السبت 4 آب (أغسطس) 2012

التسلح وسياسة الحروب

السبت 4 آب (أغسطس) 2012

أصبحت صناعة الأسلحة وتجارتها في الأزمنة الحديثة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسياسات الحروب التي تعتمدها الدول الصناعية الكبرى، وفي مقدمها الدول الست الكبرى - الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن: أميركا وروسيا والصين وانكلترا وفرنسا والمانيا، والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة ومعروفة، ومنها على سبيل المثال ان تجارة الأسلحة قد عاشت عصرها الذهبي في عصر الحرب الباردة حتى وصلت في العام ١٩٩١ - وهو العام الذي اعلن فيه انتهاء عصر الحرب الباردة مبلغ ٦.٢٣ مليار دولار، ثم بدأت تجارة الأسلحة بالانحسار والتراجع فوصلت في العام ١٩٩٥ الى حدود ٢.١٩ مليار دولار، لتتراجع في العام ٢٠٠٠ الى حدود ٣.١٥ مليار دولار، وجاء اعلان الحرب العالمية على الارهاب في اعقاب احداث ١١ أيلول/سبتمبر ٢٠١١، ليعيد اثارة هيجان الحروب، ولتتحرك من جديد حركة السباق المتسارع في دائرة التسلح العالمية.

التحديات الأمنية والتسلح

كانت التحديات الأمنية عبر التاريخ هي المدخل الطبيعي الذي تسير فيه الشعوب، بارادتها واختيارها، للتزود بالسلاح. وتعرف الشعوب العربية خصوصاً هذه الحقيقة من خلال تجربتها الذاتية، فلولا التحديات التي اقترنت بتشكيل الدولة العبرية - اليهودية بحسب التوصيف الاسرائيلي. ولولا استمرار التحديات الاسرائيلية وتطورها باستمرر لما اسرع الشعب العربي للبحث عن الأسلحة، ومحاولة الوصول الى افضل الأسلحة والوسائط القتالية لحماية الأمن الوطني والأمن القومي. ومن المعروف ان تجارة الأسلحة وصناعتها، قد احتلت موقعها المتقدم جداً على رأس قائمة السلع او المواد التجارية، الاستهلاكية منها وغير الاستهلاكية. لقد تعاظمت اهمية هذه الصناعة وتجارتها مع تطور التقانة المتسارع حتى وصل ثمن الأسلحة التقليدية مثل الدبابات وراجمات الصواريخ والعربات المدرعة والطائرات ووسائط الاتصال والسيطرة، وشبكات الرصد والاستطلاع والانذار المبكر الخ... الى مبالغ مالية مذهلة جعلت كثيراً من شعوب الارض تعرض عن الحصول عليها حتى لو عاشت تحت ثقل التحديات الأمنية. ولهذا لم يكن غريباً ولا مباغتاً ان تحرص الدول الصناعية الكبرى، المنتجة للأسلحة والتي تبذل كل جهد مستطاع لاقتحام اسواق الدول التي تمتلك قدرة مالية او ثروة نقدية وذلك عبر تنظيم حملات التهديدات الأمنية. بحيث اصبح فن زراعة الالغام المتفجرة داخل المجتمعات وعلى تخومها من الفنون المميزة

لسياسات الدول الصناعية الكبرى في تعاملها مع شعوب الأرض. وتنظيم هيئات مخصصة للدراسات لوضع حوارات للتهديدات الموجهة الى الأمن القومي بحيث يؤدي قرع طبول الحرب الى حالة من الصمم العام الذي يصرف تفكير الشعوب الى اقتناء السلاح ولو كان ذلك على حساب متطلبات بناء المستقبل.
يصبح من المتوقع، ان تتحول صناعة الأسلحة وتجارتها الى ميدان للمنافسة بين الدول الصناعية ذاتها بعضها ضد بعض للحصول على صفقات التسلح المثيرة للاغراء... وبذلك اصبحت معارض الأسلحة التي تقام عادة في عواصم الدول الكبرى ونموذجها الأحدث والأكثر شهرة في هذا العام معرض لو بورجيه الفرنسي للطيران في العام ٢٠١١، وكذلك المعارض المماثلة في عواصم دول الخليج العربي، حيث تعرض أكثر المنتجات اهمية واوفرها تقانة، وأيسرها استخداماً، وأحدثها ابداعاً وابتكاراً كما لو كان الأمر يتعلق بتنمية المجتمعات وتطويرها ولا علاقة له بالقتل والتدمير والاستنزاف المادي والمعنوي، وهنا لا بد من التوقف عند قاعدة اقتران التسلح بسياسات الحروب من خلال النقاط التالية:

أولاً - ربط تجارة الأسلحة بالسياسات الدولية
١ - ابقاء حدود تجارة الأسلحة تحت سيطرة الدول المصدرة للأسلحة...
٢ - الحرص على التوازنات في مناطق الحروب دون اتفاقات دولية... ذلك ان الدول الصناعية تعتبر ان تجارة الأسلحة هي التجارة الأكثر قدرة على تحويل البلاد التي تستورد الأسلحة الى مناطق نفوذ، وهو ما كان يسمى قديماً بالاستعمار. فالأسلحة بحاجة للتدريب وللاستخدام الصحيح في تنظيمات القتال فن القتال وللصيانة. وللتحديث، ولهذا فقد ظهر في عصر الحرب الباردة ما يسمى بالشراكة الاستراتيجية والتحالف الاستراتيجي لتغطية كل مجالات التعاون في الامور العسكرية مما يمهد الطريق امام التعاون السياسي والتعاون الاقتصادي والتعاون الأمني الاستخباراتي والتعاون الاعلامي... وكل الفعاليات المرتبطة بهذه المجالات والمقترنة بها. وقد ظهر في احيان كثيرة ان الأحلاف الاستراتيجية تضع الأقطار او الدول الصغيرة تحت الحماية المباشرة للدول المصدرة للسلاح والنموذج الأكثر وضوحاً هو التحالف الاستراتيجي الروسي - الايراني والذي امكن له تغطية ايران وحمايتها ضد كل الحملات الاعلامية الأميركية والأوروبية، وكذلك الموقف الأميركي - الاسرائيلي الذي يغطي كل الانحرافات «الاسرائيلية» تحت غطاء الأمن« الاسرائيلي»
.
ثانياً - ان الدول الصناعية - المصدرة للأسلحة - تحرص على اخضاع صادراتها لقيود حتى يبقى استخدام هذه الأسلحة تحت السيطرة، سواء أكان ذلك في مجال تقانة الأسلحة والوسائط القتالية التي يتم ابرام العقود لتصديرها أم في مجال أنواع وكميات الأسلحة التي يتم تصديرها. وصحيح ان تجارة الأسلحة مثلها كمثل انواع التجارة خاضعة لطلب السوق والمنافسة، الا ان هذه المنافسة تضع في اعتبارها، الوضع السياسي والعسكري لمن يرغب في الحصول على الاسلحة، سواء أكان الطرف المستورد للسلاح دولة أم تنظيماً من نوع التنظيمات الثورية، او الميليشيات، ولعل من اهم العوامل المؤثرة في هذا المجال، طبيعة الاعمال القتالية التي يحتمل استخدام الوسائط القتالية والاسلحة فيها، وكذلك ما يمتلكه الطرف المقابل من الاسلحة والوسائط القتالية، بحيث يساعد حوار الارادات المتصارعة على تجارب واختبار الاسلحة في نار الحرب الحقيقية، وضمن اطار الاسلحة والمضادات لها، مثل امكانية عمل المدرعات، والاسلحة المضادة والفعالة لتدميرها والقوات الجوية والاسلحة الصاروخية المضادة.
تظهر تجربة السلاح العربي، ان توزيع خارطة التسلح كان يتم طوال عصر الحرب الباردة بين اقاليم متجاورة ومتصارعة. فالسلاح الاميركي والعربي في المغرب وتونس ودول مجلس التعاون الخليجي، وفي اسرائىل ايضا، يقابله تسلح روسي في الجزائر وليبيا ومصر وسوريا والعراق. وكان بالمستطاع في هذا المجال الانتقال في خيار التسلح من سوق الى سوق منافس، كمثل ما فعلته ليبيا ومصر، وكان ذلك يسمح بتنفيذ حوار صراع الارادات بين معسكرين مسلحين باسلحة متنافسة، ولم يكن من الغريب وصف الحروب العربية - الاسرائىلية بانها حروب لتجارب الاسلحة والتقانة، وحتى ادارة العمليات. ويستند الباحثون في هذا المجال الى تجربتي الحروب العربية الاسرائيلية في العام ١٩٦٧ ثم في ١٩٧٣.
ثالثاً، يبقى هناك مجال للحديث عن صناعة الاسلحة وتجاربها من حيث حرص الدول المصدرة للسلاح والوسائط القتالية على ابقاء سباق تصدير الاسلحة ضمن حدود التوازنات العسكرية وبصورة خاصة في المناطق التي يتم تعريفها، او تصنيفها على انها مناطق ساخنة او ملتهبة، فالولايات المتحدة على سبيل المثال، تقدم لاسرائىل الاسلحة والوسائط القتالية المتفوقة في تقانتها وفي حجمها واعدادها، والتي تضمن لاسرائىل البقاء في الموقع المتفوق، سواء أكان ضد اي دولة عربية، أم لمجابهة اكثر من دولة. ومقابل ذلك كان الاتحاد السوفياتي السابق يقدم لمصر وسوريا والعراق من الوسائط القتالية والاسلحة بما يضمن بناء الاسلحة العربية في اطار نوع من التوازن في العمليات. وقد ظهر ذلك واضحا في الحرب العربية - الاسرائىلية في العام ١٩٧٣ عندما تم استنزاف الاسلحة الصاروخية المضادة للطائرات خلال الايام الاربعة الاولى من الحرب وكذلك ما جرى باسرائىل. مما حمل اميركا وروسيا على اقامة الجسور الجوية والبحرية لامداد ميادين القتال بوقود الحرب ولعل الجدل الكبير والحوار الصعب في وسط القيادة المصرية، بشأن ايقاف الاعمال القتالية عند حدود معينة بسبب غياب المظلة الصاروخية، والتركيز على التعامل مع ثغرة الدفرسوار هو البرهان الحاسم على دور الدول المصدرة للاسلحة على مسارح العمليات، من خلال السيطرة على مفاتيح التقانة والتسلح.

اسلحة لكل الاسواق

يظهر من خلال ذلك ان تنوع التحديات الامنية، قد شكل عاملا ملازما لتنوع التسلح، وتباين طبيعة هذا التسلح والهدف من استخدامه. ولهذا اصبح من المتوقع ان تتنوع معروضات اسواق الاسلحة، لتبدأ من الاسلحة الفردية ولتصل الى احدث انواع مركبات القتال واسلحة الفضاء واحدث انواع التقانة في وسائط الحروب الالكترونية. واذا كانت الدول الصناعية الست الكبرى: قد احتكرت تصدير القسم الاكبر من متطلبات سوق الاسلحة المتطورة والثقيلة ذات التقانة العالية، فانها لم تقصر او تتأخر في انتاج الاسلحة الصغرى، الفردية مثل المسدسات والبنادق والمدافع الرشاشة والالغام والقنابل اليدوية الخ... وعلى سبيل المثال، فان الولايات المتحدة الاميركية تنتج في كل عام ٣٧،٤ مليون سلاح فردي، وانها صدّرت للعالم بين عامي ١٩٤٥ و٢٠٠٠ اكثر من ٣٤٧ مليون سلاح فردي... والى جانب ذلك، فهناك دول اخرى تمارس دورها في صناعة وتجارة الاسلحة الفردية وفي طليعتها ايطاليا وبلجيكا واسرائىل وبلغاريا وجنوب افريقيا، والتي انتجت خلال النصف الثاني من القرن الماضي ١٩٥٠ - ٢٠٠٠ اسلحة بقيمة ٤ الى ٦ مليارات دولار. ولقد اخذت معظم هذه الاسلحة طريقها لامداد ٤٠ صراعا مسلحا في مختلف مناطق العالم، ولقد تم احصاء عدد الاسلحة التي استخدمت في البلقان وحدها، فبلغ اكثر من ٦٠٠ الف قطعة سلاح. ولقد اظهرت حروب الكونغو ان تدفق الاسلحة الاوروبية والغربية، والروسية والاميركية قد حول حوض الكونغو الى غابات من الكلاشنيكوف والبواريد الاوروبية.
ويمكن هنا التوقف، مرة اخرى، عند علاقة السياسات الدولية بالتسلح وتجارته وقيوده، وهي العلاقة التي تصل احيانا الى حافة الحرب بين الاقطاب الدولية، المنتجة للاسلحة والمصدرة لها. ونموذج ذلك الحرب غير المعلنة بين القطبين الصيني والاميركي على ارضية صناعة الاسلحة وتجارتها.
تقدم اميركا لتايوان افضل انواع الاسلحة البرية والبحرية والجوية ذات التقانة العالية واكثرها تطورا وحداثة. وهو ما أثار غضب صانعي قرارات بكين. ودفعهم لتصعيد حالات التوتر الذي كان لا بد له من ان يتراجع امام قوة دفع المصالح الاقتصادية. وامكن لصانعي قرارات بكين بالمقابل مجابهة هذه التحديات، باعتماد سياسات مضادة على ارضية صناعة الاسلحة وتجارتها ايضا. ومن ذلك تلك الازمة التي تفجرت بصورة مباغتة في نيسان/ابريل ٢٠٠٨ عندما اعلنت الولايات المتحدة الاميركية ان قوات التحالف الدولي حصلت على اسلحة صينية الصنع استخدمتها القوات التي تقاتل قوات التحالف في العراق وافغانستان. ويعني ذلك تجاوز بكين للضوابط التي يجب الالتزام بها في تصدير الاسلحة. وهذا ما يؤكد المخاوف الاميركية من تصدير اسلحة الى ايران، وقيام شركات صينية ببيع مواد لايران يمكن استخدامها لصناعة صواريخ تحمل رؤوسا نووية وغيرها. وتبع ذلك حملة اعلامية اميركية - حيث عملت باتريشيا ماكينزي العاملة في مكتب الامن الدولي والحد من انتشار الاسلحة النووية في الولايات المتحدة، على وضع لائحة بالاسلحة الصينية التي تم الاستيلاء عليها والتي شملت بنادق صينية الصنع وراجمات صواريخ ارض - جو وقاذفات قنابل تم استخدامها ضد اهداف مدنية في العراق وافغانستان. وقامت ماكينزي بالطلب الى الديبلوماسيين الاميركيين العمل لاقناع حكام بكين بضرورة تنفيذ قرارات مجلس الامن بقوة، ووضع ضوابط دقيقة وفاعل على صادراتها، وبخاصة المواد ذات الاستعمال المزدوج والمواد العسكرية الى ايران، بحيث يشكل ذلك العنصر الاساسي في الاستراتيجية الاميركية الشاملة لاحباط سعي طهران لامتلاك اسلحة نووية وبقية منظومات اسلحة الدمار الشامل. ولكن يظهر ان حكام بكين استمروا في تنفيذ سياساتهم في مجال صناعة الاسلحة وتجارتها وتجاوزوا ذلك الى تصدير التقانة ولم يبق امام صانعي قرارات واشنطن الا اصدار بيانات الاستنكار في كل مرة تعمل فيها طهران على تجربة الاجيال الجديدة من صواريخها واسلحتها الباليستية. والتي ما كان باستطاعة طهران انتاجها لولا الدعم الصيني والروسي، حيث ظهر في مناورات طهران التي انطلقت يوم ٢٦ حزيران - يونيو - ٢٠١١ وجرى خلالها اطلاق صواريخ باليستية متنوعة متوسطة المدى وبعيدة المدى الى جانب اطلاق منظومات رصد وانذار وضرب اهداف صاروخية واقمار صناعية وهو نموذج مطور من الدروع الصاروخية. ان الصين لم تتأثر بردود الفعل الاميركية، فاستمرت في نهجها الذي يحقق لها اهدافها الاستراتيجية على الصعيد العالمي - وهي اهداف تتوقف عند حدود انتاج الاسلحة وتطوير تجارتها وانما تتجاوز ذلك لتشمل الاهداف السياسية والاقتصادية في محيط يتجاوز العلاقات الاميركية الصينية وذلك على الرغم مما تتمتع به العلاقات الاميركية - الصينية من اهمية كبرى على الصعد العالمية كافة.
يظهر هنا ان الحجم الاكبر من صادرات الاسلحة والوسائط القتالية يتوجه الى المناطق الاكثر توترا في العالم وفي طليعتها الوطن العربي وجنوب شرق اسيا والهند وباكستان. وقد كان حجم الانفاق العسكري من حجم الانفاق الحكومي سنة ١٩٨٥ مثلا يشكل في نيكاراغوا نسبة ٢٦ في المائة، في حين وصلت هذه النسب في ايران الى ٣٤ في المائة واثيوبيا ٢٩ في المائة. وبلغت هذه النسب في بعض البلدان مستويات مذهلة. ففي العام ١٩٩٧ كانت السودان والهند وباكستان تنفق ما نسبته ٨٠ في المائة من موازناتها بسبب تحديات الحروب ومكافحة الارهاب.

التقانة والتسلح

شملت انجازات ثورة التقانة خلال العقود الثلاثة الماضية ١٩٨٠ - ٢٠١١ ما لم تحققه تطورات العلوم والتقانة عبر التاريخ بما في ذلك انجازات الثورة الصناعية منذ القرن السابع عشر، وقد جاءت انجازات ثورة التقانة لتقتحم كل مجالات الحياة في الطب كما في الاتصالات وكما في كل آفاق الحياة الانسانية. غير ان ما اكتسبته من تطورات شكل القطاع الاكثر اتساعا في مجال صناعة الاسلحة والوسائط القتالية اذ كانت مشاريع غزو الفضاء وصناعة الطيران ومنظومات القيادة وادارة الحرب هي القاعدة التي استندت اليها كل الانجازات الحديثة في العلوم جميعا. وكان لزاما ان تمارس هذه الانجازات دورها في تطوير فن الحرب بكل المستويات الاستراتيجية والعمليات والتكتيكات. وبالتالي، فان تطور تقانة الاسلحة والوسائط القتالية قد مارس دوره في دعم كل صنوف الاسلحة وتحديثها الدفاعية منها والهجومية. وكذلك الخفيفة منها والثقيلة وفي كل صنوف الاسلحة البرية والبحرية والجوية. وهذا فان باستطاعة الجيوش والتنظيمات القتالية في كل دول العالم - كبيرها وصغيرها - غنيها وفقيرها، اختيار ما يناسبها من الاسلحة، اذا ما اضطرت لمجابهة تحديات امنية. وقد كانت حرب تحرير الكويت - ١٩٩١ تجربة فقيرة في مجال اختبار تقانة الاسلحة والوسائط القتالية الحديثة على صعيد عمل الجيوش في الميدان. ثم جاءت حروب قوات التحالف الدولي في افغانستان وباكستان والعراق. لتظهر خصائص الاسلحة ذات التقانة العالية على مستوى حرب الجيوش ضد مقاومات غير نظامية ميليشيات او قوات شبه عسكرية. حيث استخدمت التنظيمات المقاتلة دفاعيا القاعدة وطالبان والمقاومة الاسلحة الرشاشة والبندقيات الالية الكلاشنيكوف ونظائره والمسدسات والصواريخ الخفيفة المحمولة على الكتف من نماذج صواريخ ستينغر المعروفة. بالاضافة الى استخدام انواع المتفجرات والالغام الموقوتة أو تلك التي يتم تفجيرها عن بعد الخ... علاوة على أجهزة الاتصال الحديثة الهواتف المتنقلة - موبايل او ثريا...
برهنت هذه الأنواع القوية في مواجهة قوات متفوقة فعالتيها في التعامل مع الدبابات الثقيلة وراجمات الصواريخ والطائرات العمودية الحوامات. والعامل الحاسم هنا هو ان ثمن هذه الوسائط القتالية لا ينافس ثمن الاسلحة الاكثر تطورا كالعربات المدرعة والطائرات وانواع الوسائط القتالية الاخرى. مما يسمح للدول ذات الامكانات المالية المحدودة. بأن تضمن لنفسها القدرة على امتلاك وسائط قتالية ذات فعالية كافية لمجابهة اقوى الجيوش اوفرها حظا في امتلاك التقانة العالية. وها هي حرب أفغانستان بعد عشرة اعوام، وهي مستمرة في مجابهة ومهاجمة قوات طالبان والقاعدة لقوات التحالف... وقد كانت هذه الحرب غير المتكافئة من حيث مستويات التقانة هي البرهان الحديث على أن الحروب النظامية والحروب الثورية قد حققت مكتسبات متكافئة من التقانة، بحيث استطاعت القوى الأضعف الصمود في مواجهة القوى المتفوقة في التسلح والوسائط القتالية والتقانة. ولعل مما زاد من كفاءة الأسلحة الصغرى هو عامل الطبيعة الجغرافية لمسرح العمليات اذ كان باستطاعة طالبان والقاعدة الإفادة من صعوبة التعامل مع تضاريس الارهاب وما تتضمنه من العوائق الطبيعية الغابات والجبال والوديان بأكثر مما تقدمه الارض من الصعوبات للجيوش النظامية.
جاءت بعد ذلك حرب ليبيا، لتؤكد - مرة اخرى - أهمية ودور الأسلحة الصغرى التي توافرت ولو بكميات محدودة - للثوار في مواجهة الارتال النظامية التي تضم كل صنوف الأسلحة. ويمكن التعرض هنا لقضية العلاقة بين صناعة الأسلحة الصغرى وتجارتها وبين التنظيمات شبه العسكرية - ومنها الميليشيات والتنظيمات القتالية الثورية. حيث تنتحل القوى العسكرية غير النظامية ان ما تحققه من انتصارات ونجاحات انما يعود لمهارتها في استخدام الأسلحة الصغرى، مما يعطيها خصائص الحروب الثورية في خفة الحركة والمناورة وتوجيه الضربات بسرعة والانسحاب بعيداً عن ميدان المعركة بمرونة. مما يعني عدم اللجوء للجيوش النظامية والغائها نظراً لما تتطلبه من مخصصات مالية كبيرة - والانصراف لتنظيم وحدات ثورية صغرى ذات قاعدة شعبية واسعة. ويقتضي ذلك القول:
أولاً - ان الجيوش النظامية الحديثة تضم وحدات استطلاع فصيل في كل كتيبة وسرية في اللواء وكتيبة في الفرقة وهي مسلحة بالأسلحة الخفيفة وتمارس عملها بأسلوب - المغاوير - وهي على درجة عالية من الكفاءة.
ثانياً - ان التنظيم الحديث للجيوش قد ضمن توافر قدرة كافية للتعامل مع الأهداف المختلفة بكفاءة عالية وهذا ما اكدته الدروس المستخلصة من الحروب الحديثة، التي جمعت بين ميزات قتال التشكيلات القتالية الكبرى للجيوش وبين ميزات قتال الوحدات الصغرى.
ثالثاً - لقد تضمنت تجارة الأسلحة الصغرى في الأزمنة الحديثة قائمة طويلة من المواد مثل ادوات التعذيب وأسلحة قمع المظاهرات وجموع المتمردين والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والهراوات الكهربائية التي تسبب صدمات قوية لمن يتعرض لضرباتها، وأغرب ما في الأمر ان الدول الكبرى وفي طليعتها روسيا واميركا والدول الأوروبية هي المصدر الرئيسي لهذه الوسائط التي يتم استخدامها في الدول الديموقراطية وفي طليعتها «اسرائيل».

ارادة النصر والسلاح الأقوى

تضمنت صحيفة إندبندنت البريطانية يوم ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠١١ اشارة الى بحث اميركي ورد فيه ما يلي: بلغت نفقات الحرب ضد الارهاب بالنسبة لأميركا في الفترة ٢٠١٠ - ٢٠١١ في افغانستان وباكستان والعراق ومناطق اخرى في العالم حوالي ٧.٣ حتى ٤.٤ تريليون دولار، وهو ما يعادل ثلاثة اضعاف نفقات الحرب العالمية الثانية. وقد جاءت هذه الحقيقة في اطار مجموعة من الحقائق التي تؤكد ما حدث من تطور في طبيعة ومكونات الحرب الحديثة. واول هذه الحقائق هي التكلفة العالية لحروب التقانة الحديثة. اذ من المحال اجراء مقارنة بين ما كانت عليه تكلفة تشكيل وتنظيم فرقة مظليين او مدرعات او مشاة آلية ميكانيكية في العام ١٩٤٥، وبين ما وصلت اليه هذه التكلفة في العام ٢٠١١. ولقد تجاهلت الادارة الاميركية عندما اعلنت الحرب على الارهاب ما ستكلفه هذه الحرب من نفقات، وما ستجابهه من الاستنزاف في القوى والوسائط القتالية. فكان من أبرز هذا التجاهل الوقوع في هاوية الازمة الاقتصادية العالمية التي تفجرت في العام ٢٠٠٨، وما زالت استطالاتها وتفاعلاتها مستمرة حتى اليوم. وكان تجاهل الادارة الأميركية التي اطلقت الحرب على الارهاب في العام ٢٠٠١ لطبيعة الاستنزاف في الحروب طويلة الامد، وتحول الصراع المحدود الى صراع دولي، بحيث تتوافر للقوى المضادة الظروف المناسبة للحصول على الوسائط القتالية، الضرورية لاستنزاف القدرة المتفوقة. وكان عامل التصميم في حوار الارادات المتصارعة لمصلحة قوى المقاومة اكثر مما هو لمصلحة قوى التحالف الدولي وكانت فرصة مناسبة أيضاً للقوى المنافسة الكبرى روسيا والصين بخاصة ان تختبر الأسلحة الصغرى الحديثة في مواجهة الجيوش التقليدية.
كانت هذه الحروب من افغانستان حتى العراق بمثابة تطوير للنظرية الثورية الصينية والفييتنامية القائلة: الانتصار ربما هو أضعف على ما هو أقوى. وكانت الدروس المستخلصة هنا أيضاً بمثابة تأكيد جديد على أن السلاح الأقوى ليس هو الذي يحقق النصر الحاسم، وانما الارادة الأقوى ذات القضية العادلة بصورة عامة هي التي تحرز النصر. ولقد اطلق على هذا النموذج من الحروب الثورية المسلحة بالتقانة ووسائط الاتصالات الحديثة، وأجهزة الرصد والانذار المتطورة المناظير الليلية ووسائط الاستطلاع اسم الحروب الهجينة. وفي الواقع، فان هذه التسمية قد تكون صحيحة من زاوية واحدة على الأقل. وهي زاوية الحرص على التمييز بينها وبين الحروب الثورية القديمة. اما فيما عدا ذلك، فهذه الحروب الهجينة هي الحروب الثورية التي عرفها تاريخ فن الحرب منذ أقدم العصور. وجاءت التقانة لتطورها كمثل ما طورت بقية صنوف الأسلحة.
عودة بالبحث الى بدايته، حيث باتت من الشائع في قضية سياسات الحروب والتسلح ان الدول الصناعية الكبرى تتحمل القسط الأوفى عما تعانيه الشعوب الصغرى والضعيفة من سياسات الحروب. فصحيح ان تلك الدول الكبرى العابئة برقاد الحروب، والتي تزرع الغام التحديات الامنية في مزارع الدول الصغرى عبر تفجير التناقضات التي يمكن ان تتقبلها كثير من دول العالم، لا بد من ان نتعرض لنوع من الخسائر المادية وكثير من الخسائر المعنوية والاخلاقية والقانونية ولكن هل ان الدول الصغرى التي تندفع لغمار الحروب خالية من احتمال اي مسؤولية عما تتعرض له شعوبهم من ويلات الحروب؟ ان الدول الكبرى اذا ما احتملت قسطا من ثمن الحروب، فهي قادرة على استرجاع الثمن مع الفائدة المركبة، اما الشعوب الصغرى فهي التي تدفع الثمن غاليا وتلك قصة حرب العراق ومن قبلها افغانستان وباكستان من الشواهد على ثمار الحرب المحرمة، والتي لا تدفع ثمنها من دمائها وثرواتها وتضحياتها، الا الشعوب المستضعفة، فهل من حاجة بعد ذلك للبحث عن سياسات الحروب والتسلح اذا لم تحدد سياسات الحروب تحديدا دقيقا لمجالات استخدام السلاح؟ ثم الا يعني ذلك ان العيب ليس في السلاح خفيفا او ثقيلا، وذو تقانة متخلفة او تقانة متطورة. وانما العيب هو في استخدام السلاح. وبعد ذلك وقبله وفي عام الثورة العربية الكبرى وتحولها من ثورة نظيفة بناءة الى حرب اهلية عند ما وجه قادة الجمهوريات الملكية اسلحتهم الى صدور شعوبهم وابناء وطنهم وستبقى الحرب الاهلية الليبية ونظيرتها اليمنية والسورية نموذجا للانحراف في استخدام القدرة القتالية الذاتية في غير المواضيع المحددة لاستخدامها. والتعامل مع الاهداف غير تلك التي تم بناء الجيوش على قاعدتها. وسيحفظ التاريخ هذا الدرس الذي لا بد من التوقف عنده طويلا عندما تعاد عمليات تنظيم جيوش بناء المستقبل العربي.
وبعد! فعندما تصل هذه الكلمات الى القارئ العربي الكريم، يكون العام ٢٠١١ قد وصل نهايته. ورجاء الى الله ان يعود هذا اليوم من كل عام حاملا معه الامن والاستقرار والسلام لاصحاب دار الصياد واسرة الدفاع العربي ولكل قارئ عربي، وللانسان العربي، حيثما كان على ارض الدنيا.

- بسام العسلي


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 967 / 187594

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع العلوم العسكرية   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010