الأربعاء 27 آذار (مارس) 2013

نقطة بيضاء على اللوح الأسود: تجربة يرويها الأخ منذر إرشيد

الأربعاء 27 آذار (مارس) 2013

اللوح الأسود

نصف قرنٍ من الزمن أتذكرها منذ أيام المدرسة ، ربما وضعت لي بداية التحكم بمسيرتي في الحياة يوم كنت في الابتدائية أمارس الشقاوة المعروفة عند بعض الصغار ،وقد احتار المعلمين في أمري كيف يستطيعون ضبطي بعد أن جربوا الوسائل المتاحة تلك الايام ، وما أكثرها وأخيراً إهتدوا إلى وسيلة لطيفة بعيدة عن العنف من ضرب وفلقة وغيرها .. فحكم علي مربيَ الصف أن أكون عريفاً مع الاشغال الشاقة بتنظيف اللوح كلما امتلأ بالكتابة ، وقد وجدت فيها فرصة للهو البريء ولكن بأسلوب جديد هذه المرة ، حيث كنت بعد تنظيف اللوح ويصبح كالح السواد أضع في وسطه وبالطبشور نقطة بيضاء ، مما كان يثير الضحك لدى زملائي وحتى المعلم الذي كان يتعمد أخذ الطباشير وإخفائها عني قبل عملية المسح ،ولكني دائما كنت أحتفظ بالطبشور في جيبي وأضع النقطة البيضاء.
سألني المعلم يوماً بعد أن وضعت النقطة وسط اللوح وقال : لماذا لا تمسح اللوح جيداً .!
قلت: مسحته أكثر من جيد، الا تراه نظيفاً .!
قال: وما هذه النقطة التي وضعتها .!
قلت : ترى النقطة البيضاء الصغيرة ولا ترى بقية اللوح يا أستاذ .!
دُهشَ المعلم وقد أعجبته الفكرة وشرع يفسرها للتلاميذ وهو يقول :
- ياه فعلاً إن النقطة البيضاء تظهر رغم صغرها أكبر من اللوح...
وقد أعجبته الفكرة وبدأ يفسرها للطلبة
( النقطة البيضاء أكبر من اللوح الأسود ) .
...............

الحقيقة وأنا أستذكر هذا الأمر (الحدث الصغير) ينتابني شعور بالدفء ونحنُ في هذه الاجواء الباردة الملبدة بالغيوم والضباب الذي يكتنف منطقتنا العربية وقضيتنا الفلسطينية وما حل بها من سواد ، ولعل ما يراه الناس من ظلام دامس ، نهاره أكثر سواداً من ليله ، أبحث عن الطبشور الابيض فلا أجدُه ، فقد تعددت الوان الطباشير: أسود أحمر أخضر ، وكأن اللون الأبيض تم إلغائه إلغاؤه من قائمة الطباشير ، ولعل القاريء يدرك المعنى وبأننا نتعامل مع الحقيقة وليس الاشباح ، والحقيقة تقول أننا في الزمن الرديء، والرديء جدا ، ولكن ساقول لكم ...كم من الألوان البيضاء والاشخاص الرائعين والاحداث العظيمة التي مرت في هذا الزمن الذي ترونه قبيحا ً وهؤلاء سيظلون علامة فارقة ،لا بل سيبقوا نبراساً ومشاعل نور تضيء لنا وللأجيال القادمة لتؤكد أن البقاء لله وللحقيقة .
نتحدث هذا الحديث ولا نبتعد عن الهم الفلسطيني وما زلنا نعيش بين الناس وعلى الارض ولم نصعد يوماً برجاً عاجياً كما صعد البعض ، وما سأذكره من أحداث وأشخاص عاشوا ووضعوا نقاطا ً بيضاء على لوحي الاسود لعل وعسى يعطي دافعا ً للأجيال الناشئة نحو الغد المشرق ،
وقد استحضرتني الحياة بما أراد لها الخالق سبحانه وتعالى ، فقد خلق الله الانسان صفحة بيضاء ولكن شوهها باعماله من خلال نقاط سوداء تتراكم بافعاله الشيطانية ، ولولا عفو الله سبحانه بأن جعل الحسنات يذهبن السيئات لما بقي في صفحة أي إنسان مساحة بيضاء ، من هنا نجد أن سباقا ً رهيبا ً بين الخير والشر ، فالخير يحافظ على بياض الصفحة والشر يلوثها بنقاطه السوداء حتى تاتي ساعة الحساب فلا خيار ولا مجال لاحد أن يُبدل أو يُزور، سيقف كل واحد منا في موقف الحقيقة عاريا ،فلا كذب ولا خداع ولا سرقة ولا فساد ، ويحمل الواحد منا إحسانه إن أحسن وسيئاته إن أساء ، تشهد علية جوارحة التي يُنطقها الخالق العظيم بعقابة وعفوه وعدله
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه
وأمام هذا الموقف العظيم الذي استحضره كل يوم في حياتي وخاصة قبل نومي ترتعش فرائصي
)وأنا أراجع نفسي ، فيما أخطأت في حق الناس أو في جنب الله سبحانه ،وأرتبها ليوم جديد قادم أو لنوم ما بعده استيقاظ إلا على من سيسألني فيما وكيف أفنيت عمري .!
أنني حزين ومنذهل لكل هؤلاء الذين لا يتفكرون بالقادم وهو أسرع من البرق ، الايتفكر الواحد في الماضي كيف مضى ، بالامس كنا صغارا ًوبالامس القريب تزوجنا واليوم ابنائنا أبناؤنا اكبر منا عندما تزوجنا فكم بقي من العمر ؟ انها لحظة... وستاتي رغما عنا
وبعد ما تقدم سابدأ بسرد روايات قصيرة فيها بعض العبر من خلال أحداث واشخاص كنت شاهدا عليها او حدثت معي من خلال تجربتي بداية بالثورة عام 1967 وحتى ايامنا هذه ،وساسلسلها حسب المراحل التاريخية الهامة في تجربتنا الفلسطينية
وما دفعني لهذا هو ما يسمعه ويراه ويتداوله الناس عبر وسائل الاعلام المختلفة
من روايات تدخل الياس والاحباط في النفوس ،ولعلي لا ابالغ بالقول ان كثير ممن تروى عنهم بعض الروايات السيئة من خلال سلوك سلبي كانوا من اصحاب الماضي المشرف
وان تعميم السلوك السيء على الجماعة هو امر خاطيء وخاصة في مسيرتنا الفلسطينية التي يحز في نفسي التعرض لها بهذا الشكل المهين !!!
إنهم بغالبيتهم خرجوا من بيوتهم ومن أحضان آبائهم وأمهاتهم فتيان يافعين تربوا على الفضيلة والقيم والاخلاق ،ولم يتلوثوا بسلبيات المجتمعات السيئة ،لانهم أصلا (لم ينفصلوا) عن المجتمع الفلسطيني المحافظ والمتدين غالبا ،وعاشوا في ظروف القواعد الثورية التي كانت من نفس تكوين المجتمع الذي انبثقوا منه ،ولعل سائل يسأل لماذا نرى من تذكر فيهم هذه الصفات يتصرفون كما نرى الان وبعد هذا العمر وهذا التاريخ المشرف والابيض !!!
أسألة تخطر على بالي وأنا أستذكر منارات مشرقة لاحبة غاب من غاب منهم ، ومنهم ما زال على قيد الحياة ولكنهم ورغم كل سواد المراحل التي مرت علينا فما زالت صفحاتهم مشرقة تحافظ على نقائها وبياضها، ورغم هذا سيبقون فرسان كل المراحل
نصف قرنٍ من الزمن أتذكرها منذ أيام المدرسة ، ربما وضعت لي بداية التحكم بمسيرتي في الحياة يوم كنت في الابتدائية أمارس الشقاوة المعروفة عند بعض الصغار ،وقد احتار المعلمين في أمري كيف يستطيعون ضبطي بعد أن جربوا الوسائل المتاحة تلك الايام ، وما أكثرها وأخيراً إهتدوا إلى وسيلة لطيفة بعيدة عن العنف من ضرب وفلقة وغيرها .. فحكم علي مربيَ الصف أن أكون عريفاً مع الاشغال الشاقة بتنظيف اللوح كلما امتلأ بالكتابة ، وقد وجدت فيها فرصة للهو البريء ولكن بأسلوب جديد هذه المرة ، حيث كنت بعد تنظيف اللوح ويصبح كالح السواد أضع في وسطه وبالطبشور نقطة بيضاء ، مما كان يثير الضحك لدى زملائي وحتى المعلم الذي كان يتعمد أخذ الطباشير وإخفائها عني قبل عملية المسح ،ولكني دائما كنت أحتفظ بالطبشور في جيبي وأضع النقطة البيضاء.
سألني المعلم يوماً بعد أن وضعت النقطة وسط اللوح وقال : لماذا لا تمسح اللوح جيداً .!
قلت: مسحته أكثر من جيد، الا تراه نظيفاً .!
قال: وما هذه النقطة التي وضعتها .!
قلت : ترى النقطة البيضاء الصغيرة ولا ترى بقية اللوح يا أستاذ .!
دُهشَ المعلم وقد أعجبته الفكرة وشرع يفسرها للتلاميذ وهو يقول :
- ياه فعلاً إن النقطة البيضاء تظهر رغم صغرها أكبر من اللوح...
وقد أعجبته الفكرة وبدأ يفسرها للطلبة ( النقطة البيضاء أكبر من اللوح الأسود ) .

الحقيقة وأنا أستذكر هذا الأمر (الحدث الصغير) ينتابني شعور بالدفء ونحنُ في هذه الاجواء الباردة الملبدة بالغيوم والضباب الذي يكتنف منطقتنا العربية وقضيتنا الفلسطينية وما حل بها من سواد ، ولعل ما يراه الناس من ظلام دامس ، نهاره أكثر سواداً من ليله ، أبحث عن الطبشور الابيض فلا أجدُه ، فقد تعددت الوان الطباشير: أسود أحمر أخضر ، وكأن اللون الأبيض تم إلغائه إلغاؤه من قائمة الطباشير ، ولعل القاريء يدرك المعنى وبأننا نتعامل مع الحقيقة وليس الاشباح ، والحقيقة تقول أننا في الزمن الرديء، والرديء جدا ، ولكن ساقول لكم ...كم من الألوان البيضاء والاشخاص الرائعين والاحداث العظيمة التي مرت في هذا الزمن الذي ترونه قبيحا ً وهؤلاء سيظلون علامة فارقة ،لا بل سيبقوا نبراساً ومشاعل نور تضيء لنا وللأجيال القادمة لتؤكد أن البقاء لله وللحقيقة .
نتحدث هذا الحديث ولا نبتعد عن الهم الفلسطيني وما زلنا نعيش بين الناس وعلى الارض ولم نصعد يوماً برجاً عاجياً كما صعد البعض ، وما سأذكره من أحداث وأشخاص عاشوا ووضعوا نقاطا ً بيضاء على لوحي الاسود لعل وعسى يعطي دافعا ً للأجيال الناشئة نحو الغد المشرق ،
وقد استحضرتني الحياة بما أراد لها الخالق سبحانه وتعالى ، فقد خلق الله الانسان صفحة بيضاء ولكن شوهها باعماله من خلال نقاط سوداء تتراكم بافعاله الشيطانية ، ولولا عفو الله سبحانه بأن جعل الحسنات يذهبن السيئات لما بقي في صفحة أي إنسان مساحة بيضاء ، من هنا نجد أن سباقا ً رهيبا ً بين الخير والشر ، فالخير يحافظ على بياض الصفحة والشر يلوثها بنقاطه السوداء حتى تاتي ساعة الحساب فلا خيار ولا مجال لاحد أن يُبدل أو يُزور، سيقف كل واحد منا في موقف الحقيقة عاريا ،فلا كذب ولا خداع ولا سرقة ولا فساد ، ويحمل الواحد منا إحسانه إن أحسن وسيئاته إن أساء ، تشهد علية جوارحة التي يُنطقها الخالق العظيم بعقابة وعفوه وعدله
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه
وأمام هذا الموقف العظيم الذي استحضره كل يوم في حياتي وخاصة قبل نومي ترتعش فرائصي
)وأنا أراجع نفسي ، فيما أخطأت في حق الناس أو في جنب الله سبحانه ،وأرتبها ليوم جديد قادم أو لنوم ما بعده استيقاظ إلا على من سيسألني فيما وكيف أفنيت عمري .!
أنني حزين ومنذهل لكل هؤلاء الذين لا يتفكرون بالقادم وهو أسرع من البرق ، الايتفكر الواحد في الماضي كيف مضى ، بالامس كنا صغارا ًوبالامس القريب تزوجنا واليوم ابنائنا أبناؤنا اكبر منا عندما تزوجنا فكم بقي من العمر ؟ انها لحظة... وستاتي رغما عنا
وبعد ما تقدم سابدأ بسرد روايات قصيرة فيها بعض العبر من خلال أحداث واشخاص كنت شاهدا عليها او حدثت معي من خلال تجربتي بداية بالثورة عام 1967 وحتى ايامنا هذه ،وساسلسلها حسب المراحل التاريخية الهامة في تجربتنا الفلسطينية
وما دفعني لهذا هو ما يسمعه ويراه ويتداوله الناس عبر وسائل الاعلام المختلفة
من روايات تدخل الياس والاحباط في النفوس ،ولعلي لا ابالغ بالقول ان كثير ممن تروى عنهم بعض الروايات السيئة من خلال سلوك سلبي كانوا من اصحاب الماضي المشرف
وان تعميم السلوك السيء على الجماعة هو امر خاطيء وخاصة في مسيرتنا الفلسطينية التي يحز في نفسي التعرض لها بهذا الشكل المهين !!!
إنهم بغالبيتهم خرجوا من بيوتهم ومن أحضان آبائهم وأمهاتهم فتيان يافعين تربوا على الفضيلة والقيم والاخلاق ،ولم يتلوثوا بسلبيات المجتمعات السيئة ،لانهم أصلا (لم ينفصلوا) عن المجتمع الفلسطيني المحافظ والمتدين غالبا ،وعاشوا في ظروف القواعد الثورية التي كانت من نفس تكوين المجتمع الذي انبثقوا منه ،ولعل سائل يسأل لماذا نرى من تذكر فيهم هذه الصفات يتصرفون كما نرى الان وبعد هذا العمر وهذا التاريخ المشرف والابيض !!!
أسألة تخطر على بالي وأنا أستذكر منارات مشرقة لاحبة غاب من غاب منهم ، ومنهم ما زال على قيد الحياة ولكنهم ورغم كل سواد المراحل التي مرت علينا فما زالت صفحاتهم مشرقة تحافظ على نقائها وبياضها، ورغم هذا سيبقون فرسان كل المراحل..
إرتأيت أن أضع بعض التفاصيل الهامة لكي يتعرف الاخوة على مرحلة البدايات والتي لم تكن سهلة ،وأرجو من الاخوة التدقيق في الاحداث والحوارات وتحليلها كي يعرف الجيل الجديد حقيقة فتح بكل وضوح وبدون تزييف ، فتح التي انطلقت من أجل تحرير فلسطين وبخيرة أبناء فلسطين، وكيف كانت عملية التنظيم التي جعلت من فتح مارداً عملاقا ً وقف كل شرفاء العالم له باحترام وتقدير، عندما كان العمل خالصاً لوجه الله ولقضية فلسطين العادلة ،وما نراه اليوم ما كان ليكون لولا المراحل التي تلاحقت بفعل الظروف والمؤامرات وتداعيات الزمن العربي الرديء حتى صار حال فتح اليوم كما نراه بعد أن تعلقت بها الطحالب والطفيليات التي حاولت طمس معالم و تاريخ هذه الحركة الرائد ليسقطوا عليها أسمائهم الزائفة الفاسدة والمهترئة وكأنهم هم من صنعوها .

هزيمة ولدت العزيمة

قبل حرب حزيران بعام تقريبا بدأنا نشهد تحركات إسرائيلية رداً على هجمات فدائية كان يقوم بها فدائيون من العاصفة التي لم تكن معروفة بشكل كبير ولكن بعض العمليات أوجعت الكيان الغاصب ، فبدأ العدو يشن هجمات وتوغلا ت على بعض المواقع في الضفة الغربية كالسموع في الخليل ومناطق في قلقيلية وحتى جنين التي دخلتها قوات إسرائيلية وأثارت الرعب بين السكان من خلال نسف مطحنة للقمح مطحنة النفاع وإطلاق نارعشوائي
كانت المظاهرات قد عمت مدن الضفة احتجاجاً ومطالبة بتسليح الشعب كي يقاوم العدو،
كنت ومجموعة من الشباب قد انتظمنا بفتح من خلال أخ لنا كان يعيش في الكويت وهو مهنا الطاهر وكان قد تنظم على يد أبو اياد صلاح خلف رحمه الله ، وتم إيفاد شخص من قبل أبو إياد إسمه مجاهد حسن جلسنا معه خمسة أشخاص كخلية واحدة محمد لطفي جرادات ، فخري عيسى ، محمد داود جرار، رياض أبو زيد ، وحيد أبو الهيجاء ، وأنا طبعاً تعرف عليناوأعطانا بعض المعلومات وثبت عضويتنا في التنظيم ، وقد أعد خطة وبرنامج للتدريب وقال إنتظروا التعليمات
ولكن الحرب فاجأتنا بعد مدة بسيطة

استفاق العرب بعد الحرب عام 67 بعد صدمة النكسة وأي نكسة.!
وكأنهازلزال كبير وصاعقة نزلت من السماء أطاحت بأحلام الأمة التي كانت ترى في الدول العربية تحت قيادة مصر وعبد ناصر قوة النصرالمبين وتحرير فلسطين

حرب بدأتها اسرائيل بضرب العصب الرئيسي لقوة الدول العربية المحيطة بها من خلال قصف الطائرات العربية على الارض وخاصة في مصر و في ضربة استباقية في لحظة واحدة ضربة قاضية لم تبقي من القوى الجوية والطائرات العربية شيء وكل شيء أصبح حطاماً

فالجيوش العربية الشجاعة كانت بالكاد تدافع عن مواقعها أمام هجوم جوي بالطائرات التي لم تفقد منها إسرائيل أي طائرة حسب ما ورد من أخبار

وعندما أتحدث عن الحرب فانني أستطيع تأكيد ذالك من خلال مشاهدتي الشخصية للجبهة الشمالية من الضفة الغربية حيث كان الجيش الاردني

وللتاريخ أقول أن الجيش الاردني واجه القوة الاسرائلية بكل شجاعة في أكثر المواقع وكنا نشاهد هذا بالعين المجردة ، فالمعارك دارت على أراضينا وبين بيوتنا ، كنت شاهدا ًعلى ما جرى في منطقة جنين وخاصة في قريتنا التي انتقلنا إليها مع والدي وهي قرية صير والتي تقع بقرب الطريق المؤدية الى طوباس والاغوار

حيث كنا نشاهد المعارك الدائرة والتي استمرت ثلاثة أيام ، والطائرات تقصف الدبابات الأردنية من قباطية حتى ما بعد الزبابدة مرورا بتلفيت والكفيرحتى طوباس ، أما الكفير التي كنت على مشارفها أراقب كل شيء من صير فقد كان بين زيتونها معظم الدبابات والمدفعية ، وكان الجنود الأردنيون حقاً بواسل وشجعان بدباباتهم التي كانت تنسحب وهي تطلق النيران ، إلا أن قنابل النابالم لم تترك لهم مفراً من الموت ، إلا من استطاع أن ينجوا بنفسه بعد أن نفذت ذخيرته أو من الذين فضلوا الشهادة على أن يعودوا الى أهليهم مهزومين وهذا حصل بالفعل ،عندما رأينا عشرات الجنود الاردنيين اللذين كانو يبكون من قلة حيلتهم وضعف امكانياتهم ولم يرضوا مغادرة دباباتهم وقد احترقوا بداخلها
(مقبرة طوباس ) تحتضن جثامين كثير من أبطال الأردن ، وكل من يمر بالطريق يشاهدهم ،والشواهد كثيرة في نابلس (وادي التفاح ) في جنين ( معارك الكفير وطوباس والاغوار) ،والقدس وبشهادة العدو نفسه

نعم مرت ثلاثة أيام ولم يستفق الشعب الفلسطيني من الصدمة لمعرفة ما حدث وكأنه حلم وكابوس، ولم يصدق أحد أنها حقيقة والكل كان يتسائل !

أين المارد العربي .. أين القاهر والظافر.. أين طائرات الميج والسوخوي.. أين صوت العرب أحمد سعيد ؟ (تجوع يا سمك ) وبدل البحر تشرد الشعب في الصحاري و ذهب الحلم العربي وذهبت معه باقي فلسطين
(لمن لا يعرف) كانت إذاعة صوت العرب أقوى من الجزيرة هذه الأيام وكان أحمد سعيد مذيع وناقد إعلامي مخيف يحسب حسابه جميع الحكام العرب
وكان صوته هادراً رهيباً .( يعني مثل المثل نسمع قرقعة ولا نرى طحناً )

وبقرائه موجزة لما جرى ورغم كل ما نشر وصدر من تحليلات سياسية أجد أن اسرائيل التي بدأت تشعر بأن قضية فلسطين بدأت تتفاعل من جديد خاصة أن جمال عبد الناصر بدأ يحث الفلسطينيين على الإعتماد على أنفسهم من خلال منظمة التحرير وقد قال حينها كلمة مشهورة...
( إلي بيقول لكم أنه راح يحرر لكم فلسطين ..بيكذب عليكم ..لازم تعتمدوا على أنفسكم أولاً وبعدين نحن راح نوقف معاكم ونساعدكم ) أعتقد أن هذه الكلمات كانت نقطة تحول مهمة جدا
لأننا بعدها شهدنا النشاط الفلسطيني يدب من خلال العمل الفدائي المتواضع في البداية ومن ثم بدأ يتصاعد بشكل عملي ومن خلال ظهور حركة فدائية اسمها العاصفة ، خاصة أن عمليات فدائية نوعية بدأت تشنها قوات العاصفة في قلب الكيان الغاصب ،

طبعا إسرائيل كانت تأخذ كلام عبد الناصر على محمل الجد وكانت تعتقد أنه يعمل على تدمير إسرائيل رغم تصريحاته هذه ، وأنه يُحضر لحرب قادمة
ارتأت إسرائيل استغلال الظروف والتهديدات العربية التي تصدر من هنا وهناك فجمعت قواها بكل هدوء وصمت ،وفي لحظة تاريخية ليلة الخامس من حزيران عام 67 ضربت ضربتها القاصمة وهي تدعي الخوف من العرب

وبدل أن يظل العرب يطالبون بتحرير فلسطين ، نقلتهم الى المطالبة الى تحرير آثار العدوان والعودة الى حدود الرابع من حزيران

فتح العظيمة

وبعد الحرب بأسبوعين التقيت مع أخي فخري عيسى من مخيم جنين واتفقنا على أن نذهب لترتيب أوضاعنا مع الحركة وإحضار السلاح وقد عرفنا أنهم في مكان ما في سوريا

إنطلقنا عبر الاغوار ،في طرق جبلية وعرة وكانت أول مغامرة خطرة في سلوك المجهول .

وبالفعل ودون تفاصيل بما جرى معنا في طريق البحث عن النور الذي سيضيء لنا ظلمة الوضع الذي طراء علينا وصلنا الى دمشق وسألنا هنا وهناك من خلال الفندق الذي بتنا فيه ليلتنا وإذا بشخص ينام في الفندق يقول أنا آخذكم إلى معسكر فتح في الهامة ، بالكاد سمحوا لنا بالدخول وبعد معاناة استمرت أكثر من نصف يوم ، أمرنا المسؤول بالدخول الى غرفة والمكوث فيها حتى يأتي من يقابلنا ، وقضينا ليلتنا في غرفة ضيقة وقد أغلقوا بابها الحديدي ، كنا نسمع صوت الشباب وهم يتدربون ونحن محتارون لماذا وضعنا في غرفة دون سؤآل ( سجن )

وفي صباح اليوم التالي تم إخراجنا وإدخالنا واحداً تلو الآخر وعلى انفراد عند شخص بداء بتوجيه الاسألة الكثيرة والمعقدة وكأنه تحقيق رسمي ، من أين أتيت ولماذا أتيت وكيف وصلت ومن تعرف ومن أرسلك وكيف ومتى ؟
حتى أنه قال في نهاية الأمر اعذرونا فالتحقيق ضروري خاصة أن المعسكر صارمعروف و مكشوف للعدو وهناك طائرات استطلاع تقوم بتصويره منذ أيام ونحن في حالة طواريء ..
باختصار وضعونا في حالة من الخوف والقلق ناهيك أنهم حشرونا في غرفة مغلقة وكأننا معتقلين .!

الحقيقة أننا ندمنا على المجيء دون تنسيق، ولكن لم يكن بيدنا شيء ونحن لا نعرف مع من نتصل ،فكان الرأي أننا تسرعنا ، أعادونا لنفس الغرفة
( السجن) لم نعرف النوم إلا للحظات حتى استيقظنا قبل الفجر على أصوات ضجيج حولنا ،سمعنا خلاله جلبة وركض وصراخ ، وصوت يقول..
طائرة هيلوكبتر أنزلت جنوداً خلف المعسكر، وآخر يقول ..هناك طائرة أخرى ، ونداء وصراخ ...يا شباب الي بيقدر يهرب يهرب لأنه ما في سلاح وذخيرة كافية ..وآخر يقول الإسرائيليين هاجمونا ، وبدأ صوت إنفجارات وإطلاق نار غزير ،أما بجانب الباب فشخص يصرخ لزميل له: يا فلان وينك .. ! فيقول له الآخر أنا مصاب أشهد ان لا الاه الا الله ، ويصرخ الآخر : مات مات ،
صرنا نطرق الباب ونصرخ إفتحوا الباب ولكن لا أحد يجيب ، فالكل مشغول والحالة مثل القطران
أطفأت الأنوار وأصبح الظلام مخيماً علينا إلا من وميض الرصاص والأنفجارات
الحقيقة أننا أصبنا برعب شديد وتمسكت بصاحبي وقلت له..رحنا ببلاش يا فخري فقال: قول الله يرحمنا يا حبيبي، شو نعمل بنصيبنا الزفت .!
الحقيقة أن الموقف كان رهيبا ،وخاصة أننا سمعنا صوت دبيب أقدام مع صوت من يتحدثون باللغة اللعبرية ، طبعاً حسب ماكنا نسمع، قُتل من كان على الباب وسمعنا صوت يقول إرفع إيديك يا مخرب،وافتح الباب مين في في الغرفة هذه ، في القائد .! ورد عليهم وقال في إثنين ما تقتلوني ما تقتلوني ، فقال أحدهم مخرب كلب خذ... ورشقوا وابل من الرصاص ، وسمعنا من يقول فتشوا الغرف وقال آخر: هذه الغرفة مغلقة افتحوها بتفجير الباب ، وقال آخر لا لا خلينا نوخذ أسرى معانا... (الله لا يحط أحد مكاننا في تلك اللحظة )

وبالفعل تم خلع الباب مع قنبلة دخانية ولم نشعر إلا بمن ينقضون علينا ويربطوننا من أرجلنا وأيدينا وحملونا خارج الغرفة وهات يا ضرب وركل وشتم وقول
(مخربين مخربين )، وتسلطوا ضوء كاشف على وجوهنا فما عاد لنا عيون نرى فيها سوى النجوم مع أحاديث عربي مكسر مع عبري وكان من بين الحديث ( نقتلهم لالا بلاش نؤخذ أقولهم ومعلومات منهم أو نأخذهم معنا ، فقال أحدهم .. اسمعو اذا بتحكوا الصحيح ما بنقتلكم ماشي ..واستلموا فخري من جهة وأنا من جهة أخرى وهات أسئلة وتحقيق مع رفش وضرب وإطلاق نار بين الأرجل وفوق الرأس ...

أ نت إيش إسمك : فقلت له إسمي محمد ، فقال من أي بلد أنت.! فقلت من هنا من قرية الهامة فقال :أنت فلسطيني فقلت له: لا سوري، فقال : ماذا تعمل هنا..! فقلت له أنا سجين ،
فقال سجين ولا مخرب .! فقلت له أنا لست مخرب أنا بصراحة حرامي ، قال حرامي شو بتسرق ؟ فقلت له أنا وزميلي شغلتنا السرقة ونحن دائما بنخرج بالليل نبحث عن أشياء نسرقها ،ودخلنا هنا حتى نسرق معلبات ،لحمة ومربى ، فمسكونا وسجنونا ، فقال : يا مخرب هون في سلاح مش لحمة .. يعني أنت مش جاي من فلسطين ..! قلت لا شو فلسطين أنا بحكي الصحيح وإلا لماذا نحن مسجونين.! ما يقارب نصف ساعة من العذاب حتى توقفوا جميعاً بعد أن حضر أحدهم وقال خلاص بيكفي يا شباب الله يعطيكم العافيه ، نشف دمهم وما عاد فيهم حيل وبعدين بتخافوا يفقدوا عقولهم يخرب شركم أي أنا صابني رعب وأنا بتفرج من بعيد ، وبدأ الجميع بالضحك ، فصرخ المسؤول وقال جيبو الهم ماء خليهم يشربوا ،وقال خلص انتهى التدريب اليوم ،يا الله فكوهم ،وأضائوا الأنوار وانتهت المسرحية التي كان فيها الانفجارت والرصاص كله صوتي
الحقيقة لم أكن لأ صدق أن هذا كله تمثيل على الاطلاق ، وصرخت بأعلى صوتي : قطعنا الجبال والوديان والجبال حتى وصلنا هنا حتى تبهدلونا بهذه الطريقة .! فقال أحد الاخوة: انتم لسة شفتم حاجة ، راح تشوفوا نجوم الظهر حبيبي نحن هنا ثورة ولازم نتأكد من أي شخص قبل ما نضمه لصفوفنا( نعم هكذا كان الوضع )
طبعاً هدءوا من روعنا وبدأوا يمازحوننا وأحضروا لنا الماء والشاي وسجائر (أنا لا أدخن ) فخري مدخن أصلي ، ثم جاء أحد الاخوة وقال المسؤول يريدكم ،وكان قائد المعسكر حيث تكلم معنا قائلا : أهلا بكم يا شباب ومعلش لا تزعلوا من الذي حصل معكم الليلة،كان هذا ضروري وهو في برنامج التدريب
غداً سياتي المسؤول وعنده الكشف وإذا في إسم لكم سيظهر ونستريح جميعا ، على كل الاحوال يا اخوان الله يحييكم ولازم تفهموا أن الموضوع بحاجة الى تدقيق ونحن ما بنعرفكم رغم أنكم تقولون أنكم منتظمين ،ولكن لا يوجد معكم اثبات فمن حقنا أن نتأكد

ونمنا ليلتنا في نفس الغرفة وكنا نسمع التدريب من خلال صراخ المدرب واطلاق بعض الاعيرة النارية حيث كانوا يهتفون باناشيد العاصفة ،ولم يهدئوا إلا بعد أذان الفجر حيث سمعناهم يصلون الفجر جماعة

وفي الصباح طلب منا التوجه لمقابلة المسؤول ، وبالفعل دخلنا غرفة كان بداخلها رجل مهيب بهي الطلعة جميل الوجه وابتسامته لا تفارق كلامه الصارم طويل القامة وصوته جوهري : قال أهلا وسهلا بالشباب أنت فلان ..! وأشار إلي وباسمي الكامل ، وأشار إلى صاحبي وذكر اسمه وقال: حياكم الله وبدأ معنا بحديث ودي: وقال أهلا بكم يا شباب ومعلش لا تزعلوا من الذي حصل معكم الليلة ، بس بجد كنتم قبضايات ، وضحك وقال يعني لو اعترفتوا انكم مخربين مثل ما قالوا شو يعني.! ما هم طاخينكم طاخينكم ، يعني تنحتوا الاثنين ولبستوا حالكم إنكم حرامية.. لا يكون الحرامي شخصية محترمة ..! ضحك وضحكنا وبدأ يتحدث وكأنه يعرفنا منذ زمن وبلهجة قروية من قرى مناطقنا الشمالية وقال عليكم تقدير الظروف والصبر وستعرفون أنما عملوه الشباب هو لصالحكم وصالح الثورة ،
أعاد لنا روحنا التي كنا نظن أنها ضاعت ، وأضاف.. اسمعوا طبعا أنتم تعرفون أسس التنظيم من خلال خلفيتكم مع الاخ فلان ، وما دام رضيتم أن تنضموا إلى الحركة راح تخضعوا لتدريب مكثف حتى تعودوا للوطن بسرعة وأنصحكم نصيحة ، إياكم أن تقولوا للمدرب كلمة لا أو لا أريد
فنحن هنا لا نقوم بأي شيء خاطيء وكل ما يطلب منكم مدروس وليس لك أن تعترض إلا بعد أن تنفذ الامر ،،فقلت له: يعني يا أخ (صم بكم فهم لا يعقلون )، فتبسم بسمة فيها نوع من الاستنكار وقال:لا لا كله إلا (لا يعقلون) ..ونحن لا نريد فدائي بلا عقل ، المقصود الانضباط ، كل شيء مدروس وأهم شيء الاخلاق والاستقامة والايمان بالله فوق كل شيء
أي شيء بدكم تحكوه قولوه الان وأي سؤال أنا أجاوبكم عليه، لأن بعد ما تخرجوا من عندي ما في أحد راح يسمع لكم طول فترة التدريب ..مفهوم

الحقيقة أنه أراحنا في حديثه وقد استمع الينا بشكل ممتاز وخاصة أني كثير الاستفسارات حتى أنه قال لي وهو يبتسم : باين عليك غلباوي ومع هذا أنا أحب اللي مثلك ، لأني أنا غلباوي مثلك ، إسأل عن أي شيء تريد ولا يهمك لانك بعد الخروج من عندي لا بعرفك ولا بتعرفني ولا حتلاقي أحد يجاوبك عن شيء يا غضيب ، قالها بتحبب وضحك ضحكة لطيفة أراحتنا ، ذهبنا إلى التدريب بكل ثقة ورغبة وقال كلمة أخيرة إسمعوني جيداً

الحرب قلبت الدنيا وما كان جائزاً قبل الحرب لا يجوز الآن فخططنا كلها تغيرت ... نحن بحاجة للتركيز على النوعيات وهذا دوركم ،فأنتم أبناء الوطن وتعرفون الناس فكل من سيأتي من طرفكم ستتحملوا مسؤوليته ،ولهذا ستخضعون لدورة تأسيسية قوية ومركزة تستطيعون بعدها أن تفهموا كيفية العمل والتنظيم والتدريب

فقلت له نحن لا نستطيع ان نتأخر وخاصة ان لا أحد من أهلنا يعلم عنا شيئا وستكون هناك ضجة على غيابنا ممكن أن تؤثر على سرية عملنا فقال: أحسنت ولذالك ستبدأون التدريب من هذه الساعة ولن تتأخروا أكثر من اسبوع

وبالفعل انضممنا إلى الدورة التي كانت قد سبقتنا باربعة أيام وكان عدد المتدربين قليل خمسة عشر فقط

أمضينا أسبوع تدريب رهيب كل يوم يُعد بشهر مما رأيناه من عجائب وعذابات

وبالفعل ما قالة أحدهم.. أنتم بعد ما شفتم حاجة ..ولكن رغم قسوتها إلا أنها كانت مفيدة جداً فقدت من وزني أكثر من سبعة كيلو غرامات ،

وبعد أن أنهينا التدريب قابلنا نفس المسؤول الذي لم نعرف إسمه ، ودعنا بكل ود واحترام وتمنيات وقال: اسمعوا مني هذه النصيحة أهم من كل ما أخذتم من تدريب أن تلتزموا بالايمان بالله ويكون عهدكم مع الله وليس معي أو مع أي شخص مهما كان وحافظوا على الصلاة فهي عماد الايمان وطريق الجهاد لان المقصود إما النصر أو الشهادة ، توكلوا على الله وعودوا الى أهلكم بهدوء وأضاف أما بالنسبة لغيابكم : إخترعوا أي قصة عن سبب غيابكم وإياكم أن تعلموهم بشيء ،وأضاف سنتصل بكم خلال اسبوعين وستعرفون برنامجكم وفق ما نرى ونخطط إما نزودكم بالسلاح أو تعودون لاستلامه لأن الان لا يوجد لدينا سلاح سوى للتدريب

وعدنا كما أتينا ومن نفس الطريق التي كانت ما زالت مفتوحة أمام النازحين العائدين

وبقي هذا الرجل الذي لم نعرف اسمه حيث كان محذورا ًعلينا الأسألة وخاصة عن الأسماء بقي لغزاً محيرا ً وقد ترك أثراً بالغاً في نفسي وشعرت أنه قريب مني وكأنه من أهلي ولم أكن أعرف أنه سيكون أهم شخص في حياتي

الاخ منذر ارشيد

أول لقاء مع ياسر عرفات في جنين

بعد عودتنا إلى الوطن وقد تجاوزنا مسألة غيابنا عن الأهل التي أوجدت جواً من التساؤلات عن سر هذا الغياب ، وقد آثر الوالد رحمه الله تجاوز هذه المسألة وطلب من الجميع السكوت لشعوره أن في الأمر شيء له علاقة في الجو العام الجديد (الاحتلال الاسرائيلي والصدمة التي أحدثها)
مع الشعور بخطورة الوضع العام ، وكما أن النبض الوطني بدأ يتأجج بين معظم الناس ،والأهم من هذا كله حاله الترقب والقلق التي سادت المشاعر و أن تحولاً لا بل انقلابا مس كل شيء داخل المجتمع الفلسطيني آنذاك ،وهو أمرأحدث تغييرا ًفي العلاقة بين الناس وأفراد المجتمع الأب.. (رب الاسرة والابناء) وخاصة الشباب منهم الذين وجدوا في الوضع الجديد فرصة للإنفلات من قيود الأب الصارم إلى الحرية في اتخاذ القرار، والقرار أصبح وطنياً ليس عليه قيود .
توجهت إلى القرية ومكثت في مزرعة والدي كي أبقى غائبا عن الانظار ويتعود الناس على ذالك لكي اكون في حلٍ من الاستفسارات لدى الفضوليين سواءً من الأهل أو الأصدقاء أومن ذوي النوايا السيئه ، والأهم من هذا كله كي أصفي ذهني للعمل في تنظيم بعض الشباب والتكيف مع الوضع الجديد وما هو قادم
وفي أحد الأيام وبعد أسبوعين فقط حضر الأخ فخري إلى المزرعة وطلب مني مرافقته للقاء شخص مهم جداً ومسؤول طلب مقابلتنا
فخري لقبه أحد القادة ( بالصابونة) لأنه سريع الحركة وصعب المسك.. ذكي جداً
توجهنا إلى منزل في مخيم جنين تفاجأت بأني أعرف أصحابه من عشيرة ( ابو الهيجا) وابنهم وحيد كان معنا في التنظيم حيث اعتقلنا سويا أيام الاردن قبل الاحتلال بتهمة الاشتراك بالمظاهرات وتنظيم سري
دخلنا المنزل الذي استقبلنا فيه الأخ وحيد وكان في الغرفة ثلاثة أشخاص أحدهم يضع كوفية وعقال ويلبس نظارة سوداء وشخصين أحدهم والد الاخ وحيد وشخص آخر لم نعرفه ... رحب بنا صاحب المنزل وقال : أهلا بالشباب ، أعرفكم على الأخ أبو محمد وهو يريد أن يتعرف على خيرة شباب الوطن ، وبدون أي مقدمات تقدم الرجل نحوي وقال: أنت مش كدة ؟
فقلت : نعم فعانقني عناقا حارا ً كأنه يعرفني و فعل نفس الشيء مع الاخ فخري
وجلسنا وتناولنا الشاي وهو يتحدث بهدوء ولكن بلكنة مصرية فقلت متسائلا : الاخ مصري ؟ فقال وبأسلوب فكاهي: دا أول سؤآل عندك .! وتابع قائلا : يعني علشان اللهجة .. ودي بتفرق بايه ؟ فقلت له : لا أبدا ً كلنا عرب فقال: أيوه كدة الكلام صح ، على كل الاحوال أنا فلسطيني بس عايش في مصر ، فقلت له حياك الله شو ما كنت ، بينما كان أخي فخري يدوس على قدمي و يهمس : أسكت يا رجل، تابع الرجل قوله : باختصار أريد أن أرى همتكم وقد تدربتم في معسكر الهامة ونحن معتمدين عليكم في تشكيل تنظيم قوي في منطقة جنين، ولازم تعرفوا انكم أول نواة رغم أنه في غيركم قبلكم وبعدكم ، لكن أنتم اول العسكريين وسنعتمد عليكم في تدريب الشباب عدا عن نشاطكم التنظيمي
قلت : شو عسكريين وتدريب ..كل اللي تدربناه أكم يوم وعلى ماذا تعتمد علينا ..!
فقال : أيوَ تدربتم كم يوم ..المهم أنكم تدربتم وغيركم ما بيعرفش حاجة وأنتم أحسن من غيركم ولا إيه يا غلباوي ..! قالها بمرح
وتابع قائلا : طبعا عرفتم أن أهم شيء في عملنا هو الانضباط وأول حاجة تعلمتوها هي
( ديمقراطية الرأي ودكتاتورية التنفيذ) بمعنى ( نفذ.... ثم اعترض ) ، ومن هنا أقول لكم أنكم منذ هذه اللحظة بتأخذوا تعليماتكم من القائد الميداني الأخ نصري وأشار الى الرجل الثالث الذي كان معه والذي وقف بقامته الطويلة وشاربه الكثيف وباعتزاز وثقة قال : أشكرك يا أخ أبا محمد على هذه الثقة وسأكون عند حسن ظنكم وتابع قائلا : الشباب انا بعرفهم وبعرف كل شيء عنهم ولو أنهم ما بيعرفوني وهم سيكونوا ملتزمين مئة بالمئة وأضاف بلهجة إستعلائية ..أنا ما عندي يا أمي إرحميني
، الحقيقة كنت سأتكلم وأصرخ لولا أن فخري داس بقدمه على رجلي وغمزني بعينه
فقال أبا محمد : في لكم أي استفسار قبل أن تغادروا ..! فقال فخري : لا لا .. كل شيء واضح ونحن تحت الأوامر ، نظر أبا محمد إلي وقال.. يظهر صاحبك مش عاجبوا كلامك ، بالفعل كان باديا على وجهي علامات الاستفهام وشيء من القهر لأني أولاً تفاجأت بالموضوع كله ومن هذا أبو محمد الذي يعطينا الأوامر .! وثانياً لم يدخل مزاجي هذا المتعجرف نصري ....
فقلت له :نعم عندي سؤآل .. لم نتعرف بحضرتك مع كل الاحترام فقال : ألم يقل لك أبو وحيد أني أبو محمد وبعدين قلت لك أنا مش مصري أنا فلسطيني ، فقلت له ..حياك الله يا أخ أبو محمد ولكن باي صفة تتحدث معنا وتعطينا أوامر وتنصب علينا مسؤولا ؟
غضب الرجل الذي بجانبه ( نصري )وقال بصوت الغاضب : مبين عليك كثير غلبة
فقال أبا محمد : لا يا نصري ... لا ...خلي يتكلم دا .. حقه وتابع ..أنا حريحك ألم تنتظروا رسول من القيادة !.وتابع.. أنا يا سيدي رسول القيادة هل استرحت الآن ؟
الحقيقة خرجنا من البيت وأنا لست مقتنعاً تماماً ليكون عندي الثقة المطلقة وخاصة أننا بصدد عمل كبير وخطير يتعلق بالوطن والمقاومة
نظرت الى فخري ونحن لم نبتعد عن البيت سوى خطوات وقلت : يا أخي من هذا أبو محمد ؟
فقال لي : بعدين أقول لك خلينا الآن نبتعد عن البيت فقلت له :علي الحرام ما بتحرك الا بعد ما تخبرني من هذا الذي يلقي الأوامر علينا ونحن لا نعرف من هو ؟، وايش يعني رسول .!
الرسول يبلغ رسالة ، أما هذا فيتحدث وكأنه منتجمري، وكل كلامه أوامر ، فقال فخري : يعني انت مش مصدق انه رسول ؟ فقلت له : لا انا مش مقتنع بكل الموضوع ، فقال : انا بعرفك .. غير ربنا ما بيقنعك على كل الاحوال انا قابلته قبلك وساقول لك من هو لكن على شرط فقلت له : ما هو الشرط ؟ فقال : بعد ما اقول لك بتوكل ... وبتسكت فقلت له : ولك احكي وخلصنا ،
فقال ولك هذا قائد حركة فتح وقوات العاصفة الدكتور أبو محمد . طبعا أنا كنت قد سمعت بالاسم في المعسكر (الدكتور أبو محمد ) وكنت كل ما ارى رجل عليه الهيبة يدخل المعسكر كنت أعتقد أنه هو فقلت : ولك هذا القائد الدكتور أبو محمد ! فقال: نعم هل ارتحت الآن .!
لم أجبه ... وبدون مقدمات وبشكل عفوي ومفاجيء وبدون أي سبب أللهم أني شعرت برغبة جامحة لرؤيته مرة أخرى ، عدت مسرعاً إلى المنزل الذي كنا فيه وفخري يركض خلفي ويحاول إمساكي ليمنعني وهو يصرخ:يا مجنون إلى أين ذاهب .! وصلت الباب و بدأت أطرقه بسرعة ، ففتحت أمرأة أم وحيد ، وفخري يقول لها : ما في شيء ما في شيء اغلقي الباب
يا زلمة انت راح تخرب بيتنا وتدمرنا بعملتك هذه يا زلمة خلاص، وبدون شعور دخلت إلى المنزل أمام ذهول المرأة التي كانت تسأل مين أنتم يا شباب وماذا تريدون ؟ دخلت الغرفة التي كنا بها وأنا متلهف للقاء القائد مرة أخرى بعد أن عرفته (كان شعورا خارجا عن أي انضباط طبعا ... ولكنه في نفس الوقت كان مبررا لشاب مثلي في هكذا مفاجئة ولم أكن أعرف ما أريد
ولكن المفاجئة ألاكبر .. أنني لم أجد أحدا ًفي الغرفة .. الغرفة نفس الغرفة التي غادرتها قبل ثلاث دقائق لا أكثر .. لا يوجد بها أحد ، لا يوجد أثر لابريق الشاي ولا للاكواب التي شربنا بها،ولا أي شيء يوحي بأن أحداً كان في الغرفة .! واأام ذهولي وذهول المرأة صاحبة المنزل والتي قالت وبدهشة كبيرة : مالك يا بني ماذا تريد ؟ فقلت ..أين الجماعة ؟ قالت : ما في جماعة عندي أنا لوحدي ، وما في غيري انا وبنتي في البيت ، يظهر انك غلطان يا بني ، وبعدين مين انت يا خالتي شو جاي بدك ... ضايع لك شيء يا ياما .. انتابني شعور بالحيرة والخجل والفضول لمعرفة ما يحدث فنظرت الى المرأة وقلت : نحن كنا هنا قبل ثلاث دقائق وكان هنا وفي هذه الغرفة أشخاص أين هم؟ وين وحيد وحيد إبنك أين هو .! فقالت : إنت بتعرف وحيد يما وحيد يا خالتي راح على نابلس من الصبح ، يا خالتي الله يرضى عليك يظهر انك غلطان في البيت .! قال فخري .. لا يا خالتي حصل خير واضاف ( هو عنده مشكلة الله يساعده ) وكانه يوحي لها أنني مجنون.. فقالت : بسيطة يا خالتي الله يشفيه لاهله والله يا حوينتي عليه شاب مثل الوردة
الحقيقة أمام هذا الموقف لم أجد نفسي الا خارجا من المنزل وفخري يحدثني وكأنه يتحدث مع نفسه : يا رجل الم اقل لك ما في داعي ترجع وتحرجنا .... يا الله خير اللي ما لقينا احد ، الحقيقة خرجت وفخري يساعدني بسحبي من كتفي وكانني في جنازة ، حيث فقدت توازني من هول الصدمة.......واسألة تدور في رأسي وكأنني في كابوس رهيب
ولأول وهلة شعرت أني في حلم أو كابوس .هل كنت مخطئاَ ... فالمنزل هو المنزل والغرفة نفس الغرفة.... ولكن الاحوال تغيرت بلحظة واحدة وقد إختفى الجميع بهذه السرعة ،
أدركت في النهاية أنه كان درساً لي ، وصفعة عقاب ...
وحركة الزامية للتأمل والتفكير والصبر وعدم الإلحاح

رفض الالتزام بقائد أهوج

عدت الى مقري في المزرعة حيث أصبحت جنين المدينة بالنسبة لي ممر ورغم أنها كانت بيتي ومدرستي الذي تربيت وتعلمت ولعبت في كل ميادينه وشوارعه ،وفيه مسكن العائلة أصبحت سيد نفسي وأحب البيت الصغير في المزرعة المتواضعة على ظهر الجبل

طبعا كنت التقي مع بعض الاخوة منهم من كان منظما في الحركة ومنهم لم يكن وكنت أجري نوع من العلاقات العامة من خلال التعرف على الناس في القرى حولنا

وبعد أسبوع جائني الأخ فخري وأخبرني أن الأخ القائد نصري عساف( عينه الدكتور أبو محمد) يريدنا للاجتماع به في جنين

وبالفعل توجهنا سوياً الى المدينه وكان اللقاء في مقهى صغير مقابل المقاطعة مركز قيادة الاحتلال ،مما جعلني أتردد في البداية ، وكان هناك عدد من الاخوة أعرفهم وهم من الشباب ، لم أتفاجاء بهم فهم من خيرة شباب البلد ، وسالت باستغراب.. لماذا هنا الاجتماع ؟
فقال أحد الاخوة : الأخ نصري هو الذي حدد المكان فقلت : شو هالهبل ، كل البلد ما وسعتكم وما لقيتم إلا مقابل المقاطعة (الجيش الإسرائيلي) وما لقي الأخ نصري غير هالمكان..!؟ فاشار لي فخري منبها فاذا الاخ نصري يدخل ويسلم على الجميع وكأنه سمع استفساري فقال وبطريقة استفزازية : شو مش عاجبك المكان ..!أنا أخترته قصداً وعمداً لأنه لا يلفت إنتباه أحد

قلت في نفسي : وجه نظر

بدأ الاخ نصري حديثه وقال أنا هنا قائدكم وأنا ممثل القائد العام الدكتور أبو محمد
( أبو عمار ) وتحدث بفوقية وبأسلوب الآمر الناهي فمثلا قال : أنا وصلتني معلومات أنكم تجاهرون بالتنظيم للثورة وتتباهون أمام الناس وهذا خطاء قاتل

وقال أيضا :سمعت أن هناك من تحدث عن دورات تدريب في الشام ،وهذا أمر يخضع للمسائلة وللعقاب واللي مش خايف على حاله هو حر فنحن مسؤولين عن بعضنا ولازم نحمي بعض ولهذا ما بدها المسألة طول لسان ولا تباهي (وشوفيني يا صبية ) ،
وتابع كلام فيه تهديد ووعيد لكل من يخالف ولا يلتزم بالأوامر وسيكون هناك تواصل ورسائل يتم توصيلها للجميع عبر شخص يحمل كلمة سر نتفق عليها والتنفيذ فوري وأي تأخير بلعن وبخبط على راسه اللي بيتأخر أو بيعمل أي خطأ

الحقيقة كل حديثه لم يكن فيه أي معنى اللهم سوى عرض عضلات وتهويج وتشكيك حتى أصبح الواحد منا ينظر إلى الآخر وكأنه هو المعني ،وأكمل حديثه بأسلوب همجي لا ينم عن المسؤولية على الاطلاق
الحقيقة أني بدأت أنتفض من الغضب وكأني كنت أريد أن أقول له يلعن كذا ويلعن اللي جابك والي حطك وطز فيك وأنا رافضك ورافض أوامرك
نظر إلي فخري وهو يعرفني جيداً وقال لي بوشوشة.. من شان الله ما تحكي واصبر يا زلمة
التزمت الصمت لأن فخري بالنسبة لي العقل والمفكر الذي كنت أثق به
كادت الجلسة تنتهي ويذهب كلٌ منا لطريقه لولا مفاجأة حصلت وكانت كالتالي ..
جاء صاحب المقهى وهمس في أذني وقال صاحبكم حامل مسدس ومسدسه ظاهر والكل في المقهى رئاه ويتحدثون عنه
فكانت بالنسبة لي فاتحة خير وفرصة لكي أنفس عما في داخلي فقلت : يا أخ نصري ، جاي تعطينا أوامر ونصائح عن الأمن والسرية ومسدسك ظاهر جنبك
فقال وهو يحاول أن يخفي المسدس أسفل القميص قال :أي مسدس هذا.. أنا ما معي مسدس وبلاش فلسفة .!

تقدمت نحوه ووضعت يدي على المسدس وقلت : كمان بتكذب يا رجل والله عيب عليك يا قائد

فقال :إسمع ولك ..ترا إنت مش داخل مخي من ساعة ما شفتك أول مرة انت واحد مفلسف وكثير غلبه وما بدك تشتغل
فقلت له: ممتاز جدا ...تعادلنا.. وانت مش داخل عيني ومنذ هذه اللحظة أنت لست مسؤولاً عني

خرجت ودمي يغلي وأنا أرى هذه المهزلة.. مسؤول يجتمع بنا بجانب أخطر مكان

ويحمل مسدس ويقول عنا بأننا ثرثارين وفاسدين وغير منضبطين ،

عدت الى القرية وأنا أحمل هماً لم أكن أحمله من قبل وخاصة أن هذا الشخص مسؤول عن مصير شباب مناضلين مثل الورد وكان خوفي عليهم من هذا الرجل الأهوج أكثر من العدو
(لم أشك به لحظةواحدة أمنياً... ولكن ليس كفء)

حضر إلي فخري في اليوم التالي وأخبرني بأن هناك عمل يجب أن نشارك فيه وليس هناك داعٍ ٍللخلاف مع نصري وخلينا نتجاوز المشكلة الان ، حتى نثبت أننا قد المهمة الموكلة لنا
وأضاف ..أنا تفاهمت مع نصري ولم يعد زعلان وأننا يجب أن نذهب الى قباطية من أجل تدريب الشباب ..قلت له ممتاز جداً وأنا على استعداد
ذهبنا إلى قباطية وإذا بالمكان المعد للتدريب بجانب الطريق الرئيسي ولا يبعد عن الشارع الذي تمر منه الدوريات الإسرائيلية سوى أمتار وكان هناك أكثر من عشرون شاباً يتدربون وكان نصري هناك وعندما رءاني قال : هلا بالمشاغب بدنا نشوف شطارتك هنا وتفيد الشباب بدل الحكي الفاضي ، نظرت إلى فخري وقلت: أيوا رجعنا إلى نصري
فقال إسمع الله يرضى عليك نحن الان لا بيعنينا نصري اللي بيعنينا أن نثبت أننا على قدر المسؤولية وبالله عليك تنساه
كان هناك رشاش ومسدس وقنبلة دربنا الشباب عليها وانصرفنا بسرعة وكنت طيلة الوقت قلقاً ومتوجساً والسيارات الإسرائيلية تسير على الشارع ولو نزل جندي ليقضي حاجته لرأى بأم عينه هذه المهرجان الذي يستره بعض أشجار الزيتون
وصلنا الى البيت في المزرعة ،جلست مع فخري قلت: اسمع يا فخري : بالله عليك هذا معسكر تدريب غير مكشوف مثل مسدس نصري ..! صحيح أن الاسرائيليين بعدهم ما استقروا في البلاد ولكن هل تصدق أنهم ليس لهم عملاء وعيون في البلد، يا رجل إذا من أول الطريق هيك فوضى شو بيكون حالنا بعدين ..! أنا بصراحة لن أعود لهذا المعسكر مهما كلف الأمر
فقال : نعم يا أخي لهم عملاء وبحب أقول لك : أن عادل مثقال يراقبني أنا وأنت منذ أكثر من شهر (عادل هذا كان من أوائل العملاء في جنين،وقد تم تصفيته لاحقا )فقلت : أعرف هذا ولهذا انا حريص جدا ً وقد سأل عني أخي أكثر من مرة وجاء الى القرية قبل يومين بحجة أنه بائع خضار وسأل عن عنب وقالوا له : فقط في عنب عند فلان ( في مزرعتنا) وبالصدفة عرفت عندما أخبرني عمي وسألني ألم يحضر عندك شخص لشراء عنب .! ووصفه بالضبط حيث كان يعرج قليلا .

وقلت سأسألك سؤآل آخر : هل تعتقد ان العملاء لا يعرفوا نصري هذا الأهوج

فقال: ممكن لكن أحنا مالنا ، فقلت :آه ...احنا مالنا !!!! ... هذه اعجبتني منك يا فخري اتعرف لماذا ؟ تابعت قائلا (مالنا ) هذه صحيحة عندما لا يكون لنا علاقة ،أما في حالتنا فنحن مشكوكين في خيط واحد مجرد مُسك واحد سحب بقية الناس ونذهب بستين داهية وقبل أن نعمل شيء ، فهمت يا حبيبي ، قال بنوع من السخرية والمداعبة المحببة :فهمت يا حبيبي لكن أنا بديش أفهم وبدي أظل حمار حتى ما يقولوا عني اني جبان ، قلت: إنت حر أما أنا فأنا جبااااااااااان
ولن أعمل في أي إطار يكون فيه نصري على الإطلاق ورفضت العودة للمعسكر رغم إرسال الأخ نصري لي على مدار أسبوع وكان جوابي له ( لا أعرفك ولست مسؤولاً عني )

قبل هذا باسبوع سمعت وعرفت أن إبن عم لنا قد حضر من المانيا حيث كان هناك منذ عشر سنوات وهو مهندس درس وعمل هناك ،وأبلغني أحد أعمامي،( عمي هذا هو صاحب البطيخ في الحلقة الاولى) أنهم ذهبوا للسلام عليه ولكنه لا يستقر في القرية منذ حضوره وأنه يغيب طوال النهار وأحيانا يومان وثلاثة ولم يتمكن من السلام عليه ،حتى أنه قال لي : أي هو على إيش شايف حالُه واحد غاب كل السنوات ولا يقعد يومين ليستقبل أقاربه ، شو يعني مهندس .!
مهندس على حاله

الحقيقة لم أعر أي إهتمام لحديث العم فعندي ما يشغلني ..ولم يخطر على بالي أن إبن العم هذا له شأن كبير ....

يتبع ... المناضل القائد (( أبو كفاح ...أحمد ارشيد ))

أبو علي إياد ..قطاع الجولان والعمليات الفدائية

نظراً للأحداث المتسارعة خاصة في سوريا ، رأيت أن أضع هذه الحلقات قافزاً عن التسلسل الذي حاولت إتباعه كمراحل متتابعة في مسيرتي مع الثورة
ووضعي لهذه الحلقات الان التي من المفترض أن تكون بعد الحلقة ال 15 والتي هي من الحلقات الهامة جداً ، فوجدتني مضطراً أن أقدمها الان من أجل أن يتعرف المتابعين والقراء على ما يجري الان في المنطقة وخاصة في سوريا وأسبابه التي تعود إلى عقود من الزمن مررنا عليها مرور الكرام دون تدقيق ولا تمحيص

وأعتقد أن لا أحد كتب عن هذا الموضوع بتفاصيله الدقيقة والتي ستبين التآمر الدولي والعربي والداخلي على الثورة منذ البدايات وكيفية التخلص من القادة الأوائل واحداً تلو الآخر حسب ما تقتضيه المراحل السياسية
الحقيقة أن الشهيد أبو عمار وسيرته بكل تفاصيلها التي أعرفها أنا وضمن حدودي والتي عايشتها كانت ليست الأهم فقط بل كان يجب أن تسبق حكاية أبو علي حتى يعرف القاريء دقائق الأمور وأسباب الأحداث ومسبباتها وتداعياتها ..وكما قلت "الضرورة لها أحكام "
ولعل الله يقدرني أن أضع كل ذلك في كتاب

ولأن أبو علي إياد كان ضمن مرحلة من المراحل التاريخية للقضية الفلسطينية وفي فتح بالذات ، وكان يجب التخلص منه وذلك للزوم ووجوب الإنتقال إلى مرحلة أخرى في مخططٍ شامل بدأت خيوطه تُنسج بعد معركة الكرامة ، ولا أبالغ في القول أن معركة الكرامة كانت ضمن خطة مرسومة من قبل صانعي القرار الدولي والصهيوني حتى يتسنى لهم سحب الثورة ومنظمة التحرير من مكانها الصحيح إلى المكان الخطأ القاتل هنا وهناك إلى آخر المطاف حتى يوصلها إلى الحائط المسدود ويأخذوها حيث يشاءون ، (وهكذا كان )
وما دعاني للتعجيل في هذه الحلقات لأن أبو علي كان لفترة من الزمن صاحب الجولان ..نعم الجولان وقد أطلق على الأخ نصر يوسف إسم
( نصر الجولان ) لأنه كان قائد القطاع المكلف من أبو علي تحديداً ،وكان هذا لقطاع أكبر قاعدة ثورية تنطلق منها العمليات الفدائية المؤثرة في ذلك الوقت ، لم يكن حينها شيء إسمه النبطية أو العرقوب ولا شقيف ولا حاصبيا " كان قطاع الجولان والقطاع الشمالي والجنوبي والأوسط في الأردن ،
من هو أبو علي إياد ..!
أطلق على أبو علي إياد هذا اللقب ( عمروش فلسطين ) لأن عمروش كان قائد في الثورة الجزائرية وقد عُرف كأسطورة في الشجاعة والصرامة واتخاذ القرارات الصعبة ولكني أضيف أو أقترح أن يُسمى
( الفاروق أبو علي) لأنه كان يفرق بين الحق والباطل وكان كالسهم الذي إن مرَ في إتجاه غير الكثير من الظواهر الفاسدة وحول الأمور تحولاً جذريا إلى الإتجاه الصحيح .

عرفنا أبو علي هذا القائد المتميز بقدراته وكفائته القيادية من حيث الصرامة والشجاعة والتفاني والإخلاص وكان ذلك بعد حرب حزيران وفي معسكر الهامة " تعرفنا عليه عن قرب أكثر من غيره من القادة وذلك بسبب تواجده الدائم في معسكر الهامة الذي كان أهم مكان يتجمع به المناضلون "
وسبب وجوده الدائم لأنه كان يتشافى من آثار إصابة بالغة جراء انفجار عبوة ناسفة بينما كان المدرب الشهيد (منهل شديد )
يُدرب مجموعة من الفدائيين وذلك نتيجة خطأ فني مفاجيء .

كان الشهيد أبو علي يقيم في غرفة صغيرة في المعسكر ،
وكانت مشرفة على ميدان التدريب حيث كان يراقب كل ما يجري من تدريبات على مدار الساعة ، وكان يعطي تعليماته وملاحظاته للمدربين
وبعد أشهر وبعد عودتنا إلى المعسكر وقد حضرنا من داخل الأرض المحتلة
وكنا في عمليات مكوكية بين المعسكر والداخل ننقل الأسلحة والذخائر
وهي الفترة التي كان أبو عمار يتواجد فيها داخل الضفة الغربية
تعرفنا أثناء ذلك على الشهيد أبو جهاد والأخ أبو اللطف الذي كان يُعطينا دروسا ومُحاضرات تثقيفية تعبوية وسياسية
وكما تعرفنا على الشهيد أبو صبري صيدم الذي كان يقود عمليات عسكرية إلى داخل الوطن
وبعد فترة جاء أبو عمار إلى المعسكر والتقى بأبو علي بعد ثلاثة أشهر من غيابه داخل الوطن،وكان لقاءً حاراً حيث عرفنا أن آخر مرة رآه فيها كان ما زال يرقد في مستشفى المواساة
كان أبو علي حبيب الجميع وله تأثير واضح على مجمل العمل والكل يلتقي في غرفته للأطمئنان عليه من ناحية وللتنسيق الذي كان واضحاً أنه صاحب كلمة في معظم الأمور العسكرية (خريج كلية شرشال العسكرية )
وفي تلك الفترة بدأ أبو علي يخرج متعكزاً على عصاً بسبب إصابته البالغة في قدمه ناهيك عن فقدانه لأحدى عينيه
كانت الإبتسامة لا تفارقه ولكن عينه الوحيدة كانت تُشع بريقاً وقوة
كان رحمه الله رغم قسوته وبطشه في الفاسدين ،كان محبوباً عند الجميع ، طيب المعشر حلو الحديث خفيف الدم صاحب نكتة مع لهجته القروية المحببة ، (يا غضيب ) كانت كلمة يرددها كل يوم إما جاداً مع المخطئين أو مازحاً مع الطيبين ، كان صارماً عندما يلزم الأمر "وكثيراً ما كان يلزم .

بدأنا نرى شدته وقوة بأسه أمام من يرتكبوا الأخطاء وخاصة الخطايا
مثل السُكر أو السرقة أما القضايا الأخلاقية فيا ويل من يثبت أنه ارتكب الرذيلة ، ويا ويل من كان يسيء التصرف أثناء العمل
في الدوريات التي كانت تتوجه إلى الأرض المحتلة
كان يضرب كل من يقع تحت يده من خلال تلك الأخطاء ، عندما كان يسمع عن مشكلة حدثت في أي قطاع أو أي قاعدة كان يستقل سيارته ويتوجه نحو الهدف ويعاقب فوراً ويحل أي مشكلة
وكم كانت تنكسر عصاه على رأس أو كتف من يقع تحت يده
وكما يقال( العصاة لمن عصا ) ورغم أن بعض القادة كانوا لا يستسيغون أسلوبه العنيف، إلا أنه ثبت وبالدليل القاطع أنها كانت من أهم طرق الأصلاح والعمل الثوري في ذلك الوقت
وذلك لما كنا نرى من تحول واضح في كثير من مسلكيات بعض
الشباب الذين جاؤوا للثورة بأخلاقيات غير مقبولة وتربية ليست سوية
في عهد أبو علي إياد سادت ثقافة العقاب والثواب في أجمل حالاتها لدرجة أننا كنا نتخيل أنفسنا في زمن الصحابة الذين كانوا يقيمون العدل بالعقاب والثواب
بدأ أبو علي نشاطاته الميدانية في الأشهر الأخيرة من عام 67 حتى أصبح لا يكل ولا يمل ولا يترك موقعاً من مواقع المقاتلين إلا وزاره وأشرف على تأهيله بكل ما يلزم ، وكان جل إهتمامه بالأشبال الذين كان يرى فيهم المستقبل ، وقد كان أول من أسس معسكرات الأشبال وأكاديمة الأشبال في مصياف بالقرب من طرطوس .
سافرت معه أكثر من مرة إلى قواعد الأردن وقد زارها من شمالها إلى جنوبها وكان يأكل ويشرب وينام في السيارة وصادف أنه كان موسم البازيلا في أحدى المرات وكانت مونته أكياس بازيلا يشتريها عبر الطريق ويأكلها خضراء وكان يكتفي طوال اليوم
وخلال مدة بسيطة عمَ صيته في كل مواقع النضال الفلسطيني ليس في فتح فقط بل وفي كل التنظيمات الفدائية
وكان مجرد ذكر إسمه يدخل الرهبة لدى الكثيرين وخاصة ممن كانوا ضعفاء النفوس وكثيري الأخطاء
كانت له نظرة وفراسة عظيمة في الأشخاص " حيث كان يتفحص كل من يراه وقد كشف أكثر من عميل من خلال طرح عدة أسئلة عليه مع نظرته الثاقبة
فكان يقول لمسؤول القاعدة: ضعوا هذا الشخص تحت المراقبة
وكم من العملاء تم كشفهم من خلال نظرة أبو علي بهم

فراسة نادرة

الشهيد أبو علي إياد

منذ حرب حزيران وبعد أن انتشرت قوات الثورة وفتح في الاردن لم يستلم القائد الشهيد أبو علي إياد أية مسؤولية على الساحة الأردنية وذلك بسبب إصابته الخطيرة التي أقعدته طيلة عام في مستشفى المواساة في دمشق ومن ثم في معسكر الهامة القيادة المركزية لقوات العاصفة آنذاك "وكان يمارس منها نشاطه بكل ما أوتي من قوة رغم إصابته "
صحيح أنه كان يشرف على القطاع الشمالي في الأردن من خلال قيادات ميدانية وكان يزورهم ويزور القواعد كل فترة ولكن لم يكن أبو علي معروفا في الاردن كما عُرف أبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد وأبو صبري الذي كان يتولى قيادة القطاع الأوسط في السلط
لم يكن الجميع يعرفه معرفة شخصية ،كنا نسمع من يسألنا.. كيف هو أبو علي إياد .. هل هو طويل ضخم .. ! كانت سمعته قد وصلت لكل المواقع
حتى أحداث أيلول التي شهدت صراعاً مريراً بين الأردن والثورة ،و لم يكن لأبو علي أي تواجد في الأردن ،

لم يكن من المقرر أن يكون أبو علي إياد في الأردن رغم أنه كان ومنذ أن تأسست القواعد الفدائية في الأردن كان دائم التجوال بين مختلف القواعد لا يكل ولا يمل بحيث كان يعرف كل مقاتل بإسمه ومضمونه
ورغم إصابته البالغة وفقدانه إحدى عينيه ورجله ورصاصة أخرى بعدها مما جعلها تفقد50%من صلاحيتها ، وأستطيع أن أوأكد أن وجود أبو علي إياد في الاحراش وفي الوقت الضائع لم يكن مصادفة بقدر ما كان هناك توجه عام وشامل للتخلص منه وذلك لأسباب سياسية قد تم رسم مخططها لتشتيت الثورة الفلسطينية ونقلها من مكان إلى آخر وصولاً للهدف المرسوم .. وسأوضح ذلك بالتفصيل من خلال ما هو قادم .

كما ذكرت سالفاً فإن سيرة الشهيد القائد الفذ أبو علي إياد ليست مجرد رواية تُروى ولكنها تحكي مع حياته وأعماله مرحلة تاريخية من مراحل القضية الفلسطينية وحركة فتح وهي أيضاً تعطي توضيحاً لأمور سياسية
أفضت إلى تحولات إستراتيجية على العمل الثوري والتحولات التي جرت في تلك الحقبة والتي نقلت الثورة من مرحلة العنفوان والشموخ إلى مرحلة الهبوط خاصة في الصراعات البعيدة عن الهدف الحقيقي للثورة مما شتت العمل النضالي وأضعفه حتى إنقض عليه العدو وشتت الشمل وأبعدنا عن حدود الوطن وذلك من أجل تنفيذ المخطط المرسوم
ومعذرة للتوسع في الحديث عن سيرة الرجل وقد حاولت الإختصار إلا أنني لم أستطع القفز عن بعض الأمور التي تحكي قصة وحياة هذا الرجل الي سأتوسع أكثر من خلال كتاب سيكون شاملاً
عملي مع أبو علي إياد
لم أعمل مع أبو علي بشكل مباشر إلا في الفترة الأخيرة من حياته ولكن أستطيع القول أني عملت تحت إشرافه طيلة ثلاث سنوات , وكل من كان فدائياً في فتح في ذلك الوقت يعرف أن العمل في القطاعات والقواعد والتدريب كان موزعاً من خلال الاشراف القيادي كما أصبح الحال مع الشهيد أبو جهاد (القطاع الغربي ) فأبو علي كان مسؤول معسكرات التدريب ومشرف على القطاع الشمالي في الأردن بمعنى أنه يعين وينقل ويثبت كل القيادات الذين تحت إشرافه ,أعتقد أنه كان ضمن توزيع المسؤوليات المركزية
معسكر ميسلون بعد معسكر الهامة
وكان هذا المعسكر الثاني بعد الهامة وهو من أهم وأكبر المعسكرات من حيث الموقع والمساحة والإمكانيات حيث كان معسكرا لتدريب الفتوة السورية (طلاب المدارس )
وقد منحته القيادة السورية آنذاك لأبو علي لثقتهم ومحبتهم به
القيادة السورية التي كانت برئاسة الأتاسي وصلاح جديد والذين انقلب عليهم حافظ الأسد في إنقلاب سلمي مفاجيء بعد أحداث أيلول في الأردن

كنت قد تسلمت معسكر ميسلون بعد أن كنت نائبا لقائد المعسكر آنذاك وهو الشهيد منذر ابو غزالة الذي كان نعم الأخ والصديق , ولكنه غادر لدورة ضفادع بشرية واستلمت قيادة المعسر بعده , وهذا المعسكر الواقع على الحدود مع لبنان في منطقة دير العشائر , كان ضمن مسؤولية الشهيد أبو علي والاشراف المباشر ,وكان يلقى الدعم الكامل من الحكومة السورية في ذلك الوقت وخاصة من وزير الداخلية محمد رباح الطويل الذي كانت علاقته مع الأخ أبو علي علاقة قوية جداً , وقد رافقت أبو علي في زيارة لوزير الداخلية آنذاك وعرفه علي وقال له بالحرف الواحد
( ممكن أن يكون هذا الغضيب رسول بيني وبينك ,)
طبعاً كان هناك ضابط ارتباط سوري أسمه أبو المجد وهو الذي كان ينسق بين قيادة فتح والقيادة السورية وقد لمع إسمه وبات معروفاً للجميع
ذهبت مرتين بورقة فيها طلبات ذخيرة ومواد تدريبية وكان يرسل معي ضابط ويحملني أضعاف ما في الورقة
كنت أسمع أبو رباح يقول لأبو علي ..الرئيس والقيادة كلها تبلغك تحياتها وتشد على أياديك يا أبو علي ويقولوا لك ما يهمك شيء أطلب وتمنى الجولان تحت تصرفك واعتبره جزء من فلسطين
كانت القيادة ورئيس سوريا كان نور الدين الأتاسي وصلاح جديد الأمين العام للحزب وكان حافظ الأسد رئيس الأركان وقائد سلاح الجو
كان قد أنتقل أبو علي من غرفته في المعسكر إلى بيت لا يبعد عن المكان سوى عشرون متراً , وعلى الشارع الرئيسي الذي يربط دمشق مع لبنان وفي الهامة , كان له غرفة على الشارع الرئيسي في بيت أبو أحمد سلوم (سوري ) وهو جار المعسكر , الحقيقة أن بيت أبو أحمد كان كله في خدمة أبو علي , الطعام الشراب التنظيف وكأنهم أهله , وكان إبنه أحمد شاب صغير ويقوم بخدم أبو علي وكان يحمل في داخله روح الثائر , كان البيت في طرف أرض زراعية كبيرة يربون بها الأبقار وينتجون الحليب والألبان

حنكته وقدرته على التحكم

كانت المسافة من معسكر ميسلون إلى الهامة نصف ساعة بالسيارة ,فكنت يوميا ً أزوره و آخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة
بقيت في معسكر مسيلون ما يقارب الستة أشهر خرجت خلالها دورتين أحداها أوصلتهم إلى سفوح جبل الشيخ في منطقة عرنة وكانوا أول مجموعة تتسلم العمليات في منطقة الجنوب اللبناني , وقد خاضوا معركة قوية مع الاسرائيليين واستشهد منهم عدد وأسر ثلاثة وتم عرضهم في إذاعة إسرائيل واعترفوا أنهم تدربوا في معسكر ميسلون ..وهدد الناطق الرسمي بقصف المعسكر وقتل أبو علي اياد .وتمت الإغارة على المعسكر بعد شهرين تم تدميره بشكل فظيع
ولكن كنا قد أخذنا الاحتياطات اللازمة ولم يصب أحد بأذىً بفضل الله
كنا نخاف على أبو علي من عملية إغتيال خاصة أنه لم يكن حريضاً والبيت مكشوف , كان ذلك بعد تهديدات إسرائيل لأبو علي وقد قالوا له أنت لست بعيد عنا أيها المخرب
طلبت منه بإلحاح أن يغير مقر إقامته ..كان يضحك ويقول : خايف علي يا غضيب .! ولك هو أنا احسن من اللي بيروحوا ..!
قلت له:طيب ممكن نعمل حماية حديد وشبك للشباك الذي يطل على المزرعة , قال روح يا ولد بلا حماية بلا بطيخ ..
وفي ليلة سهرت عنده مع عدد من الإخوة , غادرنا بعد متصف الليل وقمت بحركة غير عادية ,نزلت إلى المزرعة خلف البيت وألقيت عبر الشباك قنبلة يدوية كنت قد عطلت صاعقها المفجر
طبعا إنكسر الزجاج مما أحدث صوتاً خاصة أن أبو علي رآى القنبلة وهي تسقط عليه فخرج مسرعا وصرخ على الحارس قنبلة قنبلة ,
طبعاً غادرت المكان بسرعة وعدت إلى المعسكر ..في الصباح جئت إلى الهامة وإذا بجلبة وعدد من الناس موجودين عند أبو علي والحديث يدور عن محاولة إغتياله
دخلت بين الحشد وقلت شو هالخبرية يا عم أبو علي..!
وبدون أن يجيب نظر إلي نظرة رهيبة وقال للجميع بالله يا إخوان إتركونا لوحدنا أنا ومنذر ..قالها بطريقة لطيفة وأضاف أنتم مش غشيمين بدي أعمل شوية ترتيبات معه
وطلب من الجميع مغادرة الغرفة ...وقال أغلقوا الباب خلفكم
نظر إلي وقال وبصوت منخفض ( كلمة ورد غطاها ...إنت إللي عملت هالعملة أو لا ..!)
قلت أنا .. !كيف أعمل هيك عملة الله يسامحك يا عمي أبو علي

قال أخفض صوتك أقسم بالله إذا ما قلت الصحيح فوراً إلا أطخك
قلت : كيف عرفت .. قال يعني إنت , وقفت وذهبت إلى الباب وقلت له نعم أنا وسأخبر الإخوان جميعاً
وقف وأمسكني من شعري ووضع رأسي على السرير وكتم على أنفاسي حتى كدت أختنق وهو يقول قسما ً بربي يا مجنون إذا بتنطق بحرف إلا أعدمك بإيدي , ولك علي الضمان إنك ما فيك عقل ,
ثم تركني ووضع إصبعه على فمه وقال هُس ولا تحكي حرف ..قلت ليش يا أخ أبو علي, عادي أنا عملت هيك حتى تهتم بأمنك ونحميك ..
قال ..ولك مين راح يصدق إنك مش جاسوس وراح تخضع للسجن والتحقيق ويقال أن أبو علي عنده جاسوس رسمي , وسمعتك بتصير زفت وهات بعدين قطبها
خلاص ما تحكي شيء وخلي الأمور عادية والكل فهم إنها محاولة إغتيال
وروح جيب حداد واعمل اللي بدك إياه يا غضيب , والله إني من أول ما حصلت الحادثة وأنا شاكك فيك يا عفريت
الحقيقة كلما أتذكر هذه القصة يرتعش جسدي لأنها كانت دقائق رهيبة بالفعل

قرار ...إلى بغداد لأهداف متعددة

بعد هذه الحادثة بوقت قصير وكان ذلك في عام 69 إستدعاني القائد وطلب مني التوجه لبغداد للأشراف على تدريب دورة مهمة جداً , وقال لي بالحرف الواحد , إسمع أريدك أن تنتبه لكل صغيرة وكبيرة في المعسكر
(معسكر منعم ) ضمن معسكر الرشيد , وقال بالحرف الواحد:
بدي تكون عيني هناك (مش عيني المطفية )
ذهبت إلى بغداد وتسلمت التدريب وخلال مجهود شهر كامل من التدريب انتقيت من خمسمائة شاب مائة فقط لدورة صاعقة ,لأن العدد المطلوب فقط مئة , وقبل بدء الدورة عدت بإجازة إلى دمشق , وفوراً توجهت إلى الهامة والتقيت بالقائد أبو علي ..وأول ما بدرني بالسؤال
قال لي: هات ما عندك ..قلت : ما عندي شيء سوى الدورة وسنذهب إلى آمرية الصاعقة بعد أسبوع .. قال :هذا كل اللي عندك يا غضيب ..! طيب شو راح تسمي الدورة ..قلت ما بعرف أنت صاحب الأمر
قال إسمها دورة فاطمة برناوي شو رأيك ! قلت عظيم
قال وبعدين ..! قلت : شو بعدين ! قال :شو في ما في هناك .!
قلت مثل إيش ..! فصرخ وقال يخرب بيتك قلت لك فتح عينك على كل شيء على الفاضي , شو أخبار فلان ..!(ضابط تم تعينه قائداً للمعسكر)
قلت : أيوا والله إني نسيت لقد أرسل لك معي هدية ( أربع مسدسات )
أخرجتهم من حقيبة وأعطيتها له , نظر اليها وقال والله هدية حلوة
شفت كيف طلع أحدق مني هالملعون ... ولك انا بعثتك حتى تراقبه وتجيب لي معلومات عنه , أتريه بيراقبني وباعتك ترشيني وضخك ضحكة طويلة ولكن فيها غضب
قلت : شو بدك تعرف عنه ..غير أنه من أذكى وأدهى ما مر علي وسيكون له شأن كبير , وبعيدن ليش ما تسأل أبو عمار عنه .!
قال ما هو ما راح يودينا بستين داهيةإلا أبو عمار إلي بيلم وبيعين ما هب ودب ..صبرك بالله
الضابط كان في الجيش الأردني وقد تم تقاعده بشكل مفاجيء ويبدوا أنه كان على اتصال مع أبو عمار الذي عينه في العراق مباشرة بعد تركه الجيش الأردني
) لا أريد ذكر إسمه الان والذي سأشرح بالتفصيل في الكتاب لأنه أصبح شخصية جدلية وكان له أدوار مؤثرة جداً(
للعلم ..بعد شهرين جاء أبو عمار للمعسكر وطرد الضابط وطلبه للمحاكمة وتم فصله من الحركة أول مرة .....القصة طويلة جداً لأن هناك ثاني مرة وثالث مرة ..!
أنهيت دورة فاطمة برناوي التي استمرت شهرونصف كان فيها الأخ االقائد إبراهيم أبو النجا وأبو سيف الهدار وعدد من الذين أصبحوا قادة
يقال أنها كانت من أقوى دورات الصاعقة بشهادة العراقيين آنذاك وعلى رأسهم آمر الكلية العسكرية داوود الجنابي رحمه الله ..ولنا قصة معه سنرويها في الكتاب


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1787 / 168549

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع تجارب وثورات   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010