السبت 1 حزيران (يونيو) 2013

كرّاس حول المقاومة للأخ منير شفيق

السبت 1 حزيران (يونيو) 2013

ما من احتلال إلا واقتحم البلاد التي احتلها بالقوة المسلحة، وما من احتلال إلا بسط سلطانه من خلال القوات العسكرية من أجل بقائه واستمراريته، لذلك تعذر إنهاء الاحتلال في أغلب الحالات إلا من خلال المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية السلمية بمختلف أشكالهما.
البعض يستشهد بمثال الهند التي استطاعت التخلص من الاستعمار البريطاني من خلال المقامة السلمية غير العنفية التي نظّر لها وقادها المهاتما غاندي، ولكن هذا الاستثناء، تقريباً في تاريخ مقاومة الاحتلال عن طريق مبدأ الكفاح اللاعنفي يجب أن يأخذ في الاعتبار ثلاث حقائق الأولى أن المقاومة السلمية لم تنجح إلا بعد مضي أكثر من مائتي عام على الاحتلال البريطاني وبعد أن خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية منهكة متهاوية، والثانية يجب أن يؤخذ في الحساب ضخامة حجم الهند فهي شبه قارة وكثافة سكانها كانوا يُعدون بمئات الملايين مقابل جنود احتلال من عدة آلاف، وبضع عشر ألفاً، والثالثة كان إلى جانب حركة غاندي مقاومة مسلحة محدودة بلا تنسيق وإياه وقد ساعدته بطريقة غير مباشرة.
على أن غالبية الحالات التي ابتليت بالاستعمار والاحتلال العسكري المباشر لم تجد أمامها، وبعد يأس من استخدام الأساليب السلمية واللاعنفية غير اللجوء إلى السلاح والمقاومة. ولعل من عجائب الموقف الأمريكي الذي يهاجم المقاومة المسلحة الفلسطينية للاحتلال كان شعبه من أوائل الشعوب التي ابتليت بالاحتلال وانتهجت طريق المقاومة المسلحة لطرده. فالاحتفال بعيد الاستقلال الأمريكي هو ذكرى تخليص الولايات المتحدة من الاحتلال البريطاني عبر المقاومة المسلحة.
ويمكن أن يذكر ها أن قادة لاعنفيين كانوا أقرب إلى نظرية غاندي في المقاومة وجدوا أنفسهم بعد أن أعياهم أسلو اللاعنف، مضطرين للجمع بين المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة. ومن هؤلاء المطران مكاريوس قائد تحرير جزيرة قبرص من الاحتلال البريطاني، كما الزعيم الجنوب أفريقي مانديلا، بل يجب التأكيد هنا أن كل كفاحات الشعوب بلا استثناء، بدأت سلمية ولاعنفية ولكنها كلها قوبلت بالقمع ووصلت إلى طريق مسدود مما اضطرها إلى اللجوء إلى المقاومة المسلحة. ويمكن أن تذكر بهذا تجربة الشعب الفلسطيني حيث لم تنطلق ثورة الشيخ عز الدين القسام إلا بعد أن بلغ اليأس مداه من استجابة الاحتلال البريطاني لمناشدات الحركة الوطنية الفلسطينية لوقف الهجرة، ويل فلسطين الاستقلال، وبعد أن ضُربت مجموعة القسام التي أعلنت الثورة في 1934/1935، عادت الحركة الوطنية التي كان يقودها الحاج أمين الحسيني إلى التشديد على اتباع الكفاح السلمي واللاعنفي حتى وصل الأمر إلى إعلان اضطراب عام دام ستة أشهر. وهذا أطول إضراب يقوم به شعب بأسره. ويُعتبر أعلى أشكال الكفاح السلمي اللاعنفي لأنه عطّل الحياة العامة في وجه الاحتلال. وكان بمثابة العصيان المدني. ولكن بالرغم من ذلك وجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام الطريق المسدود فلجأ مرة أخرى إلى الثورة بعد إضراب عام 1936، وقد دامت الثورة المسلحة ما يقرب من الثلاث سنوات.
يلحظ في التجربة الفلسطينية أن الأسلوب الوحيد الذي كان يُجبر بريطانيا على تقديم التنازلات كانت المقاومة المسلحة حيث اضطرت من أجل وقف الثورة إلى إعلان “الكتاب الأبيض” وأن تخلت عنه بعد الحرب العالمية الثانية لتمضي قدماً في تنفيذ مشروع وعد بلفور بإقامة دولة عبرية في فلسطين.
وبكلمة أن استراتيجية المقاومة المسلحة كانت الاستراتيجية التي اتبعتها الغالبية الساحقة من أمم الأرض عندما رزحت تحت احتلال واستعمار مباشرين ويجب أن يذكر بهذا الصدد أن الدول الغربية الاستعمارية نفسها أقرّت مبدأ المقاومة ومشروعيتها من الاحتلال النازي والاحتلال الياباني في الحرب العالمية الثانية فقادة انكلترا وأمريكا والاتحاد السوفياتي (في حينه) قدموا كل تشجيع ومساعدة للشعوب التي قاومت الاحتلال النازي أو الياباني. والشعوب الأوروبية كلها وفي مقدمتها فرنسا وهولندا وبلجيكا تفتخر بأمجاد المقاومة التي خاضتها ضد الاحتلال النازي، وأن الأمر لكذلك بالنسبة إلى شعوب جنوبي شرقي آسيا التي قاومت الاحتلال الياباني.
وإذا كانت العشرون سنة التي تلت الحرب العالمية الثانية قد اشتهرت بمقاومة شعوب المستعمرات للاستعمار القديم من ثورة الماوماو في كينيا إلى ثورة الجزائر، ومن ثورة الصين إلى ثورة فيتنام الأولى ضد الفرنسيين، فإن ذاكرة شعوبنا احتفظت بصورة خاصة بمقاومة الشعب الجزائري للاحتلال الفرنسي، وقد قدم ثمنا لتحرير الجزائر وانتصاره حوالي مليون ونصف المليون من الشهداء، كما بمقاومة شعب فيتنام ضد الاحتلال الأمريكي وقد قدم ثمناً لانتصاره عام 1976 أكثر من ثلاثة ملايين أغلبهم من المدنيين، ويجب أن يذكر صمود فيتنام الشمالية (التي حُررت عام 1954 أثر معركة “ديان بيان فو” الشهيرة) تحت القصف الأمريكي الذي هدم هانوي والمدن والقرى الرئيسية، والحق إضراراً بسبب القنابل الكيماوية بملايين الفدادين من الأرض والأحراش.
لقد أثبتت تجربة الجزائر وفيتنام، كما تجارب مختلف الشعوب أن لغة المقاومة المسلحة، وبالرغم من التضحيات والعقوبات الجماعية وأعمال الانتقام، هي اللغة التي يفهمها الاحتلال لا سيما حين يكون شديد الوطأة يستخدم العنف المفرط في الرد على مطالب الشعب بالاستقلال.
ولهذا عندما تأتي إلى الشعب الفلسطيني وما يواجهه من احتلال فسنجد أمامنا عدواً ليس كمثله استعمار أو احتلال أو كيان عنصري فهو في التطرف الأقصى في اعتماده على فرض نفسه بالقوة المسلحة، وهو في التطرف الأقصى في رفضه لكل القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة، والأهم أن مشروعه يتعدى الاستعمار والاحتلال لأنه في أساسه يسعى إلى اغتصاب الأرض وتهويدها وإدعاء أحقيته بها، الأمر الذي يتجاوز ما عرف بالميز العنصر أو العزل العنصري (الأبارتايد) الذي عرفته جنوبي أفريقيا وناميبيا فهدفه اقتلاع السكان وإلقائهم خارج حدود فلسطين فهو لا يعترف بأنه احتلال، أو قوة استعمارية، أو كيان عنصري، ومن ثم يُلغي وجود شعب فلسطين وهويته وحضارته وحقوقه الأساسية كافة، الأمر الذي لا يترك مجالاً إلا للمقاومة ابتداء بمقاومة الاقتلاع وهذا لم يواجهه شعب من الشعوب، عدا الشعوب الهندية في أمريكا التي تعرضت للإبادة الشاملة. ومروراً، بمقاومة التهويد والحفاظ على الهوية الأساسية لفلسطين، كونها فلسطينية وعربية وإسلامية، وانتهاء وليس نهاية، في المرحلة الراهنة، أي مقاومة الاحتلال والاستيطان والتهويد رقم 2 فوق الأراضي التي احتلت في الخامس من حزيران 1967، وهذه هي المرحلة الثانية في المشروع الصهيوني بعد اغتصاب أكثر من 78% من الأرض واقتلاع غالبية أهلها وإقامة الدولة العبرية فوق أراضيهم وممتلكاتهم ووطنهم عام 1948 / 1949.
مر الشعب الفلسطيني بمرحلة احتلال بريطاني لفلسطيني وكان يحمل مشروع تنفيذ وعد بلفور (“إقامة الوطن القومي اليهودي”في فلسطين“ولهذا دأ على تشجيع الهجرة اليهودية وإدخالها البلاد بصورة غير قانونية وتأمين المستعمرات، كما سُميت في حينه، أي المستوطنات وحمايتها وقد أدرك الشعب الفلسطيني منذ اليوم الأول بأبعاد مؤامرة وعد بلفور، ولهذا خاض مقاومة شجاعة ممتدة تراوحت بين المقاومات السلمية بكل أشكالها إلى الثورات المسلحة، ولكن كان ميزان القوى الداخلي في غير مصلحته إذ وصل عديد قوات الاحتلال البريطاني لفلسطين مثلاً مائة ألف في حين كان عديدها بالآلاف أو عشرات الآلاف في أية مستعمرة أخرى أي بمعدل جندي لكل سبعة أشخاص من السكان الغرب. وكان ميزان القوى العربي في غير مصلحته كذلك لأن الدول العربية قسّمت وفقاً لاتفاق”سايكس – بيكو، ورزحت بدورها تحت الاستعمار المباشر (البريطاني أو الفرنسي)، أو قُيّدت بمعاهدات استعمارية وقواعد عسكرية سلبت إرادتها، ومنعتها من دعم الشعب الفلسطيني، أو القيام بواجبها إزاء القضية الفلسطينية التي هي عربية بل كان هنالك إجماع باعتبارها قضية العرب الأولى، هذا وما كان وضع الأمة الإسلامية التي قسمت بدورها إلى دول رزحت تحت السيطرة الاستعمارية، أما عالمياً وخصوصاً، بعد الحرب العالمية الثانية، وانتقال الموقف السوفياتي لتأييد قرار التقسيم بعد أن كان يعارضه بقوة فقد مال ميزان القوى العالمي حكمه في غير مصلحة الشعب الفلسطيني.
هذا هو السبب الرئيسي رقم 1 في عدم نجاح المقاومة الفلسطينية السلمية والمسلحة حتى عام 1947، وهو السبب الرئيسي الذي أتاح للعدو الصهيوني أن يتغلب في الميدان العسكري والسياسي ويفرض إقامة دولته التي تخطت حصته في قرار التقسيم الرقم 181 بعد أن هجّر بالقوة حوالي ثلثي الشعب الفلسطيني (ما يقرب المليون) في حينه.
ولهذا علينا أن نقدر لأجدادنا ما بذلوه من جهود في المقاومة وما قدموه من تضحيات. فقد كانوا يسبحون ضد التيار، في ظروف موازين قوى غير مؤاتية. وإذا كان هنالك من مآخذ وأخطاء فما كان لتلافيها أن يُغيّر من النتيجة شيئاً حيث الاتجاه العام لتطور الصراع طبعاً لا يعني هذا عدم الحث على تلافي الأخطاء فهذا أمر ضروري حتى ولو كان تأثيره كمياً ونسبياً.
ومن هنا يجب انصاف الذين سبقونا من التهمة التي يرددها أنصار التسوية بأنهم أخطأوا لأنهم قالوا “لا” قبل 1947 ولأنهم رفضوا قرار التقسيم. وهاتان فريتان، فالقيادة الفلسطينية قبل 1947 كانت مرنة للغاية ومستعدة للمساومة وقدمت التنازلات الكثيرة حتى كانت في كل مرة توافق على ما استجد من هجرات يهودية غير شرعية، وكانت ترحب بما تقدمه بريطانيا من اقتراحات، وطالبت دائماً بإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مع مجلس يمثل اليهود بتساو مع المسلمين والمسيحيين. ولكن كل ذلك كان مرفوضاً لأن المشروع الصهيوني – البريطاني يستهدف إقامة دولة يهودية بعد اقتلاع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. فشرط إقامة دولة يهودية يقضي باقتلاع الفلسطينيين ومصادرة مدنهم وقراهم وأراضيهم.
وينطبق هذا على “قرار التقسيم” الذي لم تقصد منه بريطانيا سوى انتزاع موافقة هيئة الأمم المتحدة على قيام دولتين يهودية وعربية في فلسطين. أما بعد ذلك فلا بد من الحرب لكي يُهجّر أكبر عدد من الفلسطينيين وتُغتصب أراضيهم حتى يكون بالإمكان إقامة “دولة إسرائيل”. ولهذا لم تترك بريطانيا فلسطين إلا بعد أن سلحت جيش الهاغناه بما يتفوق على جيوش الدول العربية مجتمعة فيما تركت الشعب الفلسطيني أعزل من السلاح، إذ كانت تحكم بالإعدام على كل فلسطيني يعثر معه على غلاف طلقة فارغة.
ولهذا سواء أقبل الفلسطينيون بقرار التقسيم، أم لم يقبلوا كان لا بد من انتقال المعارك للسيطرة على أغلبية الأرض الفلسطينية وتهجيرهم فميزان القوى العسكري كانت في مصلحة “الهاغناه”، والتأييد الدولي من المعسكرين الغربي والشرقي كانا أيضاً في مصلحة الجانب اليهودي الذي راح السوفيات يمدونه بالسلاح عن طريق تشيكوسلوفاكيا. وكان الوضع العربي مسيطرة عليه بريطانيا وقد حُرمت جيوشه من أن تكون “جيوشاً فقد كان عديد الجيوش العربية التي دخلت فلسطين 23 ألفاً وعديد جيش الهاغناه 63 ألفاً، كما كانت المستوطنات قلاعاً محصنة بأفضل الأسلحة والاستعدادات، لذلك كيف يمكن للقيادة الصهيونية أن تنفذ قرار التقسيم لو وافق عليه الفلسطينيون؟ لا يقول بهذا إلا جاهل في طبيعة العقلية الصهيونية والمشروع الصهيوني وفهم ما معنى موازين القوى في الصراع. وتبقى نقطة يمكن إيرادها هنا وهي أن قيادة الوكالة اليهودية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تعترف بقرار التقسيم أصلاً، فكل ما جاء في بيان إعلان الدولة العبرية هي الإشارة إليه بالقول إن هيئة الأمم وافقت على إقامة دولة إسرائيل، فوق أرض إسرائيل، وبهذا تكون النتيجة الوحيدة فوق كل ما حدث لو اعترف الفلسطينيون بالتقسيم هو إعطاء شرعية للدولة المشروع غير الشرعيين حتى اليوم.
بعد قرارات الهدنة بين الدول العربية المحيطة بفلسطين 1949 – 1950 لجأت الدول العربية والقيادات السياسية الفلسطينية إلى مناشدة الضمير العالمي لتنفيذ قرارات هيئة الأمم بما في ذلك حق العودة. فمن عام 1950 – 1965 كان الكفاح الفلسطيني كله ذا طابع سلمي لاعنفي سواء بالنسبة إلى الأقلية الفلسطينية التي بقيت تحت الدولة العبرية، أم بالنسبة إلى فلسطينيين في مخيمات اللجوء. ولكن كان كل ذلك يصطدم بالرفض الإسرائيلي الذي حوّل خطو الهدنة إلى خطوط نار لمن يقترب منها. وراح يتهدد أية دولة عربية بالحرب والاحتلال، كما كان يصطدم بتواطؤ دولي لتكريس الأمر الواقع مع مشاريع لتوطين اللاجئين، كما كان هنالك وفاق الدولي بين المعسكرين على عدم الاحتلال بميزان القوى العسكري بحيث يبقى التفوق العسكري الإسرائيلي كاسحاً على كل الدول العربية والإسلامية. وهو قرار استراتيجي ساري المفعول إلى يومنا هذا.
وهكذا عندما بدأت عدة فصائل فلسطينية تفكر بالكفاح المسلح، فقد جاء ذلك بسبب انسداد طرق الكفاح السلمي واللاعنفي وهذا أبرزه بيان”العاصفة“(الجناح العسكري لفتح) عندما أعلن قيام الثورة الفلسطينية في 1/1/1965، ولكن الكفاح المسلح ما بين 1/1/1965 وحرب حزيران 1967 كان بداية صعبة بالنسبة إلى كل الفصائل التي شاركت فيه، ويرجع ذلك إلى الموقف العربي الرسمي، عدا سورية، الذي أخذ يطارد كل محاولة تستهدف اختراق الحدود والقيام بعملية عسكرية.
يجب أن يشار هنا إلى أن طبيعة الوضع الفلسطيني الذي نشأ بعد قيام الدولة العبرية لا يسمح بشن كفاح سلمي ما دامت الدولة العبرية قابعة وراء خطوط الهدنة مهددة كل من يقترب من تلك الخطوط بالقتل ومهددة الدول العربية التي تسمح بالاقتراب سواء أكان سلماً أو حرباً من تلك الخطوط بالعدوان عليها. ثم أضف البيان الثلاثي الصادر عن بريطانيا وفرنسا وأمريكا عام 1951 بحماية خطوط الهدنة وعدم السماح باختراقها. أما الأقلية الضئيلة المهددة بالاقتلاع والتهجير من عرب 48 ما كان أمامها سوى الانخراط في نضال مطلبي يحدده الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعندما حاولت حركة الأرض أن تتقدم ببرنامج يتحدث عن الوطن الفلسطيني والأرض الفلسطينية قمعت بشدة وشُتت.
ولهذا عندما لجأت فصائل المقاومة إلى الكفاح المسلح جاء ذلك، بالإضافة إلى ما ذكر من أسباب، نتيجة استحالة الاقتراب من الحدود بفعل شعبي جماهيري من أجل العودة، ولرفع راية الحقوق الفلسطينية المصادرة.
لقد حدث تغيير جوهري في الوضع الفلسطيني والعربي والدولي (وبالطبع الصهيوني) بعد حرب حزيران 1967 إذ احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة حيث ثمة كتلة جماهيرية فلسطينية كبيرة. واحتلت سيناء والجولان، مما ولّد أجواء عربية، بعضها من أجل”التغطية على الهزيمة“كما أشيع في حينه. وأكثرها، أساساً، بسبب الحاجة إلى أن يحمل الشعب الفلسطيني كتفاً في عملية”إزالة آثار العدوان“. أما على مستوى الشعب الفلسطيني فقد أصبح هنالك عدة ملايين (تتكاثر باستمرار) تحت الاحتلال، الأمر الذي طرح بعداً جديداً للشعارات الفلسطينية التي كانت تنادي بتحرير كل فلسطين بعد العام 1949، وهو مقاومة احتلال الأراضي التي احتلت منذ الخامس من حزيران 1967. وبدأ هذا الجانب يتطور عبر الضغوط الدولية والعربية وموازين القوى العامة ليصبح هدفاً قائماً بذاته ممكن التحقيق، في حين أصبح تحرير كل فلسطين يبدو بعيد المنال حتى بالنسبة إلى القوى التي ما زالت مؤمنة بالتحرر الكامل من النهر إلى البحر، وترفض رفضاً قاطعاً التخلي عنه أو الاعتراف بأي حق للدولة العبرية في فلسطين، وطبيعي أن تحرير فلسطين يجب أن يكون مشروعاً عربياً – إسلامياً، ولا يمكن أن يكون مشروعاً ذاتياً فلسطينياً، ولهذا أمكن القول أن مع التمسك يهدف تحرير كل فلسطين إلا أن شروطه العربية والإسلامية غير متوفرة ويجب أن تجهد الأمة بأسرها لتوفيرها ووضع هدف التحرير الكامل نصب عينيها، ولهذا فإن المهمة الراهنة للمقاومة الفلسطينية هي توفير شروط دحر الاحتلال من الأراضي التي احتلت في حرب حزيران 1967، وفي مقدمتها تفكيك المستوطنات واستنقاذ القدس والمسجد الأقصى، ومن دون أن يعترف بالدولة العبرية أو حدودها، أي العودة إلى خطوط هدنة 1949 – 1950 من دون قيد أو شرط. وبعد ذلك يقرر كل طرف في الشعب الفلسطيني برنامجه للمرحلة اللاحقة، بما في ذلك إقامة الدولة ولهذا ما ينبغي أن تُمس أساسيات القضية الفلسطينية ثمناً لما يمكن أن يسترجع من أراضي 1967، أو مقابل إقامة الدولة. فهدف المقاومة هو دحر الاحتلال عن الأراضي التي احتلت في حزيران 1967، وهذا الهدف يمكن أن تتفق عليه كل الأطراف الفلسطينية ويُحشد من ورائه إجماع عربي وإسلامي ودولي، رسمي وشعبي، هذا ومن دون حاجة إلى التبرع بالاعتراف بأي من القرارات الدولية التي تتضمن اعترافاً بالدولة العبرية أو حدودها.
فإستراتيجية المقاومة لها بعد فلسطيني، ولها بعد عربي وإسلامي ودولي، فإذا حظي هدف المقاومة بدعم سياسي عربي وإسلامي وعالمي تستطيع المقاومة أن تفرض على الاحتلال التراجع لأن إبقاء الآمال أمامه مفتوحة من خلال التسوية والاستعداد للتنازل عن أجزاء من أراضي الضفة والقطاع، وخصوصاً القدس راح يبعد أمكان فرض التراجع عليه ودحر الاحتلال بلا قيد أو شرط. وجاء يطرح موضوع الدولة قبل تحرر الأرض التي ستقوم عليها ليعرض الأرض نفسها للمساومة يُعرض مجموع الحقوق الأساسية في فلسطين للمساومة.
ومن هنا فإن المقاومة في فلسطين تمتلك البديل المتكامل ولكن المشكل هو في بديل التسوية الذي حول الصراع بعيداً عن جوهره، باعتباره صراعاً ضد احتلال ومستوطنات من قبل شعب يجاهد لإزالته وتفكيك آثاره (المستوطنات وضم القدس والاعتداء على المقدسات وتغيير الأمر الواقع في الأرض).
والمشكل أن تجربة بديل التسوية أخذ مداه ولفعل من أوسلو حتى الآن وجر الكثير من التنازلات. وقد وصل بنا إلى طلب دولة لا حدود لها مع جيران من الدول العربية ولا أرض موحدة تقوم عليها في ظل المستوطنات والجدار المسمى”أمني“وإنما أراض”موصولة"، ولا مياه تحتها لأن المياه ابتلعت مع الأراضي التي يراد ضمها ومبادلتها بأرض أخرى في صحراء النقب، وأصبح وجود المستوطنات ولا سيما تلك المحيطة بالقدس الكبرى موضع مساومة بحيث يبقى الجزء المهم منه، فهي دولة بلا سيادة، وبلا حدود عربية، وبلا أرض موحدة، وبلا مياه جوفية، ثم أضف دولة تتنازل من القدس وعن 55% من الضفة وعن حق العودة وكل مطالبات سابقة في فلسطين. بل حتى هذا كله ليس سقف البشرية لأن التجربة علّمت أن سقفها سيهبط أكثر كما حدث في كل المراحل السابقة..
ولهذا فإن بديل المقاومة في فلسطين يعتمد، في ما يعتمد، على فشل بديل التسوية، فضلاً عن اعتماده أصلاً على مشروعه الممكن النجاح، إذا ما تحققت الوحدة الوطنية الفلسطينية خلفه وتحقق إجماع عربي وإسلامي في دعمه، وإذا ما خوطب الرأي العام بأن القضية المطروحة هي الاحتلال ومقابله الشعب الفلسطيني الذي يريد التخلص منه.


titre documents joints

كرّاس حول المقاومة للأخ منير شفيق

1 حزيران (يونيو) 2013
info document : PDF
731.4 كيلوبايت

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 352 / 168549

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع اصدارات   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010