانون الموضوعي الذي لا يمكن للقوى المضادة أن تلغيه، أو أن تحول دونه.
ثانياً - إن الثورة لا تتطور ولا تتقدم إلا عبر طريق متعرج؛ فلا يوجد هنالك انتصارات على خطّ مستقيم، ولا يوجد هنالك تقدم على خطّ مستقيم. وإن القانون الموضوعي إنما هو النمو عبر الصعوبات، وعبر الفشل والنكسات وسائر التقلبات.
ثالثاً - إن التيار الأساسي - جوهر الحركة - المجرى التاريخي - هو تقدم الثورة وانتصارها. أما التعرّج مثل قيام الصعوبات، ووقوع الفشل، وحلول النكسات، وحدوث التقلبات، فهو التيار الثانوي - الجانب الهامشي وليس الجوهر، أي هو الشيء العرضي وليس المجرى التاريخي للتطور.
إن إدراك هذه الموضوعات يجعلنا نخوض الصراع ضدّ الذين يطلبون أن يكون طريق الثورة طريقاً مستقيماً لا تعرج فيه ولا التواء، وليس بحاجة إلى بذل أقصى الجهود والتضحيات في مواجهة الصعوبات والتقلبات وسائر النكسات والفشل. كما أن إدراك هذه الموضوعات يجعلنا نخوض الصراع ضدّ اليأس والاستسلام والتخلي عن الثورة، عندما تقوم الصعوبات وتحدث التقلبات وتحل النكسات ويقع الفشل. فمن جهة علينا أن نفهم القوانين التي تحكم مسيرة الصراع، ومن ثم أن ندرك أن التعرج مسألة ملازمة للتقدم، ولا يجوز أن نخاف منه أو أن لا نتوقعه. كما علينا أن ندرك بأن هذا التعرج هو مؤقت وعرضي ولا يشكل التيار الأساسي، والجوهر، والمجرى التاريخي.
كثيراً ما يتصور البعض أن حلول نكسة ما، أو وقوع فشل ما، أو قيام عقبة من العقبات، أننا سنعود إلى الوراء لكي نبدأ من الصفر، من نقطة البداية هذا التصور خاطئ أيضاً. لأنه من غير الممكن العودة إلى نقطة البدء وذلك لأن قوى الثورة ستبادر وتلخص تجربتها وستتعلم من هذه التجربة - أي تلخص الفشل والانتكاسة وتتعلم منهما وتخرج أقوى وأعمق وعياً؛ فتكرر من جديد النضالات الضارية، وهكذا تنمو وتكبر عبر تلك النضالات الضارية المتكررة. فالتقدم والتعرج يشكلان حركة لولبية معقدة تقفز إلى أعلى بعد كل شوط.
إن القيام بالثورة، بل القيام بكل خطوة تخطوها، وفي كل مجال من مجالات النشاط الثوري، وفي كل صراع لا يمكن أن يمرّ إلا عبر طريق متعرج طويل من الصعوبات والنكسات والفشل. ولهذا لا يمكن أن ننتصر إلا إذا تغلبنا على الصعوبات والنكسات والفشل.

الظروف المؤاتية والظروف غير المؤاتية

يجد المناضلون أنفسهم في ظروف محددة مفروضة عليهم. هذه الظروف تنقسم إلى قسمين أساسيين؛ أحدهما يشكل مجموعة الظروف المؤاتية للمناضلين والثورة، وثانيهما يشكل مجموعة الظروف غير المؤاتية للمناضلين والثورة. ويكوّن هذان القسمان وحدة الضدين، أي أن الظروف المحددة في كل مرحلة من مراحل النضال تتشكل دائماً من وحدة الضد ين هذه، أي من مجموعة الظروف المؤاتية وغير المؤاتية للثورة، ولا توجد حالة أخرى. وينطبق هذا على الوضع ككل وبالنسبة إلى عمل الثورة ككل. كما ينطبق على الظروف المكونة لأي عمل نقوم به. سواء كان هذا العمل صغيراً أم كبيراً، وسواء قام به فرد أم مجموعة أفراد.
إن العملية الثورية ككل، وفي كل مرحلة، وكذلك كل حالة من الحالات، تتكون من مجموعة ظروف مؤاتية ومجموعة ظروف غير مؤاتية، وفي وحدة عضوية دائماً. الأمر الذي يتطلب أن نلاحظ، وكما تعلمنا من تجربتنا، ومن عشرات ومئات بل وألوف الحالات التي واجهناها، بأن في كل مرة كانت إحدى المجموعتين تطغى على الأخرى. فيكون الحكم العام على الوضع ككل، أو على هذه الحالة أو تلك يتسم بميلان كفة مجموعة الظروف المؤاتية على كفة مجموعة الظروف غير المؤاتية، أو يتسم برجحان كفة الظروف غير المؤاتية على كفة الظروف المؤاتية. ومن هنا فإن مجموعة الظروف التي تكون كفتها راجحة تشكل الوجه الرئيسي، بينما تشكل الأخرى الوجه الثانوي. ومن ثم كلا من المجموعتين يمكن أن تحلّ محل الأخرى، وعندما يحدث ذلك ينتقل الوضع أو أية حالة إلى مرحلة جديدة.
إن المناضلين في الثورة هم جزء من هذا الوضع ككل، وعليهم باستمرار أن يفيدوا من الظروف المؤاتية ويتغلبوا على الظروف غير المؤاتية. أو بكلمة أدقّ عليهم أن يكافحوا باستمرار لكي يسهموا في نقل الوضع أو أية حالة من غلبة الظروف غير المؤاتية إلى غلبة الظروف المؤاتية. وأن يحرصوا لكي لا يحدث العكس عندما تكون الظروف المؤاتية لهم هي الوجه الرئيسي للوضع ككل أو للحالة المحددة التي يعالجونها.
من الظواهر التي واجهتنا في تجربتنا في القتال أن هنالك صراعاً بين خطّين في كل مرة، سواء على مستوى الوضع ككل، أو على مستوى هذه الحالة أو تلك. فعندما يكون الوجه الرئيسي للوضع ككل، أو لهذه الحالة أو تلك، هو مجموعة الظروف المؤاتية، يحدث تقدم وتحدث نجاحات ويتولد عنها صراع بين خطّ يمتاز بالاطمئنان والغرور والشعور بالتفوق المطلق، ويجنح إلى المغالاة بقوته، ويسكر بنجاحاته وتقدمه، وبين الخطّ الثوري الصحيح الذي يظل دقيق الحسابات لا تسكره الانتصارات، ويحافظ على تواضعه، ويسعى لتمكين مواقعه، ويتقدم دائماً بخطى ثابتة محسوبة. إن الوجه الآخر للصراع بين هذين الخطّين يبرز في الحالة الأخرى حين تنقلب الظروف المؤاتية إلى ظروف غير مؤاتية، فينتقل الخطّ الأول فوراً إلى الوجه الثاني لعملته وهو الانهيار وفقدان المعنويات، والتخبط بين المغامرة وبين الاستسلام. في حين يخوض الخطّ الآخر، أي الخطّ الثوري الصحيح الصراع ضدّه وضدّ غلبة الظروف غير المؤاتية بالمحافظة على رباطة الجأش والثقة بأنه من الممكن تحول غلبة الظروف غير المؤاتية إلى غلبة الظروف المؤاتية من جديد. ولهذا يمضي في النضال بحسابات دقيقة للظروف ككل، أو لكل حالة من الحالات من أجل الإسهام في تخطي هذا الوضع بلا مغامرة، وبلا أدنى تفكير بالاستسلام على الإطلاق.
إن الصراع بين هذين الخطّين يأخذ شكل الصراع بين سياستين، بين فكرين، بين منهجين.

لكل عمل وجه رئيسي

لكل عمل عدة أوجه. ولكن من بين هذه الأوجه العديدة ثمة وجه رئيسي واحد، ومن ثم تكون الأوجه الأخرى ثانوية، كما أن أمام الاجتماع التنظيمي عدة مهمات، غير أنه يجب علينا أن نحدد في كل مرة ما هي المهمة الرئيسية من بين هذه المهمات، كذلك لكل إنسان نقيّمه أو لكل ظاهرة نقيّمها أو لكل حدث نقيّمه عدة أوجه، ولا بدّ من أن نحدد في التقييم النهائي الوجه الرئيسي العام دون أن نغفل الأوجه الأخرى. كما أنه لا نستطيع ولا يمكن أن نضع كل الأوجه على قدم المساواة من حيث الأهمية، وإذا فعلنا ذلك فلا نستطيع الخروج بتقييم.
إن الخلط بين ما هو رئيسي وبين ما هو ثانوي، ووضعهما كليهما على قدم المساواة، أو اعتبار ما هو ثانوي رئيسي وما هو رئيسي ثانوي، لسوف يؤدي إلى الفشل في القيام بالعمل أو بالمهمة أو بالتقييم. ولهذا فالاتجاه الفكري الذي يتبع منهجاً لا يفرق فيه بين ما هو رئيسي وما هو ثانوي، أو يعامل الثانوي كرئيسي والرئيسي كثانوي لا يستطيع أن ينجح، وليس أمامه غير الفشل.
على سبيل المثال: عندما يقوم تنظيم ما من تنظيمات الثورة الفلسطينية أو القوى الوطنية في الحرب الأهلية، ويعتبر أن توسيع تنظيمه أو تحقيق المكاسب الضيقة لتنظيمه هو الشيء الرئيسي، وليس الاتحاد الواسع مع القوى الأخرى، وخوض النضال الحازم لإنزال الهزيمة بالعدو هو الوجه الرئيسي لعمله، يكون قد اتبع المنهج الخاطئ الذي حوّل ما هو ثانوي إلى ما هو رئيسي، وحوّل ما هو رئيسي إلى ما هو ثانوي. إن هذا التفكير له نتيجة واحدة هي إلحاق أشدّ الأضرار بالجبهة العريضة المعادية للقوى المتآمرة المعادية. هذه هي النتيجة الرئيسية لهذا الاتجاه. أما النتيجة الثانوية فهي إلحاق الضرر بتنظيمه نفسه عندما يلحق الضرر بمجموع الوضع الوطني. أي أن معاملة ما هو ثانوي معاملة الرئيسي كثانوي لا يستطيع تحقيق النتائج المرجوة لتنظيمه حتى ولو اعتبره الشيء الرئيسي أي أنه لا يحلّ شيئاً وإنما يلحق الأذى بالعملية كلها. وهكذا يحدث بالنسبة للذين لا يميّزون بين العدو الرئيسي وبين الأعداء الثانويين، أو بين الأطراف المتناقضة معنا ولكنها لا تدخل في خانة العدو الرئيسي. حيث تكون النتيجة فقدان بوصلة توجيه النيران. وبالتالي فلا يقهر العدو الرئيسي ولا يقهر الأعداء الثانويون. أي تكون النتيجة الفشل.
إن مسألة إدراك الوجه الرئيسي والأوجه الثانوية في كل عمل، وفي كل تحليل، وفي كل تقييم، وفي كل ظاهرة، هي التي تتيح الإمساك بالمنهج الصحيح. وذلك على حدّ سواء حين نريد أن نهدم، أو حين نريد أن نبني. أي مواجهة الأعداء، أو في العلاقة داخل جبهتنا. هنا أيضاً صراع بين خطّين فكريين. وكذلك بين منهجين.

الحرب لها قوانينها والسياسة لها قوانينها

إذا كانت الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وإذا كانت الحرب هي أعلى أشكال حلّ التناقضات، أي شكل الصدام المسلح. وإذا كانت الحرب تقوم لتحقيق الهدف السياسي، وتبقى تحت قيادة السياسة؛ فإن هذه الموضوعات تتطلب ألا يخلط بين الحرب والسياسة، وإنما يجب أن يدرك بدقة أن للصراعات السياسية والعمل السياسي قوانين محددة، كما أن للحرب قوانينها المحددة. ولهذا يجب أن تعامل الحرب بقوانين الحرب. إن قوانين احتلال موقع عسكري للعدو تختلف عن قوانين القيام بحملة سياسية ضدّ موقف سياسي للعدو. إن هذا يعني أن علينا أن نعامل الحرب كحرب، أي أن نعاملها بقوانين الحرب.
إن إدراك هذه الموضوعة يفتح المجال للصراع بين خطّين فكريين متعارضين في تناول مختلف المسائل المتعلقة بمعالجة الحرب؛ فعلى سبيل المثال: إن الموقف من الانضباط العسكري يفجر خطّين فكريين متعارضين بين الثوار، فهنالك من يستهتر بالنظام والانضباط الصارم مرتكزاً على إدخال بعض قوانين السياسة في الموضوع، بينما يتمسك الخطّ الفكري الصحيح بالتشديد على التمسك بالنظام والانضباط الصارم في القتال، أي التعامل الصحيح مع ما تقتضيه قوانين الحرب. وهنالك من يستهتر بأهمية التدريب الشاق وتعزيز اللياقة البدنية، ورفع مستوى الانضباطية والتناغم في القتال على مستوى المجموعة، أو على مستوى الفصيل أو السرية أو الكتيبة أو أكثر؛ فيعامل الحرب وكأنها نزهة أو تظاهرة، بينما يتمسك الخطّ الفكري الآخر بضرورة مراعاة قوانين القتال والتطابق معها باستمرار.
إن الصراع بين هذين الخطّين يبرز أكثر عند تقويم المعارك العسكرية؛ فهنالك الاتجاه الذي يصرّ على معالجة المسألة سياسياً، ويرفض أي بحث إلى جانب ذلك في الناحية التكتيكية العسكرية. فما دام قد قيم الوضع سياسياً فلا حاجة للتقويم العسكري. بينما يشدد الخطّ الفكري الصحيح على التقويم السياسي، ولكنه لا يجعله بديلاً عن تقويم المعارك من الناحية التكتيكية العسكرية. وذلك ما دمنا نخوض الحرب سياسياً وعسكرياً.
طبعاً إن هذا الاتجاه الخاطئ في التفكير يلتقي مع وجه آخر لعملته وهو الاتجاه الذي لا يرى علاقة للسياسة بالحرب، ومن ثم لا يقيّم المعارك إلا من جانبها التكتيكي العسكري، ولا يتطرق إلى التقويم السياسي. بل إنه لا يتورع عن إبداء الاحتقار والاشمئزاز من السياسة والسياسيين. تماماً كما يفعل قرينه ذاك حين يبدي الاشمئزاز من العسكريين، ومن معاملة الحرب بقوانين الحرب.
إن هذين الاتجاهين هما وجهان لعملة واحدة، وهما ينبعان من خطّ فكري واحد في الأصل، ومن ثم فإن من الضروري أن يخوض الخطّ الفكري الصحيح الصراع ضدّهما ويحدد الموقف الصحيح من السياسة وكذلك من الحرب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 122 / 173146

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع الفكر السياسي   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010