الخميس 22 آذار (مارس) 2012

استراتيجية الحرب الشعبية في الثورة الفيتنامية

الخميس 22 آذار (مارس) 2012

[/يشكل الترابط بين النضال العسكري والاستراتيجية السياسية إحدى لازمات التفكير الاستراتيجي للثوار الفيتناميين. وهذا التفكير يظهر كتطبيق للسياسة والخط العسكري الماركسيين على الظروف الخاصة لبلد مستعمر يناضل من أجل إعادة الاستقلال وإقامة الاشتراكية.

وقد وجد هذا الترابط التعبير عنه في نظرة «نقاط الهجوم الثلاثة»: النضال المسلح، والنضال السياسي، وعمل الإقناع والشرح بين القوات المعادية.

1-النضال المسلح: لقد تطور التفكير الاستراتيجي عند الفيتناميين خلال الحرب ضد الإمبرياليين الفرنسيين والحرب الحالية. إن الحرب ستكون، نظرا لميزان القوى غير الملائم في البداية، حربا طويلة الأمد. ويميز تروونغ شينه في الحرب الأولى ثلاث مراحل، ويمكن أن نجدها بشكل عام في الحرب الحالية.

- فنحن في البداية ضعفاء والعدو قوي. فاستراتيجيتنا هنا دفاعية، وتسود فيها حرب المواقع. وحين يتسع نطاق نشاط العدو، تترك حرب المواقع المجال لحرب المناورة التي تصبح شكل القتال الأساسي.

- وفي المرحلة الثانية، يكون هدفنا السياسي والعسكري تفتيت القوى المعادية وإبادة وحدات منها وملاحقتها على الدوام، لشلها وتعبئة الشعب لحمل السلاح. وهذه أطول المراحل وفي نهايتها يبدأ التحضير للهجوم المضاد، بعد تعادل القوى.

-  المرحلة الثالثة، هي مرحلة الهجوم المضاد. وهي تتميز بكون قوانا قد ازدادت عددا وعدة، بينما القوى المعادية قد ضعفت نسبيا، وهبطت معنوياتها، وتتعرض لصعوبات شاقة. وهذه المرحلة في بدايتها تسود حرب المناورة التي تساعدها حرب العصابات الشعبية، ثم وعلى نطاق واسع تتسع حرب العصابات لتصبح حرب تحركات، وفي النهاية تتحول حرب العصابات إلى حرب مواقع، التي هي الشكل المهيمن في المرحلة النهائية.

[(●ما هي أساليب القتال التي تتميز بها الحرب الشعبية وتتفوق فيها؟)]

يعرض تروونغ سون، في حساب نتائج حملة «فصل الجفاف» [أكتوبر 1966 إلى مارس 1967]، بعض المبادئ العامة للتكتيك العسكري لجبهة التحرر القومية:

«إن قرارا إستراتيجيتنا وانتقاء حذتا لأساليب القتال ليس ممكنا إلاّ بعد دراسة النية الإستراتيجية للعدو واكتشاف قوانين وإمكانيات عمله».

يجب أن يصب هدفنا في «الحفاظ على موقعنا الهجومي وتطويره، وبناء مبادراتنا على ساحة المعركة والإمساك بزمامها جيدا وتوسيع نطاقها، وإجبار العدو على القتال حسب رغباتنا.» وذلك يعني إجباره على «…بعثرة قواته وتقليص اتساع تجهيزاته، مما يسمح بضربه في كل الأمكنة. ومن جهة أخرى نمنعه من استعمال التكتيكات التي يمتاز فيها [معركة مرصوصة مع تمركز قوى، وخط جبهة محدد، وحماية مؤمنة للمؤخرة، مما يسمح له بالاستفادة من تفوقه في القوة النارية وقدرته الكبيرة على الحركة].

«ولذلك سيتبع أسلوب حرب دون خط جبهة، ودون هدف محدد نهائيا، مع تجمع وتفرق بسرعة، وتتالى المناوشات والهجومات المركزة، ضاربين العدو في الوقت نفسه في كل مكان».

ويمكننا أن نجد هذا أيضا في الحرب ضد الجيش الفرنسي، إذ أن تفوقه التقني لم تفده لكسب الحرب. وكان الفرنسيون واقعين في «تناقض أساسي»: فإذا اتبعوا استراتيجية دفاعية عرضوا أنفسهم لهجوم الثوار وملاحقتهم وتركوا لهم مجالا حرا للنشاط. وإذا انتقلوا إلى الهجوم وأجبروا الثوار على التراجع، عادت العصابات وتشكلت في مؤخرتهم. وإمكانية إبدال الجبهة والمؤخرة هذه بالنسبة للثوار يفسرها التداخل الوثيق بين الجيش الثوري وجمهور الشعب، حيث يمكن للجيش أن يذوب ثم يتشكل من جديد على مؤخرة القوات المعادية. «وحرب الشعب كله» هذه هي وحدها التي تسمح للثوار بالحصول على المعلومات والمساعدة والتموين والأسلحة اللازمة لكي يتنظموا، ويستطيعوا العيش في مناطق ومخابئ. وهي تفسر كذلك إمكانية وجود «مناطق محررة رغم تواجد مراكز عدوة»، أي تأمين حماية أرض وسكان أرض وسكان منطقة وإمكانية الحركة فيها، حيث يبقى السكان مسيطرين عليها، رغم وجود عشرات المراكز المعادية.

واندفاع الجماهير ومشاركتها بالقتال يعزز منه إلى حد كبير الدور السياسي والاجتماعي للكفاح المسلح، أي التغييرات التي أحدثت في البيئة الاجتماعية في المناطق المحررة. وهذه المناطق تشكل قاعدة اقتصادية ضرورية للمقاومة. وتشارك الجماهير مباشرة بالقتال، فتروونغ سون يقول بضرورة تقسيم عقلاني للعمل، للاستفادة، في الوقت نفسه، من إمكانيات البالغين والشيوخ والنساء والأطفال. ونجد كذلك تنسيقا في استعمال الأساليب الحديثة والأساليب البدائية [أفخاخ، الخ] في القتال.

إن هذا كله يخلق قدرة هجومية عامة وشاملة، ويسمح للجيش الشعبي بتكييف خطته القتالية بحيث يستطيع الانتصار على قوة تفوقه عددا كما يستطيعه على قوة تصغره.

هذا وتتألف القوات المسلحة الثورية من ثلاث فئات من القوات: ميليشيا العصابات الشعبية، والقوات المنطقية، والقوات النظامية. ودور المليشيا هو الدفاع الذاتي، وهي باستطاعتها أن تجابه وحدات نظامية أمريكية، والقوات المنطقية قادرة على القيام بعمل مستقل على نطاق واسع. أما القوات النظامية فهي قادرة على إبادة فرق كاملة من المشاة أو المدرعات أو الدبابات. ويتم القتال بتركيبة عمل هذه الفئات الثلاثة حسب الظروف.

[*يبرز من كل هذا تفكير عسكري شامل ومنظم، ونظرة استراتيجية واضحة تدخل فيها كافة أنواع العمليات لتؤدي بتركيبها إلى الهدف المرجو، مع تحديد واضح لأهداف مرحلية يجب بلوغها، تدخل في نظرة استراتيجية واحدة. ويبرز شيء آخر: وهو دور السكان وأهمية دعمهم للنضال ومشاركتهم به. إن هذا يدل بوضوح على أن حرب العصابات ليست تكتيكا سحرية يسمح بالتفوق على العدو والانتصار بسهولة، ملغيا كل ضرورات العمل السياسي العادي الشاقة. وإنما هي في النتيجة تكملة لاستراتيجية حزب سياسي مرتبط بالجماهير، وذلك حتى في الميدان العسكري.*]

وهذا بحد ذاته يلغي أية نظرة «بؤرية». فحرب العصابات في فيتنام قد استفادت في توسعها من وجود حزب سياسي يملك تجربة نضالية [سياسية وعسكرية] طويلة.

2-النضال السياسي: وهو ليس مجرد ملحق بالنضال المسلح أو فقط شرط مسبق له. إن النضال السياسي مهم في المناطق المحتلة من قبل العدو، وفي المناطق المحررة. وبدونه لا يكون القتال الناجح ممكنا.

يأخذ النضال السياسي في المناطق المحتلة أشكالا متنوعة وعديدة: مظاهرات، الحصول على المعلومات والمؤن، النضال ضد غلاء المعيشة، النضال داخل الجهاز الإداري الشرعي. وكذلك تنظيم الفلاحين للقضاء على «القرى الاستراتيجية»، حيث يبرز الالتحاق بالجبهة كردة فعل دفاعية جماعية، لا كعمل بطولي فردي.

إن مشكلة الطبقة العاملة [في الصناعات، والمرافئ، ومزارع الكاوتشوك..] في النضال أساسية. وتقوم الجبهة بعمل داخل النقابات. وتقوم كذلك بعمل بين صفوف الطلاب الذين يناضلون ضد تجنيدهم.

3-عمل الإقناع والشرح في صفوف قوات العملاء: وهو يقوم على كسب الجنود بشكل فردي. وتظهر نتائجه خلال الحملات التي يقوم بها الثوار. إن ذلك يزرع مناخا من عدم الثقة داخل الجيش المعادي، ويساهم في زعزعته وإضعاف وخفض معنوياته. وقد بلغ عدد الفارين من الجيش، عام 1966-1967، 200 ألف شخص.

لقد برزت كل هذه الجوانب بوضوح خلال الهجوم العام في عيد «التيت» في فبراير 1967. فلولا وعي السكان السياسي ومشاركتهم لما أمكن التحضير لمثل هذا الهجوم الواسع [الذي شمل كل جنوبي فيتنام] بمثل هذه الدقة وبأدنى تفاصيله. وقد ظهر تنسيق «نقاط الهجوم الثلاثة» بوضوح: فقد جاء الهجوم العسكري في سايغون وهوي ودانانغ وكل جنوبي فيتنام متناسقا مع مظاهرات سياسية قامت تضامنا مع جبهة التحرير القومية. وكانت نتيجة العمل في الجيش والجهاز الإداري أن قامت الكثير من وحدات العملاء بالانتقال جماعيا إلى صفوف الجبهة.

جلي أن تجربة فيتنام لا تتطابق أبدا مع «محاصرة الأرياف للمدن». فإذا كان الاحتلال الأجنبي ينقل من أهمية المدن إلى الريف، فإن أساسية المدن لا تقل من جراء ذلك. ويقول نغويين خاك فيين: «لقد عرفنا على الدوام تنقلا مستمرا بين المدن المحتلة والأرياف المحررة إلى هذا الحد أو ذاك. فالحركة الثورية في المدن لم تتوقف لحظة واحدة عن تزويد الثوار بالأدوية والآلات والمعلومات والرجال…» إن العمل داخل المدن ينسق مع العمل الخارجي. ويتم الاستيلاء على السلطة في مقاطعات ريفية ومدينية في آن معا. وتسيطر الجبهة، في المدن، على عدة نقابات وهي تقود «تجمع الشغيلة في سبيل تحرر جنوبي فيتنام». وتاريخ الطبقة العاملة القريب حافل بالنضالات [491 ألف مضرب عن العمل عام 1964] والنضالات السياسية.

ويبرز الدور القيادي للحزب الشيوعي داخل الجبهة [مما يفترض وجود حزب شيوعي ثوري منظم وممركز يخوض النضال، ومنفصل عن الجبهة التي هي الإطار الضروري لضم أوسع القطاعات في الكفاح المسلح] كشرط أولي للنجاح. وهو يتجلى في كون المسؤول الأول عن الجيش الفيتنامي الجنوبي [وزير الدفاع في الحكومة الثورية المؤقتة] عضوا في قيادة الحزب الشيوعي. يقول جياب: «يجب السهر بشكل خاص على التربية السياسية والقيادية الأيديولوجية للكوادر والمقاتلين، وعلى تلقينهم الماركسية-اللينينية، ورفع وعيهم الطبقي». ويقول لي دوان: «يجب النضال ضد كل ميل لإضعاف دور الحزب ولحله داخل الجبهة القومية».

إلاّ أن قيادة الحزب للجبهة ما كان يمكنها أن تعمل لولا الأساس الاجتماعي للجيش الشعبي [الفلاحين الفقراء] والبروليتاريا، التي تلعب الدور القيادي رغم ضعفها العددي].

إن التنظيم الداخلي للجيش يطبق المركزية الديموقراطية السائدة في الحزب. فيجري تحضير كل الهجومات وخاصة الحاسمة منها من قبل مجمل الكوادر والمقاتلين من كل المستويات. إلاّ أن الانضباط التام مطلوب خلال العملية وعلى الجنود تنفيذ المهام التي يوكلون بها. وما أن تنتهي العملية حتى يصبح القادة والجنود من جديد متساوين بالنسبة لنقد العملية.

من الطبيعي أنه توجد رتب في الجيش. إلاّ أن القادة المنتخبين من قبل الجنود يجب أن يحوزوا على ثقتهم، وإلاّ فيمكن لهؤلاء استبدالهم بضباط أكثر قدرة.

بذلك يتم تجنب الفوضى والتفكك وعدم الانضباط كما يتم تجنب المركزية المتحكمة، وهما ميلان كان على مؤسسي جيش التحرير الشعبي محاربتهما. ويحللهما جياب على أنهما يعكسان أيديولوجيات لا بروليتارية، بورجوازية أو فلاحية. وذلك مفهوم متى تذكرنا أن الجيش مؤلف أكثر من 80% منه من الفلاحين. إن الوسيلة الوحيدة لتجنب ذلك، كما يقول جياب، هي تعزيز الأيديولوجية البروليتارية بالحفاظ على الدور المهيمن لخلايا الحزب في الجيش.

في النهاية، ليس ذلك التنظيم الداخلي للجيش الثوري ممكنا إلاّ بفضل الدور القيادي لحزب البروليتاريا.

إن التجربة الثورية الفيتنامية تؤكد أن تكتيك الكفاح المسلح ما هو إلاّ تعبير عن الاستراتيجية السياسية، وعلى الحزب الثوري أن يستخدمه بالشكل المناسب لظروف البلاد، لا استنادا إلى مبدأ مطلق مسبق [محاصرة الريف للمدينة، أو البؤرة الثورية أو الانتفاضة.. الخ.] وإنما بتركيب خلاق لكافة الأشكال.
/]


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 835 / 181128

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع تجارب وثورات   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010