السبت 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

عرفات: الرجل والأسطورة...

السبت 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

عـــــرفات الـــرجـــــل والأسطورة!

مقدمة المترجم

في عام 1997 عاد أحد الأصدقاء من الولايات المتحدة الأمريكية حاملا معه الكثير من الحكايات والانطباعات , منها ما أثار الإعجاب مثل حرية التعبير الشفوي والكتابي وكذلك تكافؤ الفرص, ومنها ما أثار الاستنكار مثل قصص إبادة السكان الأصليين أو التمييز العنصري ضد الأفارقة والذي رسّخ أركانه حتى أصبح أمرا واقعا ........الخ.
ولكن ما أثار اندهاشي من بين ما حكاه وأحضره معه , كان كتاب لصحفي أمريكي بعنوان Arafat The Man And The Myth والذي قد يعني عند ترجمته (عرفات , الرجل والأسطورة) ويمكن ترجمة كلمة The Man (الإنسان) بدلاً من الرجل.
واللافت للانتباه في الكتاب هو أنه صدر عام 1976 , ،وهي فترة طويلة جداً تكفي لترجمته ونشره بهدف التعرف إلى آراء الغربيين حول قادتنا وزعماء حركاتنا المناضلة. وعلى حد علمي فإن الكتاب لم يُترجم حتى وصوله إلى يدي ( عام 1997) ولا أعرف لذلك سببا، وأترك للقارئ أمر البحث عن الأسباب.
الأمر الثاني المثير للانتباه كان الجهد المبذول من قبل المؤلِّف للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص الذين عاشوا مع أو عاصروا ياسر عرفات في كل مرحلة من مراحل عمره منذ ولادته وحتى تاريخ صدور هذا الكتاب للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات حول حياة الرجل واهتماماته ورؤيته للأمور ، وإن دلَّ هذا على شيء فإنما يدل على الموضوعية التي توخَّاها الكاتب والحرص على توثيق ما للرجل وما عليه.
أما الأمر الثالث فكان حِرص الكاتب على العرض الموجز والمُكثَّف للأحداث التي سبقت ولادة عرفات أو رافقت ولادته ونشأته وتأثيرها على بناء شخصيته سواء في طفولته أو في شبابه. وبغض النظر عن آراء الكاتب أو تفسيراته لبعض الأمور المتعلقة بالتقاليد العربية أو الدين الإسلامي أو الانحياز السياسي لإسرائيل والرؤية الغربية للصراع في المنطقة، تلك الآراء النابعة من الرؤية غير الموضوعية أو المتحاملة لبعض المؤرخين أو علماء الاجتماع أو من سوء الفهم لحياة العرب وتراثهم، كان الكاتب موفقا في ربط تلك الأحداث بحيث تظهر وكأنها شريط سينمائي متسلسل .
إلا أنني واجهت صعوبات عديدة عند بدئي بترجمة الكتاب , وأذكر منها:
أولاً : ما قد أتعرض له من الاتهامات بالعمالة أو تشويه صورة رمز شعبي و مناضل مات في سبيل قضيته وشعبه أو المضايقات الأمنية من بعض الجهات لما تعتقد أنه إساءة , رغم أنَّ ناقل الكُفرِ ليس بكافر .
ثانيا : إيراد الكاتب لبعض الأسماء العربية والتي كتبها بطريقة صعَّبت عليَّ ترجمتها ، مما اضطرني إلى كتابتها بالإنجليزية لتفادي الخطأ أو الإساءة لأيٍّ كان ، خاصة وأن تلك الأسماء تعود لعائلات وليس لأشخاص.
ثالثا : عند سؤالي لبعض الناشرين عن إمكانية طباعة الكتاب ونشره وتوزيعه , كان الرد الأوحد هو أن الأمر صعب لأسباب سياسية أو فنية لم يذكرها من تذرّع بها .
أخيراً أَورَد الكاتب بعض العبارات أو المصطلحات التي قد تُثير غضب القارئ أو استنكاره, وعند التفكير في الأمر رأيت (وقد أكون مخطئاً) أن أُترجم المادة المكتوبة كاملة لأسباب عديدة منها أنّ حذفها من الترجمة لن يغير من الأمر شيئا , كما أنه سيُربكها ويخرجها كالمسخ الذي لا يُعرف له شبيه ويصعب تصنيفه.
وقد رأيت أنّ نشر هذه المادة قد يضيء جوانب غامضة من شخصية عرفات والفترة التي عاش فيها، وقد يفتح الباب على تساؤلات تحثُّ الكثيرين على مزيد من البحث والتقصي ، لكنّ آفاق النشر لهذا الكتاب المترجَم ملبدة بالغيوم مما دفعني إلى نشره على مُدَونتي وعلى شكل فصول ليتسنى للقراء الاطلاع على المادة وإرسال تعليقاتهم التي هي موضع ترحيب دائم , ولكن ليتذكر القارئ أنني مترجم وحسب ولست كاتب النص الأصلي عند كتابة تعليقاتهم.
وشكرا
المترجم: فتح كساب
1997

المحتويات

القسم الأول : قبل إسرائيل

1- شجرة العائلة
2- مواجهة في القدس
3- الصبي عبدا لعبدالرحمن القدوة
4- تعلُّم مبادئ الفكر الإسلامي
5- الإخوان المسلمون
6- ماجد حلبي
7- التحول (ياسر)
8- كمين في غزة
9- الحرب العالمية الثانية
10- بدايات العمل الفدائي
11- خديعة في القدس
12- تركة أبو خالد
13- مجموعة الشهيد أبو خالد
14- قُرب التقسيم

القسم الثاني : بعد إسرائيل

15- ولادة إسرائيل
16- العودة إلى القاهرة
17- بدايات التدريب الفدائي
18- التحول( ياسر عرفات)
19- السيف العربي
20- القضية الجزائرية
21- السويس
22- جيل الثأر
23- من ألمانيا إلى الكويت
24- فتح
25- فلسطيننا
26- منظمة التحرير الفلسطينية
27- الإرهاب
28- التحول (أبو عمّار)
29- العلاقات مع سوريا
30- تحول ياسر عرفات

خاتمة

تقديم

ُوضعت هذه السيرة أثناء القيام بمقابلة أجريتها مع ياسر عرفات عام 1974 في بيروت ،بينما كنت أجهز كتاباً آخر . وكان الوقت قبل أشهر قليلة من ظهور ياسر عرفات ( المثير للجدل ) في الأمم المتحدة. وقد عبر عن رغبته في التعاون لإصدار كتاب سيرة في اللغة الإنجليزية، وكما أعتقد فان نوع الكتاب الذي تصوره في باله عبارة عن تقديم للحركة التحررية الفلسطينية في الغرب، ناهيك عن موقفه الشخصي. وعن طريق الوساطات في العالم العربي ، رغم أني عانيت كوني واثقاً من فكرة التعاون ،إلا أن رغبته تغلبت في عرض مفهومه للتعاون. بالطبع لم أكن أفكر بطريقة عرفات وموافقته على سيرة روائية للأحداث . وكونه جعل من ماضيه لغزاً وغموضاً هو أمر معروف للجميع ، وهذا الغموض أصبح موضوعاً رئيسياً بالنسبة لوضعه الشعبي في العالم العربي وقد قررت أن أكشف كل ما باستطاعتي كشفه عن حياته قبل البدء بالعمل معه مباشرة في هذا الكتاب .
وبهذا الاتجاه فقد أجريت مقابلات مع بعض الناس الذين عرفوه في مراحل مبكرة من حياته ، وكذلك تفحصت ما استطعت من الوثائق التي قد تلقي الضوء على حياة ياسر عرفات (والتي أصبحت نادرة) ، وعند إتمامي لجمع صغار الحقائق ، والنوادر الطريفة ،والآراء ، والحكايات عنه ، ومعظمها من الناس الذين أجريت معهم مقابلات ، بعد ذلك وفي أيار عام 1975 بدأت في محاولة تحديد موقعه للجلوس معه الفترة التي وعدني بها ، وذلك ليقوم هو بإتمام الأجزاء الناقصة من البورتيريه الذي رسمته له.
لسوء الحظ لم تسر الأمور كما تمنيتها ، لان بيروت التي كانت مقر قوات عرفات دخلت في حرب أهلية بشعة بين سكانها المسلمين والمسيحيين ، وكما أخبرني الوسيط فان عرفات توجه إلى دمشق للبحث عن ملجأ آمن له وذلك بسبب خوفه على حياته في حال تدخل الفدائيون الفلسطينيون في القتال . وقتها تساءلت " هل سيراني الآن " وكان الرد انه مشغول الآن ،ولكن إذا أردت اغتنام فرصة لقاءه ذهبت إلى دمشق، الرحلة إلى دمشق لم تكن ذات جدوى كبيرة ، ليس السبب أن عرفات لا يريد مقابلتي ولكن لان مفهومة بالتعاون معي حول موضوع الكتاب كان مختلفاً بشكل جذري عما فكرت فيه أنا، لقد كان غير راض أبداً عن الدخول في تفاصيل دقائق حياته ، وكان متفائلاً للحديث عن محاولة إعادة خلق حياته الأسطورية التي أوجدها لنفسه ، ولو كنت وافقت على اخذ مفهومة للتعاون فان هذا الكتاب لن يظهر كسيرة حياة ، ولكنه سيظهر كتحقيق صحفي .
لذلك فقد اعتمدت في كتابة هذه السيرة على المعلومات التي حصلت عليها من أقربائه ،وأصدقائه ، وأصدقائه السابقين الذين أجريت معهم مقابلات ، ويجب أن أذكر هنا أن العديد من لقاءاتي كانت تتم باللغة العربية ويقوم بنقلها لي مترجمون ، ولم أقم بنقل الإجابات يشكل حرفي لسبب بسيط وهو أن المترجمين تكلموا بلغة إنجليزية ركيكة ، وبدلاً من ذلك فقد قمت بإعادة صياغة هذه القصص بشكل حواري إنجليزي عادي حتى تكون المادة مقروءة . آخرين تحدثوا إلى بإنجليزية كانت إما لغة مترددة أو غير دقيقة ، ولذلك فقد قمت بإعادة صياغة ما قيل لي لنفس السبب السابق . وباعتقادي فانه على القارئ أن يمتلك الحد الأدنى من الحس الزمني والأحداث الخارجية التي ساعدت على تكوين الحياة الماضية الغامضة لياسر عرفات حتى يستطيع فهمها . ولذلك فقد حاولت نسج سلسلة تاريخية بطريق الأسلوب الروائي ، أملي أن لا يكون هذا الكتاب في نظر الخبراء كتاباً في التاريخ مضللاً في بساطته الشديدة أو أن لا يكون بالنسبة للأشخاص الذين عرفوا تاريخ الشرق الأوسط ببساطة مضللاَ .

عرفات ... الرجل والأسطورة

تمهيد

كان ذلك في صبيحة يوم 23 آب عام 1929 ، وعندما كانت الشمس تقترب من الظهيرة فوق القدس ، اندفع مجموعة من اليهود ذوي اللحى الطويلة والمرتدين الأسود ، يحملون العباءات وكتب الصلاة ، ثم استداروا أو سلكوا طريقهم تجاه الحرم الشريف ،وكان هذا هو الاسم العربي للجدار المحيط بالساحة التي تحتوي على المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة ، وهذان المسجدان أكثر الأماكن قدسية عند المسلمين في القدس ، علاوة أن القدس هي ثالث أقدس مدينة عند المسلمين في العالم ، وقد بني المسجدان قبل قرون طويلة ، ويتم إعادة ترميمهما عن طريق حملة جمع التبرعات الواسعة في العالم الإسلامي ، لم يكن الترميم دينياً محضاً وبالرغم من وجود يهود في القدس وضواحيها إلا أن السنوات الثلاثين السابقة شهدت تدفقاً منظماً لليهود على فلسطين ، وكان أغلب هؤلاء المهاجرين من وسط وشرق أوروبا ، في البداية اتخذت هذه الهجرة الشكل العفوي ، ولكن فيما بعد اتخذت شكلاً منظماً ضمن إطار العقيدة الصهيونية " وهي مزيج من الديني والسياسي وضعت من أجل توفير وطن قومي ليهود أوروبا في فلسطين أو ملجأ في أرض آباءهم الروحيين بعيداً عن الاضطهاد والتمييز الذين عاشاهما لأجيال طويلة " . وأخيرا حصلت الصهيونية على تصريح بذلك وهو وعد بلفور في عام 1917 والذي فسره اليهود على أنه التزام من بريطانيا العظمى بإقامة هذا الوطن لهم . وآخرين اعتبروه على أنه نية لبريطانيا ليس فقط لبناء وطن ولكن جعله وطناً لأمة يهودية مستقلة وقوية . في مثل هذا الصباح المقدسي الحار بعد 12 عاماً كانت الصهيونية الأشد كرهاً للقارة والسكان العرب والمسلمين.هؤلاء السكان بالرغم من ثلاثة عقود من التدفق اليهودي ، فاقو اليهود عدداً بنسبة 9—1 ، ومن بين هؤلاء القادة الأكثر بروزاً والأكثر إثارة للجدل ، الزعيم الديني والسياسي ابن 32 ربيعاً ، والأقوى نفوذاً الحاج أمين الحسيني ، وكان الحاج أمين ابناً لأكبر وأهم العائلات في القدس وهم " الحسينية" لأنه منذ القرن 17 وبدون أي قطع ، فقد انحصر منصب مفتي القدس الأعظم في أفراد هذه الأسرة. والمفتي كان لقباً دينياً فخرياً ، يحصل عليه مسلم مثقف مهمته قيادة المجتمع المسلم ، والإشراف على الأماكن المقدسة وإدارتها ، ويعطي فتاوى تفسر "الشريعة الإسلامية " وهي القانون الديني الإسلامي والذي يعتبر القانون المدني السائد في العديد من الدول العربية حتى أيامنا هذه " وكان جد الحاج أمين مفتياً وكذلك أبوه وأخيه الأكبر كامل الحسيني. وعندما توفي أخوه عام 1921 فقد أعلن الحاج أمين نفسه وريثاً طبيعياً لأخيه بالرغم من تخطيه العشرين بقليل، بعد مشاورات مكثفة غير مكشوفة وغير ناجحة مع قادة العائلات الكبيرة ،تم إقرار الحاج أمين مفتياً للقدس بموافقة المفوض السامي البريطاني في فلسطين ، والمثير للسخرية أن المفوض البريطاني كان هربرت صموئيل يهودياً انجليزياً ومن أنصار الحركة الصهيونية.وجاء تعيين الحاج أمين بعد مشاركتة في انتفاضة عربية ضد الإدارة البريطانية في نيسان عام 0192. فيما يخص الدعم البريطاني للصهيونية وتشجيعها على هجرة اليهود لفلسطين ، ولم يكن غضب عرب فلسطين متجذراً ضد الصهيونية ،ولكن كان له تاريخ طويل يعود لقرون طويلة من الاستعمار،ولكن ظهور المسألة اليهودية ودعم بريطانيا لها كان بمثابة عود الثقاب المشتعل الذي سقط في كومة عميقة من المشاعل .
عندما جاءت الحرب العالمية الأولى وضعت حداً لقرون من الهيمنة التركية على العالم العربي ،فقد دخل الأتراك الحرب مع دول المحور ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة ، وقد زادت كل من بريطانيا وفرنسا مناطق نفوذها في العالم العربي في القرن التاسع عشر – بريطانيا في العراق ، مصر ، وشبه الجزيرة العربية ، وفرنسا في سوريا ودول شمال إفريقيا والمنطقة العربية البربرية ، وكان لبريطانيا على الأخص مصالح قوية في الشرق الأوسط وكان عليها أن تدافع عنها ضد اختراق دول المحور لهذه المنطقة وخاصة الأتراك والألمان ، وللدفاع عن هذه المصالح فقد أقنعت بريطانيا عام 1916 الحسين بن علي – شريف مكة –وزعيم أكبر عائلة ذات نفوذ في العرب والمسلمين " الهاشميون " بالثورة على العثمانيون ، وكان الهدف من هذه الإستراتيجية سحب الجيش العثماني من الشمال حتى تصبح عملية الدفاع عن مصالح بريطانيا أسهل ، ومقابل تعاون الهاشميون فقد وعدت بريطانيا بتنصيب الحسين وأولاده حكاماً على أمة عربية مستقلة وقوية في حال انتهاء الحرب لصالح بريطانيا وحلفاءها . وحسب ما فكر الهاشميون فان الدولة العربية ستضم كل الدول الناطقة بالعربية شرق مصر وهي ما تسمى اليوم إسرائيل ، سوريا ، لبنان ،الأردن ،العراق ، وشبه الجزيرة العربية.
انتهت الحرب لصالح بريطانيا لكن الوعد لم يتحقق ، تم تجاهله في البداية ثم ألغي جملةً وتفصيلاً ،وبدلاً من ذلك قامت بريطانيا وفرنسا وبمساعدة من الولايات المتحدة ومن جانب واحد بتقسيم العالم العربي بينها خالقه دويلات ومحميات جديدة ، وفي نفس الوقت محاولين إخماد نار القومية العربية وحق تقرير المصير اللذان قام الحلفاء بتأجيجهما ، لكن هذه النيران قاومت ولم تخمد وكان أشدها في القلب الجغرافي للعالم العربي المقسم وهي سوريا . في أيام الحكم العثماني كانت ولاية سوريا بلا حدود معروفة ولكن بشكل عام كانت تغطي المنطقة الواقعة بين تركيا في الشمال وسيناء المصرية في ا لجنوب الغربي ومحاذية للولايات العثمانية في منطقة الجزيرة العربية والعراق والتي كانت تحدها من أقصى الشرق، وكانت هذه سوريا الكبيرة التي قامت بريطانيا وفرنسا باقتسامها خالقين فيها حدوداً مصطنعة وأربع دول هي فلسطين ، الأردن ، لبنان ، سوريا.
لقد انطلقت فكرة وجود وطن عربي مستقل ومتحرر من السيطرة العثمانية والأوروبية في كل من مصر وسوريا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر وكانت الفكرة متأثرة بالاتصال بالفكر الأوروبي المتدفق من الفكر الاستعماري الفرنسي والبريطاني ، لقد كان الوطن العربي معزولاً عن المسرح الدولي منذ أيام الحملات الصليبية في القرنين 12 و 13 وبقي كذلك لحين دخول بريطانيا وفرنسا إليه في القرن التاسع عشر ، ورضخت حضارته ومؤسساته للسلالات الأجنبية التي تعاقبت على حكمه ، وعندما تعرف على الأفكار الأوروبية في القرن التاسع عشر وبخاصة النزعة القومية فيما يخص السياسة والاقتصاد ، بدأت هذه المنطقة الواسعة بالغليان وعندما تحركت المنطقة كانت القوة العثمانية في حالة وهن شديد بسبب توأمين متلازمين وهما الفساد الداخلي والثاني الحروب الخارجية ، وبحلول القرن العشرين ، ورغم أن العالم العربي لم يكن ينبض بحمى القومية وتقرير المصير ، إلا أنه كان مدركاً للتغيرات القادمة في المنطقة.وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى تطور هذا الوعي بشكل حاد إلى أمل ثم تحول الأمل إلى تطلعات بواسطة البريطانيين عندما تعهدوا بإقامة عالم عربي مستقل عام 1916 كنوع من المكافأة للهاشميين إذا قاموا بالثورة ضد العثمانيين .
ونتيجة لذلك أمضى المفكرين والناشطين السياسيين العرب السنتين اللتان تلتا ذلك في تحضير أنفسهم لإقامة الدولة ، ومن بين هؤلاء كان الشاب الحاج أمين الحسيني والذي كان يمثل أحدى الأسر القيادية في جنوب سوريا والذي أبصر لنفسه دوراً سياسياً مهماً في الدولة المستقلة المنتظرة ، والتي ستكون عاصمتها على الأرجح دمشق أو قد تكون القدس ، ولكن فيما بعد حصل وعد بلفور والذي أعقبه فصل جنوب سوريا عن منطقة سوريا ، وفيما بعد قامت بريطانيا بتقسيم جنوب سوريا إلى منطقتين منفصلتين وسمتهما فلسطين "حسب الاسم التوراتي لأرض الفلسطينيين " وشرق الأردن ، وباقي سوريا بقي محلاً للحوار بين بريطانيا ،وفرنسا والهاشميين . وقد عقد الحسين وأبناءه الاجتماع تلو الاجتماع مع الأوروبيين للخروج على الأقل بقطعة من الكعكة ، وفي سبيل ذلك وافقوا بشكل غير معلن وبدون ضجة على مخططات فرنسا وبريطانيا في العالم العربي ، ففي غمرة حماس القوميين العرب مثل الحاج أمين الحسيني تمت خيانتهم من طرفين ، الأول بريطانيا والثاني زعماؤهم . وعندما بدأت أول موجة هجرة يهودية من أوروبا بوضع أقدامهم على شواطئ فلسطين بشكل معلن ، وبسيطرة للبريطانيين والحركة الصهيونية ،كان المسرح معد تماماً للصراع ، وكان أول رد فعل عربي منظم ضد الهجرة اليهودية في نيسان عام 0192. حيث ترأس المظاهرات الحاج أمين بنفسه وألقى خطاباً نارياً في جماهير القدس العربية حرضهم فيه على الثورة ضد الإدارة البريطانية والمستوطنين اليهود ، ونتيجة لذلك أصدر البريطانيون مذكرة باعتقاله واعتقال أقرب شركائه إليه وهو عارف العارف، وهرب الاثنان إلى دمشق ووجدا لهما ملجأً آمناً مؤقتاً بين القوميين السوريين الذين كانوا يحاولون منع الهاشميين من تسليم بقايا حلم الأمة العربية.
كانت فكرة إقامة الحاج أمين في سوريا قصيرة الأمد ، إذ بعد وصوله إلى دمشق بقليل قامت فرنسا بإبعاد الهاشميين عن سوريا ، ولذلك أُجبر الحاج أمين مع مئات من القوميين السوريين على العمل خفية في شرق الأردن وبقي هناك حتى بداية عام 1921 عندما أُرسل هربرت صموئيل من لندن ليكون المفوض السامي البريطاني في فلسطين ، وكجزء من فلسفته للتصالح وإعادة الهدوء أصدر صموئيل عفواً عن الحاج أمين وعارف العارف ، وعاد الحاج أمين إلى القدس وكبادرة أخرى للتصالح صادق صموئيل رسمياً على اختيار الحاج أمين مفتياً للقدس.
وبالرغم من أن نية صموئيل كانت تطويع عدو قوي وزجه في المسألة البريطانية ، إلا أن نتيجة مخططاته كانت العكس تماماً ، ففيما بعد قام الحاج أمين باستغلال منصبه مفتياً للقدس ورئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى باستخدام المبالغ المالية السنوية الطائلة التي جلبتها له مناصبه بالعمل دون كلل لنسف كل شيء حاولت بريطانيا بناءه وبخاصة الاستيطان الصهيوني. فمنذ بداية ترؤسه للمجلس الإسلامي الأعلى حاول الحاج أمين الحسيني وضع الصراع ضد الصهيونية ضمن إطار ديني ، وقد وصلت جهوده أقصاها في 23 آب 1929 عند الحائط الذي يحيط بساحة المسجدين الشريفين ، وضع الحاج أمين مخططاً لاستعادة المساجد من اجل إعادة تكريس السيطرة الإسلامية فوق كل فلسطين ولمجابهة الادعاءات الدينية الصهيونية بحقهم بجزء من القدس ، ولبلوغ هذا الهدف قام بجمع مبالغ ضخمة من المال من العالم الإسلامي مفتتحا خطاباته بالشتائم واللعنات السياسية ضد المخططات الواقعية أو الخيالية اليهودية في المدينة "القدس" . وحدث أن جزءً من السور المحيط بساحة الأقصى كان من بقايا سور المعبد اليهودي المقدس القديم حسب ما توارثه اليهود ، كذلك لم تكن المساجد وحدها ولكن كل الساحة والتي كانت من أكثر الأماكن قدسية في القدس . إن تمكين اليهود من أداء صلواتهم في الحرم القدسي الشريف الذي كان مشمولاً بمشروع الترميم سيكون مساوياً لعملية تقديم أموال إسلامية لأناس ملحدين . ولذلك استمرت خطابات الحاج أمين الداعية إلى جمع تبرعات مالية لعدة سنوات ،ولقد كان الأثر المتصاعد لتلك الخطابات قوياً جداً لدرجة أنه في صباح أحد أيام آب 1929 وبينما كانت مجموعة من اليهود المتدينين تعبر أحد شوارع القدس الضيقة متجهين إلى ما اعتبروه حائط عبادتهم المقدس ، سرت أنباء مسيرهم ، ونيتهم في جميع وسائل الإعلام الإسلامية ودوت مثل طلقة مدفع ، ولحظة وصول دزينة أو أكثر من اليهود إلى الحائط أُحيطوا بمئات من المسلمين العرب ، ولحظة قيام المُتعبد اليهودي الأول بفتح كتاب الصلوات تلقى ضربة من العرب القريبين منه .ما تبع ذلك كان من أشد المواجهات التي شهدتها القدس منذ أيام الحملات الصليبية ، وانتشر العنف في جميع أرجاء المدينة ، وقامت جماعات من العرب مسلحة بالهراوات والخناجر بالاندفاع في الحي اليهودي لقتل وجرح ما يمكن إيجاده من اليهود ، وطلبت السلطات البريطانية من المفتي التدخل ووضع حد للمجزرة ، ولكن المفتي نظر إلى الأمر بلا اكتراث وكأنه عاجز عن إيقاف ما كان هو الأداة المباشرة له . في اليوم التالي امتد سفك الدماء خارج القدس ، وبعد ذلك بأيام قامت مجموعة من " الرعاع " العرب بقتل 59 مستوطناً يهودياً في الخليل جنوب القدس ، وفي الوقت نفسه ضُربت مدينة صفد بشدة "والتي تعتبر تاريخياً مدينة يهودية " ،وتعرضت مجموعات أخرى من المستوطنين الصهاينة للقتل في أنحاء فلسطين ، وفي الوقت الذي استطاعت السلطات البريطانية إعادة النظام ظاهرياً كان قد مات ألف يهودي تقريباً. وبتواضع تقبل الحاج أمين التهاني التي وصلته من الناس البارزين من أتباعه الكثر ، وفي غمرة تعبير واسع عن مقاومة العرب لخيانة بريطانيا الاستعمارية والصهيونية الاستيطانية ، رٌفِّع الحاج أمين إلى مرتبة بطل قومي للأمة العربية.
لقد اصطبغت البدايات الخطيرة للمقاومة العربية للصهيونية بالشدة ، وقد أتاح نجاح العنف العربي على هذا النطاق الواسع – كان هناك أمثلة عنف في الماضي ولكنها كانت على نطاق محدود – للحاج أمين وشركاءه رؤية الصيغة المهمة للتعامل مع فلسطين قومياً بالمفهوم العربي ، والصيغة بالطبع كانت العنف ، ليس العنف العفوي الفوضوي كالذي حصل ، ولكن عنف منظم في شكل ميلشيا انضباطية ، أو القيام بأعمال فدائية تديرها بشدة وحذر برامج سياسية عالية الدقة والتنظيم ، والنتيجة ستكون قيام دولة عربية إسلامية مستقلة في فلسطين يكون حاكمها والأب المؤسس فيها الحاج أمين الحسيني بلا منازع.
فيما يخص فلسطين لاحقاً ، كان عام 1929 نقطة تحول هامة للعرب واليهود على حد سواء ،بالنسبة للصهاينة فإنها وبشكل غير متوقع قوَّت عزمهم للحصول على الأرض لأنفسهم ، ونتج عن مذبحة 1929 زيادة سريعة في عدد اليهود المهاجرين من أوروبا كما أنها نظَّمتهم للدفاع عن أنفسهم ،بالنسبة لعرب فلسطين فإنها وسمت بدايات تطلعهم للحصول على هوية كفلسطينيين بدل كونهم ببساطة عرب ، والأكثر من ذلك فإنها أنبأت عن محاولاتهم لوقف الهجرة الصهيونية إلى أراضيهم ،وللتخلص من البريطانيين ولضمان أمة مستقلة لأنفسهم .
ورغم عدم معرفة أحد فان عام 1929 كان علامة مميزة من نوع آخر ،لقد كان في تلك السنة – في الوقت الذي كانت تحدث فيه أحداث العنف العربية – وُلد ياسر عرفات .

- الجزء الأول
قبل إسرائيل

شـــجـــرة الــعــائــلــة

لم يحقق الحاج أمين حلمه أبداً ،لقد أصيب بالإحباط في كل لحظة من أعوام الثلاثينات من هذا القرن بسبب البريطانيين ثم التسارع المستمر للحركة الصهيونية ،ولذلك فقد أجبر على مغادرة القدس عام 1937 وانتهى به المطاف في أوروبا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية ، حيث وجد حظوة مع كبار موظفي الرايخ الثالث ، لأنه في حال فازت دول المحور بالحرب فإنه سيعود ليترأس النظام العربي الجديد الذي يديره النازيون . وكما حصل فإنه لم يستطع العودة . فبعد انتهاء الحرب لجأ إلى باريس ، ولكن وبسبب عمله المعلن مع النازيين وبالتحديد مباركته للألمان في ما يتعلق بالحل النهائي لمسألة اليهود – فقد اضطر لمغادرة باريس حتى يتجنب محاكمته كمجرم حرب ، في عام 1946 التجأ إلى القاهرة حيث كان الملك فاروق متعاطفاً مع الألمان ، ورغم أنه كان في الخمسينيات من عمره عندما وصل غإلى القاهرة ، إلا أن علاقته بألمانيا النازية أفقدته مصداقيته في المحافل الدولية ،وخاصة أن الدول العظمى بدأت بالتفكير بحل مشكلة فلسطين . وفقد الحاج أمين مصداقيته في العالم العربي عندما قامت الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين ، وإقامة دولة صهيونية . لقد كان الناطق باسم المقاومة العربية في فلسطين لثلاثين عاماً ،وكل ما وعد به وتنبأ به ذهب أدراج الرياح ،وتُرك في اهتياج شديد يلوك مرارة عداءه لليهود الذي تشربه في ألمانيا ، أصبح الحاج أمين يُقل في الحديث عن إسرائيل في خطاباته ، وفي النهاية كانت بياناته عن الجهاد المقدس تتعارض وتتناقض مع تصريحات الرئيس جمال عبد الناصر الذي تولى قيادة الأمة العربية وقيادة الصراع العربي الإسرائيلي ، ولذلك فقد تحوَّل الحاج أمين إلى الأخوان المسلمين في منتصف الخمسينيات .
كان الأخوان المسلمون منظمة سرية للمتطرفين المصريين الإسلاميين ، وقد حُظرت فيما بعد من قبل عبد الناصر ،وكان للإخوان تأثير كبير على الفلاحين المحافظين وكان جميع قادتها يعملون على التخلص من نظام عبد الناصر الاشتراكي ،وإعادة بناء مصر ضمن مرجعية تعاليم القرآن الإسلامية ،وعندما اكتُشفت علاقة الحاج أمين مع اليمين الإسلامي فقد مصداقيته السياسية بين المثقفين العرب . وفي عام 1959 طُلب منه أن يغادر مصر نهائياً ، وقد استقر في بيروت في لبنان ، وهناك ، ومن دخله كمفتي للقدس في المنفى ،سكن في فيلا مريحة ،وعاش أيامه وحيداً ،متحفظاً ، غير مسموع صوته في الخطاب الراديكالي الذي – ولسخرية القدر – تزعمه ابن عمته ياسر عرفات .
يوجد أمران لا يحب ياسر عرفات أن يُسأل عنهما ، الأول : تاريخ ومكان ولادته والآخر علاقة القربى التي تربطه بالحاج أمين الحسيني . لقد أصبح أمراً حتمياً في الذاكرة العربية ، ومقبولاً أيضاً في العالم أن ياسر عرفات ولد في القدس حوالي عام 0193. ، وبالتأكيد فان جميع وكالات الإعلام والنشر تؤكد أن مكان مولد عرفات هو القدس والذي أكدته مصادر فلسطينية منذ العام 1968 ، وإلى هذا اليوم فان عرفات غالباً ما يذكر بالحزن والكبرياء المثير للسخرية أن البيت الذي ولد فيه يفصله بعض البيوت عن حائط المبكى اليهودي ،الذي هو الحرم الشريف عند العرب، ويختتم بكلمات عابرة " بالطبع البيت غير موجود الآن لأنه هدم بالجرّافات عام 1967 ، لقد كان البيت الذي ترعرعتُ فيه" . إن ادعاءات عرفات حول مكان ولادته والبيت الذي نشأ فيه تعطي تعاطفاً وكلاماً محكم التناسق لكل حياته. إذ كيف لأي شخص منطقي أن ينكر عدالة تكريس عرفات نفسه للقضية من منظور ظروف مولده ونشأته ، مع ذلك فان الحقائق القليلة التي نعرفها لا تتفق مع ادعاءات عرفات .ومن وجهة نظر غربية على الأقل فان الحقيقة عبارة عن بضاعة طيّعة في التقاليد العربية وكذلك في حركة التحرير الفلسطينية . وسواء كان لأهداف شريرة أو خيّرة فان قلب الحقائق وبالتأكيد تغيير الحقائق بالكامل لتكييفها مع حاجة لحدث يومي أو كانت العملية مهمة لعدد معين من الناس ، فإنها سوف تأخذ أبعاد الحقيقة ، ومع مرور الزمن فإنها تصبح حقيقة بحد ذاتها . ومن المرجح انه بالنسبة لعرفات عند سؤاله عن مولده – الزمان والمكان – يصبح الموضوع غير ذي صلة به ، والافتراض انه خلق كذبة حول مولده " وأنة يعيش ضمن أكذوبة " لهو أمر مُغّري ، ولكنها بالنسبة لعرفات ليست كذبة ، إنها القصة التي أصبحت من خلال وعيه العربي حقيقة .إذن, سيكون أسهل لنا القول أين لم يولد من القول أين ولد . ويوجد في أفراد أسرة عرفات المبعثرة موسرين منهم أناس لم يتأثروا بعواطف وسياسات إعلام الحركة الفلسطينية ، وكلا الطرفين لا يدخلان في حسابهما قصة القدس . أحدهما يصر على أن عرفات قد ولد في القاهرة عام 1929 ، والطرف الآخر يقول أنه ولد في مدينة غزة عام 0193. ، وغزة مدينة صغيرة تقع على ساحل المتوسط وتبعد حوالي 100 ميل غرب القدس.
ولكن لا يوجد معلومات مطلقة حول الموضوع ، إن السجلات الرسمية التي تحدد مكان ولادة عرفات سواء في القدس أو غزة أو القاهرة أو أي مكان آخر تبدو وكأنها اختفت ، أحد أبناء عمومة عرفات والذي يؤيد مولده في القاهرة اخبرني أن عرفات تفاخر مرة بأنة أتلف كل الوثائق الرسمية التي تثبت مولده في القاهرة حتى يعزز فكرة مولده في القدس ، بالإضافة إلى أن العديد من مؤسسي حركة فتح ومنظمة التحرير والتي جعلت شهرة عرفات عالمية ، تبجحوا أنهم قاموا بالعمل نفسه حتى يثبتوا حقوق ولادتهم أنها كانت في قلب فلسطين إذاً كانت غزة هي مكان مولد عرفات كما يقول احد أعمامه ومجموعة من أبناء عمومته فان غموض نفسيته الخداعية الفلسطينية لا تزال تحوي بعض التناسق المؤكد ، لان غزة هي بوابة الأرض التي عرفت باسم فلسطين أيام العهد الجديد ، وكذلك سميت أثناء وجود الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى ، ولكن قصة القاهرة هي المنطقية كما رويت من أخوين وأخت له ، والعديد من أعمامه وأخواله وأبناءهم . هذه الرواية مدعمة بالأرقام كما أن ذكريات الناس وقصصهم الذين يؤيدونها أقوى وأكثر تحديداً من رواية أفراد العائلة الذين يصرون على أنه ولد في غزة، إن سير الأحداث اللاحقة التي تتبع ميلاد عرفات وطفولته المبكرة تم صياغتها من قبل هؤلاء الأفراد الذين بدوا الأكثر اطلاعاً والأقل اهتماماً بقلب الحقائق لأغراض إعلامية أو سياسية ، لكن لا توجد رواية واحدة تنفي علاقة حقيقية لعرفات بالقدس ، وبالتأكيد فان عائلته أو على الأقل جزء منها انحدر من القدس ، وأمه القصيرة السمينة ذات البشرة الداكنة – حميدة خليفة الحسيني – كانت ابنة لتاجر مقدسي هو محمد الحسيني وابنة عم أو خال الحاج أمين الحسيني " كان له أبناء عم وأخوال كثيرون إن شجرة العائلة مدعاة وعلامة على العظمة الاجتماعية في العالم العربي الإسلامي ، وهو نابع من تقاليد قبلية قديمة ، ففي العالم العربي القديم فان مقدار الإنسان يقاس بمكانته في القبيلة وأكثر تحديداً مكانته في العشيرة أو العائلة ضمن القبيلة ، لقد كان مجتمع الصحراء تنافسياً ، وكل قبيلة سعت للعلا والهيمنة على جيرانها لان كل فائز في هذا الصراع يعني وجود العديد من الخاسرين والشيء نفسه ينطبق على العشائر في القبيلة الواحدة وكذلك العائلات ضمن العشيرة الواحدة.لذلك فان نسب الفرد كان العلامة المميزة لمقداره، فإذا أثبت نسبه إلى قبيلة أو عشيرة مشهورة فإنه يتلقى الاحترام بسرعة من الشرفاء أما إذا كان أصله ليس نبيلاً فان عليه أن يُثبت نفسه من خلال أفعالة حتى يحصل على احترام الأشراف . أما إذا لم يفعل فانه يصبح وأفراد عائلته موضوعاً للتحقير والاستهزاء. انتقل هذا التقليد إلى الإسلام ولكنه أصبح في كيفية قدرة ربط الفرد أو عائلته بالصلة أو النسب مع النبي محمد الذي عاش بين عامي 571 و 634 م ،وعن طريق أبيها فان أم عرفات كانت قادرة على إثبات تَحَدَّرها من رجل يسمى محمد البدري الذي سكن في القدس عام 0138. م ،وقبل أن تنتقل عائلة البدري إلى القدس سكنت في قرية وادي النسور Nusur تقع غرب المدينة المقدسة والذي جلب العائلة من شبه الجزيرة العربية هو الجد الأعظم محمد بن بدر والذي يعود نسبه من أبيه إلى الحسين بن علي الذي كان الابن الثاني لفاطمة بنت النبي محمد . وعلى الرغم من جوع العرب للنسب المميز ( سواء كان طبيعتهم أو تقليداً فيهم) يقودهم إلى اختراع انساب خاصة بهم لتتناسب مع حاجاتهم إلا أن معظم علماء الإسلام يصادقون على ادعاءات عائلة الحسيني الحالية ، وإذا كان ذلك صحيحاً فان لعرفات على الأقل من جانب امة شجرة عائلة يستطيع الاتكاء عليها ، لم يكن الحال كذلك بالنسبة لوالد عرفات على الرغم انه قبل الإسلام قد يكون منحدراً من أصل نبيل . عبد الرءوف القدوة كان واحداً من عدة أطفال ولدوا لعبدالرحمن القدوة الذي كان كبيراً لعائلة ثرية من التجار والمهربين الذي استقر حول غزة عام 1700 م وأصبح لهم معرفة بطرق التجارة الأوروبية عندما حاول نابليون استعمار المنطقة في نهاية القرن الثامن عشر . لقد كان لعشيرة القدوة أصولها في شبه الجزيرة العربية إذ كانت فرعاً من قبيلة QAY المحاربة الشهيرة والتي كانت في مقدمة الفتوح الإسلامية في الشرق الأوسط في القرن السابع ، وقد انقسمت عشيرة القدوة إلى عدة عائلات بعد الفتح ، منها من بقي مقاتلاً في الصحراء ، والباقون تحولوا إلى الاستقرار إما مزارعين أو تجار أو أصحاب حِرَف. في أيام الحروب الصليبية استقر الفرع الذي ينحدر منه عرفات في سوريا ، وبعد طرد الصليبيين من الهلال الخصيب بواسطة المماليك والأتراك توجه جزء من العائلة إلى الجنوب باتجاه مصر منقسماً إلى فروع أخرى ، وبحلول القرن الثامن عشر استقر فرع آخر وازدهر في غزة ، وفرع آخر قريب لهم كان يعيش في القاهرة . أما محمد الحسيني فقد كان أحد أفراد أكثر عائلات القدس مكانة ، ووجد أن تجارة تتعرض للمعاناة نتيجة لأحداث الحرب العالمية الأولى ، ولكونه من الفرع الصغير من العائلة فقد اضطر لوضع حد لذلك أثناء قيود الحرب على التجارة المفروضة من قبل البريطانيين في فلسطين ، لقد كان رجلاً نزيهاً ومتديناً ، وفي البداية وجد أن من الصعب عليه أن يتوجه مثل زملائه من رجال الأعمال والمنافسين إلى التهريب ، ومع ذلك كان عليه أن يوفر شيئاً لزوجته وأطفاله الأربعة – والكبرى فيهم كانت حميدة التي تقترب من سن الزواج - ، لقد كانت الأمور مزدهرة مع عبدالرحمن القدوة على العكس من محمد الحسيني ، كان القدوة يكبر الحسيني بــ 12 عاماً ، ومع نهاية الحرب كان واحداً من أثرى تجار غزة ومن اكبر ملاكي الأراضي ، وكتاجر في البضائع المشروعة والممنوعة ، كانت مكانته في غزة مرموقة حيث أن غزة وفرت مدخلاً سهلاً للبحر والسفن التي كانت تسلم المهربات في أعلى وأدنى الشاطئ الشرقي ، والطريقة كانت بوقوف المراكب في الخطوط الساحلية مثل مخازن عائمة لاستقبال التجار المشاركين من المدن الساحلية ، الذين يتسللون في الليل في قوارب للحصول على البضائع التي يتخصصون فيها ، في البداية كان عبدالرحمن القدوة يستخدم قوارب التجديف وأبناؤه بمن فيهم عبد الرءوف كانوا يقومون بالتجديف ، ولكن نتيجة لنجاحه الكبير في الحرب كان قادراً على شراء قارب كبير فيه محرك مخبأ وملفوف جيداً ، ولم يطل الأمر حتى أصبح معروفاً لدى تجار القدس الذين كانوا يسافرون باستمرار إلى غزة للحصول على مشترياتهم. كموزع لكثير من البضائع المتنوعة والمتوفرة بكثرة في القدس أُجبر محمد الحسيني على وضع المصلحة قبل المبدأ ، وبمجرد سماعه عن عبدالرحمن القدوة سافر باختياره إلى غزة في احد أيام عام 1916 ليعاين بضاعته ، وتم تعريفه بالقدوة عن طريق تاجر آخر وللمصادفة وجد فيه رجلاً متديناً مثله ، أما بالنسبة للقدوة فقد كان مبهوراً بخلفية عائلة الحسيني ، وبعد أسابيع لاحقة سافر القدوة واثنين من أبناءه إلى القدس لتحصيل مبلغ من مدين متأخر ، وهناك قام بزيارة محمد الحسيني والتقى أبناءه ومن ضمنهم حميدة ، وما أن انفصل الأبوان حتى كان مختمراً في دماغ كل منهما مشروع ، عبدالرحمن القدوة كان مولود بنسب غير معتبر يمكن له أن يستفيد رسمياً من علاقته مع عائلة الحسيني البارزة ، محمد الحسيني ذو النسب البارز ولكنه دائم الإفلاس ، سوف يستفيد بشكل متساوي عن طريق علاقته مع عائلة القدوة الثرية في غزة ، والذين تم اختيارهم لتحقيق هذه العلاقة النفعية المتبادلة كانوا عبد الرءوف ابن عبدالرحمن ،وحميدة ابنة محمد . وقد عقد قران الاثنين في 17 أيار عام 1917 . استقر الاثنان في غزة ،عبد الرءوف المتزوج من آل الحسيني ازدادت مسؤولياته تجاه شركات أبيه المتعددة وفي نفس الوقت هيأت حميدة نفسها أطفالا هم في نظر عبد الرءوف سوف يُدخلون إلى عائلته دماء الرسول محمد ، وبعد عدة حالات إجهاض ولد لعبد الرءوف وحميدة طفل في غزة عام1920. سمياه بدر مطر ، بعد ذلك بفترة قصيرة مات عبدالرحمن القدوة ، وامسك عبد الرءوف بحكم قوة زواجه بزمام إدارة أعمال العائلة ، وبالإضافة إلى التجارة العامة كان هناك بيارات البرتقال والشحن والعقارات .
الأحداث المريبة التي تبعت نهاية الحرب العالمية الأولى لم تمر يشكل عابر على عبد الرءوف القدوة في غزة ولا على عمه محمد الحسيني في القدس وبالرغم من أنهما لم يكونا ذوا عقلية سياسية حسب المفهوم الغربي كانت اهتماماتهم السياسية مثل باقي المسلمين محصورة ضمن محتوى ديني ، وكل منهما منزعجاً من إهانة مشاعر ووعي المسلمين من خيانة بريطانيا لعهودها فيما يخص إقامة دولة عربية بعد الحرب ، وكذلك تشجيعها لهجرة أعداد كبيرة من يهود أوروبا ، ولم يغب عن أذهانهما انه في حالة إقامة الدولة العربية كما وعدت بريطانيا فان عائلة الحسيني ستكون من ضمن القيادة مكتسبة مكانة مرموقة في العالم العربي ، وكان الوضع مضموناً للاثنين عبد الرءوف المتزوج من آل الحسيني ومحمد الحسيني الذي كان من العائلة ، ولكن مشاعرهم الخفية كانت مناقضة لذلك ،كره بريطانيا مع توسع موجات الهجرة اليهودية كان يمكن للمرء أن يجني كثيراً من المال خصوصاً من مستوطنات الساحل الجديدة ، لقد كان الاثنان من ناحية يؤيدون مطالب المقاومة العربية الفلسطينية مثل ابن عم محمد الحاج أمين الحسيني ومن ناحية توجهوا بطاقاتهم التجارية نحو استغلال الأسواق الجديدة التي أحدثها الصهاينة المهاجرين ، لقد موّل عبد الرءوف القدوة محمد الحسيني لمشروع تسويق ينحصر فقط في التجارة اليهود وهو بيع التحف الدينية ، وكان عبد الرءوف يسافر مرة في الشهر من غزة إلى القدس لمتابعة استثماراته ، وفي بعض الأحيان كان يصطحب حميدة وابنهما بدر لزيارة محمد الحسيني ، وفي زيارة من هذه الزيارات عام 1922 ولد لهما طفل ثاني وكانت بنتاً سمياها فاطمة ، لقد أتى بيع التحف بأرباح جيدة ولأول مرة في حياته كان محمد الحسيني بلا مشاكل . في الخمسينيات من عمره بدأ محمد الحسيني يظهر علامات الثراء فجأة ويتفاخر أمام أصدقائه وزملائه في العمل بالسهولة التي يمكن فيها استغلال هؤلاء اليهود القادمين ، ويكيل المدائح لشريكه وصهره ، وعندما وصل الخبر إلى الحاج أمين الحسيني وباقي أفراد العائلة الوطنيين لم يرق له ذلك ، إذ كيف يكون فرع من العائلة يحرض على مقاومة هجرة اليهود وفرع آخر من العائلة يسعى لجني الأرباح منهم . في بدايات عام 1923 تلقى محمد عدة تحذيرات عن طريق أقربائه من آل الحسيني لوقف التعامل مع اليهود ولكنه تجاهلها ، وفي صباح احد الأيام من تموز وصل إلى محله في القدس ليجده محطماً وكل بضاعته تم تخريبها ، ووجدت ملاحظه تتوعده بالأذى الجسدي وكذلك صهره إذا حاولا الاستمرار في بيع أشياء لليهود ، لقد كان محمد خائفاً جدا بينما كان صهره غاضباً ،وقد زود عبد الرءوف المحل ببضائع جديدة ، وطلب من صهره الاستمرار لأنه كان مصراً على حماية استثماراته ، واستمر محمد في العمل ولكن ليس طويلاً ، ففي مساء احد الأيام من تشرين الثاني عام 1923 قامت مجموعة مسلحة تعمل لصالح المجلس الإسلامي الأعلى باقتحام بيته بجانب الحرم الشريف وقامت بضربه حتى سالت دماؤه تمام أفراد عائلته ، وعندما سمعا, بذلك هرع عبد الرءوف وحميدة إلى القدس ، وعندما شاهدا ما حل بمحمد بدأ عبدا لرءوف يعيد النظر في عملية الاستمرار في أعمال القدس ، وعندما ذهب إلى المحل وجده محترقاً تماماً ولم يكن في ذهنه أي تساؤل عما سيقوم به ، لقد صمم على بدأ العمل في يافا ،الميناء العربي القديم المحاذي للمدينة البحرية التي كان الصهاينة يبنونها وهي "تل أبيب "، وقد ظن انه في يافا سيكون بعيداً عن أيدي الحاج أمين والثوار ، ولكن محمد تردد عندما طلب منه عبد الرءوف التوجه إلى يافا ، وبدلاً من ذلك حاول أن يحذر صهره من البدء في العمل ثانية ، ولكن عبد الرءوف القدوة كان عنيداً جداً وخاصة فيما يتعلق بالعمل وكانت هذه ميزه ورثها من أبيه عبد العبدالرحمن لان الإنسان لا يحقق ثروة إذا كان خنوعاً ، أو خضع للتهديد والخوف ، ودفع عبد الرءوف مبلغاً صغيراً لعلاج صهره ثم سافر إلى يافا ليؤسس للعمل ، وفي غضون عام بدأ العمل يزدهر ، وكان عبد الرءوف يدير العمل من مقره في غزة ،واخوه Zikim يشرف على الحسابات في يافا.
وبعد معاناة من إجهاض آخر ، وضعت حميدة مولوداً ثالثاً ذكراً أسماه عبد الرءوف (زيد عمر) ، وبعد ذلك بفترة قصيرة جلبت زيارة محمد الحسيني أخبارا مزعجة لعبد الرءوف مفادها أن المجلس الإسلامي الأعلى علم بنشاطات عبد الرءوف في يافا ، وان عناصر معينه عبروا عن امتعاضهم ، وزوجة عبد الرءوف فوق كل ذلك من عائلة الحسيني ، لقد انزعج عبد الرءوف وحميدة من التغير المريب الذي بدا واضحاً على محمد ، لقد تحدث بانفعال عن الحاج أمين وهو نفس الرجل الذي كان يشير إليه في الماضي بنوع من الازدراء والذي يغذيه حسد عائلي لقد امتدح قيادة الحاج أمين للمقاومة ، وحتى انه ذهب إلى ابعد من ذلك عندما وبخ عبد الرءوف على استمراره في التجارة مع اليهود ، لقد تجاهل عبد الرءوف تلميحات صهره غير مدرك أنها نوع من التحذير ، ولكن فيما بعد, بعد أسبوع تلقى تقريراً من يافا آن أخوه Zikim ضُرب من قبل عصابة عربيه ودُمر مخزنه تماماً ، وأخيرا فهم عبد الرءوف الرسالة ، لقد أعاد أخاه إلى غزة وصَرَفَ النظر عن أعمال يافا وقام بتصفيتها ، لقد مثلت تجارة القدس – يافا جزءً صغيراً من أملاكه وخسارتها سيكون له اثر بسيط على أملاك العائلة ، وسوف يعوض الخسارة إذا ركز طاقاته في التعامل التجاري مع العرب وبحلول عام 1927 كان عبد الرءوف قد نسي تجربة يافا ولكن كثير من الناس حول غزة لم ينسوا ذلك.
لقد انتشرت بيانات الحاج أمين الوطنية والمعادية للصهيونية في كافة إنحاء فلسطين ، و تأججت نيران المقاومة السرية بين قسم كبير من السكان العرب والمسلمين ، وقد تأججت بشدة بين الشباب الذين كوّنوا عصابات مقاومة لتطبيق تعليمات المجلس الإسلامي والحاج أمين ، ولقد أصبحت الإغارة على المستوطنات اليهودية أمراً مألوفاً وكذلك نُظِّمت عمليات ضرب ، حرق محاصيل ، وتخريب دكاكين ، وقد تدخلت قوات الاحتلال البريطانية وبدأت تصطاد العصابات العربية وتحاكم وتسجن الذين تمسكهم ، و زاد كل هذا من تأجج النيران العربية ، ومع الحد من حرية العمل ضد اليهود من قبل البريطانيين فقد سعت العصابات للحصول على ملجأ بين السكان العرب .
لقد أصبحت المنطقة المحيطة بغزة مركزاً للمشاعر القاسية المعادية للصهيونية ، وبخلاف الأجزاء الأخرى في فلسطين كان في غزة عدد قليل من المسيحيين العرب يسكنون هناك ، ولم يستقر أي يهودي فيها ولذلك كانت غزة منطقة إسلامية خالصة ،وقد لاقت خطابات الحاج أمين الوطنية والدينية استجابة حماسية في غزة ذات النظرة الإسلامية ، لقد انتشرت روح العداء للصهيونية عن طريق الصحف والمنشورات التي بثتها مجموعات تعمل تحت إشراف الحاج أمين وتم تعزيزها بتنظيمات سرية لتطبيق الرسالة في الوطن ، وكانت الرسالة أن البريطانيين يمثلون قوات احتلال وهدفهم الوحيد هو السيطرة على السكان العرب حتى يتمكن اليهود من السيطرة على فلسطين . لقد كان هدف اليهود هو حكم البلاد وإذلال العرب أصحاب الأرض الأصليين ،ولذلك فان أي شخص يتعامل مع اليهود أو يتعاون مع البريطانيين يعتبر خائناً.
لقد بدت هذه الرسالة بسيطة وساذجة عند العائلات الغنية مثل آل القدوة ، لقد كان العديد منهم مالكين لأراضي واسعة في أعلى وأدنى الساحل الفلسطيني وقسم كبير من هذه الأراضي حتى بدايات الهجرة اليهودية كانت أراضي شجرية بعلية أو أراضي مستنقعات غير صالحة للزراعة ، ولكن الصهاينة كانوا مستعدين لدفع أسعار خيالية ثمناً لهذه الأراضي ، ما الضرر من بيعهم هذه الأراضي الغير صالحة ؟ أو القيام بالعمل معهم من نواحي أخرى ، كما فعل عبد الرءوف والعديد من تجار غزة الآخرين ، لقد عرف عبد الرءوف والآخرين الإجابات بسرعة ، رغم انه أنهى عمله في يافا ولا يتاجر مع اليهود إلا انه لم يستطيع الهروب من ماضيه ، كان معزولاً عن معظم أهل غزة بثروته إلا انه لم يدرك انه يتمتع بسمعه سيئة انه أثرى من تعامله مع اليهود ، ففي آذار عام 1927 وأثناء قطاف إحدى بيارات ت القدوة هاجمت عصابة من الشبان العرب عمال القطاف وقطعوا حوالي 12 شجرة أو أكثر ، وبعد ذلك بفترة قصيرة تم تدمير صف من المحلات التي يملكها عبد الرءوف في سوق غزة الكبير ، وفي حزيران دُمرت بيّارة أخرى ثم بستان زيتون ، وفي شهر تموز ضُرب ابنه الكبير بدر بحجر في الطريق بجانب بيت آل القدوة ، وقد عانى أثرياء غزّيون نفس المعاناة خلال عام 1927 . أولئك الذين تابوا حسب تعليمات أتباع الحاج أمين واستنكروا أي تعامل مع اليهود تُركوا وشأنهم ، والذين لم يقبلوا تعرضوا للمضايقات أو قاموا ببيع ممتلكاتهم ورحلوا بعائلاتهم بعيداً عن غزة . في البداية رفض عبد الرءوف الخضوع للتخويف ، لقد ذكّر جلاديه بواسطة إعلانات عامة وزعها في غزة انه قام بإنهاء أعماله التي كان يبيع فيها مواد دينية لليهود قبل وقت طويل ، ولكن كل مناوراته فشلت ، وفي أيلول عام 1927 تعرض هو وأخوه للهجوم والضرب في مطعم غزة . وبينما كانوا يتعرضون للضرب انفجرت قنبلة عند جدار بيته مما نتج عنه إجهاض الطفل الرابع الذي كانت حميدة حامل به . وبعد ذلك بشهر انتقل عبد الرءوف وحميدة وأبناؤهم إلى القاهرة حيث وجدوا لهم ملجأ عند أقارب عبد الرءوف . وفي أثناء ذلك كان يبحث عن بيت وطريقة لإنقاذ بعض أعمالة في غزة وتحويلها إلى مصر . في تشرين الثاني حملت حميدة مرة أخرى وفي كانون أول انتقلت العائلة إلى بيت مريح في أكثر ضواحي القاهرة غنى وهي الجيزة ، وفي آب 1928 ولد لهم طفل رابع وكان الذكر رقم 3 وسموه (نصر محمد) . لقد كانت الحياة بالنسبة لآل القدوة صراع مرير إذا ما قورنت بحياة الرخاء التي تمتعوا بها في غزة قبل أن تبدأ مشاكلهم . بقي عبد الرءوف يحصل على دخل من عائدات أراضيه في غزة ، ولكن أموال التجارة وشركات الخدمات نضبت نهائياً.
في تشرين الثاني عام 1928 عاد عبد الرءوف إلى غزة في زيارة قصيرة وقد تفاجأ عندما وجد أن إخوته في غزة أصبحوا ذوي أهلية في عيون المناضلين المحليين المعاديين للصهيونية ، لقد استنكروا علناً تعاملاتهم السابقة مع اليهود وتم السماح لهم بإدارة أعمال آل القدوة دون التعرض للمضايقات ، لقد ألحوا عليه للقيام بنفس الشيء لكي يستطيع العودة وتولى زمام أمور أعمال العائلة ، ويعيد إليه ازدهاره السابق ، تعرض للإغراء وفي النهاية لم يكن لديه شيء مع اليهود ، بالتأكيد فان أسباب مشاكله منذ البداية كانت بسبب اليهود ولكنه أصر على انه لن يحط من قدر نفسه عن طريق اعتذار علني للناس الذين كانوا غرمائه الاجتماعيين والفكريين ، ومن غزة توجه إلى القدس لإتمام مهمة تجارية تلقاها في القاهرة ، وزار محمد الحسيني والذي وجده مقتنعاً بفلسفة المقاومة التي يقودها الحاج أمين وكان يعمل جامعاً للتبرعات من اجل ترميم المساجد المقدسة ، وقد توسل محمد لعبد الرءوف لكي ينتقل من القاهرة ويقوم بتعديل وضعة مع الغزيين ثم ينتقل إلى القدس حيث يمكنه وضع إمكانياته المالية للعمل باسم المجلس الإسلامي الأعلى . ولتجميل الطلب قام محمد بالحصول على عفو من الحاج أمين شخصياً بالنسبة لأعمال عبد الرءوف السابقة مع اليهود ولمح بشكل كبير إلى إمكانية تكديس ثروة شخصية عن طريق لجان جمع التبرعات ، استمع عبد الرءوف ولكنه بقي غير مقتنع ، عاد عبد الرءوف إلى القاهرة في كانون الثاني 1929 ليجد حميدة حامل مرة أخرى ، وفي الأشهر اللاحقة تمكن من تأمين المزيد من العمولات التجارية التي تطلبته السفر إلى القدس مرة أخرى ، وعند وصوله وجد المدينة عبارة عن مرجل ساخن مليء بالتوتر والغضب ، وقد وقعت اشتباكات صغيرة في أجزاء متعددة من فلسطين قام بها زمرة الحاج أمين القساة المعادين للصهيونية . وقد جابت الشرطة العسكرية البريطانية شوارع القدس للحفاظ على الهدوء ، وباستثناء بعض الحوادث الصغيرة بقيت القدس هادئة ولكن لوقت. قصير عاد عبد الرءوف إلى القاهرة في حزيران بعد أن توقف في غزة واستطلع الوضع هناك . إن الشهرين الذين مكثهما في القدس قد غيرا تفكيره أخيرا ، عن طريق محمد قام بمقابلة الحاج أمين وكان متأثراً جداً بمنطق المفتي عندما بدأ يجادل في خطر الصهيونية على حلم الأمة العربية ، وفي النهاية وفي طريق توقفه في غزة ، ورغم انه لم يستنكر علناً خطيئته بالتعامل مع اليهود تجارياً إلا انه أعلن عن توافقه مع سياسات الحاج أمين المعادية للصهيونية ، وفي نفس الوقت وصلت أنباء من القدس تفيد أن عبد الرءوف حظي بمقابلة المفتي شخصياً. وبدا في قمة كياسته. ، وقد وجد عبد الرءوف تغيراً مفاجئ ، ومُفرح في أجواء وأفكار أهل غزة ، لم يقل احد من أهل غزة شيء محدد ولكنهم حيوه وابتسموا له وسألوه عن أحوال العائلة ، ومرة أخرى انتعشت حوانيته وسعى التجار والمضاربين وراءه لشراء البرتقال والزيتون .
عاد عبد الرءوف إلى القاهرة في حزيران مليئاً بالخطط والآمال لتوحيد المصالح التي طورها مع شركاء وشركاء إخوته في غزة ، وقضى الصيف يعمل بالتفاصيل بينما حميدة تكبر مع طفلهما الخامس ، وكان عليه أن يسافر إلى القدس في آب ولكن أحداث الشغب في 23 آب والتي انطلقت عندما حاول اليهود الصلاة في الحرم الشريف أبقته في القاهرة ، لم تكن حميدة تتوقع أن تضع طفلاً حتى آخر أسبوع في أيلول ، ومن ضمن خطط رحلة الأب ، توقع عبد الرءوف أن يعود في وقت الولادة ، وكما توقعت ، ولدت حميدة في 26 آب وقبل الصباح بعدة ساعات وضعت طفلها الذكر الرابع ، وفي اليوم التالي ذهب عبد الرءوف إلى وزارة الداخلية في القاهرة لتسجيل اسم ابنه الجديد ، وسمي الطفل الصغير " عبدا لعبدالرحمن عبد الرءوف عرفات القدوة الحسيني " .عبدا لعبدالرحمن على اسم أبيه, عبد الرءوف كان اسمه الكامل ،عرفات ، كان اسم الجبل المقدس بجانب مكة حيث تلقى النبي محمد حسب الاعتقاد الإسلامي الرسالة الربانية الأخيرة ، وسيكبر الولد ليكون يــــاسر عرفات.

مواجهة في القدس

أمضى عبدا لعبدالرحمن( كما كانت عائلة عرفات قد أسمته) طفولته الأولى مثل اغلب الأطفال العرب ، يتجاهله الأب و يمضي وقته بالكامل تقريباً في حضن أمه ، وحسب ما قاله أخوه زيد الذي كان في الرابعة من عمره في ذلك الوقت ، لقد بقي عرفات في رعاية أمه لمدة ثلاث سنوات ، لقد ابعد نفسه عن صحبة الأطفال الأكبر سناً وذلك ليحمي نفسه ، حتى وصل إلى سن مناسب عندما بدأ أبوه يلاحظ وجوده ، ومثل أقرانه كان عبدالرحمن داكن البشرة, وعلى عكسهم كان له عيون كبيره بارزة مثل عيون أمه وعيون الحسينية ، وعندما كان عمره عاماً واحداً لم يكن أنفة قد تشكل ، ولكنه بَشّر بأنه سيكون ذو أنف كبير وبارز مثل أنف أبيه ، وكان فمه كبيراً ممتلئاً على عكس شفاه أبيه الرقيقة ، ولكنه ورث آذان أبيه البارزة ، لقد كان نحيفاً كما كان أبوه في يوم ما ، ولكن هذه النحافة قد يكون مردها سوء التغذية وليس شيئاً جينياً ، وعندما فُطِم نهائياً من الرضاعة بقي عبدالرحمن لأكثر من سنة قليل الأكل ، وعندما أصبح عمرة أربع سنوات كان هزيلاً قاسي الملامح على العكس من إخوته الذين كانوا أطفالا سمينين ، وبعد سنته الرابعة بدأ يكسب بعض الوزن ، في عام 1933 عندما كان عمره لا يزال ثلاث سنوات أنجبت أمه طفلاً ذكراً سموه حسين،وبعد مدة قصيرة رحل عبد الرءوف وعائلته إلى حي أكبر فأصبح البيت بالنسبة لعبدالرحمن منزلاً في حي ممتد للعائلات الفلسطينية المهاجرة في ضفة القاهرة الغربية ، وفي جوارهم سكن اخو أم حميدة الكبير الذي هاجر إلى القاهرة من الخليل عام 1921 ، كان اسمه يوسف عواد الأكبر, واعتبر المفتي غير الرسمي للحي ، وفي المدن في العالم العربي فان مناطق بأكملها كانت تُبنى بسبب وجود مثل هؤلاء العقلاء البارزين مثل "الأكبر" ، لقد كان يوسف يُكرِّس نفسه للدين ، عالماً بالدين مفسراً لحقائقه ، ولكن عمله الأساسي كان إرشاد شباب وفق تعاليم السُنَّة ، والآباء مثل عبد الرءوف الذين كانوا مشغولين عن عائلاتهم بالتجارة لأسابيع ، كانوا سعيدين لوجود مُسنِّين مثل يوسف الأكبر لتعليم أبناءهم الصغار تعاليم الشريعة الإسلامية ، وتمتد هذه الوصاية حتى يصبح عمر الطفل وخاصة الذكور 12 عاماً ، وفي تلك السن يُعتبر ناضجاً بما فيه الكفاية ليلفت نظر أبيه ، وسَيَعزو الأب كل ذلك إلى تربيته الدينية ، وسيجد عبدالرحمن أن للأكبر التأثير الأقوى في بدايات حياته . وبحلول عام 1933 واصل عبد الرءوف أعماله في غزة والقاهرة ، وكان في حالة سفر مستمر بين المدينتين ، وكان يُعرِّج على القدس مرتين أو ثلاث مرات في السنة وغالباً ما كان يأخذ ابنه الأكبر معه الذي كان في الثالثة عشرة حينها .
بعد أحداث الشغب في عام 1929 الناتجة عن الهجرة الصهيونية إلى فلسطين والتي وصلت إلى حد يُنذر بالخطر حسب وجهة نظر العرب ، و كلما زادت الهجرة سنوياً زادت معها قوة الأنشطة المعادية للصهيونية التي قادها الحاج أمين الحسيني ، وفي أثناء إحدى زيارات عبد الرءوف وابنه للقدس ووجِهوا بتجربة قلبت الأب وابنه إلى أشد الناس كراهية للصهيونية . كان ذلك في مساء أحد أيام الخميس في أيلول عندما كانوا عائدين من قبة الصخرة حيث كان عبد الرءوف يُدرِّس ابنة بعض الآيات القرآنية ، وفي طريق عودتهم إلى مكتب البلدية حيث كان لهم موعد عمل ، مروا من أمام مجموعة كبيرة من الشباب اليهود كانوا في جدال مع عربيين في وسط شارع الزهراء وكان اليهود أعضاء في مجموعة امن خاصة استأجرها اتحاد أصحاب المحلات التجارية في الحي اليهودي لمنع السرقة والتخريب الذي يقوم به العرب ، وقد طاردوا العربيين حتى شارع الزهراء وحاصروهم وكانوا يوجهون لهم الاتهام بالسرقة بطريقة همجية ، وقد أنكر العرب التهمة ، وأَمر رئيس المجموعة اليهودية العرب أن يخلعوا ملابسهم حتى يقوم بالتفتيش عن المسروقات التي ادعى أنها مخبأة تحت ملابسهم ، بعد ذلك هجم يهودي ثم آخر ثم جميعهم وبدءوا بلكم الرجلين ليجبروهم على خلع ملابسهم ، وقد اجتذبت المواجهة حشداً كبيراً أكثره من العرب ، وعندما هاجم اليهود العرب تقدم البعض لإلقاء نظرة ثم تحول الفضول إلى غضب ومن بين الحشد اندفع حوالي 12 عربي أو أكثر ليهاجموا اليهود ، ثم بدأ قتال حقيقي وحضر المزيد من الفضوليين واندفعوا بين الغوغاء وفي دقائق تحول شارع الزهراء إلى ساحة حرب ، وقد حُوصِر عبد الرءوف وبدر في المنتصف وأدرك عبد الرءوف أنه أصبح هدفاً ، حيث بدأ ثلاث يهود بتوجيه اللكمات إلى رأسه وقام آخر بضربه في أعلى الفخذ حيث سقط في وسط اليهود وعندما رأى بدر ذلك ألقى بنفسه إلى اليهود محاولاً إبعادهم ، وبينما كان يصرخ بشكل هستيري ضرب احد اليهود بمرفقه على ظهره ، استدار اليهودي وبدأ يصارع بدر حتى أوقعه ، ثم قام بجر الصبي مسافة بعيدة وبدأ بضربه ، وقد انضم إليه الرجلان اللذان قاما بضرب عبد الرءوف وتركاه ينزف في الشارع ، وقبل أن يغيب عبد الرءوف عن الوعي رأى وجه ابنه ملطخاً بالدماء ، أفاق عبد الرءوف لعدة دقائق وكانت سيارات الشرطة البريطانية تتقدم ببطء وسط الحشود التي ملأت الشارع ، وقفزت فصيلة من الشرطة من الشاحنة وبدأت بضرب العرب على بطونهم وبينما كان عبد الرءوف يحاول استجماع قوته تلقى ضربه بهراوة على رقبته ، وقد رأى الشرطة ينقسمون إلى خطي حرب وقاموا بتقسيم الغوغاء إلى قسمين وقادوا كل قسم في اتجاه معاكس في الشارع ،وقد وصلت مجموعة أخرى من الشرطة بعد وصول الأولى مباشرة ، وعندما حاول عربي الهرب من المجموعة الأولى هجم عليه رجال الشرطة الذين كانوا في المؤخرة وانهالوا عليه بالهراوات حتى كسروا رأسه وفتحوه ، وإذا حاول احد اليهود الهروب كان يتم إخراجه دون التعرض للأذى ،غاب عبد الرءوف عن الوعي مرة أخرى وعندما أفاق كان بدر يرعاه وكان وجه بدر ملطخاً بمزيج من الدموع والغبار والعرق والدماء ، وكان دمه يتدفق من عدة جروح ، كان هناك العديد من الناس ولكن ضجة الغوغاء ابتعدت كثيراً ، وقد صارع عبد الرءوف حتى وقف على قدميه وبالرغم من انه كان مصاباً بالدوار ألا أنه استطاع وبدر الخروج من شارع الزهراء ، وقد قاد ابنه في أزقه خلفية حتى وصل إلى بيت محمد الحسيني ، وفي الإثناء كان يضع منديلاً على جروح بدر ، ولكن ياسر عرفات ينفي أية معرفة أو ذكرى لتلك الحادثة التي واجهت أبوه وأخوه الأكبر في القدس .
إلا أن أخاه زيد الذي كان في الثامنة في ذلك الوقت يتذكر عودة أبيه وأخيه إلى القاهرة بعد عدة أيام تلت ويقول زيد أن رأس بدر كان ملفوفاً بضمادة وقد فقد سِنّين أو ثلاثة أسنان . و فقد أبوه سناً وكانت عيونه متورمة ومسودَّة ، ويزعم زيد أن أباه كان مشحوناً بالغضب على اليهود والبريطانيين عند عودته .وقصة ضربه وما عاناه هو وابنه أُعيد روايتها مرات عديدة في السنوات اللاحقة ، إلا أن أخاه عبدالرحمن لا يتذكر هذه الحادثة وبالرغم من انه في الرابعة إلا أن الحادثة ترسَّخت كجزء من موروث العائلة ، ويقول زيد : لقد ألغى عبدالرحمن هذه الحادثة من ذاكرته لأنه إن اعترف بها فانه سيعترف بطفولته في القاهرة ، وتكتسب القصة مزيداً من المصداقية عن طريق حسن الحسيني احد أحفاد محمد الحسيني الذي كان بعمر بدر في تلك الأيام ويدّعي انه كان في بيت محمد الحسيني في ذلك اليوم ، عندما وصل بدر وعبد الرءوف ساعين للرعاية الطبية ( بصراحة ذاكرتي مرتبكة ) يقول حسن أثناء شرب فنجان قهوة في بيروت (ولكني أتذكر الدم والوجه الغاضب لأبي بدر ، كان يزمجر في تلك الليلة لدرجة أنه أخافني وكان هناك كلام كثير عن الانتقام في تلك الليلة مع جدي وكذلك أتذكر صوت بدر الذي بدا كالصفير بسبب سقوط أسنانه وتورم شفتاه عن تكريس حياته لقتل اليهود) .

الشاب عبد العبدالرحمن القدوة

كان عبدالرحمن القدوة الحسيني بكل المقاييس هادئاً وانسحابياً ، وتعتقد أخته Halmah التي تصغره بخمس سنوات انه كان به شيء غير طبيعي ويدّعي زيد أنه كان جباناً جداً ، إلا أن Halmah تصر على انه كان يعاني من عدم اتزان في الأداء ، وأول ما تتذكره Halmah عن عبدالرحمن عندما كان عمرها أربع سنوات وكان هو في التاسعة وتتذكر أمثلة كثيرة لعبدالرحمن عندما كان يجلس لوحده منعزلاً عن الأطفال الآخرين في نوبات صمت تستمر لساعات مُحدّقاً في الفراغ ، وفكه مرتخياً مفتوحاً للهواء ، مثل هذه الحوادث أخافتها وهي تعترف بأنها كبرت مع إحساس دائم بالخوف من أخيها ، ويؤكد نصر وهو اكبر من عبدالرحمن بسنة مثل هذه السلوكيات الغريبة ، وبدلا من أن يعزوا هذه الأشياء إلى اختلال وظيفي في شخصية عبدالرحمن ، فانه يعزوها إلى زهد غريزي عميق في نفس عبدالرحمن ( وكما اذكر كان فيه شيء مختلف عن بقيتنا ، ومن ناحية أخرى فإنه لم يبك كالأطفال أبداً ، كنت وإخوتي كثيراً ما نتشاجر ، سخافات طفولة ، إلا أن عبدالرحمن كان دائماً يحاول أن يتجنبهم ، وإذا حدث ووقع بينهم فانه يتشنج ويصبح بارداً ، وإذا تعرض للأذى فإنه لا يبكي أبداً ، بدلاً من ذلك فانه يتشنج ويحدق بنا بعيونه المخيفة ، وبالطبع كنا نعذبه ونضربه حتى نحصل منه على رد فعل ولكن عيونه تصبح اشد قسوة ، كان يجلس بعيداً ويداه إلى جانبيه ولا يحاول أن يرد على ضرباتنا ، كان فقط يحدق للتوقف ، ثم كان ينهض مبتعداً ، وسرعان ما توقفنا عن محاولة إدخاله إلى طريقتنا لفعل الأشياء كنا نتركه معظم الوقت وحيداً ، وبعد فترة فهمنا لماذا كان بهذا الشكل.)
كانت السنة السابعة من عمر عبدالرحمن تشهد ذروة نشاط الحاج أمين لتحريك المقاومة العربية الفلسطينية بكامل طاقاتها لمقاومة الصهيونية ، لم يكن عمله سهلاً لسببين ، الأول: هجرة مئات الآلاف من اليهود إلى فلسطين منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ، والثاني : الإدارة البريطانية . كان العام 1936 وفي تلك السنة كانت انجازات اليهود في فلسطين منذ عام 1918 قد وصلت إلى حد لا يمكن مجاراته في بناء أمّة ، وبمساعدة حوالي ربع بليون دولار من الرأس مال الأجنبي على شكل استثمارات معظمها يهودية ، وهجرة اليهود من العقول العلمية والتكنولوجية اليهودية من أوروبا والأمريكيتين ، أصبحت دولة الظل اليهودية تمر في مرحلة ازدهار ، وكان الصهاينة يخلقون مجتمعاً مؤسسياً على النموذج الأوروبي المبني على الاقتصاد الرأسمالي – الاشتراكي المتطور ، لقد ازدهرت الصناعة واستصلاح الأراضي للزراعة والمعمار والتعليم والرعاية الصحية مع استقرار الثقافة اليهودية وامتدادها .
اوجد الصهاينة تبريراً جديدا لوجودهم في فلسطين ( انظر ماذا فعلنا بهذه الأراضي الجرداء ، لماذا يتذمر العرب ؟ بوجودهم هنا لوحدهم كانت الأراضي غير منتجة ، وكان المجتمع جاهلا ويعاني من الفقر ، انظر كيف نحولها ، يستطيع العرب فقط أن يستفيدوا من انجازاتنا ) ، كان هذا صحيحاّ لليهود فقط ، ما فعلوه كان معجزة اقتصادية واجتماعية ، وبغض النظر عن العرب القلائل الذين أَثروا من إنجازات اليهود إلا أن المعجزة كانت عكسية لمعظم السكان العرب المعجزة . اجتذب الازدهار الاقتصادي الذي حققه اليهود العديد من العرب من حول فلسطين الذين كانوا يأملوا في إيجاد عمل في هذا الاقتصاد السريع النمو ، ولكن ما وجدوه هم وسكان فلسطين كان الفقر ، إذ كانت سياسة العمل الصهيونية مغلقة ، أو شديدة التمييز ضد العمال العرب ، وكان العربي العادي في هذه الأيام في مواجهة الازدياد الحاد في تكاليف المعيشة والذي نتج عن المعجزة الاقتصادية اليهودية ، واستياءه تركز على مشاهدة الشوارع المشجرة الأنيقة التي بُنيت في الأماكن الأكثر رقيا في البلدات والمدن المجاورة التي بُنيت للسكان المهاجرين على الأراضي الواسعة التي استصلحها العمال اليهود وأُسست بواسطة اتحادات البناء اليهودية ، وكان العامل العربي غالبا ما يواجه الطرد من عمله عن طريق الحراس اليهود ، وكذلك كان يستاء إذا سُمح له بالعمل مع الحكومة لان الحكومة كانت تدفع لليهود ضعف ما تدفعه للعربي .
لقد كان اثر التحول الحاسم الذي طرأ على المجتمع مقتصرا على الطبقات الوسطى والعليا من المجتمع العربي الفلسطيني ، وفي الواقع فإن العديد من العرب من هاتين الطبقتين قد ازدهرت أعمالهم نتيجة للتدفق اليهودي ، والعديد من العائلات اكتسبت مبالغ ضخمة من المال نتيجة لتجارة الأراضي مع اليهود ، وآخرين وجدوا أن كل تجارتهم وأرباحهم كانت تزيد بفضل رعاية المهاجرين الجدد ، وقد استغل العديد هذه الأموال في زراعة بيارات الحمضيات والموز ، كما استخدموها في تعليم أبنائهم وبناتهم ، وفي غضون 15 عاما برز جيل من الشبان والشابات الذين حصلوا على أساسيات التعليم الحديث ، وقد أُرسِل المئات منهم للدراسة في مدارس وجامعات أوروبية ، وقد تربى هذا الجيل الشاب على مثاليات النزعة القومية العربية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى والتي تفجّرت نتيجة لنكث القوى الأوروبية لوعودها ، لم يستطع هذا الجيل أن يبقى هادئاً مثل الجيل القديم ,
و بسبب محاولات طرح اليهود الغير متحمس للمُصالحة أو بسبب مساندة أو مناورات بريطانيا لطرح فكرة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود ، بحيث يحصل اليهود على السهول الساحلية الشمالية الغنية والعرب على المنطقة الصحراوية الجنوبية الجافة ,ولهذا ظهر تحول كامل في طبيعة وشدة المعارضة العربية لتهويد البلاد.
وفي منتصف الثلاثينات من هذا القرن أصبح السكان العرب في حالة أفضل تعليمياً وتماسكا مما كانوا في العشرينيات ، إن الشعور المشترك بالخطر من السيطرة المطلقة لليهود دفع السكان من مختلف فئاتهم للتعاضد ، لقد ساد شعور قوي بالتضامن والتمسك بالهوية الفلسطينية عند جميع فئات السكان المسلمين والمسيحيين وطبقة الفلاحين الكبيرة وطبقة علية القوم القليلة ، إن تحويل فلسطين إلى كيان سياسي مُجسَّداً بجواز سفر وحواجز جمركية فصلتها عن باقي سوريا ، عزز الشعور بالوحدة العربية الفلسطينية ،وفي نفس الوقت ومن رحم الاحتجاج على التقسيم المصطنع كانت تبرز فكرة القُطّرية الفلسطينية.
والأمر الذي كان حاسما جدا في التأثير على العلاقات بين العرب والصهاينة هو المشاعر التي حملها معظم اليهود معهم . قبل بداية القرن العشرين لم يكن هناك صهاينة في فلسطين ، كان هناك فقط مجموعة من السكان اليهود المحليين الذين كرسوا أنفسهم للأمور الدينية ، لقد كان يهود فلسطين مختلفين جدا عن باقي اليهود في الوطن العربي حيث كانوا بسطاء وانعزاليين ، لقد كان معظمهم فقراء وغير متعلمين إلا في أمور دينهم ، وكانوا لا يعبئون بما يدور حولهم من الصخب والهياج السياسي ، إلا أن أول مجموعة من المهاجرين اليهود من شرق أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى قلبت كل هذه المفاهيم ، ولم يمض وقت طويل بعد الحرب حتى تغيرت طبيعة وجود اليهود بشكل جذري ، وكما رأينا فان وتيرة الهجرة الصهيونية تسارعت بشكل كبير ، ومع مباركة وعد بلفور وصلت إلى الذروة بعد الحرب العالمية الأولى. ومع هذه الموجات تدفق معها توجهات وتعصب عرقي وقيم عند تركيزها في ارض صغيرة مكتظة نتج عنها عداوات بعيده جدا عن الاهتمامات السياسية والفكرية ، وللحديث بشكل أوضح فان العرب الذين كانوا السكان الأصليين رسخوا أكثر الآراء والسلوكيات التي تكرس كره اليهود ، وكان هناك أفرادا يهود يراعون حساسية المشاعر العربية ، وناضلوا لتلطيف أثر هذا الوجود الغريب ، ولكن غالبية المهاجرين اليهود الذين جاءوا معبأين بحلم إقامة الدولة ومقتنعين أن الأرض لهم تجاهلوا مشاعر العرب بشكل وقح.
لقد استغل الحاج أمين وأنصاره كل هذه العوامل لكي يثيروا التوتر ويقدموا لأفكارهم التي أصبحت الآن في إطار قومي متطرف. في أثناء العشرينيات من هذا القرن كان هناك مِن بين العرب من نظروا إلى البريطانيين والوجود الصهيوني باعتدال آملين أن يجعلوا من فلسطين دولة عربية عن طريق التفاوض والتسوية السياسية . حتى أن بعضهم انتقدوا الحاج أمين زاعمين أن التكتيك العسكري
و التخويف الذي استخدمه كان عاملاً مساعداً لآمال القوميين الصهاينة .
لقد كانت طريقة تفكيرهم مستندة إلى حقيقة أن البريطانيين هم الحكام الحقيقيين لفلسطين ولذلك فان مسألة الحسم النهائي على ارض الواقع ستكون بأيديهم . الاقتراحات بشأن تقسيم الأرض بين اليهود والعرب تم تقديمها. وكان المعتدلون يميلون إلى اعتبار هذه المقترحات نقطة بداية للتفاوض ، ولكن جماعة الحاج أمين لم يكونوا مهتمين بمثل هذه الأمور لأنهم كانوا يصرون على أن فلسطين عربية بالكامل أو لا شيء .
وقد قادت المعتدلين عائلة النشاشيبي والتي تأتي بعد عائلة الحسيني من حيث المكانة الاجتماعية بين عشائر فلسطين ، وفي الوقت الذي كانت عائلة الحسيني تسيطر على أعلى المراتب الدينية كانت عائلة النشاشيبي تسيطر على الأمور المدنية ، فعلى سبيل المثال كانت رئاسة البلدية في القدس في أيدي النشاشيبية لعدة أجيال
في البدايات الأولى لعمليات المقاومة المحلية للصهيونية فان العديد من الإضرابات وأحداث الشغب التي أثارها الحاج أمين كانت موجهة إلى عائلة النشاشيبي بنفس الدرجة التي وجِّهت فيها إلى اليهود والبريطانيين ، وتدريجيا استطاع الحاج أمين أن يُنهي نفوذ المعتدلين وأن يجذب السكان المحليين إلى جانبه ، وفي بداية الثلاثينيات بدأ أبناء العائلات الثرية بالعودة إلى فلسطين من أوروبا حيث تشربوا الأفكار القومية وتدربوا على التقنيات الحديثة في المجالين المدني والعسكري والتي ستُستخدم في تحقيق الأهداف القومية ، ورغم أن معظم الشباب العائدين كانوا من عائلة النشاشيبي أو من العائلات الموالية لها إلا أن السياسة المتطرفة تحت شعار" كل فلسطين او لا شيء "كانت أكثر جذبا لهم من الخط المعتدل . لقد انجذبوا بشكل طبيعي نحو الحاج أمين وبحلول عام 1935 ازداد عدد الوطنيين ، وبما أن المستقبل بيد الشباب فان النفوذ المعتدل للأجيال الأكبر سنا وقع في انهيار دائم .
ولثقة الحاج أمين بالمساندة الكبيرة له فقد أسس اللجنة العربية العليا ، وتكوَّن أعضاءها تقريبا من ممثلين لكل المجموعات العربية التي لها مصالح خاصة في فلسطين وكان هدف اللجنة نقل صراع المقاومة من المنظور الديني حيث كانت مقيدة من خلاله بالمجلس الإسلامي الأعلى وإدخاله إلى المستوى السياسي والعسكري . والزخم الأكبر الذي غذّى التنظيم الجديد كان من الطلبة العائدين المتحمسين الذين اقنعوا الحاج أمين بفضائل العمل المدني على الطراز الأوروبي ، وبتشكيل مجموعات أنصار وفدائية منظمة ، بدلا من الشغب العشوائي والإرهاب ،و الذي كان الأسلوب العربي . وبعد عدة أشهر دعت اللجنة العربية العليا سكان فلسطين العرب إلى تنفيذ إضراب عام ضد البريطانيين ، لقد كان الحاج أمين مندهشا من النتائج لان الاستجابة لنداء الإضراب كان لا يوصف ، لقد تعطلت الأنشطة التجارية اليومية في فلسطين وأصبحت الحقول والبساتين فارغة وأُغلقت المحلات التجارية وأحواض السفن والموانئ ، وعندما كان الإضراب في أسابيعه الأولى انتظمت كوادر من الشباب في جماعات مقاتلة شبه منظمة في أرجاء البلاد وجندوا العمال وأصحاب المحلات مزودينهم بالأسلحة وببعض التدريبات الأولية ، وفجأة تحول الإضراب إلى ثورة مسلحة .
لقد كان البريطانيون عاجزين ، في البداية كان عندهم قوات كافية لاحتواء الثورة ولكن ليس لإخمادها ، وإحدى الطرق التي جربها البريطانيون هي حرمان الثورة من زعمائها وكان أول هؤلاء الحاج أمين حيث أصدرت بريطانيا امرا باعتقاله ، وبعد اختباءه في المسجد الأقصى استطاع الحاج أمين الهرب إلى لبنان وهناك قام بإلحاق القضية الوطنية الفلسطينية إلى ألمانيا النازية.
لم يكن لكل هذه الأحداث تأثير على الطفل المنعزل ابن السبع أعوام عبدالرحمن القدوة في القاهرة باستثناء بعض المعرفة التي قد يكون اكتسبها من خلال سماعه أحاديث أبوه وبعض كبار السن الفلسطينيين اللذين يسكنون في الجوار ، وكان عبدالرحمن في ذلك الوقت على وشك الانضمام إلى خاله يوسف الأكبر لتعلم الأمور الدينية ، وكان الأكبر يقيم دروسا دينية للصغار التي تكونت في معظمها من قراءات للقران وتفسيرا لتعاليم النبي ، وكان أخوة عبدالرحمن الأكبر سنا أعضاء في هذه الحلقات الدراسية عندما انضم عبدالرحمن ، وما زال زيد يتذكر بوضوح الأثر الذي كان للعجوز المسلم على عبدالرحمن ، يقول زيد : ( كانت الممارسات الدينية تستمر في البيت طوال الوقت ، صلوات ، صيام ، نقاشات وأمور أخرى اعتبر عبدالرحمن في نظر أبي صغيرا جدا على المشاركة في أي شيء جاد ، رغم أن أبي إذا ضبطه شارد الفكر كان يضربه ، وبالنسبة للأمور الدينية كان أبي متأنياً ، كان يتكلم ببطيء والشيء الذي لم يستطع أبي فهمه أن شرود ذهن عبدالرحمن كان ناتجا عن الملل الذي سببه بطئ أبي ، ولكن عبدالرحمن كان يخاف أبي مثلنا جميعا في ذلك السن ، ولم يجرؤ على إظهار أن أفكاره ومعتقداته قد تجاوزت أفكار ومعتقدات أبي بشكل كبير ولم تتكشف قدرات عبدالرحمن الا عندما التحق بيوسف.
في البداية كان يوسف الأكبر محتارا بعبدالرحمن الغامض ذو الوجه المستدير الممتلئ . في بعض الأحيان من تلك السنة الأولى من التعليم بدا حفيده وكأنة يعرف أكثر منه وفي أحيان أخرى بدا وكأنه غبي وخامل مثل جمل) يقول نصر : ( ثم فيما بعد بدأ يتضح له أن لعبدالرحمن موهبة غريبة رغم انه لم يكن يعرف القراءة إلا انه كان قادرا على إتمام جملة كان يوسف يقرأها بصوت عالي من الكتاب ، كان فجأة يقاطع يوسف ويتم الجملة بصوت عال قبل أن يصل يوسف إلى نهايتها " .
في النهاية, حسب ما يقول نصر, توقف يوسف عن تأنيب عبدالرحمن وبدأ ينظر إليه بتعجب ثم ذهب إلى عبد الرءوف وأخبره أن ابنه حاز على بركة خاصة من الله . لقد وصف ما اعتبره طبيعة الموهبة عند الصبي – أن لها علاقة بشيء قد يكون إيحاءً بآيات القرآن إلى عقل عبدالرحمن قبل الولادة – وألح على عبد الرءوف ان يعامل الطفل بشيء من التميز والشفافية) ،ويضيف نصر ( كان كأنه يقول أن الطفل ابن السبع أعوام أذكى منا جميعا ) ، تلقى عبد الرءوف الأخبار باعتزاز وحالا طلب من أبناءه أن يكونوا رقيقين في تعاملهم مع أخيهم ، ويضيف نصر ( ثم اكتشفنا انه لم يكن لعبدالرحمن أي هبة إلهية نهائيا ولكن كان للطفل عبدالرحمن ما يمكن أن نسميه ذاكرة تصويرية ، لقد سمع نفس السطور والعبارات أثناء فترة دراستنا للدين في البيت وعندما قام يوسف بقراءتها مرة أخرى كان عبدالرحمن قد عرفها وعملية إكماله الجمل ليوسف كانت نوعا من إثبات الذات عندما يكون أبي غير موجود في الجوار .
لم يتم اكتشاف الموضوع حتى أصبح عمرة 11 عاما ، السنوات الثلاث أو الأربع التي تلت كان الجميع من حوله يحيطونه بالرعاية وخاصة يوسف الأكبر ،وعندما بلغ عبدالرحمن الثامنة من عمره أصبح يمضي وقتا أطول مع يوسف. لقد أقنع حفيده بصلته الوراثية مع النبي وسرعان ما تحول إلى مسؤوليته الخاصة ،حيث كان يزوده بساعات إضافية من الدروس والتعليم الديني المتخصص بينما كان أطفال الحي الآخرين يطورون مهاراتهم في كرة القدم أو الألعاب الرياضية الأخرى .
بدا عبدالرحمن سعيدا وراضيا عن انغماسه في الدين وحسب أقوال نصر أن الصبي كان مريضا بعدم التناسق الجسدي ، لم يكن له أي مَيل نحو الرياضة آو أي نوع من الألعاب التنافسية ويذكر نصر ( كنا جميعا نقضي ساعاتنا الإجبارية مع يوسف وكان يوجد في كل حلقة من 15- 20ولد وكان صبرنا يَنفذ بعد انقضاء الساعة الأولى ونتطلع للهرب وكنا نقوم بحركات قفز وتهريج خلف ظهر يوسف ، وعندما كان يتركنا يوسف في المساء كنا نتشوق للفرار من بيته ولكن لم يكن الحال كذلك عند أخي ، كان يبقى ولا نراه عائدا إلى بيتنا حتى حلول الظلام كان يوسف يرافقه ويأخذ أبي على انفراد ويهمس بأشياء عن عبدالرحمن ، واعتقد أن فكرة يوسف كانت تكريس عبدالرحمن ليخلفه كقائد ديني للعائلة وقد وافق أبي على ذلك ولذلك فقد استمر بعقابنا حينما عرف أننا كنا نضرب عبدالرحمن .
وقد أصبحنا نغتاظ من المعاملة الخاصة التي يتلقاها عبدالرحمن ، ومع ذلك يجب أن أخبرك أن عبدالرحمن لم يكن المسؤول عن إخبار والدي لأنه لم يكن يقول أي شيء يسبب لنا المشاكل ، كلنا استأنا من المعاملة الخاصة ولكن كنا نحسده على إرادته الحديدية ).
ويتذكر زيد قصة عن إرادة عبدالرحمن ( في إحدى الأمسيات كان عبدالرحمن قادماً من بيت يوسف الأكبر لوحده وقد تمشى بعيدا عن الطريق فامسك به بعض الأولاد من منطقة أخرى وكانوا مصريين وقد ضربوه بشدة وعندما وصل البيت كان كتلة من الجروح والرضوض وقد فقد كتبه الدينية ، وقد ثار أبي حينها وأمرنا أن نخرج في اليوم التالي للبحث عن المعتدين لننتقم لعبدالرحمن ، وقد أصر عبدالرحمن ألا نقوم بذلك ، لقد رأى حجم العصابة وعرف أنه لن تكون لنا فرصة ضدهم . ورغم أن القرآن يؤكد الثأر إلا أن أخي فكر مليا في موضوع الانتقام من المجموعة التي ضربته وأصر على تجاهل الانتقام لكي يجنبنا احتمال أن نُضرب بشكل أسوأ ، كان هذا بعد عدة سنوات من حادثة أبي وبدر في القدس ، لقد تغير أبي بشكل كبير في تلك السنوات . لقد كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري وأذكر تَحوّل أبي من رجل هادئ ومشغول إلى رجل دائم التشاؤم من الوضع السياسي في فلسطين وفي غزة ، كان ما يزال يسافر إلى غزة وفي كل مرة يعود فيها إلى بيتنا كان يعود بقصص كثيرة عن اليهود والبريطانيين ومدى فظاعتهم. بدأ يعقد اجتماعات في بيتنا مع رجال آخرين من حَيِّنا وكانوا يسهرون طويلا يشغلون أنفسهم بالحديث عن اليهود . في ذلك الوقت كان بدر في السابعة عشرة من عمره وكان يشارك في هذه الاجتماعات وفي اليوم التالي كان يخبرنا بما قيل ، ويذكرنا بجرائم الصهيونية وبحقيقة أن شعبنا ُسلِبت حقوقه الشرعية في وطنه . كنت أنا ونصر نستمع باهتمام إلى محاضرات بدر, حتى حسين الصغير الذي كان في الخامسة كان يحفظ الأشياء التي كان يخبرنا بها بدر ، ولكن عبدالرحمن الذي كان في التاسعة كان قليل الاهتمام ، كان يبتعد في زاويه يقرأ فيها دروس يوسف الأكبر وعندما كان بدر يطلب منه الاستماع كان يتجادل معه لأنه لم يكن مهتما أبداً بالأمور السياسية ، لقد كان مهتما فقط بالإسلام ).
لم يكن زيد يدرك ذلك في حينها لكن أبوه وأصدقاءه ومعظمهم غزيين كانوا يجتمعوا لينظموا وينضموا لمنظمة شريرة بدأت بالتشكل في مصر في نفس الوقت الذي ولد فيه عبدالرحمن ، عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 انتشرت الحركة الوطنية المصرية في المدن والأرياف وأفرزوا قائدا لامعا ذو شعبية وهو سعد زغلول ورغم كون أصل زغلول من عائلة فلاحين إلا انه أصبح موظفا كبيرا في وزارة التربية والتعليم .من ناحية نظرية كانت مصر خاضعة للحكم العثماني عند اندلاع الحرب العالمية الأولى ولكن بشكل عملي كانت خاضعة للحكم الاستعماري البريطاني ولان العثمانيين كانوا حلفاء للألمان أعلنت بريطانيا من عن تحول مصر إلى محمية بريطانية وقت الحرب لضمان أمن قناة السويس ، بقيت مصر هادئة نسبيا أثناء سنوات الحرب ولكن المصريين الذين كانوا ناقمين على الاحتلال العسكري البريطاني لم يكونوا كذلك ، لقد ازدادوا صلابة وتعمقت استجاباتهم مع سعد زغلول ودعايته الوطنية ، وبالمقابل زادت حماسة وتصميم الوطنيين أكثر عن طريق إعلان الحلفاء لضمان حقوق تقرير المصير لجميع الشعوب حالما يتم تحقيق النصر على دول المحور ، وأصبح الوطنيين المصريين على علم بالتزام بريطانيا للقادة العرب الشرقيين بإنشاء دولة عربية موحدة ، وعند انتهاء الحرب قام سعد زغلول ورفاقه بإنشاء منظمة سموها الوفد المصري لتقديم مطالب مصر للاستقلال للحكومة البريطانية ولمؤتمر باريس للسلام ، ولكن الحكومة البريطانية لم تكن لتتخلى عن مصر بسهولة لأن مصلحتهم الحيوية على الأرض كانت اقتصادية وأكثر أهمية من قبل ولم يكن لهم ثقة بقدرة المصريين على حماية تلك المصالح بشكل لوحدهم . وقد رفض البريطانيون السماح لأعضاء حزب الوفد المصري بالسفر ، وعندما قوبل هذا الرفض بالعنف والمظاهرات في جميع أنحاء البلاد قامت بريطانيا بنفي سعد زغلول وثلاثة من رفاقه من حزب الوفد إلى مالطا، وفيما بعد عندما أكدت الولايات المتحدة لبريطانيا أنها تساند مطالب المصريين سُـمح لهم بالسفر إلى باريس ، جعلت هذه الأحداث من سعد زغلول ورفاقه أبطالا قوميين وتحول الغضب في جميع أنحاء مصر إلى حقد شديد على انجلترا ، ونتيجة لتزايد الهياج الشعبي وافقت بريطانيا في النهاية على التخلي عن الحماية والاعتراف بمصر كدولة ذات سيادة ، ومع ذلك فإن حيثيات الاعتراف المقدمة كانت صورية وتحولت مصر لتكون مجرد صورة عن بريطانيا ، وعندما احتج القادة الوطنيون تم اعتقالهم ونفيهم مرة أخرى ، ثم أعلن البريطانيون إنهاء الحماية نهائيا وتم جعل السلطان فؤاد ملكا على الأمة ، لقد فشلت هذه الإجراءات المؤقتة لحل المشكلة المصرية لان القوات البريطانية بقيت في مصر لحماية النظام الجديد ولضمان أمن استثمارات بريطانيا . وفي عام 1924 قامت الحكومة المصرية وتحت الضغط الجماهيري بتبني دستور جديد تم بعده إجراء انتخابات عامة في مصر فاز الوفد فيها بالأغلبية الساحقة ، وفي عام 1924 تولى سعد زغلول رئاسة أول حكومة برلمانية مصرية على النموذج البريطاني ، ولكن رغم ذلك لم تنته القضية المصرية ، بسبب الخلافات بين الحكومتين المصرية والبريطانية على السودان بالإضافة إلى استمرار وجود القوات البريطانية على التراب المصري مما أدى إلى بقاء الأمور في طريق مسدود ، ولكن على الأقل كان هناك اعتبار لاستقلال مصر والتي كانت أول الدول العربية التي تحصل عليه. ولكنها كانت في أحسن الأحوال بداية غامضة وغير مؤكدة ، القرون الماضية التي خضعت فيها مصر للحكم المملوكي والعثماني تأثرت فيها الشخصية المصرية بشكل كبير بقيمتين أساسيتين والتي من المفروض أن تكون متناقضة في طبيعتها ولكنهما في الواقع كانت كل منهما تُكمل الأخرى وهما السلطة الروحية (الدينية) والفساد المادي ، وفي هذا الأمر لم يكن المصريين أو أي مجتمع عربي آخر مختلف عن معظم المجتمعات التي عانت من خضوعها للشعارات الدينية ، إنَّ تلازم الفساد والسلطة ليس مقتصرا على حضارة من الحضارات في العالم , إن ما يميزها هو درجة تغلغلها ومتابعتها.
حالما حصلت مصر على استقلالها الصوري في العشرينيات ظهرت على السطح كل أنواع الصراعات الداخلية ، ولم يكن سبب معظمها هو الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي والتحول الديمقراطي وإنما كان عائداً بالتحديد إلى الغرائز المصرية النَّزاعة للسلطة والفساد. والثروة تعني الامتيازات في مصر ، وأكثر الطرق المُتّبعة للحصول عليها كان دائما عن طريق الفساد ، والسلطة تعني القوة والطريق إلى السلطة كانت دائما عن طريق الإسلام ، والحركة الوطنية التي أمنت استقلال مصر لم تكن ثورة وإنما مثلت تحولا للثروة والسلطة من جماعة إلى أخرى والوسائل التي أدت إلى وصولهم وتقويتهم تبقى بكل المعايير نفس الوسائل لا أكثر ولا اقل . وبعد موت زغلول عام 1927 أصبح مصطفى النحاس خليفته رئيسا لحزب الوفد ، وحد الوفديون قوتهم السياسية تحت قيادة النحاس وأصبحوا ممثلي المؤسسة التقليدية المصرية عندما بدأت الطبقات الحاكمة الفاسدة والمتدينة ذات النفوذ بمساندتهم . في عام 1936 توصل النحاس إلى تسوية مع بريطانيا نتج عنها معاهدة مدتها عشرون عاما مكّنت مصر من أن تصبح عضوا في عصبة الأمم مقابل ضمان الحق لبريطانيا بالحصول على قاعدة بحرية في الإسكندرية وقوة عسكرية تتكون من عشرة آلاف جندي في منطقة السويس وبذلك انتهى الاحتلال العسكري البريطاني لمصر . وبدا على السطح أن المعاهدة المصرية البريطانية سوف تترك مصر حرة من المشاكل لتركز على حل المشاكل الاجتماعية والداخلية ، ولكن في هذا الوقت انشغل أعضاء الوفد بمد نفوذهم وتعبئة جيوبهم لدرجة أن حاجات الجماهير المصرية تم تجاهلها بشكل عام . لقد تفاقمت الأوضاع بعد معاهدة 1936 بسبب عاملين : الأول: تولي الملك فاروق ذو الستة عشر عاما عرش مصر بعد موت الملك فؤاد الذي عينته بريطانيا ، وفي بداية حكمه أظهر الملك المراهق في وقت مبكر ذوقاً وتصميماً على الحكم بعيداً عن التبعية الإسلامية ، والوضع الذي كان عرضة لعدم الاستقرار السياسي بشكل اكبر وهو تنامي الصراع في الشمال الشرقي بين العرب واليهود في فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني ، في تلك الفترة لم يحدد المصريين هويتهم كعرب ولكنهم كانوا مطلعين على تراثهم العربي ،وكانوا مسلمين . هذا الشعور بالأخوة الدينية عن طريق بيانات الجماعات المنفية من فلسطين وسوريا الواقعتين تحت الانتداب البريطاني والفرنسي بعد فشل حلمهم في إقامة دولة عربية موحدة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى والذي أعاد تذكير المصريين بالإرث العربي المشترك ، ولم يطل الأمر كثيرا حتى ثارت مشاعر المصريين فيما يتعلق بصهينة فلسطين ، وتأججت المشاعر أكثر عندما اتضح أن تسهيل دخول الصهاينة إلى فلسطين كان تحت رعاية بريطانيا ، لذلك كان من السهل إقناع المصريين أن فلسطين كانت ارض إسلامية تحت خطر الوقوع كضحية للاستعمار المسيحي والغربي وأنها سوف يتم تسليمها لليهود الكافرين ، ونتج عن هذا الشعور ظهور حركة دينية رجعية في النسيج الاجتماعي المصري ، وكان اسمها حركة الإخوان المسلمين . وقد تأسست عام 1928 بواسطة مدرس مصري مثقف ونشيط هو حســن البنا ، وكرد فعل على المعاهدة البريطانية المصرية انتشرت الحركة بسرعة في جميع أرجاء مصر ، وحولت نفسها بسرعة إلى تنظيم سياسي ، وكانت أهداف الحركة الأولية هي إصلاح الحكومة المصرية وفقا للتعاليم الإسلامية المتشددة والتخلص من فساد الطبقة الحاكمة التي كانت تمسك بالبلاد ، ولكن سر امتدادها السريع جاء من استنكارها للحكومة البريطانية ومطالبتها بالاستقلال الحقيقي من السيطرة البريطانية ، ولان بريطانيا خائنة لفلسطين كما هي لمصر من وجهة نظر العرب فقد تبنى الإخوان المسلمين القضية العربية الفلسطينية . وأُجبر الحاج أمين على الهرب من فلسطين نتيجة لثورة العرب وبنفي حركة المقاومة الفاعلة من فلسطين أصبحت حركة المقاومة هناك تتخبط ، وقد حددت حركة الإخوان علانية وحدة الجماهير في فلسطين ومصر ، مدعين أنهم أخوان يعانون من الاضطهاد البريطاني . كان هذا الإعلان فاعلاً جداً وعندما ظهر أن الأخوان المسلمين وقفوا لمساندة القضية الفلسطينية اكتسبت الحركة تعاطف وفيما بعد ولاء الكثيرين من الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون حول القاهرة ، ومن بين هؤلاء كان عبد الرءوف القدوة ورفاقه .

تــعــلــم مبادئ الإسلام

في عام 1938 بلغ عبدا لرحمن القدوة الحسيني 9 سنوات من العمر ، وبالإضافة إلى دروسه اليومية مع يوسف الأكبر بدأ يتلقى تعليمه الرسمي في مدارس يديرها معلمون فلسطينيون من سكان القاهرة ، وفي البداية حاول يوسف منع عبد الرءوف من إرسال عبدا لرحمن إلى ما يمكن تسميته عمليا مدارس دنيوية Secular ورغم أن هذه المدارس كان فيها دروس دينية كجزء من المنهاج إلا أن يوسف كان مقتنعا أكثر من أي وقت مضى أن عبدا لرحمن اختير من الله لإتمام مهمة خاصة في هذه الحياة ، وقد جادل كثيراً أن التعليم العادي في المدارس والاختلاط مع الطلاب والمدرسين سوف يفسد نقاء موهبة عبدا لرحمن الدينية ، ويقول زيد أخو عبدا لرحمن ( لقد كان يوسف ضد ذهابه إلى المدرسة بشكل متشدد ، وفي الواقع أن سبب تأخر عبدالرحمن في الذهاب إلى المدرسة كان في قدرة يوسف على إقناع أبي بمنعه من الذهاب إلى المدرسة ، وقد قال يوسف أن ذهاب عبدالرحمن إلى المدرسة يشبه وضع حصان أصيل في حظيرة بغال وإرسال عبدالرحمن إلى مدرسة عادية سوف ينقص من مقداره " ، وقد جارى عبد الرءوف رغبات يوسف ولكن في عام 1938 بدأ يشك في نوايا الرجل العجوز ، لقد كان عم زوجته من آل الحسيني وقد كان العجوز يتحدث أكثر فأكثر عن أن موهبة عبدالرحمن كانت نتيجة قربى الدم مع آل الحسيني ، وقد أصبح يوسف مكثرا من الحديث حتى أنه اقنع حميدة آن نبوغ عبدالرحمن الديني كان تأكيدا على صلة القربى مع النبي ، وقد تمسكت حميدة بالفكرة لتتباهى على العائلات الأخرى بنسبها مع أسلافهم الأنبياء ، ومبرزة عبدالرحمن كدليل على تميز عائلتها وكرمز لتكريس اعتقاد قوي أن الله قد اختارها لدور خاص لتسيير الأمور الإسلامية ، وبدلا من أن تزيد من احترامها للناس بدأت تتعالى على العائلات الأخرى والتي كانت تحاول أن تترك انطباعات لديهم .
في نفس الوقت كان عبد الرءوف منشغلا بالإخوان المسلمين وكان يحاول أن ينشر مبادئهم بين رؤساء العائلات ليجعل الحي بكامله خلية للإخوان المسلمين لدعم حسن البنا وبالرغم من تأنيبه الشديد لحميدة إلا أنها استمرت بنشر الأفكار التي زرعها يوسف في رأسها ، وكنتيجة لذلك فقد قرر عبد الرءوف أن يرفض نصائح يوسف فيما يتعلق بتعليم عبدالرحمن . إن مسألة تميز عبدالرحمن أصبحت عبئا لعبد الرءوف ، إلا أنها شجعت زوجته على التمادي في العجرفة وبدأت تكلفه احترام الرجال الذين كان يحاول استمالتهم للانضمام إلى الإخوان المسلمين وبدأ عبد الرءوف ينظر إلى الطفل عبدالرحمن المزاجي وسلوكه غير العادي على انه بعيد عن الهبة الدينية وانه اقرب ما يكون إلى الانزعاج الشخصي له.وقد حسم أمره بأن أفضل طريقة لوضع حد لكل هذا هو توفير ظروف تجعل عبدالرحمن طفل عادي مثل الآخرين ، وأدخل عبد الرءوف ابنه في مدرسة محلية وكان ذلك ضد رغبة حميدة وعمها يوسف ، ونتيجة لذلك بدأ صراع عائلي داخلي مع عبدالرحمن ذو القيمة العالية والذي أدى في النهاية بعبد الرءوف إلى ترك أكثر أعماله في القاهرة وترحيل العائلة إلى غزة.
ورغم أن حميدة كانت غير قادرة على جعل زوجها يعود عن قراره إلا أن يوسف لم يشعر كذلك ، لقد فعل العجوز المعلم كل ما بوسعه لإضعاف عبد الرءوف وخلال سنته الدراسية الأولى كان مسموحا لعبدالرحمن أن يكمل دراسته الدينية مع يوسف بأذن من والده ، وحسب ما يقول إخوة عبدالرحمن فانه كان غير سعيد ولم يأخذ دراسته في المدرسة على محمل الجد وبدأ يكره قرارات أبيه وأصبح خاضعا تماما لخطط يوسف.وقد غضب يوسف كثيرا من قرار عبد الرءوف ارسال عبدالرحمن إلى المدرسة وكما يتذكر إخوته فانه بعد شهر جاء إلى أبيهم وعرض عليه أن يشتري الولد منه ويقول زيد ( لقد دار يوسف على عائلات الحي بالسر ليجمع النقود منهم وحتى أنه طلب من أقاربه في القدس أن يجمعوا النقود من عائلة الحسيني؛ وفكرته بكل بساطة كانت أن عبدالرحمن كان مقدراً له أن يجلب المجد إلى عائلة الحسيني وكان عمل يوسف أن يُؤَمِّن ذلك ، ولم يكن بيع الأطفال غريبا في ذلك الوقت ، وكان بيع الأطفال أو مبادلتهم أمرا عاديا خاصة للفقراء أو للمتعصبين دينيا ، وبالطبع فان أبي رفض عرض يوسف وكان أبي على وشك أن يصبح متعصبا دينيا عن طريق صلاته بالإخوان المسلمين ولكنه لم يكن فقيرا ). وخلال أول عام له في المدرسة الفلسطينية لم يُبد أي تغيير في سلوكه الانعزالي وأحيانا الشاذ ، كان طالبا طبيعيا, وكما يتذكر الجميع, بقدرة خاصة في مواضيع الرياضيات ، ولكنه بقي كعادته منزويا عن زملاءه في الصف ولا يتحدث إلا إذا تحدث معه الآخرون . ويتذكر نصر الذي كان معه في الصف ( لقد غرس فيه يوسف إحساسا تدريجيا بالتفوق ، ومن الطبيعي أن يجده الطلاب الآخرون غريبا ، ووجهوا إليه ضربات وتحديات أكثر من الكمية المقررة التي يتلقاها الأطفال الذين يختلفون عن الأطفال العاديين ، لقد تغير عبدالرحمن قليلا عما كان عليه في البيت ، لقد بدأ يقاوم الاستفزاز والضرب ، كان مترددا في البداية ولكنه بدأ يدافع إذا تعرض له احد ، ثم أصبح يرد الضربات إذا تعرض له احدهم ، وفي البيت بقي هادئا تماما ، ولم يكن عدوانيا إذا تعرض للاعتداء من احدنا ولكنه في المدرسة لم يكن كذلك ). وبعد المدرسة في المساء كان عبدالرحمن يسرع إلى بيت يوسف ليتلقى الدروس ، وقد تخلى يوسف عن كل اهتماماته الدينية الأخرى ليكرس نفسه بالكامل لرعاية ما فهمه على انه الجانب المقدس في طبيعة عبدالرحمن ، لكن ذلك لم يكن الهدف الوحيد في ذهنه ، ولعدم مقدرته على إقناع عبد الرءوف بوضع عبدالرحمن في وصايته طوال الوقت ، بدأ يوسف بالتخطيط ليمزج دروسه الدينية مع تحقير لعبد الرءوف ولعائلة القدوة بالكامل ، ورغم انه لم يكن رجلا متكلما إلا انه قرر استغلال القضية العربية اليهودية في محاولة منه لغرس ولاء عبدالرحمن الكامل له . ونتيجة لذلك بدأ يدخل في محاضراته مقارنات بين عائلة القدوة والحسيني ، لقد مجد عائلة الحسيني مشيرا إلى العديد من المزايا الدينية والثقافية التي انتقلت إلى العائلة عبر القرون والتي ترجع إلى أحفاد النبي ، ومن ناحية أخرى فان عائلة القدوة لم يكن لها أي تميز في العائلات في الإسلام . وقد بذل يوسف جهدا كبيرا ليثبت لعبدالرحمن أن عائلة القدوة لم تتميز بشيء سوى الأعمال التجارية ومن بين البارزين في هذا المجال كان جد عبدالرحمن .
وبالنسبة لطفل, حسب ما يرى إخوته, تعرض لغسل دماغ ليصدق انه اختير لمهمة خاصة ودور مهم في الحياة ، وأن دروس يوسف التي كانت تتناقض مع طبيعة شخصيته أربكته وتركت عنده انطباعا . ويدّعي زيد " كان هذا الإجراء الذي استخدمه يوسف لإزالة أو القضاء على احترامه لأبينا ، في ذلك الوقت كان أبي وبدر يتعمقون أكثر فأكثر في حركة الإخوان المسلمين ، في الحقيقة يمكن القول أن أبونا أصبح معروفا في الحي بالتزامه بأفكار حسن البنا ، وبدأت مبادئ الخوان المسلمين بالتغلغل في أفكار الفدائيين المصريين ، لقد ملئت مجموعات الإخوان أنحاء مصر وحصل العديد منهم على الأسلحة لمحاربة الانجليز وعملاء بريطانيا الذين كانوا يسيطرون على السلطة ، ورغم أن مجموعة أبي لم يكن لديها أسلحة كثيرة ، إلا أني أتذكره يوما عائدا إلى البيت يحمل بندقية انجليزية ، وكانت هذه المرة الأولى التي نرى فيها بندقية عن قرب ، وبدأ أبي يحملها معه إلى اجتماعاته السرية ، ولم يمض وقت طويا حتى عرف الجميع بأمر البندقية ، ومع أني غير متأكد من انه يمكن استعمالها إلا انه يحملها لتجنيد المتعاطفين مع الحركة ، ولكن يوسف استغل هذه البندقية ليؤثر على عبدالرحمن ، واستخدمها هو كرمز ليثبت أن أبانا ليس رجل دين حقيقيا وانه منقاد بغريزة آل القدوة اللصوصية والوحشية ، وبالطبع لم تكن هذه الحقيقة ، إلا أن دروس يوسف المبسطة تركت انطباعا عظيما على عبدالرحمن ، بدأ عبدالرحمن عصيان أوامر أبي ، قبل ذلك كان يُنفّذ بصمت ،أما الآن إذا طلب آبي منه القيام بشيء كان يهز رأسه أو يبتعد كان أبي يعاقبه ويضربه ولكن بعد فترة لم يعد حتى الضرب يستطيع إجبار أخي على عمل ما يطلبه أبي.ثم بدأ يتضح السبب ، كان ذلك لان يوسف اخبر عبدالرحمن أن أبانا لم يكن يستحق احترامه ، وعندما عرف أبي بذلك جن جنونه ، ذهب إلى يوسف واقسم أن يقتله إذا لم يتوقف ، ولذلك خاف وتاب عن ذلك ) . ولكن توبة يوسف لم تطل وعندما تغلب على خوفه اتبع أسلوباً آخر مع عبدالرحمن ، وحسب ما يقول زيد ونصر : ( فقد بدأ يوسف يلفت نظر عبدالرحمن إلى حقيقة أن أبيه طُرد من غزة بسبب تعامله مع اليهود الذين كانوا يهدفون إلى القضاء على آل الحسيني الفلسطينيين Conquering -Husayni Palestine nation لقد كانت المرة الأولى التي يسمع فيها عبدالرحمن عن اليهود بالإضافة إلى كلمات عابرة في الماضي ، يقول زيد : ( لقد كان أسلوبا فعالا من جانب يوسف ، لقد دار الحديث دائما حول بيتنا عن الصهاينة ، وكذلك عرفنا أن أبي جاء من غزة ، ولكن باستثناء بدر لم لأي أحد منا فكرة عن سبب كوننا نسكن في القاهرة كما انه لم يتم الحديث من قبل عن إجبار أبي على ترك أعماله مع اليهود ، إلا أننا كنا نسمع بعض الشائعات بين الفينة والأخرى ، في كل الأحداث كان الحديث يمر مرا عابرا من أذني عبدالرحمن ، وإنا متأكد أن عبدالرحمن يعرف انه كان هناك يهود وأنهم كانوا يقومون بأعمال مستنكرة ولكنه لم يكن يُظهر أي اهتمام ، ثم بدأ يوسف يغرس في عقله مسألة اليهود جنبا إلى جنب مع العار الذي لحق بأبي ، لقد كان لهذا أثراً مدمراً على عبدالرحمن وأتذكر أنه لمدة سنة كاملة كانت قضية عبدالرحمن وكيفية التصرف شوكة كبير في جنب أبي " .
إن قضية العار في نفسية العربي المسلم توازي الخطيئة للمسيحي الغربي ، كان يوسف الأكبر صاحب حس عال ومتطور بالنسبة لمسألة العار Shame نتيجة لاستيعابه الطويل لمفاهيم الإسلام ، وقد عرف كيف يُفـعِّل مسألة العار في الآخرين ، وسواء كانت المسألة بوعي أو بدون وعي, كان يوسف يحاول أن يُشعر عبدالرحمن بالخزي أو الوضاعة ليضمن ولاءه الدائم لأهدافه ، وذلك في قمة يأسه للمحافظة على عقل وروح حفيده من أجل خدمة الله وتمجيد اسم الحسيني . يقول نصر : ( لقد توقف يوسف مجبراً عن عقد مقارنات بين آل القدوة والحسينية كما وعد أبي أثناء المواجهة التي حصلت بينهما وبدلا من ذلك بدأ يعمل على كشف علاقة أبي باليهود ، ويجب أن تفهم أن عبدالرحمن كان ملتصقا بشدة بيوسف بسبب كل ما حصل من قبل وكذلك بسبب تأثير أمي ، وفي هذه الفترة من حياته كان عبدالرحمن سمينا ناعما غريب الأطوار وكان لا يثير الانطباع ، لقد كان صوته عاليا وكان يعاني من مقارنته بالبنات حيث كان الأطفال الآخرون يقارنوه بالبنات ، حتى إن أبي بدأ يشتمه بمثل هذه الأشياء وغالبا ما كان يصرخ بأمي أنها تمنت أن تلد بنتا قبل أن يولد عبدالرحمن ، وكان يؤنب أمي كثيرا على ما كان يعتقد انه خطأ في عبدالرحمن قائلا : أن حلم أمي بولادة بنت كان السبب في جعل عبدالرحمن يبدو مثل بنت أكثر منه ولد . والإنسان الوحيد الذي كان يتعاطف مع عبدالرحمن كان يوسف ، وأي شيء كان يقوله يوسف مهما كان واضح التلفيق كان عبدالرحمن يصدقه دون أدنى تساؤل ".
وفي جميع دروسه لعبدالرحمن فان يوسف لم يذكر أبداً العلاقة بين ظهور الإسلام والديانة اليهودية. والحقيقة كانت انه في القرن السابع الميلادي ، كان هناك رجل يدعى محمد كان مُعجباً بالتعاليم الدينية للسكان اليهود في الحجاز والتي كانت مركزا للديانات الوثنية في شبه الجزيرة العربية ، ومحمد الذي كان زاهدا منكراً لذاته كان يطمح أن يُدخِل عبادة الإله الواحد إلى القبائل العربية بدلا من عبادة عدة آلهة ، وفي البداية حاول أن يقوم بهذا بالتعاون مع اليهود ، ولكن اليهود الذين كانوا منغلقين بطبعهم وتنقصهم غريزة التطوير الديني ، رأوا أنهم لن يكسبوا كثيرا بتعاونهم مع محمد ومن وجهة نظرهم كان زائفا ، وإذا كانت ديانتهم هي التي يطمح محمد لنشرها فما هي حاجتهم إليه ؟ وقد كانوا قادرين تماما على القيام بهذه المهمة بأنفسهم ، فقد قاموا بهذا قبل وصول هذا "النبي العربي المُدَّعي" . وقد فشل محمد في جميع جهوده لضم اليهود إلى جانبه ، ولقد بالغ في تعاونه بان ادخل مقدارا كبيرا من التعاليم اليهودية في مخططه الأولي لهذا الدين ، حتى انه أمر أتباعه الذين كانوا أقلية ولكنهم انتشروا فيما بعد بالتوجه نحو القدس في صلواتهم ، ورغم جهوده فان اليهود رفضوا أن ينضموا إليه في مغامرته في محاولة تحويل القبائل العربية إلى عبادة اله واحد . وفي الحقيقة تحول الرفض إلى احتقار وكراهية ، ولكنه كان مجبرا على الاعتراف عندما يُستجوب من قبل زعماء اليهود الذين كانوا يحاول إقناعهم أنه في الواقع لم يقرا كتبهم ، وانه أصبح عالما بديانتهم عن طريق الوحي ، وقد نظر المثقفون اليهود إلى محمد أنه غير مُدَرَّب ولا مُطلع على الشؤون الهامة في قوانين وشرائع اليهود ، ولم تُقابَل جرأته عندما اعل عن نفسه انه نبي عربي أرسله إلههم إلا بالسخرية والاحتقار ، ومن خلال النصوص اليهودية – أو على الأقل ما اقتبسه محمد منها – فانه وجد إطارا مُناسباً لتأسيس منظومة دينية مناسبة ، ولكن بالرغم من فشله في التحالف مع اليهود إلا انه نشر بسرعة نسخته من الرسالة اليهودية ، وقال إن خطأ اليهود في رفضه لا يكمن في أفكاره ولكنه يكمن في الطباع اليهودية ، وقد طوّر وبشَّر بوجهة نظر تقول إن اليهود أفسدوا كتاب وحدانية الله وانه اختير من الله ومُنح القوة ليقضي على هذا الفساد. وعندما نضجت فكرة محمد في دماغه ، تخلى عن اليهود بالكامل وفي النهاية فإن اليهودية في نظر الإسلام أصبحت ديانة معادية ، وجميع اليهود والآخرين الذين رفضوا الديانة الجديدة أصبحوا محل احتقار في الإسلام ، واليهود الذين كانوا الرافضين الغوائل لمحمد أصبحوا هدفا لاحتقار خاص متطور .
لقد توقف يوسف الأكبر عند رفض اليهود لمحمد في القرن السابع ليضع في وعي الطفل أول أفكاره عن اليهود والديانة اليهودية ، وقد أمضى يوسف أسابيع يعطي فيها عبدالرحمن دروسا عام 1939 غارساً في عقله كُفر يهود الجزيرة العربية وكذلك فسادهم ونقضهم للعهود بشكل عام ، دون أن يشير إلى القوانين والمبادئ التي يدين بها الإسلام لليهودية ، وقد تتبع مع عبدالرحمن تاريخا كاذباً وغريباً عن ظهور الإسلام وانتشاره دائما ، حسب وجهة نظر يوسف ,كان يقف في وجه كفر اليهود ، وفي النهاية علّمه مفهومه عن اليهودية ليوصل إليه قضية فلسطين والصهيونية ، مزودا عبدالرحمن بتصوره الأول لواحدة من القضايا الساخنة اليومية في العالم العربي حتى أن معلمي المدارس الفلسطينية ، حيث كان الطلاب في مثل سن عبدالرحمن يتعلمون الرياضيات واللغة لم يتعرضوا حتى ذلك الوقت لمواضيع التاريخ العربي أو للأحداث الجارية .
والغاية من توجيهات الأكبر لم تكن ببساطة لغرس كراهية اليهود داخل عبدالرحمن ، وبالتأكيد كان ذلك لوضع الأساس لتحقيق هدفه الحقيقي والذي كان الحط من قدر الأب في عيني ابنه.ولهذا بدأ بإسقاط تلميحات حول العار الذي لحق بعبد الرءوف مشيرا بطرق خفية إلى غزة والقدس وقاصا عليه قصصا بطرق ملتوية عن كيفية إلحاق عبد الرءوف العار بعائلة الحسيني عن طريق إغواء محمد الحسيني جد عبدالرحمن لأمه بالبدء بتجارة مع اليهود لبيعهم التحف الدينية ،ويقول زيد أنها كانت حالة تقليدية من الإغواء العقلي ويضيف " وكلما لمّح يوسف أكثر كلما ازداد فضول عبدالرحمن أكثر ، قام يوسف بجر عبدالرحمن حيث كان يعطيه إجابات ناقصة مما أثار مزيدا من الأسئلة والإلحاح . فيما بعد أصر يوسف أن ذلك عمل عبدالرحمن – أن عبدالرحمن قد تعلم ذلك لوحده – ثم سيطر على يوسف, وحيث كان يوسف يعرف تاريخ العائلة وأراد عبدالرحمن أن يخبره يوسف كل القصة ، وفسر يوسف ذلك بكبر سنه وضعفه الجسدي والعقلي وعدم قدرته على مواجهة عاصفة الأسئلة التي أثارها عبدالرحمن ، وفي النهاية بالغ يوسف في تفسير ذلك وأصر انه يعاني من الضعف العقلي ولم يكن يعرف ماذا يفعل ، ولكن لا يمكن أن يكون هناك أي شك في ماهية الحقيقة ، وكما كنا نعرف عبدالرحمن فانه بطبيعته لم يكن فضوليا وحتى مع يوسف مرشده ، كان عبدالرحمن خجولا ومطيعا ، وكذلك لم يكن عند عبدالرحمن كل هذه المتطلبات العقلية ليخرج بهذه الأسئلة بمبادرة منه . لقد كان يوسف هو الذي أثار فيه هذه الأسئلة بذكاء شديد.
استمر تعليم عبدالرحمن عند يوسف طيلة الربيع وصيف عام 1939 ، وبعد غرس الأفكار الغامضة في وعي عبدالرحمن أن أبانا كان خائنا لإرثه العربي وجلب العار لعائلة الحسيني ، قرر يوسف أن يصبح أكثر وضوحا وتحديدا ، وروى يوسف لعبدالرحمن كل حلقات قصة غزة ، مضيفا إليها من هنا وهناك ، وكيف أن عبد الرءوف أُجّبِر على ترك غزة مجللاً بالعار، وعزا عملية ضرب يوسف وبدر في القدس إلى استمرار عبد الرءوف في التعامل مع الصهاينة.ثم قام بعمل انقلاب خطير في أفكاره عندما اخترع قصة تقول : إن أنشطة عبد الرءوف وبدر في جماعة الإخوان كان تأكيدا على وضع مصالح آل القدوة الجشعة في تفضيل المال على مبادئ آل الحسيني ، كانوا في الواقع عملاء سريين للصهاينة ، وان عبد الرءوف وبدر استمروا بخيانة مبادئ الحاج أمين المنفي ، وبأعمالهم هذه زادوا في تعميق العار الذي لحق بحميدة ويوسف ، وأضاف يوسف أن الطريقة الوحيدة لكي يتخلص عبدالرحمن من الخزي والعار الذي لحقه من أبيه هو عن طريق تكريس نفسه لجده صاحب الفضيلة ومتابعته في الطريق المقدس الذي سلكه والذي عينه الله له لينير له طريقه ، وعندما بلغ العاشرة كان عبدالرحمن قد تشرب كل هذه المعلومات بجديه وعجب زائدين حسب ما قال نصر ، ويضيف نصر :( حتى جاء وقت في الصيف وكان أبونا غائبا ولكن بدر أخونا الأكبر كان موجودا وكان عبدالرحمن عائدا من إحدى زياراته اليومية ليوسف ، وأمره بدر أن يقوم بعمل ما ، ولكن عبدالرحمن رفض ، وبما أن بدر أكبرنا فقد حل محل أبي وقام بتوبيخه بشدة ، ولكن التوبيخ فجر عاصفة من الهستيريا الشديدة والاتهامات من عبدالرحمن ، ومثل الآلة المبرمجة عندما تضغط الزر المناسب فيها ، صب الولد لعناته واتهاماته ضد أخيه الذي كان في ألــ19 من عمره مكررا عن ظهر قلب أسوء التصريحات والتلميحات التي جعله يوسف يهضمها كحقائق ثابتة ، وبعد عدة أيام عاد عبد الرءوف واخبره بدر بالحادثة ، ونتيجة لذلك واجه عبد الرءوف ابنه ليسمع منه فقط اللعنات والاتهامات رغم انه أعاد كل شيء هذه المرة ببرود وبنبرات ثابتة ، وقد أصيب أبونا بالصاعقة والغضب وصفع عبدالرحمن عدة مرات ودار في البيت يبحث عن حبل ليعاقبه عقابا اشد وأطول وقتا ، وبينا هو كذلك هرب عبدالرحمن إلى الشارع ولم يطل الوقت حتى وجده أبي وبدر في بيت يوسف الأكبر ، وعندما علم العجوز بما فعل عبدالرحمن خاف على حياته ، وعندما اندفع عبد الرءوف وابنه بدر إلى البيت تعلق عبدالرحمن في ثوب يوسف متمسكا به ليدافع عن حياته من غضب أبيه الشديد راجيا أباه أن يوافق على أن يجعله ابنا ليوسف ، وهذا أثار عبد الرءوف أكثر وأمسك بعبد الرحمن وأعطاه لأخيه طالبا منه أن يأخذ الصبي إلى البيت وان ينتظر عودته ، ثم عاد الأب ليواجه يوسف ، ويقول نصر القدوة " لا استطيع أن اذكر ماذا فعل أبي ، وعبر السنوات سمعنا روايات مختلفة عن القصة، ما أعرفه أن احد أفراد عائلة يوسف سمعه يطلب الرحمة ، واضعا اللوم على موهبة وقدرة عبدالرحمن العقلية ، وعلى كل حال كان هناك اجتماع في تلك الليلة بين أبي وبعض رفاقه من الإخوان المسلمين ودام الاجتماع حتى ساعة متأخرة من الليل وفي الصباح التالي وجد يوسف ميتا ، وكان قد شُنق وعُـلِّق من رقبته على باب بيته وأتذكر أني رأيته هناك وعينيه جاحظة بفزع وكان يزداد تشنجا عندما وجدناه وتُرك معلقا طوال اليوم ، وعندما أُنزل من هناك كانت يديه ورجليه متشنجة أمامه ، وأخَذَنا بدر لرؤيته وأخذ معه عبدالرحمن أيضا ، لا أذكر ردة فعل عبدالرحمن لأني وقتها لم أكن اعرف كل ما يدور حولي ولو كان له أي ردة فعل كنت سأتذكرها، ولأني لا أتذكر فاني افترض انه لم يظهر أي عاطفة محددة ، ربما انه فعل أشياءه المعتادة ، وكان هذا الشيء نهاية أيامنا في القاهرة).

الإخـــوان الـــمســلمـــون

بعد فترة قصيرة من إنزال يوسف ودفنه تلقى عبد الرءوف زيارة من فصيل شرطة القاهرة . لم يكونوا مهتمين بموت الرجل العجوز بقدر اهتمامهم بأسلوب القتل ، كان أسلوب الخنق بالسلك ثم التعليق شائعا في القاهرة وقد حددته الشرطة على أنه علامة مسجلة للإخوان المسلمين.
ولأن حركة الإخوان بدأت بالدعوة لإقصاء حزب الوفد والدفاع والإرهاب فقد أثار موت يوسف فضول الشرطة ، ولان معلوماتهم عن حركة الإخوان كانت قليلة فإنهم استجوبوا عائلة يوسف بشكل مكثف ومن التحقيقات خرجت الشرطة بتلميحات تفيد أن عبد الرءوف ذو صلة قرابة بعيدة بيوسف وكانت له عداوة شخصية مع الضحية بسبب أمور تخص واحد من أبناء عائلة القدوة ، وعندما سُأل عبد الرءوف عن العداوة اعترف بها ولكنه أنكر بشدة أية علاقة له بموت يوسف ، غادرت الشرطة ولكنها عادت بعد عدة أيام بمزيد من الأسئلة وهذه المرة لمعرفة إذا ما كان لعبد الرءوف أية علاقة بالإخوان المسلمين ، وكان معروفا جيدا في تلك الفترة انه إذا قام شخص سواء كان منتسبا أو غير منتسب للإخوان بخيانة الجماعة وتبليغ السلطات عنها فانه يوقِّع على حكمه بالموت . ورغم خوف عبد الرءوف من الأسئلة إلا انه تصرف بحذر في إجاباته عليها ، واستطاع إقناع الشرطة انه بريء من أي ارتباط أو معرفة بالجماعة ، وقد قام بنسج قصة جديدة تقول أن مقتل يوسف قد تم القيام به كإشارة تحذيريه له وادعى انه تم الاتصال به عدة مرات في السنوات السابقة بواسطة رجال قالوا إنهم يمثلون الإخوان المسلمين ، ولأنه رجل أعمال مهم يسافر كثيراً بين غزة والقاهرة قال إنهم أصروا عليه للانضمام إلى الإخوان بهدف تهريب الأسلحة من غزة إلى مصر ، وقال انه رفض بشدة لأنه رجل يحب العيش بسلام وعنده عائلة كبيرة ومسؤوليات ، وانه كان مرتاحا من كرم الحكومة المصرية ومعاملتها الحسنه ، وقال عبد الرءوف إن الإخوان أخبروه أنه إذا لم ينضم إلى الجماعة فإنهم سيسببون الأذى لعائلته ، ولان يوسف الأكبر كان أرفع رجال العائلة مكانة في القاهرة فقد قاموا بقتله ليرعبوا عبد الرءوف ويجعلوه ينضم للجماعة ، وسأل رجال الشرطة إذا ما كان يستطيع تحديد هوية الذين جاءوا لتنظيمه فأجاب عبد الرءوف بالنفي لأنهم كانوا يكلمونه في الشارع ليلا.
بدا أن الشرطة صدقت تفسيره, وعندما غادروا ظن عبد الرءوف انه انتهى منهم ، ولكن بعد أسبوع عاد أحدهم ومعه اقتراح جديد مثل قصة عبد الرءوف واقترح الضابط أنه بما أن الإخوان طلبوا من عبد الرءوف الانضمام إليهم عدة مرات وأنهم قتلوا يوسف الأكبر ليضغطوا عليه ويوافق فان عليه أن يوافق ، ويجب أن ينضم للجماعة وعندما يصبح عضوا عاملا عليه أن يصبح مخبرا للشرطة ، ولكن عبد الرءوف رفض بشكل مؤدب واستطاع ببراعة أن يخفي انصعاقه من الاقتراح . فأجابه ضابط الشرطة بأنه سيتم تعويضه بشكل جيد إن هو وافق ، فقال عبد الرءوف نعم ولكن بما انه رجل يحب العيش بسلام فانه سيكون تصرفا غير مسؤول من جانبه إن هو عرَّض عائلته للخطر و قام بمثل هذا العمل ، ولن يكون أي مقدار من التعويض كافيا لتبرير قبوله بهذا ، وفجأة أصبح الضابط قاسيا معه وبدأ يصرخ في وجهة ويقول انه طوال الوقت يشك أن عبد الرءوف كاذباً, مدعياً انه يعرف أن عبد الرءوف مسؤول عن مقتل العجوز ، وأنه إذا لم يتعاون مع الشرطة في أن يصبح مخبرا فان الضابط سيظل يلاحقه حتى تظهر الحقيقة ، غادر الضابط وأعطى عبد الرءوف مهلة عدة أيام ليفكر في الموضوع . في تلك الليلة قدَّم عبد الرءوف تقريرا عما حدث معه والضابط لخلية الإخوان التي يعمل فيها ، لقد كان مخيراً بين أمرين أحلاهما مُرّ وقد تذمر وتوسَّل الجماعة أن يساعدوه في أيجاد مخرج ، فطلبوا منه أن يبقى هادئا وأنهم سوف يجدون حلا ، وجاء الحل بعد يومين ، لقد وُجد الضابط الذي استجوب عبد الرءوف مقتولا ، ولقد وجد مخنوقا ومعلقا ، لقد بدا هذا الحل صعبا بالنسبة لعبد الرءوف لان الشرطة حضرت بعد عدة ساعات إلى بيته ومعها العديد من الأسئلة ولكن الضابط لم يكن قد أخبر زملائه برغبته تحويل عبد الرءوف إلى مخبر ، لأنه كان ضابطا طموحا خطط لتقديم انجازاته لرؤسائه بعد إتمام العملية متوقعا الحصول على ترقية مقابل اختراقه لمنظمة الإخوان . إلا أن الشرطة صُعقت بالمصادفة التي حصلت وهي قتل احد رجالهم بنفس أسلوب الإخوان عندما يتابع تحقيقا يتعلق بعبد الرءوف القدوة ولذلك فقد استجوبوه بشدة وخرجوا بقناعة بأنهم لم يحصلوا على أي إجابات قاطعة.
في آب عام 1939 جُرَّت أوروبا للحرب بسبب طموحات أدولف هتلر وبعد اندلاع الحرب الأوروبية ولمعرفة بريطانيا بنوايا هتلر للسيطرة على منابع النفط في الشرق الأوسط ، قامت بريطانيا بإعلان مصر والبلاد الأخرى الخاضعة لها خاضعة بأنها مرتهنة للمجهود الحربي ، وفجأة أصبح للشرطة في القاهرة مهمات وواجبات اكسر من أن تستطيع معالجتها ، والتحقيقات التي كانت تجريها حول مقتل الضابط غابت في طي النسيان ، إن بدء الحرب في أوروبا وتفرُّق الشرطة في القاهرة وانشغالها بأمور أخرى وفر مزايا إضافية لعبد الرءوف والإخوان المسلمين معا ، وُضعت مصر في حالة استنفار عسكري دائم ومع بداية تدفق الأسلحة إلى مصر لاحتمال تعرضها إلى غزو وانشغال الشرطة في مهمات أخرى ، رأى حسن البنا وقيادة الإخوان في ذلك فرصة سهلة لمد نفوذهم وكذلك زيادة عدد أسلحة الإخوان عن طريق السوق السوداء التي توفر الأسلحة والذخائر بكثرة لزيادة النشاط الفدائي للإخوان وقد بدءوا بذلك وكتبوا منشورات سرِّية وخططوا وشكلوا لجان للقيام بذلك .
كان هدفهم إنهاء قوة وسيطرة الحكومة المدنية عن طريق الإرهاب وأساليب أخرى ، وفي نهاية الحرب وحسب ما خططوا فإنهم سوف يسيطرون على الأمور وسوف يقومون بإجلاء أية قوة أجنبية سواء كانت بريطانية أو ألمانية وسوف يقومون بإصلاح المجتمع حسب تعاليم القرآن ، وإذا تلقوا المساعدة والتعاون من الوطنيين الفلسطينيين فان الإخوان سوف يساعدوا الفلسطينيين في طرد الأوروبيين والصهاينة من بلادهم وسوف يجعلونها كيان عربي . وقد لفتت مغامرات عبد الرءوف القدوة مع شرطة القاهرة نظر حسن البنا وقد أُعجب برغبة عبد الرءوف لمقاومة ضغوط الشرطة وإبلاغه للإخوان بمحاولتهم استمالته ، رغم انه رأى عملية اغتيال خلايا الإخوان الفلسطينية للضابط بأنها كانت أمراً غير مفهوم .
في الواقع لو أن البنا اُخبر قبل موت الضابط عن الموضوع فانه سوف يوقف أمر الاغتيال ويقابل عبد الرءوف ويخرج بخطة بحيث يتظاهر عبد الرءوف بالموافقة على اقتراح الشرطة ويصبح جاسوسا ، وسوف يكون مفيدا جدا للبنّا والإخوان أن يكون لهم عميلا مزدوجا يعمل معهم ، لقد ضاعت الفرصة على الأقل الآن ، إلا انه كانت هناك فوائد أخرى لعبد الرءوف ، لقد أسس البنا حركة الإخوان في بور سعيد والتي كانت في منتصف المسافة بين غزة والقاهرة ، ولذلك فان حركة الإخوان لم تثبت نفسها بصلابة في منطقة غزة ، وسبب ذلك أن أنصار الحاج أمين المنفي ما زالوا أقوياء في المنطقة ، بالنسبة للبنا الذي كان إسلاميا متطرفا فان أتباع المفتي يشكلون تهديدا, ورغم أن أسبابهم كانت عادية لا أكثر ولا اقل فان قادة المجلس الإسلامي الأعلى واللجنة العليا تجاهلوا طلب مناقشة التحالف الذي طرحه البنا والإخوان المسلمين . بالنسبة لحركة الإخوان فإنهم كانوا متشددين جدا في نظر أتباع الحاج أمين, هذا بالرغم من أن الحركة ساندت آمال العرب الفلسطينيين وأوجدت لها قاعدة واسعة بين الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون في مصر أمثال عبد الرءوف القدوة ،وفي أيلول طلب حسن البنا الاجتماع مع عبد الرءوف في منطقة القليب إحدى ضواحي القاهرة وقد تفاجأ عبد الرءوف عندما عرف أن مرشد الإخوان يعرف الكثير عنه ، وقد زادت سعادته أكثر عندما عرف أثناء المحادثة التي دارت بينهما أن أفكار حسن البنا الدينية والاجتماعية تطابق آراءه ، وفي أثناء الاجتماع لم يكن عبد الرءوف أو البنا يعرفان أن شرطة القاهرة صرفت النظر عن التحقيق حيث كان عبد الرءوف ما يزال خائفا ، واقترح البنا وسيلة تُبّعد عبد الرءوف نفسه عن أذى الشرطة وهو العودة هو وعائلته إلى غزة حيث يلقى هو وعائلته هناك الاحترام (- لم يكن البنا يعرف عن تجربة عبد الرءوف غير السّارة في غزة قبل 12 عاما – )ويكرِّس الكثير من وقته وتأثيره لتوطيد نفوذ الإخوان هناك ، وقد أخبر البنا عبد الرءوف انه يعرف عن صلاته بآل الحسيني ورأى أن عبد الرءوف يستطيع أن يستخدم هذه الصلات لتهدئة مخاوف أتباع الحاج أمين في غزة وأن يقوم بعقد حلف بين الإخوان والمقاومة الفلسطينية . وعبد الرءوف الذي كان رجلا حصيفا لم يقل شيئا يؤيد البنا في فكرته أنه يمكن التغلب على أنصار الحاج أمين في غزة ، ورغم انه ذهب إلى غزة عدة مرات من عام 1927 وكان الناس يستقبلونه جيدا كزائر إلا انه كان غير متأكد من كيفية استقبال الناس له وخاصة المناضلين المعادين للصهيونية إن هو عاد واستقر مع عائلته في غزة . ومع ذلك فانه كان ممتنا لاقتراح البنا وتعهده بدعمه لأن ذلك أعطاه سببا وجيها لمغادرة القاهرة ، وفكر أيضا في فوائد ترحيل ابنه عبدالرحمن الولد العاصي من المكان الذي تعرض فيه لتأثيرات شيطانية إلى بيئة أخرى حيث يستطيع أن يمارس عليه سيطرة أكبر . ولذلك فقد قبل بتفويض البنا له وماذا سألته الشرطة فإنه سيقول أنه ما زال يتعرض للتهديد وانه سوف ينقل عائلته إلى غزة من أجل سلامته والعائلة ، وليجعل القصة أكثر مصداقية اقترح البنا ترتيب جريمة قتل أخرى لقتل خوري الحسيني ابن عم حميدة الذي كان يزورهم في القاهرة ، ولكن عبد الرءوف عارض الفكرة وقال أنه أذا اطراد أن يجند الوطنيين أنصار الحاج أمين في غزة للعمل مع الإخوان فلا يجب أن يُتَداول بين الناس أن شخصا آخر من عائلة الحسيني قُتِل على يد الإخوان المسلمين ، ثم بدأ عبد الرءوف والبنا مناقشة أعمال عبد الرءوف في غزة مثل تأمين الأسلحة وتجنيد وبناء خلايا إخوانية ، وجمع الأموال من السكان ، والاتصال باللجنة العربية العليا وأخيراً القيام بعمليات فدائية ضد المنشآت البريطانية واليهودية . لقد كان الإرهاب والدمار هما الهدف الأسمى كما ادعى البنا لأنه عن طريق ذلك فقط سوف يأخذ الفلسطينيون حركة الإخوان على محمل الجد ، تم الاتفاق على النقاط وغادر عبد الرءوف حاملاً بركات البنا له وعاد إلى القاهرة ، ولعد عدة أيام جمع أملاكه وعائلته وبدأ رحلته إلى غزة.

مـــاجــد حــلــبــي

في عام 1939 تكونت غزة من شريط طويل ضيق عل طول شاطئ المتوسط وامتدت في الجنوب حتى سيناء ومصر وفي الشمال في فلسطين ، ورغم أنها جزء من فلسطين تحت الانتداب البريطاني إلا أنها كانت مصريه بطابعها العام بنفس طابعها الفلسطيني وذلك بسبب تعاملها التجاري مع مصر لقرون طويلة ، والمدينة كانت خليطاً من الصحراء وبيّارات الحمضيات وبساتين الزيتون ، وكانت حدودها البلدية الرئيسية ضمن مدينة غزة ، واحتفظت بريطانيا بقوة إدارية فيها ، ولكن الشؤون العربية المحددة والخدمات المدنية كانت تُدار من قبل مجلس بلدية المدينة ، وكان في غزة سكة حديد تربط مصر مع الأراضي الشمالية وعن طريقها كان يتم نقل واستيراد العديد من البضائع . وبنيت المدينة حول ساحة رئيسية كبيرة سميت دوار فلسطين وكانت عربية في معمارها وأسلوبها ، والشارع الرئيسي الذي يتفرع من الدوار كان اسمه شارع عمر المختار وكان مُشجّرا ، وكان يوازيه شارع الوحدة ، وكان يفصل بينهما مقبرة كبيرة كانت تواجه الدُّوار . في آخر المقبرة بين الطريقين كان يتفرع شارع يربط بينهما ولم يكن له اسم محدد ، وفي هذا الشارع سكن عبد الرءوف القدوة في بيت حال وصوله إلى غزة في بدايات تشرين أول عام 1939 وكان عمر عبدالرحمن قد تجاوز العشر سنوات بشهرين ، ويتذكر زيد أنه بعد الرحيل لغزة بدا واضحا للعائلة أن عبقرية عبدالرحمن لم تكن إلهاما طبيعيا ولكنها كانت موهبة في الذاكرة ويضيف " لم يكن هناك من شك في أن موت يوسف كان له علاقة بذلك وكذلك الرحيل من القاهرة وعندما وصلنا إلى غزة بدأ يظهر أن عبدالرحمن بدأ يفقد اهتمامه بالدروس الدينية وأعتقد أن مواظبته عليها لفترة طويلة في القاهرة كان سببه يوسف ، حيث كان يوسف يُدلِّله ويمتدحه وكان كالأم له وكان يوسف المصدر الوحيد للسعادة والأمان لعبدالرحمن ، وقد لعب عبدالرحمن دور الطالب الصغير المتدين حتى يُبقي على اهتمام يوسف به ، وعندما مات يوسف لم يكن هناك حاجة لاستمرار اللعبة " . ويدعي إخوة نصر أن عبدالرحمن لم يتخل عن اللعبة بسرعة ويقول " إن زيد على حق ولكن الأمر استغرق عاما كاملا قبل أن يبدأ عبدالرحمن بالتغير وعندما وصلنا إلى غزة بقي عبدالرحمن على وضعه المعتاد ، ورغم أنه أُلحق بالمدرسة فورا مثل بقيتنا ولكنه بقي منعزلا ويدفن أنفه باستمرار في الكتب الدينية وفي رأيي فانه كان يأمل أن يلفت انتباه احد مثل يوسف أو أن يملأ الفجوة التي تركها موت يوسف ".
لكن ذلك لم يلفت انتباه أحد إلا عند الإشارة إلى سلوكيات عبدالرحمن الغريبة ، أما المعلمين في مدرسة الزيتونة التي كان يدرس فيها نصر و عبدالرحمن والأخ الأصغر حسين فقد سمحوا لعبدالرحمن بالاستمرار في عزلته ولم يطلبوا منه شيئا متجاهلين غمزات زملائه وسخريتهم منه . أحد رفاق صفه محمد العلمي وهو ابن لأحد قياديي غزة وهو يتذكر عبدالرحمن كما يلي : "كان ولداً سميناً مزاجياً وكان يخيف الجميع ولم يكن مثل الأطفال البدينين الذين يتصرفون كمهرجين ودائما يتطلعون إلى صداقة أي شخص ،هؤلاء النوعية من الأطفال من النوع الذي يمكنك التصرف معهم بقسوة دون صعوبات ، لكن عبدالرحمن لم يكن كذلك ، حيث لم يتملق أحداً ، لقد كان خجولا ودائم المرض ، ولكن إذا اقتربت منه أو فعلت معه أو قلت له شيئاً سيّئاً كان ينظر إليك بعينيه ، لقد كان لعينيه اثر المغناطيس بحيث يستطيع أن يبقيك جامدا". ومع نهاية السنة الأولى في المدرسة بدأت الامور بالتّغير عند عبدالرحمن ، لقد حضر إلى المدرسة معلم شاب من جنوب لبنان وكان في العشرينات من عمره وكان اسمه ماجد حلبي . وُلِد ماجد حلبي في مدينة صور ولكن أفراد عائلته من جهة أمه كانوا من حيفا في فلسطين وهو منحدر من عائلة ثرية ، حيث كان أبوه يمتلك الكثير من الأراضي في جبال الجليل في شمال فلسطين وكان له أراضي على طول الساحل بين حيفا وعكا، وكان مُتعلِّما حيث كان حائزا على درجة البكالوريوس في الرياضيات من السوربون في باريس ، وقد عاد إلى صور عام 1937 حيث كان يخطط لاستلام حسابات أملاك وأعمال أبيه ، ولكن المعتقدات القومية التي كوَّنها عندما كان طالبا في باريس خلقت له العديد من الصعوبات . بعد الحرب العالمية الأولى وفشل القوميين العرب في تحقيق حلم الدولة العربية الموحدة أجبر العديد من الزعماء القوميين والنشطاء على المنفى ، لقد انجذب هؤلاء إلى باريس في العشرينيات حيث كانت من أنشط وأكثر مدن أوروبا انفتاحاً ، حيث كانت كالمغناطيس لجميع الأفكار والآراء السياسية. وهناك التقوا مع القوميين العرب من المستعمرات الفرنسية في المغرب وتونس والجزائر ولقد نشأ تعاضد طبيعي بين العرب من الشرق والغرب ، وبحلول الثلاثينات كانت باريس المركز الرئيسي للحركة العربية ، وحالما تشكلت الحركة انتشرت في الجامعات وتداخلت مع العديد من الأفكار الاشتراكية الأوروبية ، وكما لوحظ فيما بعد قام العديد من العائلات البارزة في فلسطين ولبنان بإرسال أولادهم الذكور المتفوقين إلى أوروبا لتلقي التعليم بعد الحرب العالمية الأولى وقد انضم معظمهم إلى الجماعات القومية الاشتراكية في الجامعات التي درسوا فيها، وعندما عادوا في العشرينات والثلاثينات بدءوا بنشر الأفكار الجديدة المتطورة في الحركات العربية المحلية ومن بينها حركة الحاج أمين . من بين هؤلاء كان ماجد حلبي حين عاد إلى صور ليس فقط متوقعا آن يدير اعتمال آبيه وأملاكه المزدهرة ، ولكنه أيضا كان ينوي أن يؤسس لنفسه مركزا سياسيا عن طريق أعماله. كانت فرنسا ما تزال تحتل لبنان وكان ماجد مشحونا بالأفكار العربية وأحلام الاستقلال العربي عن السيطرة الأوروبية ، وكان كذلك يحلم بقيادة لبنان نحو الاستقلال ، ولكن حال عودته أُجهِضت كل أحلامه فعندما بدأ بالتدرُّب على الإمساك بأعمال وشركات أبيه صُعق عندما اكتشف أن معظم ثروة عائلته جاءت من تجارة أبيه في بيع الأراضي الفلسطينية إلى الصهاينة ورغم انه لم يكن له شيء ضد اليهود حيث كان مولعا بالقول أن كارل ماركس كان يهوديا إلا أنهم كانوا أوروبيين ومن وجهة نظرة كما هي وجهة نظر القوميين العرب فان الصهاينة كانوا وجها آخر للاستعمار الأوروبي ، أداة اهرى وظفتها الامبريالية الأوروبية لتأمين السيطرة على العالم العربي . والتعاون مع اليهود عن طريق بيعهم الأراضي في فلسطين كان مساويا لتشجيع المزيد من الاستغلال الرأسمالي الأوروبي والتمادي في قمع حق العرب في تقرير المصير ، وقد حاول ماجد جهده لإقناع أبيه بالتوقف عن بيع الأراضي لليهود مستعملًا كل أساليبه في الحوارات التي تشرَّبها في باريس حول الاستعمار والامبريالية ، ولكن أبيه كان رجلا رجعياً حيث كان تاجرا قليل الاهتمام بالسياسة وكان مرتبطا تماما بطريقته بالحياة كما هي ولا يمكن لأي نوع من الخطابات أن يعدله عن رأيه ، وقد نشأت فجوة كبيرة بين الاثنين بسرعة ، وفي أحد الأيام اكتشف أبوه أن ماجد قد أفسد صفقة بيع شريط من الأرض في الجليل لمجموعة من اليهود الذين كانوا يريدون تحويلها إلى مزرعة جماعية ، ولذلك طرد ماجد من العمل وقطع عنه الدخل ، وحتى أنه طرده من صور ، وبلا مأوى ومحبطا من عناد أبيه توجه ماجد إلى حيفا حيث شكَّل مجموعة من الأصدقاء كانوا يترددون على مقهى هناك ، وبتعليمه الباريسي واسمه وجد نفسه موضع الأنظار ، وقد استخدم هذا الاحترام لينظم أصدقائه في مجموعة عمل سياسية ، في البداية كانت نواياه مقتصرة على العمل الانتقامي من أبيه حيث أرسلهم في مهمات تخريبية لممتلكات أبية في حيفا ، وبعد ذلك انطلقت المجموعة لإرهاب اليهود وتدنيس مقدساتهم ، ورغم أن ماجد تمتع بشعوره بالقوة التي كان يمارسها لدوره كقائد للمجموعة إلا أنه سرعان ما بدأ يشعر بالضجر بسبب انجازاتها المحدودة ، لقد كان شابا ذكيا وحالما بدأ يشعر بالخطر نتيجة لأنشطة مجموعته ، أدرك انه إنما يتعامل مع مجموعة من قطاع الطرق ، ورغم محاولته إلا انه كان غير قادر على إثارة اهتمامهم بالسياسة ، وأعمال العنف التي كانوا يقومون بها في النهاية كانت غير مبررة . ما كانت أعمال العنف هذه لتمر مرور الكرام سواء كان عند الشرطة أو اللجنة العربية العليا ، وفي مساء احد الأيام أُلقي القبض على العديد من مجموعة ماجد أثناء محاولة إشعال النار في محل لبيع السيجار في مدينة حيفا ، وتم التحقيق معهم في مركز الشرطة البريطانية حيث كشفوا أن ماجد كان قائدهم ، واعتُقل ماجد وسُجن لعدة أسابيع ولكن فيما بعد تم إطلاق سراحه لعدم وجود أدلة قوية ضده على شرط أن يغادر حيفا . وأثناء وجود ماجد في السجن تعرف ماجد على مجموعة من الإرهابيين الذين كانوا تحت قيادة الحاج أمين وكان قائدهم رجل مقدسي اسمه (ياسر البيرة )، وهو منحدر من عائلة البيرة التي أسست قرية البيرة العربية وتقع بين رام الله والقدس ، وأُطلق سراح بعض هؤلاء الإرهابيين قبل ماجد ، وعندما أُطلق سراحه وجد ماجد لجنة استقبال لم تكن تبعد كثيرا عن باب السجن وقد أمروه أن يرافقهم إلى المقر السري لقيادة ياسر البيرة . قام ياسر البيرة باستجواب ماجد بشكل مكثف طالبا منه تفسير ما كان يفعله هو وعصابته ، ولكن ماجد قام بطرح أفكاره الأيد ولوجيه وكذلك عبر عن إحباطه لأنه كان يقود مجموعة من قطاع الطرق غير الملتزمين فكرياً ، وقد تحدث الاثنان الليل بطوله وبحلول اليوم التالي كان قد تم تجنيد ماجد مع مجموعة البيرة التي كانت تطلق على نفسها اسم " الجماعة المقدسة لتحرير فلسطين " ، وكما يدعي عزيز غزّاوي أنه كان موجودا فانه يتذكر أن ياسر البيرة قال :
" كلنا فدائيون " ، وكلمة فدائيون مشتقة من الجذر العربي لكلمة " الفداء "Sacrifice وهي تشير إلى ألئك الذين يضحون بأنفسهم أو يقومون بمهمات انتحارية ، وتاريخيا استخدم هذا الاسم لأول مرة في القرن الثاني عشر عن طريق فرقة الإسماعيلية لتنفيذ اغتيالات ضد أعداء الفرقة . وحسب معلومات عزيز غزّاوي الذي يعيش بهدوء في لبنان فإنه سمع هذه الكلمة لؤول مرة تُستخدم للحديث عن المقاومة الفلسطينية ويضيف : " تجادل ياسر مع ماجد طوال الليل ، في البداية لم يثقا ببعضهما حيث كان ماجد متحدثا ممتازا وكان لَبقاً بشكل غامض في سلوكه إلى جانب انه كان نصف مسيحي ،أمّا ياسر البيرة فكان قليل التعليم وشرساً في سلوكه لكنه مسلما متدينا ومن أتباع الحاج أمين المخلصين رغم أن الحاج أمين خرج من القدس قبل فترة طويلة ، وفي النهاية تحدى ياسر أن ينضم إلى جماعتنا وقد قَبِل ماجد فوراً وحينها قال ياسر " كلنا فدائيون " ولكن ماجد لم يفهم ما كان يريد ياسر ولذلك قام ياسر بتفسيرها وهي : كونه عضوا في الجماعة كان يعني أن تموت آجلا أم عاجلا في سبيل فلسطين حرة ، وان تكون عضوا في جماعتنا يعني أن تكون فدائياً ومعنى الفدائي هو التضحية بالنفس من أجل القضية وحينها قال ماجد أنه فهم ".
كان ذلك في بدايات عام 1939 عندما كانت سلطات الانتداب البريطاني تجهز فلسطين للحرب القادمة في أوروبا ، وكما فعل الإخوان المسلمين في مصر فان جماعة الحاج أمين فهموا أن ظروف الحرب في بلادهم هي فرصة لزيادة قوتهم العسكرية ، وكانوا مقتنعين تماما بالعنف كوسيلة لتخليص بلادهم من الأوروبيين والصهاينة ولذلك قاموا باتصالات مع دبلوماسيين وضباط استخبارات نازيين كانوا قد أُرسلوا إلى لبنان. وقد عرضوا خدماتهم كطابور خامس لألمانيا في فلسطين ولبنان مقابل الحصول على السلاح والذخيرة وسرعان ما بدأت المواد بالتدفق على فلسطين بالسر وكانت غزة واحدة من المداخل الرئيسية حيث كانت الميناء التقليدي الآمن للمهربين.
بعد انضمام ماجد حلبي إلى جماعة الفدائيين السرية في حيفا ، بقي لمدة سنة مع ياسر البيرة حيث عينه البيرة كضابط سياسي للمجموعة وكان عمله هو تدريس ياسر البيرة والضباط الآخرين عن أهم النقاط في النظريات والأفكار السياسية الحديثة ، وكان ياسر في الخامسة والأربعين من العمر وكان لوطيّاً مثله مثل أعضاء المجموعة ( لم يكن هذا أمراً مستهجنا عن المسلمين المتدينين وبالتأكيد كان سلوكا مقبولا ويستمد صوله من أمرين ، أولهما : هي التقاليد القبلية حيث كان الرجال يقضون أسابيع أو شهور بعيدا عن النساء في الصحراء ، والثاني : هو القرآن حيث سمح بل شجع العلاقات الجنسية بين الرجال عن طريق ازدراءه وانتقاده الشديدين للنساء ، ولم يكن ماجد يستغرب الشذوذ ولكنه حتى ذلك الوقت كان يفضل العلاقات الجنسية الطبيعية ، ومع ذلك ولكي يُظهِر اندماجه مع ياسر البيرة والجماعة المقدسة فقد قدًَم نفسه لمتعة الآخرين وسرعان ما بدأ يحصل على متعته من الآخرين ، وسرعان ما بدأ ماجد يُعجب بياسر بسبب أعماله الإرهابية ضد البريطانيين واليهود في حيفا وبدأ يشعر حسب ما قال عزيز غزّاوي أن هيبة واندفاع ياسر وشجاعته سوف تنتقل إليه عن طريق الاتحاد الجنسي.وفي الصباح الباكر لأحد أيام كانون الأول عام 1939 ثبت أن اندفاع ياسر كان غير صحيح على الأقل بالنسبة له ، هبط ماجد ومجموعة من أنصار ياسر على الشاطئ قبل حيفا بعد إبحار ليلة كاملة من صيدا في لبنان بحمولة قارب من البنادق الأوتوماتيكية الألمانية وكان يفترض أن تكون نقطة الوصول مأمَّنة وخالية من أية مفاجئات عن طريق أعضاء المجموعة الذين تُرِكوا في المؤخرة للقيام بذلك ، ولكن تم القبض على هؤلاء قبل ليلتين في حملة عامة قام بها البريطانيون ضد جماعات المقاومة ، ولذلك فقد وصل البيرة ومجموعة صغيرة معه إلى مكان غير محمي ، قفز البيرة إلى الشاطئ بحثا عن جماعته ولكنه شعر بسرعة أن الأمور لا تجري بشكل صحيح ولذلك فقد ركض عائدا إلى القارب حيث ترك المجموعة ولكنه اصطدم بدورية بريطانية ، أمره البريطانيون بالتوقف ولكنه صرخ في المجموعة أن يعودوا إلى البحر وكان عزيز غزّاوي هو قائد المجموعة ، ويتذكر عزيز الموقف :" تراجعنا تاركين ياسر على الشاطئ بعيدا حوالي مائة متر وقد حول انتباه الكشافين البريطانيين عن طريق الهروب منهم ، وقد رأيناهم وهم يطاردونه وقد قادهما إلى الجنوب حوالي كيلومتر بعيدا عنا ، اتجهنا شمالا عائدين إلى لبنان وكان ماجد متوترا حيث كان يريد العودة لمساعدة ياسر ولكن كانت لنا أوامرنا ، وسرعان ما سمعنا صوت إطلاق نار ، لم يكن ذلك صوت Sten بل كان صوت مسدس ياسر ، وفي هذا الوقت كنا بعيدين ولم نر سوى أشباحا صغيرة على الشاطئ ولم نكن نعلم ماذا يجري هناك ، كان هناك المزيد من إطلاق النار وفي هذه المرة كان صوت Sten وقد خفنا من وقوع الأمر الأسوأ". وقد استطاع عزيز غزّاوي الوصول بالقارب إلى المياه اللبنانية حيث تركه ماجد والآخرون في منطقة مهجورة على الشاطئ بجانب صور وقفلوا عائدين إلى حيفا برا ، وعندما وصلوا اكتشفوا أن ياسر البيرة قد قُتل ، ويقول عزيز :" أُصيب ماجد بالصدمة حيث أُصيبت الجماعة بالشلل ، مات ياسر واعتُقل العديد من الآخرين ، ولكن ياسر أعطاني ملاحظة سرية وطلب مني تسليمها إلى ماجد في حالة موته أو اعتقاله ، وكانت أمراً إلى ماجد وقال ياسر في تلك الملاحظة " إذا أحببتني فاحمل اسمي وقضيتي ، اذهب إلى القدس وابحث عن عبد القادر الحسيني وافعل له كما فعلت أنا "".
كان عبد القادر ابن أخ الحاج أمين وكان شابا ، وقد وضعه الحاج أمين في المقاومة كوسيط بين قادة المقاومة الكبار في السن والشباب الذين تلقوا ثقافة أوروبيه والذين انضموا إلى المقاومة . ورغم وجود الأهداف المشتركة للعناصر المختلفة في حركة المقاومة إلا أن الخلافات العائلية والاختلافات الفكرية الصغيرة والمصالح الفردية ومزاجية البعض كلها اجتمعت لينتج عنها درجة كبيرة من الاختلاف في الحركة ، وعندما أُجبر الحاج امين على مغادرة فلسطين بعد أحداث عام 1936 زادت النزاعات مُقسِّمة الحركة إلى جناحين رئيسيين . الجناح الأول : وهو الراديكاليين المحافظين والذين كانوا موالين للحاج آمين ولكنهم لم يطوروا برنامجا أو رؤيا سياسية لفلسطين عند تحقق أهدافهم ، والجناح الثاني : كان الراديكاليين المتطرفين والذين سعوا لتحويل المجتمع الفلسطيني دولة حديثة ومن خلال هذا النهج والثورة يضمنون إقامة الدولة وتطهير فلسطين من شخصيتها الأوروبية والصهيونية.
وبرحيل الحاج أمين وقعت مهمة المحافظة على المقاومة دون انشقاقات على عاتق عبد القادر الحسيني ، والذين يتذكرون عبد القادر يصفونه بأنه شاب ذو مظهر متحفز شرس وذو شجاعة عالية ، وفي أساطير المقاومة العربية وضِع عبد القادر في الصف الأول وفي مرتبة أعلى حتى من الحاج أمين نفسه ، وكان الحسينية قصار القامة وسمان ولكن عبد القادر كلن طويلا ورجلا مثيرا للانطباع وحتى أنه ربما كانت سرعة بديهته العقلية أقوى من مظهره الجسدي ، وخاصة قدرته الكلامية العالية وشجاعته الشخصية ، وكان هذا حسب ما يقوله كمال صندوقه الذي كان مساعدا للحاج أمين هو عبد القادر الذي جاء ماجد لمقابلته في القدس ، ويقول كمال : ( أتذكر ماجد حلبي لأنه كان الشخص الذي جلب أخبار وفاة ياسر البيرة في حيفا ، كان شابا وسيما جدا وبنفس عمر عبد القادر وأتذكر انه أثار انطباعنا جميعاً عندما تكلم الفرنسية بطلاقه وكذلك استطاع أن يتكلم القليل من الألمانية وقد جاء متطوعا للعمل في الحركة وقال إن أقدس رغبة عنده كانت إكمال العمل الذي بدأه ياسر البيرة ، وكان هذا بعد أن بدأت الحرب بين البريطانيين والألمان حيث كنا نواجه صعوبات في تأمين الأسلحة التي كنا نتوقع وصولها لان البريطانيين والفرنسيين كانوا قد أغلقوا الموانئ في وجه السفن الألمانية وقبل ذلك بأسبوعين حاولت غواصة ألمانية تسليم بعض صناديق الألغام الأرضية لُرسِلنا في غزة ، ولكن لم يكن هناك من يفهم اللغة الألمانية ولذلك فان رسائل اللاسلكي لم تحلل وقد قام طاقم الغواصة بتطويف صناديق الألغام على طوافة على مسافة ميل من غزة ولكن عدم القدرة على فهم الرسالة الألمانية حول وقت وتاريخ التسليم أدى إلى عدم القدرة على الحصول على تلك الألغام لذلك فقد وافق عبد القادر على العرض الذي قدّمه ماجد وأمره أن يسافر إلى غزة وأن يجد وظيفة له تؤمن له غطاء ليكون بمنأى عن شكوك البريطانيين ، وان يكون مسئولا عن الاتصالات اللاسلكية مع القوات الألمانية الذين كانوا يرسلون الأسلحة ، ولسوء الحظ أصبح ماجد طموحاً جداً وفي النهاية تجاوز مهمته التي أعطاه إياها عبد القادر" *. وصل ماجد إلى غزة في ربيع عام 1940 واستطاع أن يؤمن عملا كمعلم رياضيات في مدرسة الزيتونة الابتدائية وهناك التقى بأعضاء عائلة القدوة الصغار ، نصر الذي كان صبياً مرِحاً في الثانية عشر من العمر ، وحسين ابن الثامنة الذي دخل المدرسة لتوه ، وعبدالرحمن غريب الأطوار الانعزالي ابن الحادية عشر والذي كان إذا نظر إلى شخص بدا وكأنه يغوص في أعماقه الداخلية ، وقد أثار عبدالرحمن فضول ماجد فوراً وبدا واضحا أنه كان لعبدالرحمن موهبة عالية في أمور الرياضيات ، لقد كانت الرياضيات هي الموضوع الوحيد الذي كان عبدالرحمن متفوقا فيه وبدا وكأنه الموضوع الوحيد الذي يثير اهتمامه ، لقد كان معلمه السابق موفَّقاً ولكنه لم يكن ذو مخيلة واسعة حسب ما اعتقد ماجد ، حيث كان يترك عبدالرحمن لخلوته بدلا من إثارته ، وقد أخبره المعلم عندما قام بجولة معه على الصفوف أن عبدالرحمن كان يتذكر معادلات الجبر بعد نظرة بسيطة إليها وانه كان أكثر الطلبة تفوقا في الصف ولكنه كان شاذا في طباعه ويصعب الوصول إليه وقد تأكد ماجد من ذلك بعد أول مواجهه له في الصف مع عبدالرحمن ولكنه صمم أن يُجري تواصلا من نوع ما مع الصبي.
تصميم ماجد توجه ليس إلى انعزالية عبدالرحمن أو موهبته الواضحة في الرياضيات ولكن في الشبه الذي حمله عبدالرحمن للمرحوم ياسر البيرة ، قد يكون عبدالرحمن ابنا لياسر البيرة ، فكر ماجد في بداية الأمر ، ولكن الشبه كان أكبر من ذلك ، ولكن قرر أن عبدالرحمن القدوة الحسيني بدا تماما مثلما بدا ياسر عندما كان طفلا ، وبالإضافة إلى انبهاره بعبدالرحمن أُصيب ماجد بالفضول لان عبدالرحمن وإخوته كانوا يحملون اسم الحسيني, وفي مقابلاته مع عبد القادر والآخرين في القدس لم يخبره احد انه كان هناك حسينية في غزة ، وقد قام بالاستيضاح عن الأمر ودُهش حين علم أن عبد الرءوف القدوة متزوج من امرأة من عائلة الحسيني وان عبدالرحمن وإخوته كانوا من أقرباء عبد القادر من الدرجة الثالثة لعبد القادر Third Cousins of Abdelqader ، مثلما هم بنفس القرابة البعيدة للحاج أمين ، وقد تضاعفت دهشته بشكل كبير حين علم أن والد عبدالرحمن كان مرتبطا بالسر مع المقاومة . وقبل عودته إلى غزة بسنه وجد عبد الرءوف أن المناخ السياسي في غزة قد تغير بشكل كبير لصالحه. إن ازدهار أعماله معناه انه تم نسيان الماضي وانه موضع ترحيب مرة أخرى هناك ، وفور وصوله باشر بالإعداد للمهمة التي كلفه بها حسن البنا في القاهرة وهي إنشاء خلية للإخوان المسلمين في غزة وربطها مع عناصر المقاومة الفلسطينية التي كان يقودها من القدس عبد القادر ، وكان الجزء الأول أسهل من الجزء الثاني ، وكما في باقي أجزاء فلسطين فان المقاومة كان فيها بعض النزاعات ولكنها بشكل أو بآخر مرتبطة بالحاج أمين وجماعته ، ولكن فئة قليلة كانت تتبع الفرع الراديكالي الذي يتلقى توجيهاته من الجناح اليساري للحركة الناشئة في سوريا والتي كانت تسمى "البعثيين" ، والبعثيين كانوا جماعة اشتراكية ثورية أسسها شابان سوريان تعلما في باريس وهما ميشيل عفلق وصلاح بيطار ، وكان هدفهم هو توظيف الأساليب الثورية الأوروبية لتحرير سوريا من الانتداب الفرنسي وإعادتها إلى شعبها كدولة اشتراكية عربية حرة ، وتشكلت فلسفتهم في باريس في أعوام الثلاثينيات ونمت نتيجة لتعمقهم في دراسة الأدب القومي الاشتراكي الأوروبي وشعروا أنهم توصلوا إلى السباب الفشل وقِدَم أساليب الصراع العربي في سبيل الاستقلال . إن الاندفاع نحو التحرر القومي لا يمكن أن يرتكز على أسس دينية - كما كان الحال مع القادة الدينيين كالحاج أمين الذي كان يملي سياسته في القدس – بل على أسس عرقية اجتماعية ، ولحقيقة كون وجود جماعات غير متوافقة من جماعات دينية متنافسة ، مسلمين وغير مسلمين ، وإذا تم وضع أسس دينية لحركة التحرر القومي فان ذلك سيؤدي إلى فُرقة وفشل ، إن الحركة الثورية الاشتراكية على النمط الأوروبي سوف تنجح إذا طرحت الوحدة السياسية عن طريق الأطروحات ذات الطابع العرقي والهوية الثقافية والتضامن ، أُطروحات تتجاوز الخلافات الدينية ، وطرح هذا المبدأ كما أصر عفلق والبيطار سوف يكون المفتاح لنجاح السوريين في الحصول على حق تقرير المصير القومي ، والمفتاح للهوية السياسية السورية لن يكون عن طريق الهوية الدينية للناس بل عن طريق عروبتهم المشتركة. ويجب على الحركة الوطنية السورية أن تتحول من البواعث الدينية إلى وحدة ذات هوية عرقية – الوحدة العربية - ، ومن هذا الإحساس بالوحدة سوف ينتج كيان سياسي قومي يستمد قوته من الإيمان بالمصير السياسي العربي بدلا من الإسلامي ولذلك سوف يكون قادرا على تحقيق أهدافه القومية .
عند عودتهم إلى سوريا في عام 1940 بدءوا بنشر تعاليمهم في دمشق لفترة قصيرة ولكنهم فيما بعد نقلوا نشاطهم إلى الجامعة الأمريكية في بيروت ، والتي كانت مركز تجمع اليساريين المثقفين العرب ، والتي أصبحت فيما بعد الحاضنة للأفكار القومية العربية ، وهناك بشروا بالمبادئ البعثية الوطنية ، وعندما تقدمت الحرب العالمية الثانية وتحولت الحركة القومية اليافعة إلى حزب منظم ، ولان فلسطين كانت تعتبر جزء لا يتجزأ من سوريا ولأن الفلسطينيين اعتبروا أنفسهم سوريين فقد وجدت الأفكار البعثية حظوة كبير لديهم بين الكثير من المثقفين العائدين إلى فلسطين من الخارج،حيث رأوا منطقا في تفسير البعثيين لفشل العرب في تقرير مصيرهم وإيجاد الحل المناسب ، ولان سيناريو البعثيين كان ذو تأثير في سوريا فانه سوف يتأثر بنفس القدر في فلسطين في صراعهم للتخلص من والقضاء على القضية الصهيونية على الأرض والفوز بالسيادة العربية هناك ، ولكن الالتزام للعبثيين أو الأحزاب الأخرى كان يتطلب نبذ الالتزام لنواحي الحياة الدينية العربية ، وبالتالي سوف يقضي على سلطة الحاج أمين والقادة الدينيين الآخرين ، ومثل هذا الالتزام كان يتناقض مع قرون طويلة من الالتزام العربي العميق واتجاهاتهم وغرائزهم ، ونتيجة لذلك فا ن الحماس للأفكار الاشتراكية في فلسطين كان يتقدم ببطء ، وكان يهم جماعة الحاج أمين أن لا يروا أي تقدم في ذلك الاتجاه ، ولذلك فقد امضوا الكثير من الوقت في أوائل الأربعينيات يصارعون من اجل مواجهة تهديد الاشتراكيين العرب لسلطتهم الدينية مثلما كانوا يواجهون الصهاينة والبريطانيين . في غزة بالذات فإنهم أحبطوا ظهور دعوة الاشتراكيين ولذلك فقد بقيت غزة أرضية خصبة للأحلام الوطنية المبنية على المبادئ الدينية المحضة ، وعندما عاد عبد الرءوف القدوة إلى غزة وجد أن المدينة وضواحيها متراصّة ومنظمة جيدا لجماعات الحاج أمين ، بعض هذه المجموعات كانت تنفذ أعمال ذات طابع مدني وأخرى مجموعات كانت ذات طابع شبه عسكري تنفذ أعمالاً فدائية ولكن المجموعة الكبرى من هذه المجموعات كانت موالية للجنة العربية العليا والمجلس الإسلامي الأعلى .
أصبحت العضوية في حركة الحاج أمين مسألة شرف ومكانه بين معظم المواطنين البارزين في غزة ، ولكن كان هناك من بقوا دائما خارج الدائرة ، وذلك لان هؤلاء رأوا أن جماعة الحاج أمين لم يكونوا ملتزمين دينيا بما فيه الكفاية ، وبين هؤلاء بدأ عبد الرءوف دعوته لتجنيد أنصار للإخوان ، وقبل ذلك شكل منظمة من ثلاثين شخصا التزموا بأفكار حسن البنا وقضوا معظم الوقت في إدارة نقاشات ولم يحققوا الكثير في مجال العمل ، ولم يكن سبب ذلك نقص الرغبة في العمل ولكنه كان عائدا إلى نقص في الأسلحة القتالية ، لأن الأسلحة الموعودة من مصر لم تصل ، وقامت الاستخبارات البريطانية بمصادرتها على الطريق . وفي النهاية قرر عبد الرءوف أن يطلب من جماعة الحاج أمين أسلحة وسوف يستغل الفرصة لعمل صلات معهم ، وقد رأى نفسه المحرك الرئيسي للتعاون والعمل المشترك بين الإخوان وجماعة الحاج أمين. سافر عبد الرءوف إلى القدس باحثا عن صهره محمد الحسيني وعن طريقة حصل على مقابلة مع عبد القادر الحسيني ، ولأنه كان يحب أن يسمع ويعرف المزيد عن الإخوان فقد استمع عبد القادر إلى اقتراح عبد الرءوف للشراكة مع العديد من مستشاريه ، وفي نهاية حديثه رفض المستشارون عرض عبد الرءوف وذكّر احدهم عبد القادر بتعامل عبد الرءوف مع اليهود في العشرينات، وقد احتج عبد الرءوف وقال إنها غلطة وقد دفع ثمنها كما أن الحاج أمين قد عفا عنه قبل سبع سنوات ، وقد أثار مستشار آخر قضية مقتل يوسف الأكبر في القاهرة ، واستجوبه آخر عما إذا كانت فلسفة الإخوان متطرفة جدا ، واقترح رابع فرضية أن الإخوان قد يكونون غطاءً للاشتراكيين الراديكاليين الذين كانوا يسعون إلى السيطرة في غزة وبالتالي القضاء على سلطة الحاج أمين هناك. وقد واجه عبد الرءوف وقتا عصيبا وهو يواجه هذه الاعتراضات . نظر إليه عبد القادر بتمعن لفترة ثم توصل إلى قراره ، حيث قال : أنه لا يثق بعبد الرءوف رغم عفو المفتي عنه ورغم ذلك فسوف يستشير الحاج أمين وحالما يوافق المفتي فان عبد القادر سوف يتعاون مع عبد الرءوف وكشرط للموافقة يجب على عبد الرءوف أن يحل خلية الإخوان في غزة ويضم جماعته إلى واحدة من منظمات الحاج أمين في غزة. وقد رفض عبد الرءوف لأن الانضمام لعبد القادر سوف يعني خسارة كبيرة لعبد الرءوف عند حسن البنا وكذلك عند الحال عند الذين جندهم للإخوان ، وقد عاد إلى غزة خالي الوفاض مُشيعاً أن عبد القادر الحسيني يخون مبادئ وتعليمات الحاج أمين ، وما لم يكن عبد الرءوف يعلمه أن عبد القادر كان على علم باتصالات الحاج أمين مع النازيين ولكنه لم يكن يقرها تماما وعندما حصل على سيطرة تامة على المقاومة الفلسطينية في غياب الحاج أمين كان عبد القادر مصمماً على المحافظة على المقاومة الفلسطينية بعيدة عن أي تبعية للنازيين ، لقد كان يعلم بعداء النازية لليهود في أوروبا وقد أدرك أن تحالف الفلسطينيين مع النازيين في مسألة الحل النهائي للمسألة اليهودية سوف يقود في نهاية الحرب إلى ضعف الموقف العربي وتعاطف أوروبا مع اليهود الصهاينة.
وقد استمر عبد الرءوف في تجنيد أنصار جدد لجماعة الإخوان المسلمين وكان ابنه بدر ساعده الأيمن في ذلك ، وفي عام 1941 وبينما كان يستغل انتقاده لعبد القادر الحسيني لاجتذاب مزيد من الأنصار نجح عبد الرءوف في تحويل ناشطين من جماعة الحاج أمين الحسيني الذين كانوا غير راضين عن قيادة عبد القادر ، نجح في تحويلهم إلى جماعة الإخوان المسلمين وعندما وصل الخبر إلى عبد القادر في القدس ، قام رسول خاص من طرف عبد القادر بزيارة عبد الرءوف في غزة.

التحول ... ياسر

لقد كان الرسول ماجد حلبي معلم الرياضيات وعامل اللاسلكي السري للحاج أمين ، مضى على وصول ماجد إلى غزة حوالي سنة ، ولكنه أُصيب بالملل من العمل على إشارات اللاسلكي ، لم يقم بعمل اتصالات مع القوات الألمانية التي تُسلِّم الأسلحة لحركة المقاومة ، لقد تركَّزت كل طاقات وموارد الألمان على شمال إفريقيا وفي العراق الغنية بالنفط حيث كان الحاج أمين هناك يحاول إخراج الحكومة التابعة لبريطانيا وإقامة حكومة موالية لبرلين ، وقد توجه ماجد إلى القدس طالبا مهمة أخرى مع جماعة الحاج أمين وأثناء لقاءه مع أحد ضباط عبد القادر الحسيني وكان حسينيا أيضا ذكر بشكل عابر انه يُدرِّس العديد من أولاد الحسيني في غزة وسأل عن طبيعة العلاقة التي تربط هؤلاء مع حسينية القدس ، ولم يمض وقت طويل حتى عرف الملازم عمن كان يتحدث ماجد . وفي نفس الوقت وصل نبأ إلى القدس يفيد أن عبد الرءوف لم يعص أوامر عبد القادر في حل خلية الإخوان المسلمين فقط ولكنه أيضا استطاع أن يستميل مجموعة من جماعة الحاج أمين الحسيني . وقام الملازم بإيصال خبر أن ماجد يدرِّس أبناء عبد الرءوف فطلب عبد القادر الاجتماع فورا بماجد حلبي ، حيث أمره أن يعود إلى غزة ويسلم إنذاراً إلى عبد الرءوف أنه إذا لم يحل عبد الرءوف خلية الإخوان وإذا لم يتوقف عن محاولة استمالة جماعة الحاج أمين في غزة فانه سوف يُقتل ، ولم يكلف ماجد فقط بتسليم الإنذار ولكن أيضا بضمان تطبيقه وفرضه ، وكانت مهمته السيطرة على مجموعة عبد الرءوف ودمجها في مجموعات المقاومة التابعة للحاج أمين ، وعند عودته إلى غزة في شهر أيار عام 1941 رتب ماجد لزيارة عبد الرءوف في مكتبه الذي يقع بجانب دوار فلسطين بحجة مناقشة تحصيل عبدالرحمن ، وفي السنة التي كان فيها معلما لعبدالرحمن استطاع ماجد أن يُخرِج الصبي قليلا من عزلته ، وبعد أن تعرّف عليه في السنة الماضية بدأ يفكر به بينه وبين نفسه على أن الصبي هو ياسر الصغير ، وأصبح الاسم راسخا في عقله ، وفي أحد الأيام طلب من عبدالرحمن أن يجيب عن سؤال في الصف ، ناداه باسم " ياسر الصغير " وكما يذكر نصر " أُصيب عبدالرحمن بالإرباك ولم يعرف أن أستاذه كان يقصده بهذا الاسم ، ثم تكررت المسألة عدة مرات وكان الأولاد في الصف مسرورين لأنهم وجدوا شيئا جديدا يُعيِّرون عبدالرحمن به ، ثم صاروا جميعا ينادونه بياسر الصغير وكانوا ينادونه بهذا الاسم بطريقة ساخرة ، وبالطبع فإن عبدالرحمن كره هذا الاسم كثيرا لدرجة أنه إذا ناداه به ماجد كان يستدير ويبدأ بالنظر والتحديق خارج النافذة " . وعندما علم ماجد أن أقران عبدالرحمن كانوا يستخدمون الاسم من أجل السخرية منه ، لذلك حضر إلى الصف من اجل تقريعهم ، ولكنه لم يشأ أن يكشف علاقته مع المقاومة " لأنه كان يعرف أنه ربما يكون لأحد الأولاد أب يعمل مع البريطانيين " لذلك فانه أخبرهم انه كان ينادي عبدالرحمن باسم ياسر الصغير للشبه الشديد بينه وبين بطل عربي عظيم يُسمى ياسر البيرة الذي سوف تقرءون عنه عندما تكبرون ،وقال ماجد : انه رأى صورة البطل العظيم ، وكان متأكدا أن عبدالرحمن القدوة الحسيني سوف يبدو مثل ياسر عندما يكبر ، وبشكله الذي يشبه ياسر البيرة فإن عبدالرحمن لا بد أنه خُلِق لأمر عظيم عندما يكبر ، وبهذا المنطق وجَّه ماجد الصف وطلب منهم أن ينظروا إلى عبدالرحمن نظرة جديدة ، وكما يتذكر نصر قال ماجد : "أبطالنا العظماء كانوا انعزاليين وغريبي الأطوار ولكننا لا نقدرهم لذلك ، ومحمد نفسه(النبي) كان انطوائيا ولو كان محمد طالبا في هذا الصف كنتم ستضطهدونه بالتأكيد بكل بساطة لأنه لا يشبه احد منكم ".
اثأر هذا الكلام انطباعاً جديداً في الصف وبالتالي اختلفت معاملة الطلاب لعبدالرحمن ، ولكن لم يتأثر أحد من هذه المقارنة مثل عبدالرحمن نفسه ، وكونه كان يتلقى الرعاية من يوسف الأكبر وهو صغير على خلفية أسطورة النبي فقد بدأ يستجيب لماجد ويتمتع عند مناداته بياسر الصغير ولم يكن يبالي عندما أسقط الاطفال كلمة الصغير وصاروا ينادونه ياسر بدلاً من عبدالرحمن ، ولم يعترض عندما ناداه طلاب الصف " محمد " وأصبحت الألقاب توجه له باحترام بدل الاستهزاء.ولهذا فان عبدالرحمن أو ياسر – كما سوف نسميه من الآن فصاعدا – أدرك أن الشخص الوحيد الجدير بالاحترام هو معلمه ماجد ، وعندما عاد ماجد من القدس إلى غزة ليبلغ إنذار عبد القادر إلى عبد الرءوف كان قد اكتسب ثقة ياسر ، وقبل ذلك بفترة قصيرة كان عبد الرءوف مصمما لمعرفة سبب مناداة وتسمية ابنه بياسر من قبل إخوانه وطلاب صفه وسأل زيد عن ذلك ويقول زيد : " كنت أنا الذي حدَّثت أبي عن سبب تسمية عبدالرحمن بياسر من قِبل المعلم بسبب شبهه بالبطل العربي العظيم ياسر البيرة ، وقد أُصيب أبي بالإرباك وقال انه لم يسمع بمثل هذا البطل من قبل " . كان عبد الرءوف قد سمع بياسر البيرة قائد مجموعة المقاومة التابعة للحاج أمين في حيفا ، ولذلك كان ينتظر زيارة من معلم ابنه وعندما وصل ماجد تبادل الاثنان التحيات بأدب ، حيث امتدح ماجد ابن عبد الرءوف( وكان حريصا أن يذكر الصبي باسمه الحقيقي أمام أبيه ) لتميزه في الرياضيات وقد شرح لأبيه أن ابنه يتمتع بذاكرة تصويرية وأنها لسوء الحظ كما يحدث غالبا عند الاطفال تبدأ هذه الذاكرة بالتلاشي مع نمو الطفل وفي تفسيره للظاهرة دفعه ماجد لإدراك أن عبقرية عبدالرحمن الدينية كانت تُعزى إلى قدرات الذاكرة العالية عند عبدالرحمن ، وقد استفسر عبد الرءوف عن لقب عبدالرحمن الجديد لأنه تم إخباره أن الاسم أُعطي له من قبل ماجد لأن له علاقة بشخص يدعى ياسر البيرة مفترضا أنه شخصية تاريخية عظيمة ، واستشف ماجد من نغمة عبد الرءوف أنه لم يحبذ اللقب الذي أُعطي لابنه وانه يشك في صدق ما رواه ماجد للطلاب ، إلا انه كانت له مهمة من عبد القادر الحسيني ولم يكن هناك جدوى من إخفاء أسباب حديثه عن ياسر البيرة بالطريقة التي رواها ، وقال عبد الرءوف مستنتجا " أنت عضو في حركة التحرير إذن " حيث كان ينظر إلى ماجد كعضو متوقع في خلية الإخوان ، وأومأ المعلم برأسه قائلا إن سبب حضوره إلى عبد الرءوف له علاقة بعمل الحركة " آه " قال عبد الرءوف ، واستطرد ماجد مفسرا أن مهمته غير السارة كانت تبليغ إنذار من عبد القادر حول أنشطة عبد الرءوف ، غضب عبد الرءوف ونعت عبد القادر بصوت عال انه خائن لمبادئ الحاج أمين ، استهجن ماجد لأنه ليس من حقه أن يُصدِر مثل هذه الأحكام ، كان ماجد من أتباع الحاج أمين وكان يعمل تحت إمرته ، وإذا كان الحاج أمين قد سلم الحركة بثقة إلى عبد القادر فالأحرى به أن يُنفذ أوامر عبد القادر ، واستطرد ماجد قائلا : انه لا يتمنى الأذى لعبد الرءوف وخاصة أنه والد أكثر الطلاب تميزا وبروزا إلا أن الولاء للحركة أولاً .
ولكن عبد الرءوف واجه ماجد بالإطراء وحسب ما قاله زيد فان أبيه وجد نقطة ضعف في المعلم الشاب ، لقد أحس أن ماجد وبالرغم من المهمة الموكلة له من عبد القادر كان تابعا أكثر منه قائدا وانه يمكن إغوائه للابتعاد عن عبد القادر عن طريق اللياقة والمساومة والتي يدعي زيد أن أباه كان عنده فائض منهما .
قال له عبد الرءوف : اسمع انك شاب مُضلَّل وحتى أن ذكرى بطلك ياسر البيرة قد خانها جماعة عبد القادر ، من ناحية ، الحاج أمين موجود في العراق يساعد الألمان الذين هم أفضل أصدقائنا لأنهم عرَّفونا بطبيعة اليهود وكيفية التعامل معهم ومن ناحية أخرى فإن عبد القادر في القدس يرفض إطلاعنا على بيانات الحاج أمين التي تطالبنا بدعم الألمان ولذلك فإن الألمان يرفضون إعطاء إي منا السلاح لأنهم يعتقدون أن عبد القادر يمثلنا جميعا ، وياسر البيرة الذي كان احد أتباع الحاج أمين واستطيع آن أقول انه تمت خيانته من عبد القادر أعرف كيف مات واستطيع أن أقول أن زملاءه مُنعوا من تأمين ذلك الشاطئ الذي هبطوا عليه لأنهم قد سُلموا بالسر إلى البريطانيين عن طريق مخبرين يعملون تحت إمرة عبد القادر في حيفا ، وقد أراد عبد القادر موت ياسر البيرة لأنه كان يشكل خطرا عليه ، لأنه كان يشتكي من الطريقة التي افسد بها عبد القادر مبادئ الحاج أمين واستطرد عبد الرءوف : أنا فخور لأنك تنظر إلى ابني كياسر البيرة ولكني أكون أكثر فخرا إذا فهمت أن ياسر كان من أتباع الحاج أمين وانه كان يعمل ضد عبد القادر الحسيني ، وإذا بقيت تضع ثقتك في عبد القادر فإني لن اسمح لك أن تسمي ابني ياسر ، لان ذلك يدل على غباء, لأنك لا تدرك أن ذلك يفسد ذكرى ياسر البيرة . لقد أراد ماجد أن يعرف كيف عرف عبد الرءوف كل ذلك ؟ لقد كان ماجد مقربا إلى ياسر وكان هناك على الشاطئ يوم مقتل ياسر البيرة وكان ما يزال يحمل الملاحظة التي تركها له ياسر حيث سحبها ماجد من جيبه بحذر وكان يحملها معه أينما ذهب ، قال لعبد الرءوف : انظر إلى الملاحظة واقرأ ماذا تقول " تابع قضيتي اذهب إلى القدس وابحث عن عبد القادر الحسيني واعمل معه كما عملت ".
قرأ عبد الرءوف الملاحظة ثم نظر إلى ماجد بطريقة مثيرة للشفقة ،وقد اتهم ماجد أنه أعمى وادعى أن المعلم كان يخدع نفسه ، لان الملاحظة لم تكن أمرا بالذهاب إلى القدس والالتحاق بعبد القادر إنما كانت أمراً لمنع عبد القادر من إحداث المزيد من الضرر لحركة الحاج أمين والتي كان ياسر مواليا ومدافعا عنها ، وإذا لم يكن الأمر كذلك لماذا لم يرسل عبد القادر ماجد إلى حيفا لإحياء منظمة ياسر ؟ ولماذا قام بإرساله بدلا من ذلك إلى غزة ليجلس بجانب اللاسلكي بلا عمل ؟ السبب هو إبعاد ماجد عن الطريق والأمر الآخر لماذا اختار عبد القادر ماجد ليوصل الإنذار إلى عبد الرءوف وجماعة الإخوان ؟إن الإجابة بسيطة لان عبد القادر عرف أن حامل مثل هذا الإنذار سوف يُقتل من قبل الإخوان وان المسألة برمتها كانت مدبرة عن طريق عبد القادر للتخلص من ماجد . وحسب ما يقوله إبراهيم رشيدية وهو عجوز غزاوي كان في حينها عضوا في خلية الإخوان التي أسسها عبد الرءوف أن ماجد خضع لعواطف الحوار وقوة منطق عبد الرءوف ، ويتذكر إبراهيم " كان ماجد شابا سريع التأثر وقد لعب عبد الرءوف بعواطفه بكل ذكاء وقد زرع في دماغه كل الاحتمالات الممكنة ، وقد اثبت عبد الرءوف لماجد أن جماعة عبد القادر لم يكونوا مهتمين بعمله في حركتهم ولكنهم كانوا يستغلونه لتنفيذ بعض السياسات الداخلية وقد أثبت من خلال جدله لماجد أن ماجد قد اعتُبر غير نافع في محاربة الصهيونية ، ولكنه كان نافعا لمحاربة العرب المخالفين لعبد القادر ، وقد اقنع ماجد بالإهانات التي لحقته ، وعندما أنجز عبد الرءوف هذا الأمر كان سهلا عليه أن يكسبه لجماعة الإخوان " . وقد رسم عبد الرءوف صورة مشرقة لجماعة الإخوان وأن كميات كبيرة من الأسلحة سوف تصل قريبا من مصر"وسواء كان كاذبا أو صادقا فهو أمر غير مؤكد ! ويعتقد رشيدية أن عبد الرءوف ذهب في رحلة إلى القاهرة وقد حصل على وعد من حسن البنا للقيام بمحاولة أخرى لإرسال الأسلحة إلى غزة " وعندما يحصلون على الأسلحة فإن خلية الإخوان ستكون قادرة على تنفيذ مهمتين أساسيتين ، أولهما : توسيع عضوية الإخوان والتي يقاوم الغزيون الانضمام إليها لأنهم وجدوا أن معتقدات الجماعة الدينية غير مثيرة ، وعندما تنفذ عملها فإنهم سيندفعون للانضمام إليها عند رؤيتهم لقوتها العسكرية، وعندما يتم تسليحها فان مهمتها الثانية ستكون : قيادة عمليات فدائية مكثفة ضد الصهاينة وهذا سيساعد في زيادة أعضائها .
منذ بداية الحرب نمت كل مجموعات المقاومة الأخرى بهدوء ولكن العمل الفدائي تضاءل نهائيا وهذا كما أصر عبد الرءوف كان نتيجة لاتفاق سري بين عبد القادر والبريطانيين لوقف المقاومة العربية في فلسطين في فترة الحرب حتى يستطيع البريطانيون أن يركزوا على دفاعهم عن ممتلكاتهم في الشرق الأوسط ضد دول المحور ، ومقابل ذلك وعدت بريطانيا بإعطاء فلسطين الاستقلال مع نهاية الحرب وتنصيب عبد القادر حاكما عليها ، ويقول رشيدية : إن هذا كان اعتقادا سائداً وقد سمعنا عن هذا الاتفاق من العديد من الأشخاص الذين انضموا إلينا من جماعة عبد القادر في خان يونس ، وأحدهم كان له عم مقرب من حاشية عبد القادر في القدس أخبره أنه سمع بهذه الاتفاقات عندما كان في القدس وأستطيع القول أن عبد الرءوف صدّق ذلك بشكل جازم وأصبح متطرفا ضد الصهاينة ويصدق آي شيء يشير إلى سلبيات عبد القادر ". وقد وضَّح عبد الرءوف لماجد أن واجب الأخوان الوحيد هو الاستمرار في تنفيذ تعليمات الحاج أمين والوقوف في وجه خيانة عبد القادر . كان عبد القادر يبحث عن مكاسب سياسية عند البريطانيين ، ولكن وعود البريطانيين للعرب كان معروفا عنها عدم التنفيذ ويشهد بذلك عام 1917، ويضيف عبد الرءوف أن خطة البريطانيين الحقيقية كانت كبح جماح المقاومة العربية حتى يستطيع الصهاينة استغلال الحرب لزيادة قوتهم في فلسطين ،وفي نهاية الحرب تُسلَّم فلسطين لليهود ، والطريقة الوحيدة لمنع ذلك كانت تغلب الإخوان على عبد القادر وإعلان الجهاد المقدس ضد اليهود ، وبذلك فإن الفتور الذي اعترى حركة المقاومة نتيجة مكائد عبد القادر سوف يتحول إلى صراع مقدس والذي كان السمة الأساسية للمقاومة أثناء ترؤس الحاج أمين لها ، وكما يذكر إبراهيم رشيدية فان محاولات الإقناع التي قام بها عبد الرءوف استغرقت عدة أيام وبالرغم من أن ماجد اقتنع بمزاعم عبد الرءوف حول جماعة عبد القادر إلا انه ليس من الحكمة الانضمام لحركة الإخوان بقيادة عبد الرءوف ويقول رشيدية : " وفيما بعد تنكّر ماجد لتعليماته ، وقد عرف ماجد أن سلوكه سوف يقوده لمتاعب مع عبد القادر إذا وصل إليه الخبر في القدس وانه سيصدر أمراً إلى شخص آخر في غزة للبحث عنه وقتله جزاءً له ، وبالطبع كان بإمكانه ببساطة العودة إلى القدس والتبليغ أنه لم يستطيع إجبار عبد الرءوف على حل خليته وأن حركة الإخوان قد أصبحت منظمة قوية بحيث لا يستطيع مقاومتها وحده ، وأنا اعرف انه فكر بهذا على أمل أن يوكل له عبد القادر عملا آخر بعيدا عن غزة ، ولكن عبد الرءوف أقنعه بان هذا حماقة ، وأخبره انه إذا انضم إلى الإخوان فانه سيكون محميا ، وقد قوى حجته عليه عن طريق مخاطبة غرائزه للمقاومة وقال له إن رجلا كان مقربا من ياسر البيرة لا يجب أن يدع خبرته ورغباته تذهب هباء وقد وعده عبد الرءوف أن يجعله قائداً للفدائيين حال وصول السلاح من مصر ، وقال إن ماجد سوف ينظِّم قوات مقاتلة للإخوان بنفس أسلوب ياسر البيرة وسوف يدرب هذه القوات ثم يصبح قائدا لها ، وبهذه الطريقة يستطيع ماجد حماية نفسه من جماعة عبد القادر وحين تصبح حركتنا قوية في غزة فإننا سوف نشجب عبد القادر علناً أو نغتاله إذا اقتضت الضرورة ، ونتابع القتال ضد اليهود حتى عودة المفتي ". وفي النهاية خضع ماجد لتزلفات عبد الرءوف وفي حزيران عام 1941 اُدخل ماجد سراً إلى خلية الإخوان المسلمين ، ولكن بقي هناك سؤال حول المهمات التي سيقوم بها حتى وصول السلاح من مصر ، وكان جواب عبد الرءوف حاضراً ، لقد كان من الضروري للفدائيين الإخوان في غزة أن يكونوا منظمين ومدربين وان يكونوا من العنصر الشبابي ، لقد كان معظم عناصر الإخوان المسلمين من الرجال في الأربعينيات والخمسينيات من أعمارهم وكانوا كبارا على مواجهة متاعب حرب الفدائيين طويلة الأمد ، والشباب كانوا فقط بدر بن عبد الرءوف ومعه حفنه من أصدقاءه وكلهم كانوا في بداية العشرينات ، والشيء المهم الآن كان ضم المزيد من الشباب إلى حركة الإخوان، طلاب مراهقين من مدارس غزة الذين سوف يوسعون العمل الفدائي عندما يأتي الوقت للبدء به، وبفضل اندفاعهم وشجاعتهم الطبيعية يجب أن يُعبأوا ليكونوا جنود خط المواجهة في حركة الإخوان ضد الصهاينة ،" يجب أن نضمهم قبل أن يضمهم جماعة عبد القادر ونحولهم إلى أدوات طيعة سهلة الانقياد " وليظهر قناعته قدر المستطاع أخبر عبد الرءوف ماجد أن بإمكانه البدء مع أبناءه، لقد كان زيد في السادسة عشر من عمره ، ورغم انه بدأ يُظهر فضولا بعمل أبيه السرِّي إلا انه كان كسولا وتنقصه الدافعية الشخصية الموجودة عند أخيه الأكبر بدر ، ونصر كان في الرابعة عشرة من عمره، كان شجاعا ولكنه كان لاهيا ، ولا يدرك إلا القليل عن خطورة المستقبل إذا ما سيطر اليهود على البلاد وأخيرا عبدالرحمن أو " ياسر الصغير " كان على وشك الدخول في سن الثانية عشرة من عمره وكان مصدر قلق دائم لأبيه ، وقد لُوث دماغه في القاهرة بواسطة العجوز الخرف يوسف الأكبر الحسيني ، وقد وضَّح عبد الرءوف أن الصبي كان يشكل محنه له ، كان عديم الاحترام انطوائيا ، ومخنثا ، ويتذكر رشيدية " في الواقع إن عبد الرءوف توسَّل إلى ماجد ليكرس اهتماما خاصا لعبدالرحمن ، وقد أوكل لماجد مهمة تحويل جميع أبناءه حتى حسين الصغير لخدمة حركة الإخوان وفي نفس الوقت كان يتوقع منه أن يستغل وضعه ونفوذه كمعلم مدرسة ليستقطب الأولاد الآخرين ، وحتى أُلئك الأولاد الذين ما زال آباءهم أتباعا مخلصين لحركة عبد القادر.

كمين في غزة

لقد كان قرار ماجد حلبي بالانضمام إلى الإخوان المسلمين وتنفيذ رغبات عبد الرءوف القدوة هو الذي جعل حركة الإخوان المسلمين تحتل مكان الصدارة في حركة المقاومة العربية في غزة ، والأهم من ذلك أن القرار في الكثير من جوانبه كان مسؤولا عن خلق ياسر عرفات الذي نعرفه اليوم.
أخذ ماجد طلب عبد الرءوف لتجنيد أولاد مدرسة الزيتونة مع الإخوان المسلمين على محمل الجد وتابع المهمة بشكل حثيث حتى جاءه نبأ في أحد أيام خريف عام 1941 أن خبراً وصل إلى القدس عن طريق أب أحد الطلاب عما كان يفعله وأن حياته في خطر ، وبمباركة من عبد الرءوف استقال ماجد من المدرسة تاركا العلم عند الجميع أنه رحل من غزة, وبدل الرحيل من غزة فانه سكن بشكل سري في أحد بيوت عبد الرءوف التي تقع في ضواحي المدينة ، وكان عبد الرءوف يدفع له راتبا قليلا وطلب منه أن يظل مختبئا حتى تصل شحنات الأسلحة التي طال انتظار وصولها من القاهرة ، وفي أثناء ذلك كان يقوم بالعمل على تحويل أبناء عبد الرءوف إلى أعضاء مخلصين في الإخوان حتى يكونوا مثالا للشباب المتحمس عندما تأتي الأسلحة ويبدأ العمل الفدائي المُنظَّم.
ورغم أن ماجد كان إخوانياً بالكامل إلا أنه كان مهتما بشكل سطحي فقط بالأمور الدينية الخاصة بالإخوان / وما استحوذ على اهتمامه حسب ما يقول زيد كان نزاعاتها الفكرية والعقلانية الرومانسية والسياسية والعسكرية ، ويقول إبراهيم رشيدية :" حالما أصبح الخطر واقعا في حياته أصبح ماجد أكثر تطرفا من عبد الرءوف ولكن تطرفه كان موجها إلى المواضيع العسكرية أكثر منه إلى الأمور الدينية ، حيث أخذ على عاتقه قراءة الأدب الحربي والفتوحات الإسلامية التي حدثت قبل ألف عام ، وقد أمضى ساعات طويلة يُدرِّس المعارك العسكرية العظيمة وسرعان ما أصبح خبيرا بشؤون العرب الحربية القديمة ، وأنا اعرف ذلك لأني كنت المُكلَّف بالبحث عن كتب له ، وقد أقسم لي في احد الأيام انه حاما يستطيع تنظيم قوات مسلحة للإخوان فانه يعتزم جعلها على نفس منوال الجيوش القديمة مثل جيش أبو مسلم الخراساني وخالد وعمر ثم يقوم بطرد اليهود والبريطانيين من فلسطين " .
وفي كل يوم بعد المدرسة كان زيد ونصر وياسر وحتى حسين ابن الثماني سنوات كانوا يتوجهون إلى مخبأ ماجد لتعلم مبادئ العمل الفدائي الإخواني ، وكان أول دروسهم هو السرية المطلقة ، حيث كان ماجد صريحا معهم وأخبرهم أن حياته في خطر لأنه إذا كشف أحدهم مخبأه فانه سوف يُقتل بالتأكيد ، وأنه لا يحب الخوض في نقاشات مع أحد حول المواضيع التي يتعلمونها عند ماجد إلا مع أبيهم ولا يحب أن يعرف بها أحد حتى لو كانت أمهم.
ولإخفاء علاقته بالأولاد فقد وضع لنفسه اسما حركيا, ومن ذلك الوقت وما تلاه عندما كان الأولاد يتحدثون عنه كان يجب عليهم الإشارة إليه باسمه الحركي وكذلك الحال عندما يتكلمون معه شخصياً.
كان الاسم الذي اختاره لنفسه هو " أبو خالد " ، وقد أوضح للأولاد أن أولئك الذين ينضمون إلى حركة الإخوان الفدائية السرية يجب عليهم أن يخفوا هويتهم السابقة وأن يعطوا أنفسهم اسما من أسماء الأبطال العظام من التاريخ الإسلامي . إن استعمال كلمة " أبو " كانت جزءً من تقاليد قبائل الصحراء التي فتحت الشرق الأوسط حيث لم يكن الأولاد والرجال يُعرفون بأسمائهم الحقيقية ، وبدلا من ذلك فقد كان الأولاد يعرفون باسم آباءهم مثل " ابن رشيد " وكذلك الحال بالنسبة للآباء الذين كانوا يعرفون باسم أولادهم مثل " أبو عبدالله " بحيث يكون الاسم لأكبر الأبناء . وهذا الأسلوب التقليدي في تمييز الناس أصبح يُشكِّل بالنسبة للجيوش العربية التي قاومت الحملات الصليبية في الشرق الأوسط نظاماً للأسماء السرية لقادة الجيوش ، وقد أحيا مؤسسو حركة الإخوان هذا التقليد في أعوام الثلاثينات ليس فقط لتوفير أسماء حركية لأعضاء حركتهم السرية ولكن أيضا لإضفاء الصبغة الدينية على كفاحهم . ولأن ماجد كان أكثر اهتماما بالفكر العسكري من الأمور الدينية بالنسبة للإخوان فقد اختار اسم (أبو خالد) ليرمز إلى إخلاصه وولاءه للكفاح المسلح المنتظر ، " خالد " كان نسبة إلى البطل العربي الأسطوري " خالد بن الوليد " والذي ادخله محمد إلى الإسلام في الوقت الذي كان فيه الدين الجديد يضع اللبنات الأولى لنفسه في مكة ، وقد لعب خالد دورا محوريا في نشر الدين خارج حدود شبه الجزيرة العربية ، وكان أولاد القدوة معجبين بالإحساس بالأسرار والمؤامرة التي أظهرها ماجد، ولكن عبدالرحمن – ياسر كان أكثرهم ، لقد تكوَّن عند ياسر رباط عاطفي مع ماجد وذلك بسبب دفاع ماجد عنه في المدرسة ، ولكونه يمتلك خلفية أعمق من إخوته في التاريخ الإسلامي ، فقد استجاب بحماس أشد لمحاضرات ماجد اليومية عن الصهيونية والامبريالية البريطانية والحاجة إلى شباب عرب ليعدوا أنفسهم ليكونوا نواة القوات التي ستطرد هذا التوءم الشيطاني من فلسطين إلى الأبد. ونتيجة لحماس ياسر الشديد فقد عينه ماجد مسؤول تأمين الأسرار التي عرفها إخوته ، وبالرغم أن ماجد حاول أن يدير محاضراته بالطريقة التقليدية إلا أن حماس ياسر المشتعل حول الموضوع حوّل الموضوع إلى ما يشبه الحواريات ، فعندما كان ماجد يخطأ أحيانا حول حقيقة تاريخية أو عندما يتحدث بحماس مبالغ فيه عن إنجاز أحد القادة العرب قبل ألف عام مضت كان ياسر يستذكر معرفته التي اكتسبها من خلال ما تعلمه القديم على يد يوسف الأكبر ويقوم بالتصحيح الفوري ، ويقول نصر : " كان جدالهما يبدو بلا نهاية حول بعض النقاط التاريخية ، وكان ماجد يستمتع بطريقة ياسر في طرح الأسئلة حول شيء معين ، أو عندما يشير إلى نقطة معينة لم يفكر بها ماجد ، وقد أصبح الأمر مملا لي ولزيد ، أما حسين فكان يجلس صامتا ويتشرب كل شيء يسمعه ، وبمرور الوقت كنت أنا وزيد نطلق العنان لأفكارنا عندما يبدأ ياسر وماجد في نقاشاتهم ، ولا نبدي حماسا إلا عند الحديث عن خطط المستقبل والتخطيط للغارات العسكرية السرية والأشياء المشابهة ، لقد كنا جميعا معجبين بماجد واعتقد أني وزيد كنا نغار من كون ياسر يستحوذ على الاهتمام الأكبر لماجد، ولكن لم يكن ياسر ليستسلم ، لقد كان ينظر لماجد إلى حد التقديس لشخصيته البطولية وقد كان يثير هذه النقاشات ليستحوذ على اهتمام ماجد فقط " . ويضيف زيد " بعد ثلاث أو أربع أشهر بدأ ياسر يغير من نظرته إلى أبينا ولم يعد ذلك الدائم الصمت ، الغاضب ، وكثيرا ما كان ماجد يتحدث معنا عن أهمية عمل أبينا وكذلك ظله الذي لا يفارقه" أخونا بدر" ، لذلك وبعد فترة بدأ ياسر ينظر إلى أبينا بطريقة مختلفة ، ولكنه لم يكن يعرف تفاصيل ما كان يفعله أبونا ، وكل ما عرفه أن ما كان يفعله أبي له علاقة بما يفعله ماجد، وبالطبع كان ماجد يعطينا انطباعا انه كان يعمل أشياء أكثر مما يفعله ، حتى أنه كان يلمح إلى انه يقوم بمهمات سرية في المناطق الصهيونية ووعدنا انه يوما سيسمح لنا بالذهاب في مهمات مماثلة ، لقد أثارنا الآمر جميعا ولكني أشك انه كان يقوم بأقل مما كان يتبجح به، وكذلك كان الحال بالنسبة لأبي حيث كنا نسمع حديثا كثيرا ولكن لم نر أي إشارة لعمل ، وفي الحقيقة باستثناء سرية مكان إقامة ماجد كانت حياتنا تسير بشكل عادي ، ولكن ياسر تغير في تلك الفترة ، ورغم انه بقي على توتره إلا انه أصبح أكثر انفتاحا واقل خجلا وانطواءً وقد بدأ يُشكِّل نفسه على نموذج ماجد ، وقد كنا جميعا نسعى إلى ذلك ولكن كان ياسر أشدنا إصرارا ، كان ماجد رجلا مرحا حيث كان يضحك بكل سهوله ، وكان وسيما له سحر من نوع خاص وكان له روح الأطفال ، وبنظرة إلى الوراء لا أرى فيه أي طبيعة قيادية ، وبطريقة أو بخارى كان يلعب لعبة ، ويعيش في تخيلات عن نفسه انه قائد ومحارب ولكن جاذبيته وسحره لم يكونا في قوته ولكن كانا من نقاط ضعفه، واجتذابه للناس لم يكن بسبب قوته أو صرامته واستقامته ولكن بشكل بآخر لأنه كان ضعيفا وعاجزا ، ولكن بالنسبة لنا كأطفال في ذلك الوقت فان إعجابنا جاء من جدية محاضراته لنا حول اليهود وكنا نراها قوة ، ولذلك كما قلت فان ياسر بدأ يُشكِّل نفسه على نموذج ماجد ، ولان ماجد كان يشير إلى أبينا بشكل ايجابي فقد بدأ ياسر يرى أبي بشكل أفضل مما جعل أبونا سعيدا وجعل الحياة بالنسبة لنا أسهل " .
لقد بدأ ماجد أو أبو خالد يزداد انزعاجا ، لقد مضى ستة أشهر على اختباءه ولكن الأسلحة الموعودة من عبد الرءوف لم تظهر ، ومع مرور كل يوم وتحول الربيع إلى صيف عام 1942 ، ازداد تذمر ماجد بشكل كبير تجاه عبد الرءوف ، ولكن عبد الرءوف بدأ يفتقر إلى الأعذار ، وفي احد الأيام من شهر تموز غامر بالخروج وبمظهر جديد حيث كان ملتحيا وقدم نفسه إلى أحد اجتماعات الإخوان المسلمين وادعى انه تلقى معلومات عن وجود مخبأ لأسلحة ألمانية الصنع منها بنادق ومسدسات وذخيرة وقنابل يدوية في مغارة جنوب القدس خبأها جماعة عبد القادر الحسيني ، حسب ما روى إبراهيم رشيدية ، دُهش عبد الرءوف ورفاقه بالخبر وتعجبوا من كيفية حصول ماجد على المعلومات ، وقد فسر ماجد ذلك بأنه خلال عدة أسابيع مضت كان يتسلل من مخبأة في الليل ليختبر مظهره الجديد وانه كان يذهب إلى مقهى غزة وهناك تعرف على احد الناشطين المحليين الذي عرض عليه الانضمام إلى جماعة عبد القادر الحسيني ، وأضاف انه قام بمجاراة صديقه الجديد وانه في الليلة الماضية ذهب معه إلى منزله واظهر الاقتناع بما يقول ، وانه بعد فترة وبحنكه من ماجد تكلم الرجل بحريه وذلك ردا على أسئلة ماجد واخبره انه في غضون أيام سوف يتوجه هذا الرجل مع مجموعة متنكرين بزي بدوي مع قافلة جمال إلى هذا الكهف وهناك سوف يحملون الأسلحة ويعودون إلى غزة ، ولكنه قال أنهم ما زالوا بحاجة إلى رجل أو اثنين من أجل القيام بالرحلة ولهذا قام بالطلب من ماجد مرافقتهم في الرحلة واقترح ماجد انه بوجود هذه اللحية باستطاعته بكل سهوله التنكر بزي بدوي. ويتذكر إبراهيم رشيدية : " لقد كان ماجد منفعلا جدا ، وفي البداية كانت ردة فعل عبد الرءوف وبقيتنا غاضبة ، لأننا ظننا انه جاء ليخبرنا انه سيتركنا ليعود إلى جماعة عبد القادر ، ولكن فيما بعد اتضحت نوايا ماجد " . وقد اقترح ماجد أن ينضم إلى قافلة الجمال ، وقال إن صديقه من جماعة عبد القادر عرض عليه أن يدفع له إن هو قام بالرحلة ، وعندما يتم تحميل هذه الأسلحة وتتقدم القافلة في الصحراء باتجاه غزة ، يقوم عبد الرءوف ومجموعة من خلية الإخوان متنكرين بزي البدو بنصب كمين للقافلة ويستولون عليها ويقوموا بربط الرجال بما فيهم ماجد حتى يظهر وكأنه ضحية ، ثم يهربوا بالجمال ويمكن حينها إخفاء السلاح في أحد بيوت عبد الرءوف حتى يعود ماجد إلى غزة وحينها يقوم بتنظيم القوات الفدائية للإخوان والتي طال انتظارها . ويقول إبراهيم رشيدية : " لقد أصابتنا الصاعقة من خطة ماجد ولم يستطع احد منا أن يقول شيئا في البداية ، نظرنا إلى عبد الرءوف ولكن حتى هو كان صامتا ، لقد كان ما شعرنا به واضحا ، لقد كان ذلك أول نداء لنا للتحرك وجعلنا ذلك خائفين ، ولكن بدر هو الوحيد الذي استفزه الطرح ، لقد كان متحمسا جدا للخطة وأصر على أن يتم تنفيذها ، عارض أبوه بشدة في البداية ولكنه في النهاية وافق ، ولذلك أصبح الموضوع مسألة تفصيلات ، ومن منا سيذهب لتنفيذ المهمة " ولم يكن ذلك كل شيء.كانت خطة ماجد في خطوطها العريضة مجديه ،ولكنها كانت تحوي خطرا واضحا لان الأربعة او الخمسة أفراد الذين سينضم إليهم ماجد بالتأكيد سيكونون مسلحين بأسلحة شخصية ، فكيف سيقدر الإخوان وبدون أسلحة على أن ينصبوا كمينا ويجردوا القافلة من السلاح .
يضيف رشيدية : " قام ماجد بمراجعة الخطة وحسب خط سير الرحلة وقال إن الرحلة ذهابا وإيابا ستأخذ ستة أيام وستة ليال، وأضاف أنه بعد اليوم الخامس لمغادرة غزة فان مجموعتنا ستنتظر في المكان المحدد سلفا على الطريق والذي يبعد 1 كيلومتر عن المدينة ، وعندما يقترب جماعة عبد القادر من الموقع يصوب ماجد إليهم سلاحه ويجردهم من السلاح وإذا اقتضى الأمر فانه سيطلق النار على من سيقاوم ، وعندها نقوم بالتسلل إلى القافلة ونستولي على السلاح ، وفي هذه الحالة سيظهر ماجد انه خائن وعندها سنكون مجبرين على قتل الرجال حتى لا يعرف احد عن الذين استولوا على الشحنة ، ولكن عبد الرءوف اعترض على الصياغة للخطة على أساس أن مهمة الإخوان كانت قتل اليهود وليس العرب ، ولكن ماجد توجه إلى الأعضاء الجالسين بخطاب عاطفي حيث قال : إن الوقت الذي كان الإخوان يضعون فيه مثل هذه المعايير قد انقضى منذ وقت طويل وأصر على انه إذا كان من الضروري قتل بعض العرب من اجل النهوض بأهداف الجماعة فليكن ذلك ، وقد أضاعت الجماعة الكثير من الوقت في الكلام ، وقد جاءت لهم الفرصة الآن للعمل ، ولا يستطيعون الآن التعذر بنقص السلاح كسبب لبقائهم بلا عمليات ، وأضاف ماجد أن الحرب بين الأوروبيين مستمرة و لم يتم عمل شيء للصهاينة – والمسئول عن هذا الوضع هو عبد القادر – بسبب تعاونه مع الانجليز ولذلك فان جماعة عبد القادر بطريقة أو بأخرى أعداء للإخوان المسلمين مثلهم مثل بريطانيا والصهاينة ولا يجب أن يقف موت بعضهم في طريق هدف الجماعة المقدس والسامي ، وقد لاقى الخطاب موافقة, ونظر الأعضاء إلى عبد الرءوف من اجل الموافقة، ولكن عبد الرءوف كان غير موافق ليس فقط من اجل قتل العرب ، ولكن أيضا لأنه أحس أن كلام ماجد كان انتقادا وتحديا لقيادته للجماعة ، نظر بشدة إلى ماجد وكان في نفسه يتمنى لو انه لم يسمح لمعلم أولاده بمخاطبة زملاءه في خلية الإخوان المسلمين. ولكن كان بدر مرة أخرى هو الذي دفع بشدة إلى الحصول على الموافقة ، وكان نافذ الصبر نتيجة خمول الإخوان ، وقد عرف عبد الرءوف انه إذا رفض الخطة فانه سيفقد هيبته عند ابنه البكر ولذلك فقد وافق على وضع العملية بأكملها تحت إمرة ماجد ، وقد تم اختيار مجموعة لتنفيذ الكمين وتكونت من بدر واثنين من أتباعه الشباب ، وإبراهيم رشيدية ذو الثلاثين عاما وثلاثة أعضاء آخرين من الخلية وكانوا جميعا في الأربعينات من العمر .قام ماجد بعد ذلك بالاتصال بصاحبه التابع لجماعة عبد القادر واستخدم اسم خالد فوزي واخبره انه تطوع للقيام برحلة القافلة إلى الكهوف ، وقد أُعطي ماجد تاريخ الانطلاق وخط السير المقرر قبل أيام قليلة ، ثم اجتمع ماجد مع أعضاء خلية الإخوان المسلمين لوضع التفاصيل النهائية لخطة الكمين . ويتذكر رشيدية : " بعد أربعة أيام من مغادرة ماجد أُخذنا بسيارة شحن تابعة لشركة الحمضيات الفلسطينية إلى بيارة في ضواحي غزة ، ومن هناك مشينا عشرة كيلومترات أخرى على خط سير القافلة ، ونحن نلبس ملابس البدو ، ووصلنا إلى المكان المتفق عليه حيث يبعد 300 متر عن نبع ماء ، ونصبنا مخيمنا بعيدا عن الطريق ولكن كان النبع على مرمى النظر ، وقد اضطررنا للانتظار ثلاثة أيام بدلا من يوم واحد وفي نهاية اليوم الثالث وصلت القافلة ، وتوقفوا عند نبع الماء وبقينا نراقبهم ، وكانت الخطة هي تجريد القافلة من السلاح عند الوصول حيث لا يكون هناك بدو آخرين في الجوار ، ثم يقوم بإطلاق النار في الهواء كإشارة لنا ، كان المكان خاليا وانتظرنا إطلاق النار ولكن ذلك لم يحدث ، وانصعقنا عندما رأينا القافلة تبدأ سيرها من جديد متجهة إلى غزة ، ثم تبعناها لمسافة وكنا بعيدين عن النظر ، وأخيرا بعد ثلاث أو أربع كيلومترات ، حيث بدأ يحل الظلام سمعنا صوت طلقة من أمامنا ولكن لم نعرف ماذا نفعل لأنها لم تكن جزءً من الخطة ، ولذلك بقينا في مكاننا ولم نجرؤ على عمل أي شيء ، وعندما حل الظلام كان هناك طلقة أخرى وأخرى وأخرى وكان مجموعها ست أو سبع طلقات ومن نفس المسافة ولم تتحرك القافلة ، بعد ذلك زحفنا حتى أعلى كثيب الرمل لنرى ماذا حصل ولكن الظلام كان قد حل ولم نر ما حصل ، وبقينا صامتين طوال الليل وكنا نظن أن الطلقات كانت من أفراد القافلة وأنهم كانوا يطلقون على ماجد وقد اعتقدنا أنهم كشفوه ، ومع بزوغ أول ضوء للفجر نظرنا مرة أخرى فوجدنا الجمال تقف عشوائيا حول الطريق ولم يكن هناك اثر لأي احد وعندا اقتربنا وجدنا جثث الرجال ملقاة على الأرض ثم ظهر ماجد من مخبأة خلفنا وبدأ يسبنا حيث قال انه لم يجرد الرجال من سلاحهم عند النبع لأننا لم نعطه الإشارة المتفق عليها من قبل والتي كان ينتظرها لتدل على أننا موجودون هناك ، كانت تلك غلطة بدر ، كان من المفروض أن يمر بدر في تلك اللحظة من عند النبع مثل أي بدوي عادي يعبر وحيدا ولكنه نسي ذلك الجزء من الخطة وعندما لم ير ماجد الإشارة ظن أننا تعبنا وعدنا إلى غزة، وفي النهاية جرد الرجال من أسلحتهم على الطريق عندما بدأ الظلام يحل لأنه إذا لم يفعل ذلك ستصل القافلة إلى غزة في الصباح ، ثم أدرك انه لا يستطيع القيام بحراستهم لوحدة حتى الصباح ، لأنه قد يفر واحد أو اثنين منهم إلى غزة لذلك قتلهم جميعا، وأكمل ماجد بقية الخطة لوحده، حتى انه لم يكن بحاجة إلينا وكل ما فعلناه كان دفن الجثث بعيدا عن الطريق .

الحرب العالمية الثانية

عندما انتشر نبأ بطولة ماجد بين الأعضاء الخمسين أو الأكثر في خلية الإخوان التي يقودها عبدالرءوف تحول في نظرهم إلى بطل محلي، لقد حصلت خلية الإخوان في غزة أخيراَ على السلاح الذي طال انتظاره وعندما تم الاستيلاء على الشحنة أصبحت وبكل تأكيد مكمن قوة لهم وهي: ما يقارب المائة بندقية آلية عشرون مسدس من طراز (Luger) ومائتي صندوق ذخيرة، وست صناديق من القنابل اليدوية واثنا عشر لغما ولكن نجاح العملية السابقة أخَّر من عملية استخدام هذه الأسلحة.
لقد أصبح ماجد مزهوا بنجاح مغامرته وتمتع بدفء الهيبة والإعجاب الذي كان يشاهده في عيون الناس، أصبح مهملا من النواحي الأمنية الخاصة به وبدلا من تقليل ظهوره العلني في غزة بدأ يظهر بشكل متحرر في الشوارع ، مخفيا مسدس (Luger) في معطفه ، وفي نفس الوقت انتشرت أخبار إنجازاته خارج جماعه الإخوان،لدرجه أن تباهي أحدهم بإنجاز المجموعة جعله يتفاخر بها أمام قريب له والذي بدوره ذكرها لصديق له ، وقام الصديق بنقلها إلى صديق آخر،وفي النهاية وصلت الأخبار إلى أولئك الذين أُرّسِلت الشحنة إليهم .
في إحدى الليالي بينما كان ماجد عائدا إلى بيت القدوة من جوله له في مقاهي غزة تمت مداهمته من عصابة (مجموعة) من تنظيم عبد القادر الحسيني وتم ضربه حتى فقد الوعي ونُقل إلى مخبأ خاص. وفي اليوم التالي تلقى عبدا لرءوف رسالة من مجموعة عبد القادر تعلن عن احتجازها لماجد وتطلب مقابل إطلاق سراحه إعادة أسلحتهم إليهم، ومع الرسالة أرسلوا أيضا أحد أصابع ماجد.
لقد أوجد اختطاف ماجد أزمة بين جماعة الإخوان، وكمؤسس وقائد للمجموعة كان رد فعل عبدا لرءوف الأول هو تجاهل مطالب مجموعة عبد القادر ، وفي مرة كما يعتقد إبراهيم رشيدية كان عبدا لرءوف مسرورا للتخلص من ماجد لعدم رضاه عن الطريقة التي بدأ أعضاء المجموعة ينظرون بها إليه ، أما ابنه بدر الذي كان يختزن المرارة بسبب الطريقة التي قلل بها ماجد من قدره أمام أبيه بسبب نسيانه إعطاء الإشارة الهامة في وقت القيام بالكمين الجماعي ،وقد قال بدر "نحن نمتلك الأسلحة الآن ،فما حاجتنا لماجد ؛ واقترح بدر أنه سوف يقود المنظمة والقوات الفدائية ،"إذا أعدنا الأسلحة وحررنا ماجد فسوف نعود إلى ما كنا عليه قبل العملية ،وحتى في ذلك الخيار فإن إعادة الأسلحة ليس فيها أي ضمان باستعادة ماجد حيا" وأضاف بدر "ماجد نفسه كان سيقترح نفس الشيء ، إن الشيء المحوري هو امتلاكنا للأسلحة ، فبوجودها نستطيع أن نتابع برنامجنا ضد الصهاينة ،ولكن إذا استعدنا ماجد دون أسلحة لن نستطيع القيام بأي شيء، ويتذكر رشيدية " عُقد الاجتماع الذي تم فيه مناقشة مصير ماجد في بيت عبدا لرءوف ،وقد احتشد ثلاثون فردا في الغرفة الرئيسية وقلة منا كانوا ضد ترك ماجد عند جماعة عبد القادر ولكن عبد الرءوف وبدر صلّبا موقفيهما مُدَّعين بأنها كانت غلطة ماجد ،وهو المسئول عن احتجازه منذ البداية ،لقد أصبح مهملا وعرَّض الإخوان للخطر والانكشاف ، من يعرف العذاب الذي قاساه على أيدي خاطفيه ؛ وما هي المعلومات التي كشفها عنا ؛ وهكذا تقرر كان يجب على ماجد أن يدافع عن نفسه . إذا قُتل سوف نسمي مجموعتنا باسمه مكافأة على ما قام به من أجلنا ، ولكن لن نقايض مع جماعة عبد القادر ببساطه سوف نرسل رسالة تقول أننا لا نعرف شيئا عن مطالبهم ولا عن ماجد.
كان عبد الرحمن – يـاسـر- بكل تأكيد يتصنت خلف الباب وعندما سمع قرار والده اندفع داخل الغرفة صارخا إننا لا نستطع فعل ذلك ،لقد كان مشهدا مرعبا ،ألقى بنفسه على والده ضاربا صدره وكتفيه صارخا ومتهما أبيه بالخيانة ،فقام عبد الرءوف برميه بعيدا وقام بضربه ضربا مبرحا أمامنا جميعا ،لقد كانت هذه المرة الأولى التي أرى ياسر يُظّهر مشاعره، ولم يدرك أحد حينها عمق العلاقة بينه وبين ماجد، كان
عبد الرءوف محرجا ولكنه كان غاضبا ،إن إظهار عدم الاحترام للأب وخاصة بشكل علني كان أمرا مُهينا،ضَرب ياسر ثم أمر بدر أن يُخرِجه ثم أكد قراره حول ماجد ،وكُتِبت رسالة ليتم تسليمها إلى جماعة عبد القادر في اليوم التالي". وبعيدا عن علم من كانوا في الاجتماع كان ماجد يحاول الفرار من سجانيه في تلك الليلة بالذات ،ومع المعاناة والألم الناتجين عن الإصابة نتيجة بتر إصبعه فقد استطاع أن يتسلل خارج المخزن المحتجز فيه وأن يشق طريقه إلى مخبأه ،وفي الليلة التالية ظهر في بيت
عبد الرءوف القدوة بيدين حمراوين متورمتين ،ولم كن في البيت سوى ياسر الذي كان يعاني من أثار الضرب ،وشقيقاته وأخوه الأصغر منه وأمهم حميدة التي كانت ترعى ياسر.
كانت مفاجأة لماجد رؤية ياسر بوجهه المُسوَد المليء بالرضوض ،مثل مفاجأ الصبي برؤية ماجد،وبينما حاولت حميدة معالجة يد ماجد، قام ياسر برواية قصة ما حصل في الليلة قبل الماضية متحدثا لماجد بمرارة كيف أن أباه وأخاه أعلنا عن ماجد منتهيا،هَدَّأ ماجد ياسر ولكنه دافع عن عبد الرءوف مستعيدا كلمات ياسر البيرة"كلنا فدائيون ويجب أن نكون مستعدين للموت من أجل القضية لأن القضية أهم من أي إنسان". ولكنه في داخله كان حانقا على عبد الرءوف لأنه عرف أن ما قاله لم يكن السبب الذي دفع والد ياسر لاتخاذ القرار-إذا ما كان الصبي صادقا-.
في وقت متأخر من تلك الليلة ،قام ماجد بمواجه والد ياسر بالسؤال عندما عاد الأخير إلى البيت وعندما استفاق عبد الرءوف من صدمته لرؤية ماجد حيا ،كان متوترا ونادما في نفس الوقت،وقد أنكر عبد الرءوف رواية ياسر عن الاجتماع مدعيا أن الإخوان قرروا الانتظار يوما أو أكثر لرؤية ما ستتمخض عنه الأمور ،ويقول رشيدية"قَبِل ماجد التوضيح ولكنه أعلن صراحة أنه صدّق ياسر ،ولم يصدق عبد الرءوف ،ومن تلك اللحظة أيضا أظهر ماجد أنه لم يعد ثق بعبد الرءوف ،وفي الواقع فإنه من تلك اللحظة بدأ يعامل عبد الرءوف بقلة احترام".
كانت يد ماجد بحاجة للعلاج وفي محاولة من عبد الرءوف لإظهار مدى اهتمامه بحال ماجد أصر على بقائه،وقد استطاع عبد الرءوف تدبر موضوع إحضار طبيب من أجل معالج وتطهير جرح ماجد ،ولان الجرح سيستغرق أسابيع ليتعافى ،فقد أُعطي ماجد سريرا في بيت عبد الرءوف وفي أثناء فترة علاجه استطاع ماجد وعبد الرءوف أن يُنجزا على الورق مسألة تأسيس قوات الإخوان الفدائية.
يقول إبراهيم رشيدية:"مع وجود ماجد طوال الوقت في بيت عبد الرءوف أصبح ياسر مرافقه الدائم ،يُحضِّر له القهوة ويقوم بجولات من أجله، وبقي ماجد من 2-3 أشهر وفي تلك الفترة أصبح ياسر خادمه المخلص أما الأولاد الأكبر فقد بقوا بعيدين عن ماجد ،وبالنسبة لبدر فقد بدأ ماجد يحتقره ولكن ياسر كان دائما في غرفته إلى جانبه ،عندما كان أحد أخوته الكبار يتفوه بشيء غير مقبول بحق ماجد كان ياسر يستشيط غضبا في الدفاع عنه أما حسين الولد الأصغر فقد كان الأقرب في البيت لياسر،وكان بطريقه أو بأخرى يقوم بتقليده".
في تلك الفترة كان ماجد متعطشا لطموحاته في بناء خلايا فدائية ،حيث بدأ بتخطيط جداول تنظيمية وأوامر ميدانية،وقوائم بالواجبات التي على المقاتلين إنجازها ،مطالبا عبد الرءوف بوضع خططه موضع التنفيذ وأن تُجمع الكوادر الضرورية حتى يستطيع البدء بقيادة أول الهجمات حال شفاء يده.
كان عبد الرءوف أكثر حذرا،فقد أصر على منهج أكثر انضباطاً وتنظيماً لتنظيم قوات الإخوان المقاتلة وقد كان تبريره مستندا على نداءات الحاج أمين المنطلقة حينها من برلين.
بعد فشله في محاولة إخراج البريطانيين من العراق وهرب الحاج أمين من بغداد عبر إيران ثم روما ،وبمساعدة من عملاء المحور وصل إلى برلين،وقد رُحِّب به بشكل علني من النازيين عقب وصوله في تشرين ثاني عام 1941،وأُعطي حق اللجوء السياسي وكذلك فيلا فخمه في إحدى ضواحي العاصمة الألمانية .وفي الأشهر الأُولى من عم 1942 قام المفتي بالتغلغل في القيادة النازية كان هتلر قد قرر مسبقا توسيع نطاق طموحاته الكونية إلى غرب آسيا ومصادر النفط الواسع في الخليج الفارسي،وبالنتيجة قام من طرف واحد بإلغاء المعاهدة الألمانية السوفيتية عام 1939 ،وغزا روسيا ومد ذراعه العسكرية القوية إلى دول البلقان في جنوب شرق أُوروبا ومنها إلى شرق أفريقيا ، وكانت إستراتيجية تقوم على حركة الكماشة التي سوف تُغلق على الشرق الأوسط من اتجاهين :من الشمال عبر روسيا ومن الغرب عبر أفريقيا ومصر. قبل الحرب العالمية الأُولى وكنتيجة للمصالح التجارية وتأمين مناطق النفوذ الاستعماري والتي كانت شائعة بين القوى الأوروبية الكبرى،قامت إيطاليا باحتلال مناطق شمال أفريقيا بعد الحرب العثمانية في طرابلس وبرقة وكوَّنت منها كياناً موحداً أسمته ليبيا وقامت إيطاليا بعد الحرب بتطوير ليبيا ساعية إلى احتلال أثيوبيا، ولذلك كان هنالك تواجد إيطالي واضح في شمال أفريقيا عند بداية الحرب العالمية الثانية ،وضمن خططهم لاحتلال منابع النفط في الشرق الأوسط قرر الألمان تعظيم وجود حلفائهم الإيطاليين عن طريق دعم قواتهم ، وبدعم من الطليان يقومون بتحقيق عملية اختراق شرقا عبر مصر وفلسطين وسوريا ثم إلى العراق ، وفي نفس الوقت التحرك جنوب روسيا للوصول إلى إيران.
لتحقيق هذه الغاية أٌنزلت قوات ألمانية ضخمة في شمال أفريقيا بقياد الجنرال إيروين رومل ، وبتعاون من حكومة فيشي الفرنسية استولى الألمان على معظم شمال أفريقيا الخاضعة لفرنسا ورافقهم الإيطاليين عبر الصحراء الليـبـية متقدمين إلى قلب المنطقة المصرية الخاضعة للبريطانيين. في البداية بدا أن الألمان سيكونون قادرين على الدخول عبر مصر وفلسطين وسوريا بنفس سلاسة دخول السكين في الزُبد ، لقد كان هذا التوقع هو الذي ما حفّز مفتي القدس المنفي في اتفاقياته مع مضيفيه الألمان، ومن جانب الألمان كانت مكانه المفتي في العالم العربي هي ما دعى الألمان إلى مجاراته ، فعندما يحتلوا المنطقة الشمالية للعالم العربي ،سيكون الحاج أمين مفيدا لهم في توضيح أماني الألمان في تلك المنطقة.
وكمتحدث باسم الشعب العربي زعيم القومية العربية،أمضى الحاج أمين الأشهر الأولى عام 1942 يحشد بهدوء أنصارا له بين كبار الساسة النازيين في باريس لتحقيق الاستقلال العربي حالما تقوم ألمانيا بطرد بريطانيا وفرنسا من الشرق الأوسط،واستجاب النازيون وخاصة هنريش هِمّلر وأظهر التعاطف ،وليتمكن من الوصول إلى عمق السياسة الألمانية قام الحاج أمين بتبني النهج الألماني فيما يسمى"بالمسألة اليهودية"وكرد للجميل قام الألمان بتأمينه بمحطة راديو يقوم عن طريقها ببث الأخبار إلى العالم العربي عن تقدم الألمان تجاه مصر،وكذلك يقوم ببث رؤاه حول التحرر القادم للعالم العربي من السيطرة البريطانية والفرنسية عن طريق النازيين الخيِّرين، والذين أوحوا للحاج أمين أنهم أخوة حقيقيين للعرب في كفاحهم من أجل تقرير المصير ،وفي ربيع 1942 قام ببث نداء ومناشدات لكل الجماعات التحررية في كافة الأقطار العربية للبدء بالتحرك لينضموا لمُخلِّصيهم الألمان المتقدمين باتجاه الشرق الأوسط.
لقد انتهت جهود الحاج أمين المكثفة وعملية البث في نهاية نيسان عام 1942،عندما تلقى خطابا دبلوماسيا ألمانيا-إيطاليا مشتركا أُرسل إليه ردا على مطالبته لقوى المحور لأخذ موقف علني من المسألة الفلسطينية ،وكان الخطاب موقعا باسم الكونت Ciano الإيطالي ومؤرخا بتاريخ 28/نيسان /1942 وهذا مقتطف منه:-
"هام جدا"
"تأكيدا على المحادثات معك ، لي الشرف أن أعلن ما يلي:-
تُـثمِّن الحكومة الإيطالية عاليا الثقة التي أولاها الشعب العربي لدول المحور في أهدافهم وكذلك نواياهم للقتال ضد العدو المشترك حتى يتحقق النصر النهائي ،هذا فيما يخص التطلعات القومية كما ظهر منكم لبلدان الشرق الأدنى المحتلة حاليا من قبل البريطانيين لي الشرف أن أؤكد لكم وبالتوافق التام مع قوى الحكومة الألمانية أن استقلال وتحرر البلدان العربية الرازحة حاليا تحت نير الاحتلال والاضطهاد البريطاني هو كذلك من أهداف حكومات المحور ولذلك فان قوى المحور جاهزة لضمان سيادتها واستقلالها ، والموافقة على وحدتها إذا كانت هذه رغبه جميع الأطراف المعنية ، وكذلك الاستعداد لإنهاء الوطن القومي اليهودي قي فلسطين".
كان مفترضا أن تكون الرسالة سرية، ولكن المفتي المتفجر بالحماس لم يستطيع مقاومة التلميح ببعض محتوياتها في نشراته المتعاقبة،وسرعان ما بدأت مقتطفات من الرسالة بالظهور في طبعات الصحف العربية ،وبعد ذلك تم تداول عدة طبعات وتفسيرات لتلك الرسالة جنبا إلى جنب مع مناشدات للتحرك في جميع أنحاء الوطن العربي،وأثناء صيف وبداية خريف عام 1942 قام عرب آخرون من العاملين بحقل الإعلام بالتقاط نداءات المفتي التي يبثها بالراديو من ألمانيا ،ونشروا أن جيوش المحور على أبواب القاهرة، وفي غضون أسابيع سوف يتدفقون إلى الشرق جارفين كل أثر بريطاني أو يهودي يعترض طريقهم في فلسطين ،لقد اقترب الوقت لإعداد الميليشيات العربية لتنضم إلى الألمان والطليان من أجل تخليص الوطن العرب من الاضطهاد البريطاني والصهيوني.
كانت المجموعات القومية العربية تستمع إلى ما يبثه المفتي فيؤدي إلى تنامي توقعاتهم وكان الأكثر حماسا هم الفلسطينيون. وبعد اقتناعهم بقرب النصر الألماني قام عبد القادر الحسيني ومناصروه بتوزيع الأسلحة بشكل سري على المجموعات الوطنية التي بقيت على ولائها لهم من مخازن سرية منتشرة في فلسطين. في ذلك الوقت رسم ماجد خطته للاستيلاء على الشحنة الموجهة إلى غزة.كما كان يستمع إلى أحاديث الحاج أمين حسن البنا وقادة الإخوان في مصر ،لقد كانوا أقل حماسا من المفتي بخصوص التقدم الألماني ،فمن وجهة نظرهم فان الوجود الألماني –الإيطالي سيكون مجرد إحلال محل القوات البريطانية وثانيا: تم الإيقاع بالملك فاروق وحكومة الوفد من قبل البريطانيين وهم يجرون اتصالات مع الألمان،وقام البريطانيين على الفور بإمساك زمام الأمور في مصر ،فإذا كان الملك فاروق والوفديين الفاسدين-الذين كان الإخوان يسعون إلى الإطاحة بهم .إذا كانوا توّاقين للتحالف مع الألمان فإن الألمان كانوا ورقة غير رابحة بالنسبة للإخوان المسلمين،وثالثا : كانت صيغة الحاج أمين الوطنية غير موثوقه بالنسبة للإخوان وبالرغم من سعي حسن البنا للتحالف مع جماعة الحاج أمين إلا أنه تخوَّف من اتجاهات عبد القادر الحسيني المعتدلة بعد مغادرة المفتي لفلسطين عام 1937 ،وبالرغم من معرفته بأنه كان سيحصل على مساعدات ذات فائدة من مثل هذا التحالف- الأسلحة على سبيل المثال – إلا أن المحاولات أُحبِطت بسبب مقاومة عبد القادر لإنشاء أي خلايا للإخوان في فلسطين ،لقد كان رفاقه يملكون كل شيء في القاهرة إلا أنهم أجّلوا كل طموحاتهم بالنسبة لفلسطين. وباستثناء خلية الإخوان في غزة التي ترأسها عبد الرءوف إلا أن نشاط الإخوان في فلسطين كان قليلا ،وحتى خلية غزة لم تتوسع بالشكل الذي كان يأمله حسن البنا. حتى أنه كان مستعدا للتخلي عن عملية غزة بكاملها من أجل تركيز جهود الإخوان لمقاومة الألمان في مصر ،ولذلك بعث بتوجيهات إلى خلايا الإخوان بأن تكون استجاباتهم لنداءات المفتي الموجهة من برلين بطيئة.
وجد عبد الرءوف نفسه في معضلة في غزة نتيجة لهذه الأحداث فمن ناحية كان يستمع إلى نداءات المفتي وقد أثاره للتحرك ومن ناحية أُخرى تلقى توجيه البنا فيما يخص التروي بالنسبة للتحرك ،كان البنا مصريا ،والمفتي فلسطينيا ،وعمل البنا من منطلق ديني بينما انطلق الحاج أمين من أساس سياسي ،كان يمكن أن يكون هناك القليل من الشك :- إن ولاء عبد الرءوف يجب أن يكون أساسا للحاج أمين وخاصة عند ملاحظة طريقة سحب البساط التي اتبعها أنصار عبد القادر في التعامل مع حركته ،ولكن الحاج أمين يبعد آلاف الأميال بينما كان حسن البنا في الجوار .
لقد كان ذلك في خريف 1942 ،وبينما كان عبد الرءوف يخطط لأي وجه سوف يوجه إجماع الإخوان ،تعافى ماجد حلبي من معاناة اختطافه وبدأ بالضغط من أجل التحرك الفوري،وكان هناك جدالات طويلة بين عبد الرءوف وماجد كل ليلة تقريبا عند اجتماع خلية الإخوان في غزة.
وسيتذكر أحد أعضاء المجموعة القريب من عمر بدر ،ويدعى إسماعيل ديوان ما حدث:"كان أغلبنا إلى جانب ماجد وخاصة الشباب منا ،وبالرغم من المخاطرة التي خاضها ماجد من أجل تأمين السلاح إلا أن كبار السن كانوا أكثر ترددا حين تعلّق الأمر بتنظيمهم كأفراد مقاومة ،أما ياسر الذي كان لا يزيد عن 13-14 سن فقد كان يحضّر لجميع الاجتماعات وكان باستمرار إلى جانب ماجد ،لم يقل الكثير بالطبع ،إلا أنه كان ملازما لماجد مثل تميمة الحظ، وبسبب ذلك حصل الكثير من التوتر بين ماجد وعبد الرءوف ،كان ماجد يحاول إقناع المجموعة بالبدء فورا بالقيام بهجمات على معسكرات ومراكز تموين البريطانيين وتجمعات الصهاينة ،وبينما عبد الرءوف يرفض ذلك انتظارا لأمر من القاهرة ,كان ماجد يجيب أن ولاء المجموعة لفلسطين لا للقاهرة وكان عبد الرءوف يتفق معه في هذه النقطة ولكنه يضيف أن حسن البنا على حق ، لأنه من المبكر الزج بأنفسنا في صراع بمفردنا فنحن لسنا أقوياء بما فيه الكفاية،وكان ماجد يرد بالقول "أُنظر إلى جماعة عبد القادر أنهم يتحركون" ولكن عبد الرءوف كان يرد بالقول "هذا صحيح ولكنهم جماعة خائنة فإذا انتصر الألمان وطردوا الإنجليز فسوف يعود المفتي ويكتشف خيانة عبد القادر وعندها سوف يقوم بحل جماعة عبد القادر ،ويعقد تحالفا مع الإخوان" . وكان ماجد يصرخ مستهزئا "أنت مخطئ وغبي ، فأنت تسمع بإذنيك نداءات المفتي للجميع بالتحرك" وكان عبد الرءوف يرد غاضبا "أنت الغبي يا ماجد ،أن المفتي لا يعرف بما يجري هنا ،أما حسن البنا فيعرف ،وسوف ننفذ أوامره حتى يعود المفتي ويرى بنفسه ماذا حدث في فلسطين". واستمر هذا الجدال أُسبوعا بعد أسبوع ،وكان ماجد دائم الصراخ في وجه عبد الرءوف و يحرجه أمام أبناءه ويُغضِبه، ثم بدأ ماجد باتهام عبد الرءوف بالجبن وكنت أعتقد بهذا الأمر وكذلك بدر والشباب الآخرون ،وفي النهاية أمر عبد الرءوف ماجد بمغادر بيته والعود إلى البيت الآخر ،ولم يُسمح لماجد بحضور أي اجتماعات ،لذلك بدأ ماجد يدعوا إلى اجتماعات خاصة به وكان العديد منا يحضرون هذه الاجتماعات ،كان واضحا أن ماجد يحاول سحب قيادة الخلية من عبد الرءوف ،كنا نريد التحرك ولم يكن يُهمنا من يكون القائد إذا كانت هناك عمليات ،وكانت جماعة عبد القادر قد بدءوا عملياتهم ،تفجير خطوط السكك الحديد، ونصب كمائن للشاحنات والحافلات وأشياء أُخرى من هذا القبيل ،ولذلك شعرنا بالعزلة والخجل و ذهبنا مع ماجد، هل تعرف من كان ملازما له طوال الوقت ؟ ياسر ،كان ياسر الصغير يساعد ماجد باستمرار واعتقدت أن ذلك أمر غريب ،فقد كان الأولاد الأكبر منه وحتى صديقي بدر يخافون مخالفة أبيهم حيث كان قد منعهم من حضور تلك الاجتماعات بما فيهم ياسر أيضا ،ولكن ياسر كان دائما هناك ،ولا أظن أن أحد منا قد أدرك أن ياسر قد هرب من بيت أبيه وكان يعيش مع ماجد.
لقد عرف إبراهيم رشيدية بذلك ،ويستذكرها قائلا :"لقد كان هناك مواجهة شديدة بين ماجد وعبد الرءوف ،وكان ذلك بعد أن طرده عبد الرءوف من بيته ،حيث بدأ ماجد بتنظيم اجتماعات من أجل إنشاء خلايا عمل مسلح ،وقد عرف عبد الرءوف بذلك وعرف أيضا أن ياسر كان يحضر هذه الاجتماعات ،وحضر في إحدى الليالي وحاول جر الصبي إلى بيته, قاوم ياسر فقام أبوه بضربه مجددا ،غضب عبد الرءوف وهدد بقتل ماجد أن هو تدخل في شؤون عائلته ،أنفجر حينها ياسر صارخا بأنه إذا تم قتل ماجد فليُقتل هو معه فسأله عبد الرءوف عن قصده ،فأخبره ياسر بأنه لن يعود معه إلى البيت وأعلن أنه من وقتها سوف يعيش في بيت ماجد ".

بدايات العمل المسلح

لقد كانت سنوات الحرب في فلسطين خليطا من الإرباك والأحداث المتضاربة ،ففي عام 1939 وفي أعقاب أحداث الشغب التي ألهبها المفتي ،وفي جهد منها لتهدئ بقية قيادات اللجنة العربية العليا فرضت بريطانيا قيودا على الهجرة اليهودية محددة عدد اليهود المسموح بدخولهم ب15 ألف يهودي سنويا ولمدة خمس سنوات ،وبعد عدة أشهر مَنعت اليهود من شراء الأرض إلا في مناطق محددة.
ساهمت هذه الإجراءات في تهدئة القيادة العربية نوعا ما ،ولكنها أحدثت ردة فعل عنيفة عند الصهاينة وبتطبيق هذه الإجراءات في الوقت الذي كان فيه اليهود يحاولون الهرب من المناطق الأوروبية الخاضعة للسيطرة النازية،كانت هذه الإجراءات بمثابة الحكم بالإعدام بالنسبة لهم تقريبا. وفي أثناء العشرينات قام اليهود بتشكيل جماعات الدفاع الخاصة بهم لمواجهة الإرهاب العربي المتصاعد ،وفي النهاية تم تنظيم هذه المجموعات ضمن قوة واحدة تحت إشراف الوكالة اليهودية والتي كانت بمثابة الحكومة اليهودية التي تأسست في الأيام الأُولى للانتداب للتعاون مع الإدارة البريطانية بهدف إدارة الشؤون اليهودية البحتة .وهذه المجموعة عُرفت فيما بعد باسم (الهاجاناه) -وهي مشتق من كلمة عبرية بمعنى (الدفاع ).
وعندما أَعلنت بريطانيا عن قيود للهجرة ،تم تحويلها إلى قوة مهمتها مقاومة البريطانيين وسرعان ما ظهرت مجموعات ضمن الهاجاناه غير راضية عن عملها لاعتقادها أن نمط المقاومة الذي تقوم به الهاجاناه كان معتدلا ،وفي الوقت الذي كان فيه يهود أُوروبا يتعرضون للذبح ويُمنعون من الهجر إلى فلسطين أُعتبر المعتدلون في المقاومة ضد البريطانيين شركاء في ذبح هؤلاء ،وقامت هذه المجموعات المعارضة بالانشقاق عن منظمة الهاجاناه وشكلت جناحين متنافسين متطرفين عُرفا باسم الأرغون ،وشتيرن"فيما بعد سُميت عصابة شتيرن" ،ولوفرة لسلاح وسهولة الحصول عليه ولأن أهدافهما ضربت على وتر المعاناة الحياتية لكل ليهود وخاصة مسألة التطهير العرقي، فقد اكتسبتا تعاطف واحترام اليهود وأُطلقت بسرعة برنامج عمل فدائي وغالبا مقاومة شرسة لقيود الهجرة البريطانية .
مع تزايد حدة الإرهاب اليهودي ضد البريطانيين في أوائل الأربعينات ،كان سير الإرهاب العربي في تباطؤ. ولكن عندما اتضح للعرب أن قيود الهجرة التي وضعتها بريطانيا للحد من الهجر قد تم تجاوزها من الهاجاناه وفروعها المنشقة استأنفوا حربهم على اليهود ،وبحلول خريف عام 1942 كان البريطانيون محاطون من كل الجهات ،وليس فقط فلسطين ولكن أيضا في المغرب وفي صحراء شمال أفريقيا الكبرى حيث كان الجنرال (رومل) يستعد لهجومه الصاعق والنهائي واقتحام الشرق الأوسط العربي.
وكما لاحظنا في الفصل السابق كانت ميليشيا الوطنيين العرب تتحرك في كاف أرجاء فلسطين استجابة لنبوءات الحاج أمين القادمة من برلين حول المد الألماني القادم ،مع استثناء جماعة الإخوان المسلمين من بين تلك الجماعات .لقد كان هناك خطأ وحدا في نبوءات الحاج أمين وهو أن الألمان لم يستطيعوا القيام بذلك ،وبشكل غير متوقع هُزم الألمان في معركة كبيرة للدبابات في العلمين على يد قوات الحلفاء بقيادة (الفيلد مارشال مونتغمري) مما اضطرهم إلى دفن طموحاتهم فيما يخص الاستيلاء على العالم العربي .
لقد كان لأنباء الهزيمة الألمانية وقع الصاعقة على المناضلين العرب ،وبقوا حتى نهاية الحرب في حالة إرباك وتَخبُط وخلافات داخلية ،ولم يتأثر أحد بهذه الواقعة مثل ماجد حلبي ،والذي كان يُعرف وقتها بين جميع أفراد خلية الإخوان في غزة بالاسم الحركي "أبو خالد" ويقول غالب منصور-وهو أحد الشباب الذين تركوا جماعة عبد القادر وانضموا إلى خلية عبد الرءوف القدوة،يقول:"لقد استقطب أبو خالد العديدمنا وسحبهم من خلية الإخوان التي كان يقودها عبد الرءوف القدوة ،وأعتقد أنه بعد معركة العلمين عام 1943 أن عبد الرءوف كان يتجول قائلا أنه وحسن البنا كانا على حق ،حيث لم يكن الألمان قادمين لتحريرنا، وهذا يدل على أن المفتي كان خارج السياق ،وقد حاول بعض الإخوان التوصل إلى مصالح بين عبد الرءوف وأبو خالد ،ولكن في حينها كانت الأُمور قد وصلت إلى العداوة الشخصية بينهما ،وأغلب هذه العداوة كانت تدور حول ياسر الذي كان ما يزال حتى ذلك الوقت يسكن في بيت أبو خالد".
ويقول فؤاد عسّاف –وهو أحد الإخوان الذين كانوا يحضرون اجتماعات أبو خالد :-"بعد العلمين كان هناك شعور عظيم بالخذلان وأصبح عبد الرءوف القدوة لا يُطاق ،لقد بقي يردد –ألم أخبركم بذلك – وبدأ العديد منا يكرهونه ويُحبَطوا منه ،لقد كان إلى جانبه كبار السن من الإخوان المسلمين ولكن معظم الشباب كانوا يرفضون توجهاته ،وظل يقارن نفسه بأبي خالد قائلا أن الحذر لؤلؤة الحكم وأن الرعونة سرطان الجهل والفشل ،وبالطبع كان هو يمثل الحكمة بينما يُفترض أن أبا خالد هو الجهل ،ولم نُعِر هذا القول كثير اهتمام. لقد بقيت معنوياتنا مُنهارة لعدة أشهر بعد معركة العلمين ،ولكن أبا خالد أعاد تجميعنا وبدأنا بالاجتماع مجددا حيث كُنّا ما بين ثلاثين أو أربعين فردا ،ونظمنا قوتنا وسميناها "العاصفة"،وتم منحنا جمعا رتبا عسكرية كان يجب أن تكون قوة فدائية ،أعطى أبو خالد نفسه رتبة عقيد ،وأُعطيت الرتب على أساس العمر ،وكنت أبلغ من العمر 26 عاما عام 1943 لذلك حصلت على رتبة نقيب ،وحتى أن ياسر الصغير أُعطي رتبة ملازم ،وكانت تلك هي المشكلة حيث كنا جمعيا ضباطا ولم يكن بيننا أي جندي "فرد".ويقول راغب المصري –وكان يحمل رتب ملازم :"حصل أبو خالد على كراسة تدريب عسكري بريطانية وبدأ يدربنا على الانضباط العسكري ،وكنا نتجمع في أماكن بعيدة عن الطرق،وبدأ يدربنا على المشي وأشياء أُخرى كان من المفترض أن نكون قوات فدائية ولكنه كان يُدربنا تدريبات الجيوش النظامية ،لقد كان أمرا جديدا بالنسبة لنا ولكن الجدة تلاشت ،لم نكن ننجز شيئا ،وبدأ أبو خالد يصبح متعاليا ،وتصرف مثل الضباط البريطانيين بشكل متباهى،وبحلول صيف 1943 انسحب العديد منا ،وقمت بالمغادرة أنا أيضا حينها ،لقد بدا لي أنه يستغلنا ليُظهر لنا أنه قائد أفضل بكثير من والد ياسر.
كذلك كان ياسر تحت جناحه وكان يعامله بشكل متميز عن الآخرون ،وبالطبع كان ياسر ما يزال صبيا،إلا أنه كان كثير التذمر والصراخ ،وفي أثناء التمرينات كان يحاول دائما أن يجد طريقة ليتجنبها ،لقد كان هناك ولدين أو ثلاثة بعمر ياسر ،ولكن ياسر وحده كان حر التصرف ،وإذا تذمر الآخرون كان أبو خالد يصفعهم ،وفي رأيي كان ياسر حجر الرهان في حرب أبو خالد مع عبد الرءوف ،وقد اعتقد أن جميع من في الخلية سيقومون بطرد عبد الرءوف وإحلال أبو خالد محله عند رؤية مدى تعلق ياسر به،وبتلك الطريقة فأنه سيجد طريقه إلى الأسلحة التي قام بتحصيلها قبل عام عندما قام بغارته على جماعة عبد القادر وكانت الأسلحة مخبأة عند جماعة الإخوان ،ولم يسمح عبد الرءوف ولا الإخوان لأبي خالد بالوصول إليها .
وكان "مصلح سعيد" أحد أتباع أبو خالد الأوائل ،وهو يتفق مع راغب المصري حول طريقة تعامل أبو خالد مع ياسر ،وهو بذلك يضيف مكونا آخر إلى معادلة القيادة :"لقد كان أبو خالد رجلا غريب الأطوار ،فبعد حادثة قطع إصبعه كان يستخدم جذر الإصبع كأحد رموز الغموض التي حاول إيجادها عن نفسه ،فقد تحدث عن انعدام ثقته بأي أحد ،وعن حياة التقشف، ونكران الذات ، والتضحية بالنفس وعدم البحث عن المباهج والمسرات وأن سعادته تكمن في الحرب أو في الإعداد لها ،لقد عمل جاهدا لإبراز هذه الصورة ،وفهم معظمنا أن هذه الفكرة كانت تحركها تجربته مع ياسر البيرة في حيفا ،لقد كان يطور نفسه ليصبح من طراز ياسر البيرة، وبمرور لوقت أصبح أكثر تشددا ،وعندما يقوم أحد الفضوليين بسؤله عن خلفيته أو عائلته كان يرفض أن يكشف أي شيء ،كان يجيب أن لا ماضي له لأن ياسر البيرة أبوه الروحي ،ثم يشير إلى ياسر القدوة ذلك الولد الصغير الحزين والغير مثير للانطباع ويقول بأنه الحفيد الروحي للبيرة ،ولم يتفوه بتلك الأشياء وهو غاضب أو مُهتاج ،ولكن دائما كان هادئا حازما وجازما ،كانت عيونه تتلألأ عندما يتحدث عن ياسر البيرة وعندما كان ينظر إلى ياسر كانت عيونه تشرق ،وكان يحدثنا عن الشبه بين ياسر الصغير وياسر البيرة ،لقد كان أبو خالد وياسر شديدي التوافق رغم أن أبو خالد يكبره بعشرين عاما لقد أصبح أبو خالد منفصلا بعد فقدان إصبعه ،لقد كان منفصلا وشديد الحزم ،ولكن بشكل قيادي ،وأستطيع القول أن سكوته أثر في العديد منا ،وخاصة عند حديثه عن المعارك المستقبلية وطريقة توجيه لتدريباتنا ،ولكن ما حيرنا تكريسه نفسه لياسر بشكل أقرب إلى العبودية وكذلك بادله ياسر نفس الشعور وبنفس الدرجة ،لقد كان الرجل من الطراز القيادي ،أما الولد فكان سمينا دائم التذمر ،وبالتأكيد كان أبو خالد يستخدم ياسر كرهينة بطريقة ما في تعامله مع عبد الرءوف ،ولكن لاحقا اكتشفنا سببا آخر :لقد كان أبو خالد يشكل نفسه على نموذج ياسر البيرة ،ذهبنا في إحدى الليالي في تمرين وكنا حوالي العشرين وخيمنا في بيارة حمضيات بجانب غزة ،وقد كان هناك حالة طارئة من نوع ما ،لا أذكر بالضبط ما هي ،أصوات انفجارات بعيدة كما أعتقد ،وركض العديد منا إلى خيمة أبو خالد لنعرف ما علينا فعله وهناك وجدنا أبو خالد وياسر يعطون المتعة لأنفسهم ،أو هل أقول كان ياسر يقدم المتعة لأبي خالد؟ بعد ذلك كان أبو خالد منفتحا في قول ما فعله مع ياسر ،وفي الحقيقة فأنه شجعنا جميعا على المشاركة في مثل هذه الأنشطة موضحا بأن هذا العمل سيكون جزءا من حياة الفدائيين وهو تقديم المتعة لأخيك العربي الذي يحارب معك ،وقد خلق ذلك روابط أقوى بيننا ،وسرعان ما أصبح معظمنا يقومون به كعمل منتظم ،وحتى أن بعضنا قدم المتعة لأبي خالد وقدمها هو بدوره لهم ،ولكنه لم يسمح لأحد بلمس ياسر ،لقد كان ياسر "منطقته الخاصة" .ويؤكد أحمد النابلسي -وكان عضوا في عاصفة أبو خالد منزوعة السلاح عام 1943 يؤكد ما قاله سعيد ،وهو ما يزال بعد 35 عاما أحد الناشطين في حركة التحرير الفلسطينية "رغم كونه ليس من الطراز المتطرف"وهو يسكن في السعودية ويعمل هناك مثل العديد من الفلسطينيين الذين يعملون في الخدمات الدبلوماسية:"في رأيي لجأ أبو خالد إلى كافة الوسائل الغربية ليثير انطباعنا ويبقى على أتباعه وهو في النهاية لبناني وليس فلسطيني ،وبالإضافة إلى عدم قدرته على تأمين السلاح بعد انفصاله عن حركة الإخوان المسلمين ،وهي الأسلحة التي قام بتأمينها بكل جرأة ،وقد أعتاد على التلويح بإصبعه المبتورة في وجوهنا كدليل على ولائه لقضية التحرير أكثر من غيره.وبمرور الوقت ومع عدم قدرته على تأمين السلاح أو القيام بعمليات عسكرية ،بدأ يفقد أتباعه وبدأ يُظهر توتره ،وأظهر سلوك الشذوذ الجنسي الذي سماه مبدأ الرابط الجنسي بين أخوة العمل المسلح فقط لأنه شعر بملل الجميع وظن أنه بهذا العمل سوف يجدد اهتمام الجميع. أستمر هذا السلوك لسنة تقريبا ،ولم تكن هناك سوى الاجتماعات التي يتم فيها تدخين الأرجيلة والانتهاء بمداعبة بعضنا لبعض ،وهذه أصبحت مجموعة أبو خالد الفدائية ،ولكن وبدلا من إيجاد روابط حديدية ،كل ما فعلته هو إثارة الغير والأحقاد ،وكان الجميع قد حصل على الكثير من المتعة لدرجة أنه لا يمكن الاعتماد على أي من المجموعة للقتال ،حتى لو كنا قادرين على الحصول على السلاح،وغادرت المجموعة في منتصف الطريق ،وفيما بعد قام العديد بالانسحاب بكل بساطة ،وبحلول عام 1944 كان عدد أفراد مجموعة أبو خالد يتكون من 6-7 أفراد أغلبهم صبيان بعمر ياسر القدوة ،وبعدها قام أبو خالد بأكثر الأعمال حماقة في حياته.
ما قام به أبو خالد اليائس المتوتر هو السعي للمصالحة مع عبد القادر الموجود في القدس ،وفي آذار 1944 بدأ مع مجموعته البسيطة المكونة من سبعة شباب – وكان ياسر القدوة في الرابعة عشرة وهو الأصغر بينهم –رحلة إلى القدس ،وكان بينهم "عزيز غزال" وكان يبلغ الثامنة عشرة وهو حاليا موظف في إحدى الدوائر الأردنية، ويستذكر قائلا :"حصل أبو خالد على شاحنة من مكان ما،وحضر ياسر إلى بيوتنا في منتصف الليل من أجل تجميعنا وابتدأت الرحلة إلى القدس في ساعة الفجر ،وكان أبو خالد يقود الشاحنة وياسر القدوة يجلس بجانبه وبقيتنا في صندوق الشاحنة ،وصلنا إلى الخليل وهناك تعطلت الشاحنة وبقينا هناك يومين وليلتين حتى أتم أبو خالد إصلاحها ،وما لم نكن نعرفه أن آباءنا كانوا بانتظارنا في القدس كان يُفترض بأحد أفراد مجموعتنا أنه سيذهب معنا ،ولكنه تراجع في الليلة التي كان ياسر يطوف بها علينا لتجميعنا ،وكان من المفروض أن يُبقى أمر ذهابنا سرا ولكن عندما اكتشف أبوه غياب أخيه ضربه وأخرج منه السر،وكان ذلك عضوا في جماعة الإخوان مثل بقية إباءنا ،وذهب إلى عبد الرءوف القدوة وأخبره بالقصة ،وأنه أخذ الأطفال بمن فيهم ياسر للانضمام إلى قوات عبد القادر الحسيني وكانت فكرة أبو خالد هي تقديمنا كأتباع لجماعة عبد القادر في مقابل الحصول على السلاح والألغام ثم نقوم بعدها بالخروج إلى الجبال وتنظيم هجمات على نمط( إِضرب واهرب) في المناطق الصهيونية،وقد عرفنا لاحقا أن عبد الرءوف القدوة قد دعا فوراً إلى اجتماع لآبائنا وقد استشاطوا غضبا بسبب قيام أبو خالد بسحب أولادهم وشعروا أنها عملية اختطاف بالرغم من ذهابنا معه طواعية،ولذلك فقد قرروا الذهاب فورا إلى القدس وإعادتنا إلى غزة ،كما قرروا القيام بشيء تجاه أبو خالد لقد أرادوا قتله والشخص الوحيد الذي قد يكون لديه إشكالية في ذلك هو ياسر وبالنسبة للآخرين منا كان الأمر مغامرة أكثر منه شيء آخر كان من السهل إبعادنا عن تأثيره ولكن ياسر كان يعبد أبو خالد وعلمنا لاحقا أنه كان هناك جدل كبير بين آباءنا حول قتل أبو خالد كان عبد الرءوف القدوة خائف من شد تأثير أبو خالد على ياسر ،لأن ياسر قد يحاول حمايته ،وبالتالي يُقتل أيضا، كما أن عبد الرءوف كان خائفا من علم أبو خالد المسبق بعملية محاولة القتل وبالتالي يقوم بقتل ياسر كنوع من الرد المسبق ويتذكر إبراهيم رشيدية ذلك الجدال :"لقد اهتاج الآباء بسبب أخذ أبو خالد للأولاد سرا إلى القدس وقرروا الذهاب إلى القدس ومواجه أبو خالد بالقوة ،كان الكل يود قتله ولكن عبد الرءوف أعترض وأخبرهم أن أبو خالد هدد بقتل ياسر إن قام عبد الرءوف أو الإخوان المسلمين بالتدخل في شؤون أبو خالد ،ولكن هذا زاد من هياجهم وبدءوا بتوجيه اللوم إلى عبد الرءوف بسبب عدم قدرته على السيطرة على ياسر ،أضافوا بأنه لو لم يصبح ياسر عبدا لأبي خالد لما وقع أولادهم تحت تأثيره وأخيرا وبعد جدال مستفيض قال عبد الرءوف أن حماه محمود الحسيني له صلات جيدة مع عبد القادر ،وأنهم سيذهبون إلى القدس لمناقشة المشكلة مع محمود الحسيني ،وقد يستطيع محمود أن يدبر مسألة قتل أبو خالد مع عبد القادر ولذلك سيـبدو أن لا علاقة للإخوان بقتله".
وطبقا لما يقول عزيز غزال :"عندما تم إصلاح الشاحنة اتجهنا إلى القدس ،ولم يكن أحد منا قد زارها من قبل ،ولذلك عند وصولنا أخذنا أبو خالد إلى المسجد للصلاة ثم تركنا في الشاحنة وأصطحب ياسر معه لمحاولة الاتصال بجماعة عبد القادر"
وكان عبد الرءوف والآخرون قد سبقونا إلى القدس بيوم ولم يعرفوا أنه تم تأخير الأولاد في الخليل ،وقام بعضهم بتمشيط المدينة بحثا عن الشباب وفي نفس الوقت ذهب رشيدية مع عبدالرءوف إلى محمود الحسيني سعيا لطلب المساعدة.
ويستذكر رشيدية :"نظر محمود إلى عبد الرءوف بازدراء ،وقام بتوبيخه لعدم إطاعته تعليمات عبد القادر حول مسألة حل الإخوان ،وأظهر انطباعا أن عبد القادر لن يفعل شيئا لمساعدته ورد عبد الرءوف أن أبا خالد المجنون هذا هو أشد عداوة لعبد القادر من عبد الرءوف وجماعة الإخوان ،ثم أفشى سر أبو خالد وأخبر محمود بأن أبا خالد هو من دبّر الكمين لشحنة الأسلحة الخاصة بجماعة عبد القادر المتجهة إلى غزة .وادعى أن أبا خالد قام بعمل ذلك دونما تفويض من الإخوان المسلمين ،وأضاف أن الإخوان قاموا بالاستيلاء على الأسلحة من أبي خالد وحفظها في مكان آمن في غزة وأن عدم قدرة أبو خالد في الوصول إلى الأسلحة هو ما دفعه إلى أخذ الأولاد والاتجاه إلى القدس ،ومنهم ابنه ياسر ،وقد وعد عبد الرءوف محمود الحسيني بأنه إذا قام عبد القادر بتدبير قتل أبو خالد فإن الإخوان سيعيدون الأسلحة المسروقة فوراً.
غيَّر محمود من لهجته ،على ما أعتقد بسبب خوفه على ياسر أكثر منه تعاطفا مع عبد الرءوف أو الآخرين ووافق في النهاية على الاتصال مع قيادة عبد القادر وبحث ما يمكن عمله".
وفي تلك الليلة قام محمود بتأمين مقابلة مع أحد مساعدي عبد القادر ،وبعد شرح الموقف كما علمه من عبد الرءوف،طلب من مساعدي عبد القادر أن يقوموا بإيصال وعد عبد الرءوف إلى عبد القادر ثم عاد إلى البيت لينتظر الإجابة مع عبدالرءوف وباقي أعضاء خلية الإخوان وانقضى اليوم التالي دون إجابة.وفي هذا لوقت وصل أبو خالد مع مجموعته الصغيرة من الخليل ،وبعد صلاتهم في المسجد توجه أبو خالد وبصحبته ياسر لتأمين لقاء له مع عبد القادر ليقدم له عرضه ،وفي تلك الليلة استطاع أن يصل إلى شخص عرفه وله قدره على الوصول إلى عبد القادر ،وأثناء شربهم لفنجان قهوة أخبر أبو خالد صديقه رغبته في ضم مجموعة الفدائيين التي قام ببنائها إلى مجموعات عبد القادر وطلب لقاءا عاجلا مع القائد الوطني ،وغادر صديق أبو خالد واعدا إياه أن يقوم بما يستطيع ،وبعد مرور ساعة أو ما يقارب ذلك ،عاد ومعه خبر أن عبدالقادر سيقابله في الصباح ،وطُلب من أبو خالد أن يقود شاحنته إلى تقاطع خلف كاتدرائية القديس جورج والتي تقع على بعد بضع مئات من الياردات شمال المدينة المقدسة،ثم عليه أن ينتظر مع مجموعته من الشبان المرافقين له حتى يأتي بعض الرجال ويقوموا بالاتصال به ومن هناك سوف يتم أخذه ولوحده إلى أحد الأماكن السرية لمقابلة عبد القادر في المدينة القديمة وسيبقى مرافقوه في المدينة القديمة تحت الحراسة حتى ينتهي اللقاء .وأعترض أبو خالد قائلا :أنه تمنى لو استطاع تقديم مجموعته من المحاربين بأكملها ليريها لعبدالقادر، ولكن صديقه رفض قائلا أنه من المستحيل ذلك لأن عليه أن يتبع التعليمات حرفيا إذا أراد مقابلة عبدالقادر ،وبرر ذلك بالقول أنه حصل مؤخرا محاولات لقتل عبدالقادر وأنه تم تشديد إجراءات الأمن .وأصر أبو خالد على اصطحاب ياسر على الأقل معه حيث أن الصبي من عائلة الحسيني ،وبالتأكيد سوف يتأثر عبد القادر عند رؤية أحد أقربائه الشباب من غزة يقف مستعدا للانضمام إلى المقاومة.ولكن هذا الطلب رُفض أيضا لأن عبد القادر سيقابله وحده ،ووافق أبو خالد في النهاية.
في تلك الليلة تم إخطار عبد الرءوف ورفاقه من الإخوان الذين كانوا ينتظرون في بيت محمود ،تم إخطارهم بأن أبو خالد قد تقدم بطلبه لمقابلة عبد القادر وأنه تم ترتيب مقابلة بين الاثنين في الصباح التالي .وقبل ذلك اللقاء كان على محمود أن يأتي بعبد الرءوف ولآخرين إلى عبد القادر من أجل مناقشة وعود عبد الرءوف.
يقول إبراهيم رشيدية:"تم أخذنا إلى عبد القادر حوالي الساعة العاشرة صباح اليوم التالي وكان موجودا في فيلا خارج بوابة هيرودوت مصحوبا باثني عشر حارسا ومستشارا ،ولم يتهاون معنا حيث أعلن أنه إذا أردنا التخلص من أبو خالد واستعاده أبناءنا فعلينا تنفيذ ما يقوله حرفيا وبدقة،وكانت شروطه ليس فقط أعاده الأسلحة المخبأة في غزة ولكن أيضا استنكار أي ولاء للإخوان ،وتكريس ولاءنا بالكامل للحزب العربي الفلسطيني الذي كان يرأسه عبدالقادر نيابة عن "جمال الحسيني" ،والذي قام البريطانيون بنفيه .وكقائد لمجموعتنا وافق عبد الرءوف على الفور ووعد بتحويل خلية الإخوان في غزة إلى فرع للحزب العربي الفلسطيني ،وأنه سوف يتلقى الأوامر من جماعة عبد القادر الذين سيتم إرسالهم إلى غزة لقيادة الفرع ،ووافق الجميع على ذلك أمام عبد القادر ومرافقيه ،وتم صرفنا وطُلب منا العودة إلى غزة وأن نفعل ما طُلب منا وننتظر عودة أبناءنا".
وبعد نصف ساعة من مغادرة وفد غزة لفيلا عبدالقادر أقترب أربعة رجال مسلحين من شاحنة أبي خالد خلف كاتدرائية القديس جورج وبقي اثنان منهم مع ياسر وباقي الأولاد وغادر الآخران مع أبي خالد وسارا في اتجاه بوابة هيرودوت في الحي الإسلامي في المدينة القديمة وكان ذلك آخر العهد لأي منا برؤية ماجد حلبي – أبو خالد-

خديعة في القدس

كان عبد القادر الحسيني أبن موسى كاظم الحسيني ،وكان موسى كاظم رئيسا لبلدية القدس قبل الانتداب البريطاني ،ولكنه أُقصى من منصبه أثناء الاضطرابات اليهودية العربية عام 1920 وذلك بسبب تأييده المعنوي للمتطرفين الذين يقودهم أبن أخيه الحاج أمين ،وقام الإنجليز بتعين راغب النشاشيبي مكانه مثيرين بذلك عقودا من الخلافات بين العائلتين الأبرز في المنطقة ،وبقي راغب النشاشيـبي رئيسا لبلدية القدس حتى عام 1934 والتف حوله مجموعة من الكوادر السياسية والأعيان مشكلين في النهاية"حزب الدفاع الوطني" ،وكان برنامجهم تجاه البريطانيين والصهاينة مبنيا على الاعتدال والتفاوض وإلى درجة معينة التعاون .وبسبب العرف التنافسي السائد بين العشائر العربية كان موسى الحسيني مجبراً على تشكيل حزب مناوئ يُبرز فيه الخط الحسيني الأكثر تشددا، وأصبح هذا الحزب يعرف "الحزب العربي الفلسطيني"، وعندما توفي الشيخ موسى الحسيني استلم قيادة الحزب ابن أخيه الأقرب إليه وهـو جمـال الحسيني عام 1934 ،والذي بدوره تحالف مع اللجنة العربية العليا التي شكّلها الحاج أمين عام 1936 وعندما أُجبر الحاج أمين على الهرب عام 1936 بسبب قيادته للإضراب والشغب أصبح جمـال الحسيني هو الشخصية الحسينية الأبرز والمؤجِّج لنيران التطرف .وإضافة إلى كونه رئيسا للحزب العربي الفلسطيني ،حمل على عاتقه مسؤولية إبقاء جذوة حركة المقاومة المسلحة –التي أسسها الحج أمين- مشتعلة ،وكان يساعده في هذا ابن عمه ،ابن موسى كاظم الشاب عبد القادر الحسيني .وعلى الرغم من الإجراءات العقابية المفروضة من جانب البريطانيين إلا أن الثورة العربية بدأت عام 1936 واستمرت حتى عام 1938 ،ووصلت إلى ذروتها في خريف عام 1938 عندما قام الحاكم العسكري العام الجنرال "Haining" لقوات الانتداب البريطاني بإرسال تقريره إلى وزاه الحرب حيث كتب قائلا "أن الوضع وصل إلى درجة أن الإدارة المدنية والسيطرة إلى البلاد بكل المقاييس العملية لم تعد موجودة" * "ولخص هذا التقرير ما حصل في أيلول من نفس العام " **.
ولم تكن الثورة العربية صراعا ضد البريطانيين فقط ولكن أيضا إعلانا بالقطيعة بين عشيرتي الحسيني والنشاشيـبي حث بدأت الخلافات تزيد من حدة التوتر بينهما من سنوات العشرينات والثلاثينيات وكان حزب الدفاع الوطني قد عرض وجهة نظر النشاشيبية لحل لدولة عربية تقوم على ضم فلسطين إلى المستعمرة البريطانية المجاورة –شرق الأردن – لتشكيل دولة عربية كونفدرالية مستقلة ،وكان هذا الحل ضربة للحزب الفلسطيني الذي يقوده الحسينية ،وكان عبد الله الابن الأكبر للشريف الحسين بن علي شريف مكة وشقيق فيصل يحكم سرق الأردن وقد تعاون الحسين وفيصل مع البريطانيين أثناء الحرب العالمية الأولى عن طريق إعلان ثورتهم في الجزيرة العربية من أجل إسقاط الحكم التركي وتمكين فرنسا وبريطانيا من الحلول محل الإمبراطورية العثمانية في العالم العربي ،ونتيجة لجهودهم كانت بريطانيا قد وعدتهم بإقامة دولة عربية ذات صيغه قومية بعد الحرب تشمل المناطق العثمانية التابعة لسوريا بـمـا فيها شرق الأردن وفلسطين والرافدين ،وشبه الجزيرة العربية بأكملها .وكما عرفنا سابقا لم تَفِ بريطانيا بوعودها ،وكمكافأة للهاشميين "وهم العائلة المعروفة التي يرأسها الحسين بن علي" قاموا بتنصيب فيصل في البداية على جزء من سوريا ،ثم على العراق عندما قامت بريطانيا بتسليمها للفرنسيين ،واعترفوا بالحسين بن علي حاكما على الحجاز "وهي المنطقة الشمالية الغربية من الجزيرة العربية والتي تحوي المدن المقدسة –مكة والمدينة- كما نصّبوا عبدالله بن الحسين ملكا على شرق الأردن ،وهي مثل فلسطين كانت قد اقتُطِعت من سوريا ووضعت تحت الانتداب البريطاني .
وقد ألقى آل الحسيني وخاصة الحاج أمين باللوم على الهاشميين بعد أن حنثت بريطانيا بوعودها بإقامة دولة عربية كبرى مستقلة ،ولقناعتهم الراسخة بأنهم ولعدة قرون خلت سوريون ،فقد رأى آل الحسيني أن قبول الهاشميين للممالك المختلفة المعطاة لهم من البريطانيين كان تواطأً مع خيانة البريطانيين وبالرغم من كون الهاشميين من أعرق العائلات الحاكمة في العالم العربي ،إلا أنهم اعتُبِروا خونه للقضية القومية العربية في نظر آل الحسيني.

*تقرير الجنرال" H aining"القائد العام لوزارة العرب ،تشرين الثاني 1938 ،ومن مجموعة الأوراق الخاصة كلية القديس أنتوني جامعة إكسفورد، إكسفورد-إنجلترا
**بتصرف من المترجم

.وكان اقتراح النشاشيبية بإقامة تحالف مع الملك عبد الله حاكم شرق الأردن بمثابة الصاعقة على آل الحسيني وأجَّج لهيب صراع حرب جديدة بينهم وبين آل النشاشيبي في المراحل المتأخرة من الثورة العربية ضد البريطانيين عام 1938 ،وفي هذه الفترة برز عبد القادر كقائد وطني متطرف ،وبموت والده موسى الحسيني وقيام الحاج أمين بتوجيه السياسة من الخارج ،ووضع جمـال الحسيني في المنفى الإجباري في روديسيا الجنوبية في سنوات الحرب العالمية الثانية المبكرة ،فقد وقعت مسؤولية قيادة وتوجيه الحركة الوطنية المتطرفة في فلسطين على كاهل عبد القادر .
لم يدخل عبد القادر كما أشاع معارضوه في ذلك الوقت في اتفاقيات سرية مع البريطانيين لطمس الحركة الفدائية المناوئة لبريطانيا والصهاينة ،والسبب في انكفاء العمل المسلح هو ازدياد حدة التشظّي في الحركة الوطنية والذي أثارته الحرب الداخلية بين آل الحسيني وآل النشاشيبي والتي اندلعت في أواخر أيام الثورة العربية واستمرت حتى السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية ،وقد أُجبر عبدالقادر على قضاء معظم سنوات الحرب محاولا إخضاع الأجنحة التي لم تكن متوائمة مع الحزب العربي الفلسطيني وحركة الحاج أمين بشكل عام ،وسبب ظهور التشظي كان هزيمة الألمان في معركة العلمين عام 1942 ، وكان لفشل تنبؤات الحاج أمين أثر في التقليل من شأنه في عيون الوطنين والذين كانوا على ولاء هامشي له ،وكان مقتل ماجد الحلبي كان حادثة واحدة من سلسلة اغتيالات قام بها جماعة عبد القادر من أجل الحفاظ على روح تعليمات الحاج أمين في قلب الحركة الوطنية .
انخفض عدد الموالين لآل النشاشيبي ،واختفى عدد آخر من قادة العمل الوطني بنفس السرعة التي برزوا فها سواء كانوا قادة عسكريين أم سياسيين .
من الواضح أنه تم ترك عبد الرءوف القدوة مؤسس الإخوان في غزة دون تصفية لعدم قدرته على الوقوف في وجه عبد القادر وكذلك لأن المنطلقات المستمدة من فلسفة الإخوان كانت دينية ولم تكن سياسية أو عسكرية .لقد كانت قسوة عبد القادر كقائد للحركة الوطنية معروفة لعبد الرءوف وزملائه الإخوان عند التماس طلب تصفية ماجد حلبي ،وكانت قسوة عبد القادر سلوكا مكتسبا زادت حدته في الفترة الممتدة ما بين مقابلته الأولى والثانية مع عبد الرءوف ،وبعد مقابلته الأولى مع عبد القادر تجاهل عبد الرءوف تعليماته بحل منظمه الإخوان في غزة ،ولكنه عرف أنه لا يستطيع عصيان الأمر الثاني ولذلك وعندما علم أنه تم التكفل بأمر ماجد حلبي عاد هو وأنصاره إلى غزة في انتظار عودة أبنه العاصي من أجل الاستعداد لإعادة تأهيل منظمة حسب النمط الذي رآه عبد القادر ،ومن أجل تسليمها إلى ممثل عبد القادر الذي وعد بإرساله من القدس ،ولم يكن في ذهن عبد الرءوف أي تصور لمن قد يكون ذلك الممثل .
بعد رؤيتهم لذهاب أبو خالد باتجاه الحي الإسلامي في القدس لمقابلة عبد القادر ،قضى ياسر القدوة وعزيز غزال وقتهم عند الشاحنة خلف كاتدرائية القديس جورج منتظرين عودته ،وكذلك كان معهم اثنين من جماعة عبد القادر بقوا بعد اقتياد أبو خالد تجاه بوابة هيرودوت ،ويتذكر عزيز غزال :"ربما بقينا هناك خمس أو ست ساعات ،طوال ساعات ما بعد الظهر وكان يحرسنا رجلان ،ثم عاد الآخران دون أبو خالد ،وسألنا عنه فأجاب الرجلان :بأنه ما زال مجتمعا بعبدالقادر ،وقالا أنهما عادا لأن عبد القادر يريد الآن رؤيتنا وأنه طلب إليهما أن يأخذانا إليه".ركبوا الشاحنة وقادوا بنا في الجوار لبعض الوقت ثم إلى مسافة أبعد إلى الجانب الآخر من المدينة ثم العودة حتى حل الليل ،ثم توقفوا بجانب بوابة القديس ستيفان ،ومشينا إلى داخل المدينة القديمة ،لم نكن نعرف المدينة ولذلك لم نعرف إلى أين أُخذنا ،ولكن أربعة منهم قادوا أعلى وأسفل الشوارع والأزقة حتى فقدنا الاتجاهات بالكامل ، وأخيرا وصلنا إلى مبنى قديم ،وفي وقت متأخر من تلك الليلة أُدخلنا في غرفة وكان هناك عبد القادر،وسمعنا عنه من أبي خالد ولكن شعرنا بالدهشة أيضا ،كان رجلا وسيما ذو شارب كثيف ولحية خفيفة ،وكانت عيونه في ضوء الشموع حادة مثل سكاكين سوداء ،ونظر إلينا وقال :"من منكم عبد العبدالرحمن القدوة ؟! انتصب ياسر واقفاً وقال أنه ياسر القدوة، ولا يحب أن ينادى باسم عبد العبدالرحمن ،ضحك عبد القادر وقال :ياسر …هـا؟ لماذا ياسر أيها الصغير ،قال ياسر :لأن ذلك اسمه ،ثم قال عبد القادر :ولكن أباك أسماك عبد العبدالرحمن ،فمن أسماك ياسر؟ فأجاب ياسر:أبو خالد هو من أسماني ياسر ،فرد عبدالقادر:ومن يكون أبو خالد ؟فأجاب ياسر :أنه الشخص الذي جاء بنا لنراك،وهو معروف باسم ماجد حلبي أيضاً . قال عبد القادر :ماجد حلبي لهذا السبب سماك ياسر ،ياسر البيرة من حيفا أحد أتباع القسّام * ،نعم أني أرى الشبه".

"كان بقيتنا صامتين ،وتابع عبدالقادر بعد ذلك محاضراً فينا عن أهمية إعداد الصبيان العرب ليكونوا محاربين في الحرب ضد اليهود ،وكنا قد سمعنا الكثير من هذا الكلام من أبي خالد ،حيث أعلن ياسر أن ذلك كان سبب حضورنا إلى القدس ،ويجب أن أقول أنه من الرغم من أن ياسر كان على الأقل أصغر منا جميعا بسنتين أو ثلاثة إلا أنه لم يتردد في الكلام أمام عبد القادر، أما بقيتنا فقد كنا بطريقة أو بأُخرى مبهورين بعبدالقادر وكان خوفنا حد الرعب بحيث لم نقل كلمة واحدة ،ولكن ياسر تصرّف بشكل طبيعي على أنه قائد للمجموعة ،وبدا أن عبد القادر مُعجب به حيث قال:"أنت ولد لا توقر الآخرين أليس كذلك ؟ولكني أعتقد أن سبب هذا هو كونك من آل الحسيني"، فرد ياسر :أنا خجل من كوني من آل الحسيني ،أخبرنا أبو خالد أن آل الحسيني تعاونوا مع البريطانيين وفشلوا في تطهير أرض الله من دنس الصهاينة" .
"وعندما بدأ ياسر الحديث بتلك الطريقة التي كانت تقليدا لأسلوب أبي خالد ،وكما كان الأمر بالنسبة لأبي خالد كان كذلك لياسر وهو أن كل شيء إما أبيض أو أسود ،حيث لم يكن لديه فكرة عن حالة التشظي في حركة التحرر ولا أي وعي بخصوص انهيار معنويات العرب بعد فشل الألمان في غزو العالم العربي ،ولا أي وعي للواقع السياسي على الأرض ومثله مثل أبي خالد كان متطرفاً ولكن بطريقة مراهقة ،لم يطلق ولا حتى طلقة واحدة ،ولا يعرف التعامل مع السلاح ،ولكن كان كل ما يستطيع فعله هو الحديث عن قتل اليهود والبريطانيين .كنّا غاضبين لجرأته أمام عبد القادر لخوفنا من عقاب قد يوقعه بنا،ولكن ربما أن عبد القادر رأى فه روحا موروثة من آل الحسيني لأنه تحمَّل قلة تهذيبه ،لقد تجاهل عبد القادر عبارات ياسر وقام في المقابل بإلقاء محاضرة حول إنجازات العائلة حيث أشار إلى أن كل آل الحسيني أنهم إما منفيون أو مسجونون ،ووضح لنا كيف أن مهمة آل الحسيني قام بإحباطها آل النشاشيبي والآخرون المعارضون لحق تقرير المصير للعرب،وأوضح أيضا أن المعركة لإنجاز السيادة العربية في فلسطين لا يمكن الانتصار فيها حتى يتم توحيد جميع المجموعات تحت راية واحدة خلف قائد أوحد وأمضى الليلة يتحدث عن فضائل فكر وأعمال آل الحسيني ،وأضاف أن الحرب ستنتهي في أوروبا قريبا لتبدأ بعدها معركة العرب الحقيقية ولكن قبل البدء بالقتال يجب أن نكون مُوَحَّدين ولن يجدي نفعاً أن يكون الإخوان هنا وآل النشاشيبي هناك ،ومجموعات أُخرى في أماكن أُخرى يحاربون في معارك خاصة من أجل الرفعة في الصراع من أجل التحرر ،يجب عليهم جميعاً أن يقاتلوا تحت راية آل الحسيني الذين أثبت التاريخ أنهم الأكثر غيرة في الدفاع عن السيادة العربية في فلسطين .
وعند نقطة محددة في تلك الليلة استعلم ياسر عن مكان أبو خالد ،فأخبرنا عبد القادر بأنه بعد الاجتماع مع أبي خالد في وقت مبكر من النهار قام بإرساله في مهمة خاصة إلى سوريا ليتصل مع المناضل السوري فوزي القاوقجي ،وقال أيضاً أن أبو خالد ذهب من أجل تشكيل فرقة من المقاتلين ذوي الخبرة العاملين تحت إمرة القاوقجي ومن ثم يعود بهم ومعهم شحنة من الأسلحة إلى غزة لبدء العمليات الفدائية تحت راية آل الحسيني ،وصدقنا القصة دون أدنى شك، ولكن ياسر كان شديد الامتعاض لأن أبو خالد ذهب إلى سوريا دون اصطحابه معه ،فقام عبد القادر بتهدئته عن طريق القول بأنه صغير جداً على مثل تلك المهمات وأن أبو خالد كان متفقاً معه على أن ذهاب ياسر معه سيُبطئ من سير المهمة ،ثم أخرج رسالة قصيرة قال أن أبو خالد تركها لنا وكانت موجهة إلى ياسر وبدت حقيقية بشكل كامل حيث أخبر ياسر فيها ونحن معه بوجوب إطاعة أوامر عبد القادر أثناء غياب أبي خالد في سوريا، ويجب أن نقوم بما يأمرنا عبدالقادر به. وإذا حدث شيء قبل عودته إلى غزة فيجب أن نستمر في تبعيتنا للحاج أمين وعبد القادر.نظر ياسر طويلاً إلى عبد القادر قبل أن يقول أي شيء ثم أومئ بالموافقة ثم حدق عبد القادر في كل واحد منا واومئنا نحن بدورنا،ثم قال أنتم الآن أعضاء في الحزب العربي الفلسطيني فهل تعرفون ماذا يعني ذلك؟! في الواقع لم نكن أي منا يعرف ،فأجاب :ذلك يعني أنكم ستكونون ذوي ولاء لا يتزحزح لمبادئ الحاج أمين ولي،وستقومون بكل ما تؤمرون بفعله باسم كفاحنا…..الخ . ثم أخبرنا أننا يجب أن نعود إلى غزة بانتظار عودة أبي خالد ومجموعته ،ثم أضاف أنه حال عودتهم سيقومون بتدريبنا ونصبح جميعنا مقاتلون ثم جاءت المفاجأة عندما أخبرنا أنه عين ياسر ليكون ممثله الشخصي في غزة في مجموعة عبد الرءوف ،وأوضح لنا أنه أمر عبد الرءوف بأن يغير هوية المجموعة الإخوانية ويعيد تشكيلها بما يتناسب مع مبادئ الحزب الفلسطيني ،وكان عمل ياسر هو مراقبة حدوث التحول حسب رغبات عبدالقادر وأن يقوم بالإبلاغ عن أي انحراف .أما بقيتنا فقد طُلب منا تنظيم أكبر عدد ممكن من الشبان في المجموعة من أولئك الذين كانوا غير منظَّمين في أي من مجموعات عبد القادر في غزة بحيث يكون هناك كم من المقاتلين عند عودة أبو خالد من سوريا ومعه مقاتليه .
وبالطبع لم يعرف أي منا أن أبا خالد لن يعود من سوريا لأنه لم يُرسل هناك أصلاً وعلمنا فيما بعد أنه تم تعذيبه ذلك الصباح ليكتب تلك الملحوظة لياسر ثم قُتل فيما بعد .

كان عبدالقادر يشير إلى عز الدين القسّام الذي كان المؤسس في العشرينات لجماعة الحاج أمين الفدائية والتي تولى قيادتها لاحقاً ياسر البيرة عندما أنضم إليهم ماجد حلبي عام 1939 قاد القسّام مجموعته مجموعة من الهجمات الإرهابية ضد اليهود في كافة أرجاء شمال فلسطين أثناء سنوات الثلاثينيات ،وفي عام 1935 صعدوا إلى الجبال آملين في تنظيم ثورة فلاحين ولكنه سرعان ما قتل في اشتباك مع الإنجليز ثم تولى البيرة قيادة المجموعة وكان أول ما قام به هو اغتيال الحاكم العسكري البريطاني لمنطقة الجليل.

تـَــــركة أبو خــــالــــد

تم إعادة ياسر إلى أبيه عن طريق مساعدي عبدالقادر – صلاح طوقان وحمدي رسول – وبعد عدة سنوات قُــتل طوقان على يد الهاجاناه أما رسول فقد نجا من ثلاثة عقود من سفك الدماء وهو يعيش اليوم في شمال لبنان ، وهو يقول انه وطوقان طُلب إليهما التأكد من أن عبد الرءوف قد بدأ بحل خلية الإخوان وإبلاغه أن عبدالقادر قد عيَّن ياسر ليكون مندوبه أو همزة الوصل في المجموعة للتأكد من إعادة بنائها وفق مبادئ "الحزب العربي الفلسطيني" .
ويقول رسول : " لقد كان اهتمام عبد القادر بخلية الإخوان في غزة متواضعا وإلا لما قام بإيكال أمرها إلى صبي في الخامسة عشرة من عمره ، ولم يشكل الإخوان أي تهديد لجماعة عبدالقادر لأنهم في معظمهم من كبار السن ولكن عبد القادر توسّم شيئا في الصبي ، وقد شعر أن هذا الصبي سيكون ذا فائدة عظيمة لحركة التحرير عندما يصبح أكبر سِنَّا ، وكان السبب في ذلك الشعور طريقة الولد في الحديث ، لقد كان جريئا ومُستَفزِّا وحتى متماسكا بطريقة ما ، ولكنه شديد الدقة في حساباته وكأن كل شيء قاله كان يَقصد منه جر ردة فعل . وكان لديه القليل من احترام الصبي العربي التقليدي لمن هم أكبر سنا ، ويقول ما يدور في ذهنه باستمرار بغض النظر عن مُخاطِبه ، وبقيتُ وطوقان في بيت عبد الرءوف مدة أسبوعين أو ثلاثة حتى تم إنجاز هذه الأشياء ، وقد وافق الرجال على الانسلاخ عن الإخوان والانضمام إلى الحزب والعمل تحت إمرة عبدالقادر وحده وأن يرسلوا تبرعاتهم إلى القدس ، وأخبرناهم أن ياسر يجب أن يصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للمجموعة وأن عليه مخاطبة عبد القادر وحمل المال والتقارير إلى القدس كل ثلاثة شهور والعودة من القدس حاملا أوامر ورسائل من هناك . وقد أُخذ الرجال على حين غرة لان مسألة توجيه الأوامر إليهم عن طريق هذا الصبي الرخو الأهوج لم ترق لهم إطلاقا ولكننا أبلغناهم أنهم سيقعون في مشاكل شديدة الصعوبة إذا هم لم يمتثلوا لرغبات عبدالقادر . وأثناء مكوثنا في بيت عبدالرءوف شهدنا توترا كبيرا بين عبد الرءوف وياسر وكذلك بين ياسر وأخيه الأكبر ، أراد عبد الرءوف أن يعود ياسر إلى المدرسة ولكن ياسر لم يقبل بحجة أن لديه أشياء أكثر أهمية ليقوم بها ، وفي النهاية توجه إلينا عبد الرءوف وطلب منا التحدث مع عبد القادر حال عودتنا إلى القدس لعرض صفقة عليه حيث قال : إن ياسر إذا علم بتصفيتنا لأبي خالد فإنه سينزع عنه ولاءه الجديد لعبدالقادر وكنا نعرف أن هذا صحيح ، لأن ياسر لم يتوقف عن الحديث عن أبي خالد وكيف انه بعد وقت قصير عائد إلى غزة مع قوة من الفدائيين وكيف سيقود كل غزة في الحرب القادمة ضد الصهاينة . وقال عبد الرءوف انه سيحرص على إعلام ياسر بتصفية عبد القادر لأبي خالد إلا إذا قام عبد القادر بتوجيه أوامر إلى ياسر بالعودة إلى المدرسة . وبعد إقامتنا مدة ثلاثة أسابيع نستمع فيها إلى أحاديث ياسر حول أبي خالد ، أدركنا مدى ارتباطه به أفضل مما فهمه عبد القادر ولذلك اتفقنا على إعلامه بتهديدات عبد الرءوف .
وعاد الرجلين إلى القدس وبعد طمأنة عبد القادر أن مجموعة عبد الرءوف قد غُيرت بالكامل قُدِّمت له رسالة عبد الرءوف . يقول حمدي رسول : " غضب عبد القادر في البداية حيث كان سريع الغضب ، ولم يتهاون حيال أي تهديد ، ولكنا أشرنا إلى ضرورة مسايرة عبد الرءوف وأقنعناه أن عبد الرءوف فقد السيطرة تماما على الصبي ، وكذلك تقديم الصبي عليه في السلطة أفقده ماء وجهة ليس فقط أمام اقرأنه ولكن أيضا أمام أبناءه الآخرين . وأوضحنا له أن ياسر كرَّس نفسه للمهمة التي أوكلها له عبد القادر بالكامل ، وانه كان يمارس دور الرئيس على أبيه وإخوته،وأقنعناه أيضا انه لم يكن لعبد الرءوف ما يخسره إن هو أخبر ياسر عن موت أبي خالد ، وكيف تم ذلك ، وقلنا انه إذا فعل ذلك فان ياسر عنيد بما فيه الكفاية ليس فقط لاستنكار عبدالقادر ولكن ليتحول أيضا إلى عدو خطير مما قد يُلزمنا بقتله أيضا .وحدثّناه أيضا عن إخلاصه لأبي خالد ، ولكنه لم يتفهم ذلك قائلا "إن أبا خالد لم يكن إلا مغامرا منخدعا بنفسه ،فقلنا انه قد يكون كذلك ولكن هذه هي الحقائق ، وإذا رغبت يوما في تكريس ياسر لأعمال أكبر فلن يكون من الحكمة أن تستعديه بالرغم من كونه صبيا ، والشيء الوحيد الذي عليك القيام به هو الحلول في قلبه محل أبي خالد ، وطالما بقي الصبي يتوقع عودة أبو خالد فلن تكون قادرا على ذلك لان ياسر ينفذ أوامرك لأنه يعتقد أن أبا خالد أمره بذلك " .
وكان عبد القادر يعتزم السفر إلى رفح سرا وهي قرية في جنوب غزة وذلك للمساومة على شحنة من الهاونات والألغام وأسلحة ألمانية أخرى قام بدوي بجمعها بعد هزيمة الألمان في العلمين قبل سنتين ، وفي طريقه سيمر من جانب مدينة غزة وأقنعه رسول وطوقان بزيارة المدينة ووافق عبد القادر .
لقد كانت الزيارة في تشرين الثاني عام 1944 حدثا بارزا بالنسبة لغزة ، ورغم أن الزيارة نُظمت بسرية تامة إلا أن الخبر سرى في غزة ، وأخذت الزيارة طابع قيام قائد عسكري بالتفتيش على قواته وقام قادة المجموعات التابعة للحاج أمين بزيارته في مخبأه وتقديم الولاء له ، بينما حاولت السلطات البريطانية يائسة أن تقتفي أثره لكن دون فائدة ، وأثناء زيارته طلب حضور ياسر وعبد الرءوف ، وطبقا لما يقول إبراهيم رشيدية الذي رافق الاثنين ، قابل عبد القادر عبد الرءوف أولا " في البداية هنأ عبد القادر عبد الرءوف لأبوته لذلك الابن الشجاع المُتحَدِّر من آل الحسيني وقال انه تنبأ بأمور عظيمة لياسر ، ولكن ذلك لم يؤثر في عبد الرءوف لأن ياسر أصبح أقل الأولاد حظوة لديه ، واختلف عبد الرءوف معه قائلا إن ياسر كان من آل القدوة أولا ومن آل الحسيني ثانيا وأن ياسر قام بالعديد من الأمور التي جلبت العار لآل القدوة . غضب عبد القادر وأصبحت لهجته توبيخيه وقاطعه قائلا أن اسم آل القدوة كان كالنملة بالنسبة لحصان عند مقارنته بآل الحسيني ، وحذر عبد الرءوف من حشو رأس ياسر بالترهات المتعلقة بآل القدوة وان عليه أن يترك ياسر ليكبر كفرد حقيقي من آل الحسيني ، وفي مقابل ذلك سيعمل عبد القادر على عودة ياسر إلى المدرسة وأنه سيجعله يُظهِر الاحترام لعبد الرءوف في كل الشؤون الخاصة المتعلقة بعلاقات الابن مع أبيه بالنسبة للأمور العائلية ، ولم يتم التطرق إلى تهديد عبد الرءوف بإخبار ياسر عما حصل لأبي خالد " .
وافق عبد الرءوف عل مضض ، ثم استُدعي ياسر إلى الغرفة . ويضيف رشيدية : "نظر عبد القادر إلى ياسر نظرة كلها شفقة ثم اغرورقت عيناه وظهر حزن على وجهه وقال اسمع يا ياسر عندي أخبار سيئة لك ، انه ليحزنني بشدة أن أبلغك أن حبيبك أبو خالد قد لبى نداء ربه عندما كان في طريقه إلى هنا من اللاذقية ومعه السلاح وفرقة الفدائيين حيث طاردهم البريطانيين بجانب شاطئ ناتانيا ، وبعضهم استطاع الهرب ولكن الآخرين قُتلوا على يد عصابة يهودية ، وكان أبو خالد من هؤلاء حيث قاتل بشجاعة أتاحت للآخرين فرصة الهرب حيث استُشهد في سبيل القضية " .
صُعق ياسر وشعر بالإرباك ، ويقول رشيدية : " حدق في وجه عبد القادر ثم بدأ جسمه بالارتعاش ولكنه لم ينهار حيث ابتلع ريقه عدة مرات واستجمع نفسه ، ثم تابع عبد القادر قائلا: اسمع يا ياسر لقد وصل احد الناجين قبل أسبوع إلى القدس حيث جاء إلي وقال إن أبو خالد وقبل تعرضه للإصابة القاتلة وجه أمرا إلى من يستطيع الهرب أن يبحث عني ويوصل لي رسالته الأخيرة لأبلغك ناياها ، لقد كانت الرسالة تقول بان عليك الثأر لموته ، ولكن يجب عليك القيام بهذا بطريقة المحاربين العرب الساعين للحرية ، يجب عليك من الآن فصاعدا العمل تحت إمرة عبد القادر وتوجيهاته المباشرة لتحرير أرضنا من الاستعمار الأجنبي هل تفهم ذلك ؟ فأومأ ياسر برأسه موافقا ثم سأله عبدالقادر إذا كان راغبا بعمل ما قاله له . فأومأ ياسر مرة أخرى فقال عبد القادر : إذن لدي هذه التعليمات لك أولا يجب عليك العودة إلى المدرسة وتكملة تعليمك فيها وأثناء ذلك سوف تقوم بتنظيم زملاءك في جماعة سرية وسوف تسميها جماعة الشهيد أبو خالد ، وسوف نقوم بإعدادها للمستقبل لتكون موحدة وجاهزة عقلا وجسدا للاندماج في حربنا ضد اليهود والبريطانيين ، وثانيا سوف تحترم وتطيع أباك وأمك كل الوقت ما عدا الأمور التي قد تؤدي إلى التدخل في المهمة الموكلة إليك ، وإذا حدث ذلك لك الحق في عصيان أوامري . نظر عبد القادر إلى عبد الرءوف فأومأ عبد الرءوف بالموافقة ثم نظر ياسر إلى أبيه وبعدها إلى عبد القادر ثم قال عبد القادر : فهم أبوك ما قلت ، هل فهمت أنت ؟ فقال ياسر انه فهم ثم طلب عبد القادر من الاثنين معانقة بعضهما ثم طلب منهم عقد اتفاقية شرف واحترام متبادل حيث فعلوا . وفي وقت متأخر تلك الليلة حضر عبد القادر إلى بيت عبد الرءوف حيث اجتمعت كل العائلة حيث طلب من الجميع معانقة بعضهم وان يتوافقوا فيما بينهم .
وخاطبهم قائلا : أنهم بالرغم من أن والدهم من آل القدوة ألا أنهم كانوا حسينيين وانه يتوقع منهم تكريس أنفسهم لفكر آل الحسيني . كان الإحساس دينيا وكان عبد القادر رجلا قويا وعندما غادر ساد البيت جو من الهدوء والمصالحة .

مجموعة الشهيد أبو خالد

منذ بدايات عام 1937 تم تقديم عروض بريطانية حقيقية لتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين عربية ويهودية حيث لم يعودوا قادرين على حفظ السلام بين العرب والصهاينة ، وفي تموز من نفس العام حضرت لجنة بل Peal البريطانية بعد اندلاع الثورة العربية لبحث وسائل تحقيق السلام في المحمية وأصدرت عرضا يقضي بمنح اليهود المناطق الشمالية والساحلية في فلسطين بينما يحصل العرب على معظم المناطق الوسطى والجنوبية ، وأما الممر الذي يربط القدس مع يافا على المتوسط والمحاذي لتل أبيب فسيبقى منطقة دولية محايدة تحت الحماية البريطانية ، ومع أن هذا التقسيم يعطي العرب حصة الأسد من الأرض ، إلا أنها أرض جرداء ذات خصوبة متدنية ومعظمها في صحراء النقب ، ولم يكن هذا سبب رفض العرب وإنما يعود السبب إلى الصدمة التي سببها تقديم مثل هذا المشروع ، لقد كان المشروع مثالا آخر على الخيانة البريطانية ، إذ كيف تجرؤ بريطانيا وبشكل منفرد على إعطاء جزء من أرضهم إلى شعب أجنبي ؟ لقد كان مثل هذا الأمر بالنسبة لكل عربي ومسلم أمراً لا يمكن التفكير به . وبدلا من تهدئه ثورة العرب كانت خطة "بيل" بمثابة صب الزيت على النار ، وكان الصهاينة بقيادة "حاييم وايزمن" كانوا قد وافقوا على خطة التقسيم ، ولكنهم قاوموا البريطانيين من وراء الكواليس ليكون مشروع بيل أكثر انحيازا لهم من العرب ، وعندما علم القادة العرب بذلك أصبحوا وبكل بساطة أكثر تشددا في مقاومتهم .
ولعدم قدرتهم على مقاومة ضغوط العرب استمر البريطانيين في تقديم مشاريع مُعدلة لمشروع بيل من اجل التقسيم حتى عام 1939 عندما رضخوا للضغوط المتزايدة للقيادة العربية عن طريق عكس توجهاتهم ووضع قيود على الهجرة اليهودية وشراء الأراضي وأدى هذا الأمر إلى إثارة غضب الصهاينة والتخفيف قليلا من ضغوط العرب .
قام البريطانيون بتوجيه الدعوة إلى قادة صهاينة وعرب من فلسطين وأقطار أخرى لحضور مؤتمر في لندن ، وخرج المؤتمر بالكتاب الأبيض عام 1939 والذي فرض قيود على الهجرة اليهودية سالفة الذكر وكان في معظمه لصالح العرب وخاصة الوعد الذي قطعته بريطانيا بإقامة دولة عربية مستقلة على كل ارض فلسطين بعد عشرة سنوات وبالمقابل يقوم العرب بالتهدئة والتعاون مع البريطانيين ، وشعر العديد من الفلسطينيين المعتدلين بأن عليهم القبول بالكتاب الأبيض لأنه كان قريبا من تحقيق أهدافهم الوطنية ولو بعد مدة من الزمن ، وبأوامر من الحاج أمين الحسيني المنفي قام العنصر الحسيني
" الأقوى تأثيرا " برفض الكتاب الأبيض لأنه لم يقدم إضافات تحدد المدة الزمنية لقيام الدولة الفلسطينية ، وكذلك لان الكتاب الأبيض حظر على الحاج أمين العودة إلى فلسطين . وأوضح آل الحسيني بجلاء أن من يوافق على الكتاب الأبيض سيكون بمثابة إعلان منه برفض قيادة المفتي . وبرفضهم للكتاب الأبيض طوح العرب الفلسطينيين الوطنيين بأية فرصة قد تحقق لهم إقامة دولة عربية على كل فلسطين . لقد قلب الاضطهاد النازي ليهود أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية وخاصة عند معرفة جوانب كبيرة منه والذي بدأ يتضح عند اقتراب نهاية الحرب عام 1945 ، قلب رؤية العالم بحيث آن مطالب الصهاينة بالحصول على ملجأ أو وطن في فلسطين هو مطلب يجب دعمه وفي النهاية الموافقة عليه وعند حلول نهاية الحرب أصبح العرب الفلسطينيين والعرب الآخرين يدركون هذا التغير ، ولكنهم كانوا عاجزين عن وقف ذلك ، وأثناء الحرب أصبح الوجود اليهودي قويا ونشطا بحيث لا يمكن احتواءه ، وتم جمع مبالغ ماليه كبيرة لهم وخاصة من الولايات المتحدة . وتم إنفاق معظم هذه الأموال في صفقات سرية لشراء السلاح من بعض المصادر المتعاطفة معهم والجزء الآخر تم إنفاقه على وسائل الإعلام المساندة للصهاينة ، وعلاوة على ذلك قام الصهاينة بإرسال الفيلق اليهودي ليقاتل مع البريطانيين ضد دول المحور . وعند نهاية الحرب عاد العديد منهم إلى فلسطين بخبرة عسكرية عالية وتَمرُّس في استخدام الأسلحة الحديثة والتكتيكات العسكرية ، ومع قرب نهاية الحرب بدأت بريطانيا بإصدار تلميحات عن رغبتها في إنهاء حمايتها عن فلسطين وعندما وعى الصهاينة هذا الأمر قاموا بمضاعفة جهودهم لتأمين سلامتهم في فلسطين حيث تطور حلمهم من إيجاد وطن إلى طموح لإقامة دولة يهودية ذات سيادة ، وتم تكريس الدعاية الصهيونية والمناورات السياسية الدولية لتحقيق هذا الطموح .
وكلما زاد توحد اليهود حول فكرة إقامة الدولة اليهودية ، كلما زاد تفسخ الوطنيين الفلسطينيين ، وأدرك العديد منهم خطأ رفض الكتاب الأبيض، فلو أنهم قبلوا به لكانوا الآن على وشك تأمين دولة مستقلة مثلهم مثل باقي الدول العربية التي كانت على وشك الحصول على الاستقلال التام عن بريطانيا وفرنسا، وكان رفضهم مبنيا على إصرار من الحاج أمين وهذا الندم أدى إلى تضاؤل احترامهم أو خوفهم من الحاج أمين . وحتى أن الحاج أمين فقد المزيد من المصداقية نتيجة لصداقته مع النازيين ، ونتيجة لانقلاب الرأي العام العالمي وخاصة بعد كشف الأهوال النازية التي أوقعوها باليهود ، أصبح أي قائد عربي يساند الحاج أمين علنا يجد نفسه معزولا في كل العالم ، ونتيجة لذلك فقد فَقَدَ فصيل الحاج أمين مكانته في فلسطين وكذلك في العالم العربي وهرب الحاج أمين من ألمانيا إلى باريس حيث تم اعتقاله من اجل المحاكمة النهائية ليتم تحديد أذا ما كان مجرم حرب ، ولغياب صوت وتوجيهات الحاج أمين انحدر تأثيره أكثر فاكسر وأصبح ذلك جليا عندما قامت الدول العربية الأساسية بإنشاء جامعة الدول العربية في عام 1945 من اجل إيجاد جبهة عربية موحدة من اجل مفاوضات ما بعد الحرب مع الحلفاء للحصول على استقلال العرب في الشرق الأوسط . ولان الهدف من الجامعة كان تجسيد الآمال القومية العربية والمصالح المشتركة تم دعوة الفلسطينيين لإرسال مندوب عنهم ، وبعد سنة من تشكيل الجامعة أو أكثر لم يكن هناك شك في إرسال مندوب من آل الحسيني وقد يكون عبد القادر نفسه . ولكن ولعدم القدرة على التوصل لاتفاق حول من يجب أن يتم إرساله كممثل لفلسطين قام القائد السوري جميل مردم بالمبادرة إلى فرض خياره على الفلسطينيين – موسى العلمي – المحامي الذي كان بلا انتماءات سياسية ، وعمد العلمي فورا إلى محاولة فصل الحركة الوطنية الفلسطينية عن ذوي الآراء المتطرفة عن طريق إحداث المزيد من الانشقاقات في تلك الحركة ثم قام مردم الذي كان طامحا ليكون المتحدث الوحيد باسم الفلسطينيين قام بإنشاء لجنة عربية عليا جديدة وقام بفرضها في القدس رغم اعتراضات آل الحسيني ، وبدا أن لجنة مردم كانت تحقق هدف نهائي في توحيد الحركة الوطنية بالرغم من فرضها في وجه المعارضين المتزايدين وخاصة ألئك الذين ما زالوا موالين لآل الحسيني . واكتشف عبد القادر – وهو القائد العسكري المتمرس – أن سلطته السياسية بدأت تخبو بسبب علاقته مع الحاج أمين ، وفي بدايات عام 1946 عاد جمال الحسيني من منفاه في روديسيا الجنوبية ليجد أن حركة الحاج أمين والحزب العربي في حالة ترنح .
وقام جمال – وهو أكثر إدراكا للأمور السياسية من عبد القادر – قام بتجميع جماعة الحاج أمين ذات المعنويات المتدنية واستطاع إعادة بناء لجنة مردم العربية العليا لتصب في صالح آل الحسيني ، وتم دعم جهوده بعد عدة أشهر عند هرب الحاج أمين من سجنه في باريس ووصوله إلى القاهرة . وخدم ظهور المفتي المفاجئ في العالم العربي في عودة الروح إلى قيادته والتي كان فقدها أثناء سنوات الحرب ، فهو ما يزال المفتي ولذلك فهو يستحق الاحترام والتقدير ، وقدر القادة العرب ذلك ، وتدخلت الجامعة العربية ليعود الحاج أمين الناطق الوحيد باسم العرب في فلسطين والإقرار بان عبد القادر وجمال الحسيني هم ممثلين له هناك . وصادقت الجامعة على عودة الحاج أمين إلى قيادة اللجنة العربية العليا وقدمت التمويل لأنشطتها ووضعت موسى العلمي ممثل فلسطين في الجامعة العربية المعين من سوريا تحت إمرة الحاج أمين ، ولكن لم يُسمح للحاج أمين بالعودة إلى فلسطين .
وحتى وصول الحاج أمين إلى القاهرة كانت الأحداث الجارية تمر دون أي ملاحظة من ياسر القدوة في غزة والذي كان يبلغ السادسة عشرة من عمره ، وفي فترة العام والنصف التي مرت بين مقابلته لعبد القادر وعودة الحاج أمين, واظب ياسر على الحضور إلى المدرسة وحافظ على علاقة تتسم بالطاعة لوالده وقضى كل وقت فراغه في تنظيم زملاءه في المدرسة في المجموعة التي سماها مجموعة الشهيد أبو خالد ، وبعمله هذا فقد ذاق طعم تجربة متطلبات القيادة لأول مرة في حياته وطبقا للعديد ممن عرفوه أوجدت التجربة تغيرا حادا في شخصيته .
يقول "زهير سرور(Zurur)" الذي كان طالبا حينها في المدرسة : " لم يتأثر أي طالب من عودة ياسر إلى المدرسة عندما بدأ يوزع ملاحظات هنا وهناك داعيا إلى عقد اجتماعات من تنظيم خاص بالشباب ، وكان معظمنا يعرف تجربته مع ماجد حلبي للسنوات القليلة الماضية ومع أننا أحببنا ماجد ، إلا أنه عند اختفاءه عاد الجميع ينظرون إلى ياسر كما كانوا ينظرون إليه من قبل ، كموضوع للسخرية والتندر كما اعتقد ، ولكنه استطاع تنظيم أربعة إلى خمسة طلاب ليبدأ بتأسيس نادي أبو خالد ، لقد كان اؤلئك الذين اجتذبهم في البداية مثله – المنبوذين في المدرسة- وهم الذين بقوا منعزلين ولم يساهموا في الناشطة الاعتيادية . ولم يعر أي منا أي اهتمام لياسر أو إلى ناديه في البداية . ولكن لاحقا اتضح لنا أن أبو خالد هذا هو ماجد حلبي وسرت قصص حول كون ماجد مقاتل سري وكيف أنه قُتل على يد الصهاينة وانه تم إخبار ياسر من عبدالقادر لتنظيم مجموعة من الشباب تخليدا لذكراه . ولذلك حضر بعضنا اجتماعات مع مجموعة ياسر وسمعنا الحديث حول العمل العسكري ضد اليهود وكيف انه يجب أن نتحول إلى قوة ضاربة تحت قيادة عبد القادر ، كان الأمر كله صبيانيا ، ولكنه أثار اهتمامنا وخاصة أن مصدر الحديث كان ياسر ، لقد قلد العديد من سلوكات ماجد ، حيث تجحظ عيناه عند الحديث ويزيح وجهه جانبا عند الوصول إلى نقطة هامة ويستخدم يديه في حركات حاسمة وكذلك كان يعطي شكلا كاريكاتيريا ، ولقد كان ياسر هذا يختلف عن الصبي الخجول الحاقد الذي اعتدنا عليه ، أثار عجبنا ولكنه أيضا خلق عندنا انطباعا جديدا .
ويستذكر خضر(Hadar) التلهوني الذي كان زميلا لياسر ويعمل حاليا في بقالة في بيروت : " كان لي أخ كبير قتلته عصابة الأرغون اليهودية عام 1942 ولذلك فقد كنت مهتما بأي شيء يقود إلى العمل ضد الصهاينة ، وفي الواقع فقد حاولت تنظيم مجموعة ولكنها انتهت إلى لا شيء ، وعندما علمت بما كان يفعله ياسر بدأت بحضور اجتماعاته ، لم أتوقع الكثير لأنني لم أكن اقدر ياسر أو أي واحد من أبناء القدوة عاليا ، ولكنني تفاجأت فقد كان قياديا ذو معرفة عالية وذو قدرة على ترتيب أفكاره ، وكان يحمل نشرات قال إنها أُعطيت له من عبد القادر وكان يعطينا إياها للقراءة ثم نقوم بمناقشتها ، لقد كانت نشرات حقيقية, كلها حول عدم قانونية الانتداب البريطاني في القانون الدولي ، وانه لا سند قانوني لوعد بلفور وان طريقة التعامل مع فلسطين كان انتهاكا لاتفاقية عصبة الأمم وان هجرة واستيطان اليهود في فلسطين أمر غير قانوني ، وكان ياسر يحاضر فينا حول هذه الأمور ، وانه يجب أن نبادر إلى ألامساك بزمام المبادرة القانونية للتغلب على هذه الانتهاكات القانونية. كنا نسمع مثل هذه التحريضات في صفوفنا ولكنها في العادة كانت تأتي من المعلمين الكبار في السن ، الذين كانوا يقولون في النهاية أن الله سيعيد كل شيء إلى الطريق الصحيح ، ولكن ياسر لم يتحدث عن الله ، لقد تحدث عن البنادق والقتال وكان يتحدث عن طرد العرب للصليبيين وإننا يجب أن نقوم بنفس العمل مع اليهود ، وبسبب ما حدث لأخي فقد راق هذا الأمر لي وأصبحت عضوا متمرسا في مجموعة الشهيد أبو خالد . في الأشهر القليلة الأولى كان هناك حوالي ستة منا إضافة إلى واحد أو اثنين من إخوة ياسر ، وكان حسين أخوه الأصغر حاضرا باستمرار وأعتقد أن الآخر هو نصر ، ثم توافد أولاد آخرون من المدرسة ومعظمهم كانوا أكبر سنا ، ومرة أو مرتين حاول الأولاد الأكبر سنا الاستيلاء على القيادة من ياسر ولكنه أصبح أقوى وأكثر إقناعا وكان قادرا على مقاومتهم ، ورغم غيرتهم إلا أن الأمر انتهى بهم تابعين له ، ولم يكن ياسر يبدو قائداً ولم يكن يمتلك أي مظاهر جذب مثل تلك التي يمتلكها عبد القادر أو ماجد ، ولكنه كان قادرا على الحديث وكان يعرف أكثر مما يعرف بقيتنا " .
ويقول نصر القدوة انه كان عضوا مؤقتا في المجموعة ويضيف : " في هذا الوقت كنت وإخواني الآخرين في الوسط بين أبي وياسر وحافظ أبي على وعده لعبدالقادر ولم يحاول التدخل فيما يفعله ياسر ، ولكنه لم يرغب أن ينضم زيد آو حسين أو أنا إلى مجموعة ياسر وبالطبع كان ياسر دائم المحاولة لجذبنا إلى جانبه ولذلك كنت أحضر بعض الاجتماعات بين الفينة والأخرى وكان ذلك فقط من اجل رضاه ، وفي ذلك الوقت لم أكن مهتما لأني سمعت كثيرا من مثل هذا والكثير من الجدل ، ولكن حسين أصبح تابعا له ، لقد أخذ ياسر الأمر على محمل الجد واهتم له كثيرا وأدى ذلك إلى تغيره بشكل مهم ،لقد حاز إحساسا بالقوة والسلطة نتيجة أنشطته وأصبح كثير الخروج والاختلاط ، وكان يذهب إلى المقاهي ويدخل في مناقشات مع من هم أكبر سنا حول ما يجب فعله ، وكان هؤلاء الرجال أعضاء في مجموعات مقاومة سرية أو سياسيين محليين ، كان ياسر يجادلهم مما يسبب إعجابهم وبعضهم كان يستنكر قلة تهذيبه ، وكان ذلك في الوقت الذي كانت فيه حركة آل الحسيني تتعافى من تدهور مكانتها بسبب المفتي ، وكان الرجال قليلي التوقع من مجموعة الحاج أمين ولكن ياسر كان يدافع عنهم بحماس وكلام كثير .
"حسام الفاهوم "– شاب من غزة دخل مجموعة ياسر – يتذكره كما يلي : " لقد أصبح ياسر شخصا آخر خلال سنة ، وعندما عرفته أول مرة كان انسحابيا ومثيرا للريبة ، كان مولعا بالسرية والغموض ولكنه عندما رأى أن المجموعة بدأت بالامتداد بدأ بالخروج من عزلته ، كان طوال الوقت جادا ومخلصا لعمله ولكنه بدأ يلقي النكات هنا وهناك ويبتسم بين الفينة والأخرى ، وبدأ يعي مسألة كونه من آل الحسيني وبدأ بالحديث والتصرف على أساس أن دمه الحسيني أضفى عليه الاحترام بشكل تلقائي ، كان الأمر سخيفا في البداية حيث كان يقلد ماجد حلبي ثم أضاف إلى ذلك بعضا من سلوكات عبد القادر ، كان الأمر سخيفاً لأنه لم يكن يشبه أي منهما ولكننا اعتدنا على ذلك وفيما بعد بدا الأمر طبيعيا .
وكان هناك صراعات بين ياسر وبعض الأولاد الذين لم يستسيغوا فكرة كون ياسر قائداً لنا وكان هناك ولد من آل النشاشيبي الذي استمر بالتقليل من شأن آل الحسيني وياسر وقام بإنشاء مجموعة منافسة وأتذكر أن ياسر نظم مجموعة من خمسة أو ستة أولاد لمهاجمة ذلك الولد ، لقد قمنا بضربه ضربا مبرحا ولم يُسمع منه شيئا بعد ذلك ، ولم يشارك معنا ياسر في العملية ولكنه ببساطة وقف يُراقب " .
ويستذكر "تيسير العارف" – وهو ابن أخ "عارف العارف" – احد الفلسطينيين الذين تعاونوا مع الحاج أمين في الاضطرابات المبكرة ضد الصهاينة ، حيث انتقلت عائلته إلى غزة من القدس في أواخر الثلاثينات وأصبح عضوا في مجموعة ياسر وهو اليوم تاجر قطن ويسكن في القاهرة يقول : " لقد كانت مجموعة أبو خالد واحدة من المجموعات التي تشكلت في غزة قبل نهاية الحرب ، واعتقد أنه كان لبدر القدوة مجموعة خاصة به مُنافِسة لمجموعة ياسر وأعترف أني بدأت نشاطي في مجموعة أخرى قبل تشكيل مجموعة ياسر إلا أن مجموعتنا انحلت وانتهى الأمر ببعضنا في مجموعة ياسر. أصبح ياسر أكثر تطرفا واكتسب ثقة أكبر بنفسه كقائد ، وكلما زاد تشدده زادت قسوته ، وعندما وصل خبر مجيء الحاج أمين إلى القدس كانت تلك لحظة ارتقاء بالنسبة لياسر ، لقد بقي على إيمانه بالحاج أمين وعبد القادر ,في اللحظة التي كان الجميع قد فقدوا الثقة بهما ، وعندما وصلت الأخبار أصبح ياسر أكثر وضوحا ، ولكنه قام بعمل غريب ، فعندما أصبح عدد أفراد المجموعة من 20 – 25 فردا نَظَّمَنا ياسر إلى فصائل تتكون كل منها من خمسة إلى ستة أعضاء ، وكان الهدف السعي لدى المجموعات الأخرى للانضمام إلينا وإذا رفضت كان يجب علينا ضربهم حتى يخضعوا وكنا نتسلح بالهراوات والسكاكين ونقوم بغارات مفاجئة ، وبعودة المفتي إلى المشهد شرع ياسر بالسيطرة على كل المجموعات وقال حينها انه يتصرف بموجب أوامر من عبد القادر ، ولكني اشك بذلك وأعتقد جازما انه لم يكن لديه أي اتصال مع عبد القادر في تلك الأشهر وقام بعملية مبادرة منه شخصيا ، لقد أراد السيطرة على كل مجموعات الشباب وعندما وجد أن أسلوب الإقناع استغرق وقتا طويلا ، حاول القيام بذلك عن طريق العنف والتهديد. وإلى حد ما فقد نجح بذلك لأنه مع نهاية عام 1946وصل عدننا إلى حوالي 300 ولد " .
وطبقا لما يقول "حافظ أيوبي" وكان حينها عضوا هامشيا في مجموعة أبو خالد وهو اليوم شيوعي فلسطيني ، يقول بالرغم من اتساع المجموعة وأن ذلك الإنجاز لم يكن نمواً طبيعياً من ناحية العدد يقول : " كنا في الواقع نلعب ألعابا وهذا كل ما كان ولم يكن أحد قادة التشكيلات العسكرية العليا في المقاومة يأخذنا على محمل الجد ولذلك لم يكن لنا ما هو مهم أو ذو قيمة ، كان اليهود يتدفقون إلى فلسطين عن طريق السفن على الرغم من قيود الهجرة التي وضعها البريطانيون ، وكان هناك إرباك كبير في الحركة حول كيفية التعاطي مع الأمر ، لقد كان البريطانيون يستعدون للمغادرة ولكن في نفس الوقت كانوا يقومون بكل شيء لتعزيز موقف الصهاينة وإضعاف موقفنا ، ويجب القول رغم ذلك أن ياسر حافظ على المجموعة ، لقد كان مُنظِّما بارعا وأصبحت مجموعتنا الأكبر في غزة ، وكبرنا لدرجة انه كان علينا الاجتماع ضمن مجموعات واستطاع الاحتفاظ بنا بواسطة الكلام المنمق ، والأمر بأكمله كان أننا بانتظار نداء السلاح من القدس من عبد القادر وكان يُفترض بنا أن نكون عاصفة التحرير العربية ، وعندما كان يفشل الكلام كان يلجأ إلى العنف ، كان لديه دائرة داخلية مكونة من8-10 أولاد وكان يبعث بهم لضرب اؤلئك الذين يُظهرون علامات الانشقاق أو الانحراف .
ولكن بسبب ذلك انتهى بنا الأمر إلى لا شيء ، ولم يكن لياسر أو لمجموعته الداخلية أي فكرة عن العمل السياسي وكل أفكارهم تركزت حول القتال من اجل تحرير آل الحسيني ، حيث ركزوا بالكامل على فكر الحاج أمين والاستيطان اليهودي ولم يكن لديهم أي وعي بما كان يجري في العالم ولم يكن لديهم أي فكرة عن الحكومة أو الفكر السياسي أو الرأي العام ، لقد كان هناك أولاد كبار حاولوا إدخال بعض الأفكار السياسية إلى الاجتماعات وان يرجِّحوا فكر سياسي على آخر ، ففي النهاية ماذا سيعني التحرير إن لم يكن له أساس سياسي ، ولكن ياسر رأى ذلك انحراف عن أهداف المجموعة ، كان يُفترض بنا أن نكون جنودا وليس سياسيين وان نجهز أنفسنا للشهادة من اجل قضية التحرير .... الخ ، لقد كان بارعا فيما يخص العمل الاستشهادي ، ففي احد المرات قــُتــــل احد أفراد المجموعة في حادث عادي حيث كان يركب حصانا وعندما وقع الحصان كسر رقبته ومات ، نسيت اسمه ، ولكن لنقل أن اسمه كمال صبري . قام ياسر فورا بإعلان كمال شهيدا وأطلق على أحد ما سُمي يومها المجموعات الفدائية – فصيل الشهيد كمال صبري – .

قرب التقسيم

وأخيرا جاء النداء إلى مجموعة الشهيد أبو خالد لحمل السلاح في ربيع عام 1947 . فأثناء العام المنصرم أُرسلت لجنة أمريكية – إنجليزية إلى فلسطين من اجل تقصي الحقائق لإيجاد حل آخر للمشكلة العربية – الصهيونية ، وتوصلت اللجنة إلى " أن فلسطين لا يمكن اعتبارها عربية بالكامل أو يهودية بالكامل . وليس أمرا عادلا ولا عمليا أن تكون دولة عربية أو دولة يهودية " . واقترح تقرير اللجنة شكلا ضبابيا لإدارة حكومية ذات قومية ثنائية في فلسطين ثم أوصت برفع قيود الهجرة وبيع الأراضي التي فرضتها بريطانيا عام 1939 وان يتم السماح فورا بدخول 100 ألف لاجئ يهودي من الموجودين في مخيمات التجميع بالهجرة إلى فلسطين .
ونتيجة لأطماع الولايات المتحدة في الاستيلاء على مصالح بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط قامت وبكل حماس لتطبيق توجيهات اللجنة الخاصة بالهجرة ,ولكن بريطانيا التي كانت تحاول إحياء مصالحها الإمبراطورية واستعادة صداقة العرب لم تُلِّزم نفسها بتلك التوصيات وبالمحصلة النهائية رفض رئيس وزراء بريطانيا "أنيرون بيفن" رفع قيود الهجرة .
أما في فلسطين فقد أطلق اليهود موجة منظمة من عمليات الانتقام ، وبسبب تمسكهم الشديد بضرورة إنشاء دوله يهودية في فلسطين نتيجة لتجربتهم مع النازيين فقد كانوا يُعدون لحرب شاملة من اجل تحقيق هذا الهدف . وفي حزيران من عام 1946 قامت مجموعة من الهاجاناه بتفجير 12 جسرا رئيسيا تربط فلسطين بالعالم العربي وبالمقابل ردت بريطانيا بإعلان حظر التجول وقامت بحملة تفتيش عل مكامن الأسلحة ، وبعد عدة أيام قامت الهاجاناه بخطف ستة ضباط بريطانيين وردت بريطانيا على ذلك باحتجاز مجموعة من قادة الوكالة اليهودية ووضعتهم في معسكر اعتقال ، وفي حزيران قامت مجموعة من الأرغون بنسف جناح من فندق الملك داوود في القدس ، وأدى الانفجار إلى قتل مائة بريطاني وعربي وكذلك بعض اليهود ، ونتيجة لذلك وردا على كل إجراء بريطاني صّعد اليهود من عنفهم حيث كانت الهاجاناه تضرب في الأغلب الأهداف العسكرية وأما الأرغون وشتيرن فكانت تضرب في كل مكان . لقد كانت العمليات اليهودية نسخة من أعمال الشغب التي قام بها العرب بين عامي 1936 –1939 ولكن بمستوى عسكري أكثر تطورا وتعقيدا ، إلا أن بريطانيا في هذا الوقت قد شعرت بأنها نالت ما يكفيها وليأسهم من إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية فقد أعلنت نيتها لانتهاء انتدابها في شباط عام 1947 وأحالت القضية إلى الأمم المتحدة . وبعد توحد الوطنيين العرب عقب عودة الحاج أمين في ربيع 1946 ألا أنهم سرعان ما انقسموا مجددا نتيجة لحرب اليهود مع بريطانيا ، وأثرت الحرب بشكل مباشر على السكان العرب وأصبح العرب مع نهاية هذا العام أكثر يأسا وتم تجاهلهم بشكل كامل ، وكذلك فشلوا في رصد كميات الأسلحة الحديثة التي يمتلكها اليهود والتقنيات العسكرية المتطورة التي وظفوها في استخدام تلك الأسلحة . ولم يلاحظوا أيضا مجموعة الإعلانات المستمرة بخصوص إنشاء دولة يهودية ذات سيادة واعتبارهم فلسطين بالكامل لهم – مع عدم قدرة اللجنة الانجليزية – البريطانية على الوقوف في وجه أطماعهم – .
ازداد إحباط الوطنيين بسبب الحقائق الجديدة على الأرض وهي أنه وبينما تدور الحرب بين اليهود والبريطانيين وبدأت الدول العربية المجاورة لفلسطين بنيل استقلالها بخسائر وسفك دماء أقل في الوقت الذي أصبحت فيه آمال وتطلعات الفلسطينيين أمرا هامشيا . فقد اضطر الكثيرون للصراع ، ولكن لم يوجد في أي دولة عربية نفس المقدار من العنف الذي كان سائدا في فلسطين وباستثناء سيطرة البريطانيين على السويس كانت مصر قد حصلت على استقلالها ، ثم في عام 1946 تحررت لبنان وسوريا كليا من الحكم الأجنبي وفي نفس العام انتهى الانتداب البريطاني على شرق الأردن وحصل على استقلاله تحت حكم الملك عبدالله الهاشمي .
وبعد أن وضعت بريطانيا مشكلة فلسطين في يد الأمم المتحدة تم تشكيل لجنة في المنظمة الدولية لإيجاد حل لها وعرفت باسم " لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين UNSCOP " حيث وصل أعضاء هذه اللجنة إلى الأرض المحتلة في أيار عام 1947 ومثل البعثات التي سبقتهم قاموا فورا بتبني عملية التقسيم . في آب عام 1946 قدمت الوكالة اليهودية مشروع تقسيم يعطي لليهود سيطرة على 70 % من ارض فلسطين و 30% للعرب برغم أنهم اقل من نصف العرب في ذلك الوقت في فلسطين ووضعت UNSCOP خطة معدلة لخطة الوكالة اليهودية ولكنها في المحصلة أعطت اليهود اثر من 50% من الأرض رغم علمها أن عدد اليهود اقل من نصف عدد العرب .
وبشكل مفهوم ، حتى المعتدلين الذين قبلوا بالتقسيم رفضوا مشروع هذه اللجنة بسبب كَرَمِها تجاه الصهاينة على حساب الحقائق السكانية على الأرض ، ورفضها المناضلون العرب الذين يعملون مع الحاج أمين الحسيني وكان غضبهم على نطاق غير معهود ، حيث قام هؤلاء بتحريك مجموعاتهم فورا في كل فلسطين والتي كانت تتشكل وتنتظر في سنوات الحرب من اجل تأمين أقصى جهودها من اجل السيطرة الكاملة على البلاد . وأثناء الحرب فان مختلف مجموعات الحاج أمين والتي طورها عبد القادر الحسيني أصبحت موحدة في مجموعة واحدة عُرفت فيما بعد باسم "الفتّوة" ، والآن حان الوقت للفتّوة لتبدأ عملها.
وفي أيار من عام 1947 ولتظهر إصرارها للأمم المتحدة بعدم قبول العرب لأي شكل من أشكال التقسيم قامت الفتوة وبقيادة عبد القادر بتنفيذ أول هجماتها المنظمة ولم يعد العدو هو بريطانيا لكنه اليهود وحدهم ، وكان الهجوم ضد قافلة يهودية على طريق القدس – الخليل وقتل فيها ستة يهود وجُرح آخرون بنيران البنادق الأوتوماتيكية العربية . وفي الوقت التي كانت فيه الهاجاناه وأرغون تواصل تحرشاتها بالبريطانيين فقد حولت انتباهها إلى العرب ، فقامت الهاجاناه بالرد بالمثل على مكتب يُشتبه بأنه مقر للفتوة ، فقتلت ساع كان يعمل في المكتب ، وردت الأرغون بهجوم مباغت على قرية عربية من الجليل حيث قتلت 16 عربي ونسفت منازلهم . وتداخلت المعركة، وكالعادة وبالرغم من قوتها البلاغية إلا أن الفتوة كانت خفيفة التسليح عند مقارنتها مع المجموعات المسلحة الصهيونية ، وذلك لان كل ما استطاع العرب حيازته من سلاح عمد عبد القادر إلى تكديسه في القدس ، ولذلك فان مجموعات الفتوة المنتشرة في الأراضي البعيدة عن القدس كانوا مجبرين على العمل بما يتوفر لديهم من أدوات محلية .
وكان الهجوم الأول الذي قامت به الفتوة بمثابة نداء لكل المجموعات الفدائية العربية المستقلة في فلسطين . وفي غزة استجاب ياسر ومجموعة أبو خالد بحماس وكذلك كانت استجابة العديد من المجموعات بجانب مجموعة أخيه الأكبر بدر ، والمشكلة الوحيدة لهذه المجموعات – باستثناء مجموعة قديمة للحاج أمين - وأخرى لآل النشاشيبي باستثناء هاتين ، لم تكن أي مجموعة تمتلك أي سلاح ، وللتغلب على مشكلة نقص السلاح قامت جميع المجموعات بالانضمام إلى المجموعتين المسلحتين واللتان تكونتا في الأساس من رجال في الأربعينات والخمسينات من العمر .
ويقول تيسير العارف : " في يوم من الأيام زار ياسر ممثلين عن فصيل الحاج أمين واخبروه أن لديهم أوامر من عبد القادر تقضي بانضمام الأولاد من مجموعة أبو خالد إلى مجموعات الفتوة الموجودة في غزة ، رفض ياسر في البداية لأنه أرادنا أن نبقى مستقلين, ولكن ولعدم توفر السلاح فقد تركنا مجموعته وانضممنا بشكل شخصي إلى الفتوة . وفي النهاية رضخ ياسر ولكنهم قاموا بوضعه مع مجموعته المقربة في وضع مُهمَّش ولم يُسمح له بالتحدث حول أساليب عمل الفتوة في غزة ولم يُسمح له كذلك بحضور الاجتماعات السرية التي يتم فيها اتخاذ القرارات . نظروا إليه على انه صغير وكانوا في بعض الأحيان يخاطبونه قائلين " اذهب مع عدد من الأولاد إلى مكان كذا وكذا وقم بهذا العمل أو ذاك " ولم يكن بالعمل المهم ولم نحصل حتى على مسدس " . وعندما اتضح أن الأمم المتحدة رجَّحت التقسيم عام 1947 صّعدت الفتوة إرهابها ضد اليهود ، ولكن غزة بقيت هادئة نسبيا وانحط الصراع لينحصر بين المجموعات المتنافسة ، مجموعات الحاج أمين ومجموعات آل النشاشيبي المعتدلة ، وأصبح في تلك الفترة لآل النشاشيبي قوات فدائية سمتها "النجادة" وكانت أسلحة النجادة أكثر وفرة من جماعة الفتوة لان آل النشاشيبي في السنوات الماضية كانوا متعاونين مع الانجليز وبالتالي كانت لهم صلات أفضل مع الجنود البريطانيين الذين كانوا يبيعونهم أسلحة من التشكيلات البريطانية كسوق سوداء وفي المحصلة فان الحرب الأساسية التي خاضتها الفتوة أثناء صيف عام 1947 كانت موجهة ضد النجادة للاستيلاء على أسلحتها .
أُصيب ياسر بالمرارة نتيجة لتجميد النشاط المفروض عليه وعلى مجموعته من قِبل قادة الحاج أمين في غزة ، وأخيرا ومع نهاية شهر تشرين ثاني عام 1947 قام ياسر وبصحبته أخيه المقرب حسين مع اثنين من المقربين في مجموعته بالذهاب إلى القدس لعرض خدماتهم كمقاتلين لعبد القادر نفسه . وتزامن وصول ياسر مع تصويت الأمم المتحدة على قرار التقسيم طبقا لمشروع لجنة UNSCOP وكانت القدس في حالة اضطراب وأعلن العرب عن طريق الحاج أمين الموجود في القاهرة رفضهم المطلق لقرار الأمم المتحدة وأصروا على عدم وجود أي أحقية للمنظمة الدولية لفرض قرار التقسيم عليهم ، وكان المفتي مدعوما من جامعة الدول العربية التي حذرت " أن أي محاولة لفرض توصيات لجنة UNSCOP أو أي مشروع مشابه سيتم مقاومته بشكل حاسم من جميع الدول العربية ولن يكون هناك أدنى شك انه إذا اضطرت الدول العربية فإنها ستقاتل من اجل فلسطين " . *
وبعد تصويت الأمم المتحدة مباشرة فان الفصائل المتناحرة في الحركة الوطنية العربية وضعت كل خلافاتها جانبا وتوحدت من اجل بدء الحرب ضد الصهاينة والقوات البريطانية إن هي تدخلت . وفي الثاني من كانون الأول اندلعت الهجمات العربية ضد الصهاينة في كافة أرجاء فلسطين ، وبمجرد وصول ياسر إلى القدس انضم هو ومجموعته إلى مجموعة من الغوغاء كانوا أكثر من مائتي شخص من جماعة الفتوة حيث نزلوا إلى الحي اليهودي في المدينة وأوقعوا فيهم أضرارا مادية وأصابوا بعضهم بجراح ، وفي اليوم التالي وجدوا احد ضباط عبد القادر خارج احد المنازل يحضِّر لحرب شاملة على سكان القدس اليهود فتطوع ياسر بتقديم خدماته وزملاءه وطُلب منهم أن يعملوا كمراسلين بين مجموعات الفتوة داخل وخارج القدس .
كان" صلاح حداد" شابا يبلغ العشرين من العمر في ذلك الوقت وكان أبوه احد المساعدين المقربين من عبد القادر وكان صلاح نفسه عضوا فاعلا في قوات عبد القادر وهو اليوم عضو في جماعة جورج حبش الثورية الفلسطينية الشيوعية وكان يومها حداد مساعدا لسليمان رضا أحد ضباط عبد القادر وفي تلك الفترة ظهر ياسر وأخوه حسين مع مجموعتهم . ويستذكر حداد قائلا : قام ياسر بكل الحديث حيث كان يبحث عن عبد القادر والذي كان يدير العمليات من بَيْت على طريق أريحا حيث اعطاهم سليمان مهمات كناقلي رسائل ولكنه لم يخبرهم بمكان عبد القادر ولكن ياسر استمر يجادل وهو يقول إن عبد القادر يعرفه جيدا وأنه أحد أفراد عائلة الحسيني ولم يكن سليمان يعرفه ولم يكن يريد أن يكون مسوؤلا عن كشف مكان تواجد عبد القادر لشخص لا يعرفه . وقام ياسر بإيصال الرسائل لعدة أيام وحتى انه رافقني في غارة بعد أسبوع من وصوله حيث قمنا بقتل مجموعة من اليهود بجانب كنيس Hurva ومع ذلك كان سليمان مصرا على عدم إخباره بمكان عبد القادر وفي النهاية ذهب ياسر إلى جده محمود حيث قام جده بتزكيته عند سليمان الذي وعد بإيصال خبر إلى عبد القادر أن ياسر يبحث عنه وانه أراد الانضمام إليه " .
وكرد فعل على الإرهاب العربي المتزايد ابتدأت القوات اليهودية هجماتها ضد السكان العرب ، ففي الثاني عشر من كانون أول وبينما كان عبد القادر يشق طريق تجاه بوابة دمشق انفجرت قنبلة زرعتها جماعة أرغون في محطة حافلات مجاورة وقُتِل خمسة عرب وجُرِح حوالي خمسين بمن فيهم عبد القادر حيث تمزق وجهه وذراعاه بفعل شظايا الزجاج المتطايرة ، فأُخِذ إلى مقهى قريب من المكان حيث تم تطهير جروحه .
ويقول حداد " وسرى خبر ما أصاب عبد القادر بسرعة البرق وفي خلال دقائق كان جميع أعضاء التنظيم يعرفون بما جرى ويعرفون بمكان تواجده وعرف ياسر كذلك ، وبعد مُضي ساعة كان يقف أمام عبد القادر وفي تلك اللحظة كان عبد القادر مصابا بجروح بليغة وكان ينزف بشدة ولم يكن أي منا على يقين ببقائه طويلا على قيد الحياة حيث بدت جروحه أسوء مما كانت حقيقة ، ابتسم عبد القادر ابتسامة ضعيفة لياسر ثم اخرج مسدسا مخفيا في قميصه وأعطاه لياسر ثم طلب من ياسر بأن ينوب عنه في قتل اكبر عدد من اليهود يستطيعه واندفع ياسر مع أخيه مسرعا للبحث عن يهودي لقتله انتقاما لعملية التفجير في محطة الحافلات . ولكن المدينة كانت مغلقة بقوات بريطانية ولم يكن هناك يهود في الشارع فلحقتُ بهم لاحقا ووجدتهم يتمشون بحثا عن يهود حيث أعدتُهم إلى المخبأ . وفي اليوم التالي كانت هناك غارة مخططة وقال سليمان إن باستطاعة ياسر مرافقتنا ما دام يحمل مسدسا وفي اليوم التالي ذهبنا لتحضير الغارة بجانب بوابة Dung حيث هاجمنا بعض الدكاكين اليهودية وكان هناك إطلاق نار من الشرطة البريطانية فسحب ياسر مسدسه ليرد على النار ولكنه ضغط الزناد بسرعة فأصاب نفسه في الفخذ ، واضطررنا لجره من هناك وهو يصرخ من الألم وهو في حالة رعب وكان أخوه في حاله هستيرية ، وأخذناه إلى بيت جده ولكن لم يكن فيه أحد فاضطُرِرنا إلى العودة به إلى البيت الذي كان فيه عبد القادر واتضح أن الجرح سطحي وضحك عبد القادر عندما علم بما فعله ياسر وأخذ منه المسدس وربت على رأسه قائلا " لن يكون هناك قتال بعد اليوم ، ستبقى في المقر وتقوم بإعداد القهوة " .
ولنقل أن هذا كان إحراجا كبيرا لياسر ولكنه فعل ما أمره به عبد القادر وبقي لعدة أسابيع في المقر بجانب "بيت صفافا وقام" بأعمال غريبة ، أما الآخرون ، أصدقاءه وأخوه فتم إعادتهم إلى غزة برفقة جده ".
وفي كانون الثاني جاءت الأخبار من غزة باندلاع الحرب بين القوات العربية والقوات اليهودية ، حيث قامت مجموعة من الفتوة بنصب كمين لقافلة شاحنات يهودية تقل الإمدادات من ميناء غزة إلى بئر السبع وقتلت اثنين من اليهود وبعد فترة قام جنود بريطانيون يرافقون قافلة أخرى بقتل أربعة عرب وفي شباط قام الفتوة بعملية رد قتلوا فيها عدد من المهاجرين اليهود غير الشرعيين والذين كانوا يتسللون على الشاطئ بجانب غزة ووصل إلى مقر عبد القادر تقارير عن غارات أخرى نُفِّذت بنجاح .
يقول صلاح حداد : بدأ ياسر يُلح على عبد القادر ليعود إلى غزة للمشاركة في القتال وكان عبد القادر في حينها مشغولا جدا بالمقاومة ولم يكن لديه الوقت لياسر وقد طلب من ياسر وبكل بساطة ان يبقى صامتا في المقر لان وقته من اجل القتال لم يحن بعد ، وفي حينها لم يكن ياسر يُشكِّل أكثر من موضوع تندُّر بالنسبة للآخرين حيث كان كثير التبجح حول أعماله في غزة ولكن مما شاهدناه لم يكن على قدر ذلك التبجح وكان عبد القادر يعامله بطريقه لا تروق له . كان يتحدث بأشياء غريبة فبعد وصول أخبار أعمال الفتوة بدأ يتحدث عنها باعتزاز وادعى أن واحدة من الغارات قامت بها مجموعة أبو خالد التي أنشأها هو ، فتساءلنا عن أبي خالد هذا الذي كان يتحدث عنه باستمرار ، فاخبرنا عن ما يسمى الشهيد أبو خالد وكيف أن عبد القادر كلفه بإنشاء مجموعة فدائية يسميها باسم أبو خالد وكيف انه قام بتدريبهم وأنهم الآن يتميزون بأعمالهم الفدائية ضد اليهود بينما ياسر محصور في القدس .
ولم أكن أعرف أي شيء عن أبو خالد هذا في حينها ولكن رجلين في المجموعة عرفا بأمره ، واستمر ياسر بالحديث عن أبو خالد المجهول وكيف أنه يجب على كل مجموعات الفتوة الفدائية أن تلتف حول مجموعته لكونهم بدءوا بهجماتهم, وأصبح مصدر إزعاج لنا جميعا خاصة لأننا بدأنا نفقد الكثير من المقاتلين في القدس ، وما كان يظهر أمامنا هو شخص مختلف لم يستطع حتى أن يطلق النار من مسدس دون أن يؤذي نفسه ويحكي لنا قصصا عن مجموعة فدائية في غزة يعتقد أنها أكثر نجاحا منا في القدس .
وأخيرا قام احد الرجال في القيادة يعرف حقيقة أبو خالد وقال لياسر انه لا يعرف عما كان يتحدث عنه ياسر فبدأ ياسر في الجدال فصاح فيه الرجل قائلا : إن أبو خالد لم يكن شهيدا وانه شخص قام عبد القادر بقتله بطلب من عبد الرءوف . لقد كان الآمر جديدا على ياسر وحاول أن يَسخَر من كلام الرجل ولكن شخصا آخر قام بتأكيد القصة وقام بسرد القصة كاملة وكيفية إقناع أبو خالد بان عبد القادر سيقابله ثم قام بسحبه إلى السجن وقتله . ولكن ياسر لم يكن يريد تصديق القصة وبقي يحاول وأبرز لنا الملاحظة التي كتبها أبو خالد له واخبرنا عن رسالته الأخيرة التي يُفترض انه أرسلها إليه قبل أن يقتل على يد اليهود ، ولكن ما قاله ياسر أنكره الرجلان وقالا انه تم تعذيب أبو خالد ليكتب تلك الملاحظة وانه لم يُقتل على يد اليهود أثناء محاولته تهريب السلاح إلى غزة وإنما قتل بناء على أمر من عبد القادر قبل شهور وتابع بالقول أن عبد القادر حاك القصة حتى يُبقي على صمت وولاء ياسر "
تأذى ياسر من ذلك وأُصيب بالإرباك وغير راغب في تصديق القصة وقام بالصراخ في منتصف الكلام ولكنه لم يكن قادرا على نفيها وجلس في مقر قيادة الفتوة منعزلا لعدة أيام وصمتت جلافته وعجرفته ، وعندما رأى مرافقوه نقطة ضعفه استمروا في العزف على وتر القصة مستخدمين الحقيقة لإيذاء ياسر نفسيا حول خداعه لنفسه وكيف بقي يعيش في ظل أكذوبة . وكما أن اعتقاده في بطولة أبو خالد كان وهما ، كانوا يؤذونه بقولهم إن انجازات مجموعة ابر خالد ما هي إلا وهم آخر . قاوم ياسر في البداية بشدة مصرا على أن ادعاءاته حول أبو خالد كانت حقيقية ولكن بمرور كل يوم كان مرافقوه يشككونه في قناعاته ثم دخل بشكل سريع مأساة الشك والحيرة . ويستذكر حداد قائلا : ابتعد عبد القادر عن بيت صفافا لعدة أيام وفي تلك الفترة امتنع ياسر عن الحديث مع أي منا وكان الرجلان اللذان اخبراه بالحقيقة خائفان من عبد القادر إذا عرف بما قالاه وانه سوف يعاقبهم ، وقد رجيا ياسر ألا يذكر الأمر لعبد القادر ولكنه حتى لم يستمع إليهما حيث كان يخطط لمواجهة عبد القادر بالقصة حال عودته ، واغتاظ الرجلان لدرجة أنهما خططا للتخلص من ياسر قبل عودة عبد القادر ثم يقومان بدفنه دون ترك أي اثر ويجعلا ذلك يظهر وكأن ياسر اختفى فجأة ، وسمع احد الحاضرين بالمخطط وحذر ياسر ، واختفى فجأة وعرفت لاحقا انه توجه إلى القدس واختبأ في بيت جده . وبعد عدة أيام عاد عبد القادر وعندما علم ياسر بعودته ظَهَر في اليوم التالي مطالبا برؤية عبد القادر ، وكان عبد القادر مشغولا في اجتماع واندفع ياسر إليه وأمام الجميع طلب معرفة الحقيقة ، فصُعق عبد القادر للمفاجأة ولم اعرف سبب المفاجأة ، فربما أنها كانت بسبب انشغاله بأمور أخرى ولم يستطع استجماع سرعة بديهته أو ربما أنه قرر أنه حان الوقت لياسر ليعرف الحقيقة التي أخبره عنها الرجال . وواجه الأمر بشكل عادي وكأنه لم يكترث تقريبا لمعرفة ياسر بالأكاذيب التي اخبره عنها حتى انه وبكل تأكيد لم يكن لديه أي تصور للأثر الذي ستتركه على ياسر .
أُصيب ياسر بالهستيريا وحاول مهاجمة عبد القادر مما اضطر الآخرين لجرِّه عنه ثم قام عبد القادر بصفعه على وجهه عدة صفعات حتى هدأ بينما كان الآخرون ممسكين به ( ياسر ) وخاطبه قائلا : أنه حان الوقت لكي تكبر وأن تنسى هذا الغبي أبو خالد . وحدّق ياسر بعبد القادر والحقد واضح في عينيه ثم دفعه إلى الخارج لإتمام الاجتماع . وكان ذلك الوقت آخر ما رأينا وسمعنا عن ياسر حتى سنوات تلت عندما ظهر في القاهرة باسم ياسر عرفات .

- الجزء الثاني – ما بعـــد إسرائيل

ولادة إسرائيل

نصل الآن إلى الجزء من حياته الذي لا يتردد ياسر عرفات في الحديث عنه ، وهو الوقت الذي يتزامن مع خلق دولة إسرائيل في ربيع عام 1948 ، وهو الوقت الذي يصفه بأنه عماد(baptism) النار بالنسبة له.
وعلى النقيض من شهادة أفراد عائلته الآخرين فإن عرفات مولع بقول ما يلي : " لقد كنت في القدس عندما حاول الصهاينة الاستيلاء عليها وجعلها مدينتهم ، لقد قاتلت مع أبي وإخوتي في شوارع المدينة ضد الغزاة اليهود ، ولكنهم تغلبوا علينا من ناحية العدد ، ولم نكن نمتلك أسلحة مقارنة بالأسلحة التي امتلكها اليهود ، ولقد أجبرنا على الهرب تاركين كل أملاكنا وراءنا ، لقد كان اليهود يقتلون العرب بلا تمييز في تلك الأيام سواء كانوا نساءً أو أطفالا ، وكانوا ينسفون أحياء بأكملها ، وعلمنا فيما بعد انه تم نسف بيتنا أيضا ، ثم قام أبي بتجميعنا أنا وإخوتي وأخواتي وأمي وأجدادي وهربنا جميعاً ، ومشينا في الصحراء لعدة أيام ، ولم يكن معنا سوى بضع زجاجات من الماء ، كان ذلك في حزيران ، ومررنا من قرية دير ياسين ورأينا ماذا فعل الصهاينة هناك – مجزرة رهيبة - ، وأخيراً وصلنا إلى غزة حيث كان لعائلتنا بعض الأراضي هناك ، وكنا منهكين وجوعى وعطاش ، ولحظة وصولنا أقسمت أن أكرس نفسي لتحرير وطني ".
وكما حدث ، فان ياسر ابن الثامنة عشر كان في غزة حين أعلن اليهود عن إقامة دولة يهودية مستقلة في الرابع عشر من أيار عام 1948 ، وطبقاً لما يقوله (طاهر الخالدي )و(وجيه خلف Halef )وهما شابان كانا في مجموعة بدر التي كانت تُحرِّض على العصيان المدني ضد البريطانيين نتيجة لقرار التقسيم :" إن ياسر ظهر في غزة في أوائل شهر آذار ، وأما خبر إصابته لنفسه برصاصة في ساقه فقد وصلت قبل ذلك بعدة أشهر عند عودة أخيه حسين والأولاد الآخرين الذين ذهبوا معه إلى القدس في وقت سابق ، ثم انتشرت القصة عن طريق مجموعات الشباب الوطنيين في غزة وتم الإضافة إليها والمبالغة فيها ، وعند وصوله وجد ياسر نفسه موضوع سخرية زملاءه" .
ويقول طاهر الخالدي ، وهو مُقعَد ويعيش اليوم في مخيم للاجئين في بيروت : " إن سبب تأكدي من وجوده في غزة في شهر آذار لأنه كان يُفترض بمجموعتنا المشاركة في هجوم كبير على مستوطنة نتسانيم Nizzanim الواقعة في شمال غزة ، وعلى ما اعتقد كانت مخططه يوم 22 آذار وكان ياسر قد حضر احد الاجتماعات مع أخيه قبل أسبوع أو أسبوعين من موعد الهجوم أثناء التحضير للهجوم .
يومها أحضره بدر معه إلى الاجتماع حيث كان يحاول إقناعه بالمشاركة في الغارة معنا ، وقال : إن ياسر قد عاد لتوه من القدس بعد أن اشترك في القتال إلى جانب عبد القادر ، وبالطبع كنا على علم بعملية إطلاقه النار بالخطأ على نفسه ، حيث سخرنا منه ، وطلبنا منه أن يرينا جرحه .... الخ . كان خائفاً وحين سألناه عن عبد القادر كان يرفض الإجابة أو يقوم بشتمه ، لم نفهم سبب ذلك ، فقبل ذهابه إلى القدس كان الأكثر حماساً لعبد القادر عندما كان يتحدث عن فكار المقاومة. أما الآن فقد حط من قدر عبد القادر ولم يظهر عليه الاكتراث للقتال ، واخبرنا أن هجومنا على نتسانيم سيكون مضيعة للوقت وان أي شيء نقوم به باسم عبد القادر سيكون خيانة للمبادئ العربية الحقيقية .
لم يذهب ياسر إلى تلك الغارة وكان سلوكه طيلة تلك الأشهر تجاه الصراع ضد الصهاينة غريباً ولم يشارك في أي شيء ، وبقي وحيدا في بيت أبيه دون حراك وعلمنا من أخويه لاحقا عما حدث في القدس فيما يخص موضوع أبو خالد ، وأظن أن ذلك فسر لنا الأمر ، وعلى أي حال لم نكن نرى الكثير من ياسر أثناء تلك الفترة.
في تصويتها على قرار التقسيم عام 1947 أوصت الأمم المتحدة الحكومة البريطانية بإبقاء إدارتها العسكرية والمدنية حتى شهر آب عام 1948 ، ولكن بريطانيا حُوصرت بين العرب واليهود بعد تصويت الأمم المتحدة ، رفضت التوصية وأعلنت عن نيتها إجلاء كل قواتها ومؤسساتها بأسرع ما يمكن ، وأثناء فترة ما بين نهاية شتاء وبداية ربيع عام 1948 عندما بدأت القوات البريطانية بسحب قواتها وموظفيها المدنيين تصاعدت وتيرة القتال بين العرب واليهود ، وفي شهري شباط وآذار عبرت قوات سورية وعراقية إلى فلسطين لمساعدة قوات الفتوة وباقي فصائل المقاومة في محاولة منهم للحيلولة دون تطبيق قرار التقسيم ، وفي الفترة الممتدة بين آذار ونيسان كانت القوات العربية قد استولت على كل الطرق المؤدية إلى القدس وتم عزل المجموعة اليهودية في المدينة المقدسة عن تل أبيب ، وتم عزل المناطق ذات الكثافة الاستيطانية عن بعضها البعض ، وأعلنت الجامعة العربية عن نية دول الجوار العرب عن شن حرب شاملة ضد الصهاينة إذا لم يتم التراجع عن قرار التقسيم ، وسرعان ما انضمت قوات مصرية ولبنانية إلى القوات السورية والعراقية.
في بداية شهر نيسان شنت قوات الهاجاناه هجوماً مكثفا على العرب على طول طريق تل أبيب – القدس وفي أماكن أخرى وباستمرار انسحاب بريطانيا من المناطق التي أعطاها قرار التقسيم لليهود اشتعلت معارك دموية بين العرب واليهود لبسط السيطرة عليها ، وبحلول نهاية نيسان بدأ اليهود يكسبون ففي الأسبوعين الأخيرين من شهر نيسان سيطروا على طبريا وحيفا وعكا ، وفي بداية أيار استولوا على يافا وصفد ، وقاموا بإعادة رص صفوفهم للوصول إلى القدس . وأثناء القتال للاستيلاء على طريق القدس – تل أبيب قُتل عبد القادر الحسيني أشهر مقاتلي حركة المقاومة العربية على يد القوات اليهودية.
عندما أكمل البريطانيون انسحابهم من فلسطين في يوم 14 أيار عام 1948 أعلن اليهود في نفس اليوم إقامة دولتهم المستقلة على الجزء المخصص لهم في قرار التقسيم ،وفي الأيام التالية لذلك الإعلان قامت ستة جيوش عربية من مصر وسوريا وشرق الأردن ولبنان والسعودية والعراق ، قامت بغزو الدولة الحديثة الولادة ، وتقدمت القوات بسرعة مهددة بإزالة الدولة اليهودية بنفس السرعة التي أُعلنت بها ، وبحلول الأول من حزيران كانت أجزاء كبير من الأراضي المخصصة لإسرائيل من الأمم المتحدة تحت السيطرة العربية ، ولكن اليهود الذين لم يكن خلفهم سوى البحر قاموا بالرد ، وفي بقية عام 1948حتى كانون ثاني عام 1949 قاتل اليهود فيما سموه حرب الاستقلال واستطاعوا إعادة فتح طريق القدس ،والسيطرة على السهل الساحلي ، وتأمين الجليل الأعلى ، وطرد القوات المصرية من النقب . أما في منطقة التلال الوسطى والتي كانت جزءاً من الدولة العربية المستقلة فقد بقيت في يد الجيش العربي التابع للملك عبد الله حاكم شرق الأردن ، وعندما اتضح -رغم وقف إطلاق النار الذي رتبته الأمم المتحدة- أن عرب فلسطين لن يقبلوا بدولة مجزئة، قام الملك عبدالله بالاستيلاء عليها لنفسه وضمها إلى شرق الأردن وأعلن قيام مملكة جديدة على جانبي النهر وعرفت الأرض المضمومة والتي تقع القدس في قلبها فيما بعد باسم الضفة الغربية.
أما في منطقة غزة التي تمتد تجاه الجنوب إلى صحراء النقب الغربية ،والتي أُعلنت أيضا من الأمم المتحدة على أنها جزء من الدولة العربية ، ورغم طردهم من النقب ألا أن المصريين استطاعوا السيطرة على الجزء الساحلي من غزة ، ولكن مصر لم تقم بضم ذلك القطاع الضيق والذي كان يشكل إصبعا ضاغطا على خاصرة إسرائيل ، وبدلا من ذلك وعند تطبيق الهدنة العربية الإسرائيلية قامت مصر بوضع إدارة مدنية تحت سيطرتها في المدينة.
وعند تطبيق هدنة عام 1949 لم تسيطر إسرائيل على الأرض الممنوحة لها من الأمم المتحدة فقط ، ولكنها سيطرت على نصف الأراضي المعينة للعرب ، الجزء العربي من النقب المحاذي لسيناء المصرية ، وهلال غير منتظم من منطقة التلال الوسطى بما فيه جزء من القدس ولكنه ليس الجزء الذي يقع فيه الحي اليهودي من المدينة القديمة ، وجزء من الجليل الشمالي المحاذي للبنان ، وهذه الحدود الجديدة التي فرضت عام 1949 سوف تصبح أمراً واقعا حتى عام 1967 ، ونتيجة أخرى للحرب الأولى بين العرب واليهود هي فرار اللاجئين العرب من سواء المناطق المعينة لليهود من الأمم المتحدة أو التي كسبتها الدولة الجديدة أثناء الحرب .
هاجر اللاجئون من شمال فلسطين إلى سوريا ولبنان حيث تم تجميعهم في مخيمات معزولة من قبل الحكومات المتعاقبة على أمل أن يكونوا قادرين على العودة إلى ديارهم في وقت قريب ، أما لاجئو وسط فلسطين فقد اتجهوا إلى ضفتي نهر الأردن الشرقية والغربية ، وأما لاجئو المناطق الساحلية فقد اتجهوا إلى غزة الواقعة تحت الإدارة المصرية حيث تم بناء ثماني مخيمات لإيوائهم .
واتضح بسرعة أن اللاجئين الذين بلغوا أكثر من سبعمائة إلف لن يستطيعوا العودة إلى ديارهم ، ولعدة أسباب رفضت الدول العربية اقتراحات بإدماج المشردين العرب ضمن سكان بلادها ، حيث أن القيام بذلك من وجهة نظر العرب يشكل اعترافا عربيا بشرعية وجود إسرائيل ، ومثل هذا الاعتراف غير مقبول أبدا في الأعراف العربية والإسلامية ، وكان غير مقبول بالنسبة للقانون الدولي أيضا ، واقتنع العرب أن قيام دولة إسرائيل أمر غير قانوني تماما مثل سلخ فلسطين عن سوريا عام 1919 . وبكل تأكيد وحسب القانون الدولي كان لهم مبرراتهم ولكنهم ولسوء حظهم لم يستطيعوا تقديم قضيتهم إلى الرأي العام ، ومع ذلك فقد استمروا بالتمسك بقرار عدم الاعتراف للعقود الثلاثة التالية .وكان المحور الذي استغلوه في جدلهم حول الموضوع هم اللاجئين في المخيمات البائسة في غزة والأردن وسوريا ولبنان .
كان وجيه خلف Halef صديقا ونصيرا لطاهر الخالدي وبدر القدوة في ربيع عام 1948 في غزة ، وهو يتذكر ياسر القدوة بنفس الطريقة التي يتذكره فيها الخالدي ، وهو مقيم الآن في غزة ويبلغ من العمر ستين عاما ويقول عن ذلك الوقت : " عاد ياسر من القدس حالة وجوم وحتى انه لم ينزعج من نكاتنا حول جرح ساقه المشهور ، واستسلم للحزن ولم يقم بأي شيء ، واذكر انه عندما وصل المصريون في شهر أيار متجهين إلى تل أبيب تجمعنا على طول الطريق لتحيتهم ، أو حتى أن بعضنا انضم إلى صفوف الماشين باتجاه الشمال ، ولكن ياسر لم يفعل مثلنا ورفض أن يأتي معنا ، ولكنه تغير بعد ذلك وبعد عدة أسابيع جاءت الأخبار السيئة بتراجع المصريين نحو غزة ، وكذلك كانت الجهات الأخرى تسوء بالمثل ، وكانت الكآبة تفطر غزة بالكامل وبدأ اللاجئون بالتزاحم في المدينة ، والتقيت ياسر في الشارع وبدا كأنه نفس الشخص القديم ، وكان يتحدث عن الانضمام إلى الجيش المصري ، فقلت له ما الذي جعلك بهذه السعادة ؟ ولكنه لم يجب ولكن أخوه حسين كان يرافقه، فسألته ، فقال حسين : ألم تسمع ؟ لقد مات عبد القادر.
وأمضى ياسر عدة أسابيع فرحاً بموت عبد القادر ، حيث عرفنا بعد فترة حول تجربته مع عبد القادر وأعتقد أنه في المقابل لم تكن تملك إلا أن تتعاطف مع مشاعره ، ولكن في ذلك الوقت لم يتعاطف معه احد ، حيث أصبح غير مرغوب به ، وحصل نفس الشيء مع حسين الذي كان يردد كل شيء يقوله ياسر ، وحتى انه تم الإيقاع بهما بواسطة أولاد اللاجئين الذين سمعوه يتحدث بسوء عن عبد القادر حيث تلقيا ضربا مبرحا ، ولفترة تلت تلك الحادثة لم نر من ياسر الكثير ، حيث بقي ملازما لبيته ثم ذهب إلى القاهرة " .
لو كان ياسر لاجئ من أي نوع لكان الأمر له بمثابة المهرب من غزة إلى القاهرة ، ففي تموز من عام 1948 ومع استمرار أوار الحرب العربية الإسرائيلية وتدفق اللاجئين إلى غزة زاد خوف عبد الرءوف القدوة من احتلال اليهود مدينة غزة ، ولذلك جمع كل أفراد أسرته ما عدا بدر واتجه بهم عائدا إلى القاهرة .
ويقول نصر القدوة إنها رحلة قام بها ياسر دون اعتراض ويضيف : " كان أبي ما يزال يمتلك البيت في القاهرة والذي كان يؤجره لابن عم لنا ، وعندما بدأ الجيش المصري بالخروج من الصحراء والتمركز حول غزة ، بدأ يتخوف من غزو الإسرائيليين لغزة ، حيث كانت آراؤه حول اليهود معروفة للجميع بحيث سيكون أول المعتقلين في حالة احتلال غزة بالإضافة إلى انه كانت هناك عصابات من اللاجئين تقتحم وتنهب محلاتنا ، ولم يكن هناك أي وسيلة لإيقافهم لان المدينة كانت بلا أي شكل من أشكال الحكم ، ولذلك أعلن أبي في احد الأيام نيته بالعودة إلى القاهرة في نفس الليلة ، واستغرقنا الأمر من خمسة إلى ستة أيام للوصول إليها ، ركبنا في شاحنة استأجرها أبي من احد أصدقائه وتم إيقافنا يومين من قبل الجيش المصري في منطقة العريش حتى استطاع أبي أن يقنعهم بأننا لم نكن من اللاجئين وإنما من المقيمين في القاهرة ، ثم نفذ منا الوقود في الإسماعيلية ، واستغرقنا الأمر يومين آخرين حتى استطعنا تأمينه عن طريق تقديم رشوة لبعض الجنود .
في الطريق تحدث أبي كثيرا حول إعادة صلاتنا مع الإخوان ، وقال إن حسن البنا أصبح رجلا قويا في القاهرة وان حركة الأخوان ستكون هي الموجة الكاسحة في المستقبل ، واظهر ندمه لأنه تماشى مع رغبات عبد القادر مما أبهج ياسر كثيرا ، وتحدث أبي مع ياسر كثيرا في تلك الرحلة ، في البداية كان ياسر غاضبا من تورط أبي مع عبد القادر في قتل أبو خالد ، ولكن أبي بدأ بالاعتذار من ياسر قائلا انه تعرض للخداع من عبد القادر ، ورغم صعوبة الرحلة إلا أنهما كانا ودودين . عند وصولنا للقاهرة ، أراد ياسر الانضمام للجيش المصري ولكن رد أبي بالرفض حتى قال له يجب أن تكمل دراستك ، ولم يرغب بانضمام ياسر للجيش لأنه شعر أن الجيش كان فاسدا وضعيفا وانه كان أداة في يد الملك فاروق والذي سيستخدمه في إحباط ثورة الإخوان التي كان يتنبأ بها ، وفجأة وللمرة الأولى اتفق ياسر مع أبي .

العودة إلى القاهرة

عند وصولهم إلى القاهرة في صيف عام 1948 وجدت عائلة القدوة مصر في حالة مخاض نتيجة العصيان المدني والسياسي الذي أججته حركة الإخوان المسلمين ذات القوة المتنامية والتي يقودها حسن البنا .
لقد قصمت الحرب العالمية الثانية ظهر مؤسستين مصريتين واللتان تعنيان الكثير للجماهير المصرية وهما : حزب الوفد ومؤسسة الملكية ، ففي عام 1942 عندما كانت جيوش المحور تستعد لاجتياح مصر ،بدأ الملك الشاب فاروق بمحادثات سرية مع الألمان من اجل الدخول في تحالف معهم ، ونظرا لسيطرة على مصر استمرت ستون عاما ، ما كان يجب على البريطانيين أن يتفاجأوا بانعدام تعاطف قادة مصر مع مشكلاتهم أثناء الحرب العالمية الثانية ، وكان قد تم إنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر بعد توقيع المعاهدة المصرية البريطانية عام 1936 ، ولم يكن هناك أي وجود عسكري باستثناء منطقة قناة السويس وقاعدة بحرية في الإسكندرية ، ولكنهم عندما علموا بمفاوضات فاروق مع الألمان قاموا بإرسال قوات ومدرعات حاصرت القصر الملكي وأرغموا فاروق على التخلي علنا عن تعاطفه مع الألمان واثبتوا أن لهم الكلمة الأخيرة في شؤون مصر الخارجية .
نُظر إلى التدخل البريطاني على انه انتهاك لاستقلال مصر بموجب معاهدة عام 1936 وكذلك فإن إهانة فاروق كانت موجهة لأولئك الوطنيين المخلصين الذين كانوا يعيشون في وهم السيادة المصرية ، وإضافة إلى ذلك فان سلوك فاروق الخاص أثناء الحرب من شرب الخمر والمقامرة وتهتك علني ، اثر عميقا في نفوس المسلمين المخلصين ، وحل الاحتقار وانعدام الشعبية محل الترحيب الحار الذي تلقاه فاروق بعد اعتلاء العرش ، بدل الملك فؤاد الذي عينته بريطانيا وكانت أعماله مثيرة للتقزز للإخوان المسلمين واستغلوه لمد نفوذهم واستقطاب المعارضين .
أما التقدير الذي حازه حزب الوفد في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية فقد تلاشى بالكامل عندما قام أحد أعضاءه بنشر قائمة موثَّقة بأعمال الفساد والكسب غير المشروع التي استشرت بين كبار قادته وكذلك بالإساءات المالية في الحزب وكانت تلك فضيحة أخرى وصلت إلى أيدي الإخوان المسلمين .
أوقفت الحرب معظم تجارة مصر الخارجية ، وبحلول عام 1946 كان الاقتصاد المصري على حافة الانهيار ، وتم القضاء على كل المكتسبات الاقتصادية والإصلاحات الاجتماعية التي جرت في الثلاثينات بعد خروجها قبل عقود من السيطرة العثمانية حيث كانت فئة إقطاعية قليلة وجشعة تدير الأمور على هواها على حساب طبقة الفلاحين الواسعة والفئة الدنيا من الطبقة البرجوازية اللتان كانت تعيشان الحرمان وتقاسيان مرارة الفقر .
وما ساهم في زيادة الغضب كان ردة فعل ما بعد الحرب تجاه الحركة الصهيونية وقرار التقسيم ، لم تكن الصهيونية تشكل خطرا مباشرا من الناحية السياسية على مصر ، ولكن كان هناك الحقد موجودا بفعل القيم الإسلامية وكذلك التقاليد العربية القديمة التي تقضي بحماية الأرض ، والعامل الثالث هو زيادة خوف المصريين من الأجانب ، لقد وجدت المؤسسة السياسية المصرية الفرصة سانحة لإثارة مشاعر الجماهير ضد الصهيونية لان مثل تلك الإثارة سوف توحد الرأي العام وبالتالي يتم إخفاء إخفاق تلك المؤسسة .
لكن نتائج هذه الإستراتيجية كانت العكس عندما هُزمت الجيوش المصرية ذات التجهيزات العالية على يد الإسرائيليين الأقل معدات وتجهيز عام 1948 ، وعن طريق تكريس قواتها للمعركة وارتفاع صوت خطابها ضد الصهيونية وتنبؤاتها المُحرِّضة على إنهاء وجود إسرائيل ، كل هذا أدى بمصر إلى تُنصب نفسها في مقدمة جميع الدول العربية باعتبارها المدافع الأول والعامل الأقوى في تحرير فلسطين ، وفوق كل ذلك الشعور العميق بالعار الذي لحق بالمصريين بعد الحرب مباشرة ، ونتيجة للهزيمة التي تم عزوها إلى الفساد الموروث في المؤسسة العسكرية ، حيث الامتيازات الطبقية كما في الأيام الخالية ، كانت تصب في باب المنفعة الشخصية ، وعامل آخر هو التخبط الحكومي وانعدام الثقة في القيادة السياسية ، كل هذه كانت آخر الأدلة الدافعة تجاه فقدان إيمان العامة بالمؤسسات الحكومية وبالتالي تغييرها ، وفي الوقت الذي وصلت فيه عائلة القدوة إلى القاهرة في تموز عام 1948 ، كان الوضع متدهورا لدرجة الفراغ السياسي مع وصول الغضب الشعبي إلى كل زاوية من زوايا البلد .
بوجود هذا الفراغ قفز الإخوان بقيادة حسن البنا لتعبئته ، استطاعت حركة الإخوان أن تتمدد بشكل كبير أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية واستمالت المزيد من الأنصار بعد عودة المصريين من فلسطين ، وقامت الحركة بإنشاء منظمة شبه عسكرية سرية ذات تسليح جيد ، وبدأت باستخدامها لتنفيذ اغتيالات لقادة المؤسسة السياسية ، وإرهاب الطبقة الحاكمة واستجلاب تعاطف واسع لأهدافها ، وقد استطاعت الحركة تجنيد العديد من ضباط الجيش الشباب الذين استعدوا لتبني رؤيتها في إصلاح مصر من القمة إلى القاعدة ، وكان لها تواجد قوي بين الفلاحين ، إضافة إلى ذلك فقد تلقت دعما مخلصا من الفلسطينيين الذين بدأ تواجدهم بالتزايد في مصر عقب الكارثة التي حلت بفلسطين .
كان الحاج أمين العائد إلى القاهرة هو المتحدث والمسئول الوحيد عن الحركة الوطنية الفلسطينية والمعادية للصهيونية ، بدأ لحظة وصوله بإطلاق التصريحات العلنية الداعمة لحركة الإخوان المسلمين ، وسرعان ما دخل الإخوان والحاج أمين في تحالف غير رسمي بموجبه يقدم الحاج أمين المزيد من دعمه للإخوان وبالمقابل وعند استلام الإخوان للسلطة وإصلاحها عليهم تكريس الكم الأكبر من الطاقة والحماس في مصر من اجل إزالة إسرائيل من الوجود وإقامة دولة عربية في فلسطين تحت سلطة الحاج أمين ، لقد كان توجه الحاج أمين إلى الإخوان أمرا مفهوما ، بالإضافة إلى توجه الحركة الديني المتشدد بدت في ذلك الوقت على أنها قادرة على تنفيذ وعودها عند إمساكها بزمام الأمور في مصر ، وعلى الرغم من أن الحاج أمين شديد التطرف مثل حسن البنا والمقربين منه إلا انه كان بينهما مصالح ذات هوية واضحة ، كان كلاهما يطمح بإقامة دولة ذات مرجعية دينية عليا .
أَسكن عبد الرءوف عائلته في بيتهم القديم في القاهرة وكان فرحا عندما عرف أن حركة الإخوان كانت ذات شعبية عالية بين أفراد الجالية الفلسطينية ، وأحس بالتنامي المتزايد لقوة الإخوان المسلمين ، فبدأ العمل على إعادة تنظيم نفسه في الحركة والتي كانت تعمل الآن بشكل علني ، وكان شديد الفرح في رحلته هذه إلى القاهرة لأنه كان قادرا على الإثبات لأقرانه بأنه قادر على جذب جميع أولاده إلى جانبه ، ورغم إبقائه لبدر في غزة بشكل مؤقت إلا أن زيد ونصر وياسر وحسين كانوا معه ، وكلهم تصرفوا بطاعة وولاء لأبيهم كما كان يفترض بأي ابن عربي ، وحتى ياسر لم يكن يشكل أي مشكلة .
في هذا الوقت أصبح ياسر في التاسعة عشر من العمر ، وانخرط مع نصر في مدرسة تكنولوجية عليا من اجل إتمام متطلبات الالتحاق بالجامعة ، وكان الإخوان يسيطرون على المدرسة بالكامل ، وحسب ما يقوله نصر : فان كثيرا من الطلبة كرسوا وقتهم للعمل السري بتصنيع القنابل البسيطة والبنادق تحت إشراف موظفي المؤسسة وكان ذلك يتم في مشاغل المدرسة .
ويستذكر نصر : " انخرط ياسر في هذا العمل بحماس كبير حيث أظهر موهبة في الآلات وحتى أنه اخترع طرق جديدة لتغليف المتفجرات ، ولم ينخرط كثيرا في نشاطات الإخوان السياسية ، إلا انه كان يستمتع كثيرا عند قيامه بصناعة أجزاء القنابل ، وكان المعلمون والطلاب ينظرون إليه بتقدير بسبب عبقريته وكان هو كثير الابتهاج بما يقدمونه له من مديح" .
" محمد عدوان" كان زميله في الصف ويَدَّعي أنه الأكثر معرفة بياسر قال : " قام احد المعلمين بإنشاء نادٍ للرماية وكنا نذهب إلى ضواحي المدينة مرة أو مرتين في الأسبوع من اجل التدرب على إطلاق النار من بنادقنا والتصويب على الأهداف ، ولم أكن أنا وياسر من الرماة الجيدين ولذلك انتهى بنا الأمر بأن نكون أخر من يقوم بالرماية ، وبهذه الطريقة أصبحنا أصدقاء ، وعرفنا جميعا أن له قرابة بالحاج أمين واعتاد هو على إخباري عن تجاربه في غزة والقدس وبعد مرور فترة من الوقت أصبح متحمسا جدا للإخوان المسلمين وكان يقول باستمرار انه سيصبح قائدا للإخوان في فلسطين " . وصل نفوذ الإخوان إلى أوجه في نهاية عام 1948 ، وفي أيلول من نفس العام قام الحاج أمين بإعادة هيكلة اللجنة العربية العليا, وبدعم من الإخوان قام بإنشاء حكومة عموم فلسطين ، ونقل مجلس الحكم إلى مدينة غزة ، وانتقل الحاج أمين إلى غزة -التي كانت خاضعة للإدارة المصرية - كرئيس مؤقت لمجلس حكومة عموم فلسطين ،وقامت فكرته على استغلال آلاف اللاجئين الذين فاضت بهم غزة كمكون أساسي وتنظيمهم في ميليشيات وتسليحهم وتدريبهم عن طريق حركة الإخوان .
وفور وصوله إلى القاهرة قام عبد الرءوف بالاتصال مع حسن البنا والحاج أمين – رغم انه لم يكن يُقدَّر عاليا من الاثنين إلا انه أُسند إليه منصب هامشي في حكومة المنفى . ولذلك عاد مع عائلته إلى غزة في كانون الثاني عام 1949 وهناك أصبح هو وأبنائه موظفين رسميين عند الحاج أمين .
في نفس الوقت بدأ الإخوان بشق طريقهم نحو السلطة في مصر عن طريق القيام بأعمال إرهابية وانتفاضات ضد حكومة الوفد لمدة عام كامل ، وأصبح حسن البنا نتيجة احتكاكه بالحاج أمين ذو تطلعات عالمية، وأصبحت اتجاهاته سياسية بشكل اكبر من ناحية المعنى العصري للاصطلاح، بينما بقي أكثر مساعديه متمسكين بالأصولية الدينية لحركة الإخوان ، وبسبب الخلافات بين حسن البنا وبعض مساعديه بدأت حركة الإخوان بالانقسام إلى فصائل متناحرة ، وفي النهاية انتهت ثورة الإخوان ضد الوفد بالفشل ، ولذلك بدأ نفوذ الإخوان يخبو ، ولكن الثورة أدت إلى إثارة التوتر في مصر وتم تأجيجها إلى غضب ثوري أقوى من ذي قبل .
عندما فشل صراع الإخوان من اجل السلطة ، كانت مصر قد انزلقت إلى حالة شبه فوضى ، ولعدم قدرة فصائل الكفاح المسلح المصري على توجيه غضبهم الناتج من الإهانة التي حصلت عام 1948 ، قامت تلك الفصائل المتنافسة بتوجيه ذلك الغضب ضد القوات البريطانية التي بقيت في مصر بموجب معاهدة عام 1936 ، واندلعت اشتباكات بين مجموعة الإخوان وفصائل الحركة الوطنية من جهة والقوات البريطانية من جهة أخرى ، وسرعان ما تصاعد القتال ليتحول إلى حرب فدائية منظمة على طول قناة السويس ، واستمرت المظاهرات وأعمال العنف بشكل متقطع في القاهرة والإسكندرية وتطورت إلى تحالف بين الإخوان والشيوعيون والاشتراكيين والفصائل الأخرى التي أججت الثورة ضد الوجود البريطاني على التراب المصري .
وفي شهر تشرين أول عام 1951 ولقطع الطريق على المعارضين قامت حكومة الوفد بتبني مسألة إنهاء المعاهدة المصرية البريطانية وأمرت القوات البريطانية بإخلاء الأراضي المصرية ، لقد كانت حركة يائسة وجريئة لان بريطانيا قد تقوم بالرد على ذلك بإرسال تعزيزات جديدة لتطبيق المعاهدة بالقوة حيث كان قد تبقى للمعاهدة خمس سنوات ، ولكن البريطانيين وبعد تجاربهم المريرة في فلسطين ومصر كانوا قد تعبوا من الشرق الأوسط لذلك انسحبوا من هناك تاركين قوة صغيرة فقط من اجل حراسة قناة السويس ، وتوقعت الحكومة أن تضع حدا للمعارضة الداخلية والعنف بعد هذا النصر الذي تحقق بانسحاب البريطانيين ، ولكن حزب الوفد ومع احتفاظه بأغلبيته الا انه كان يعاني من تعمق الفساد في صفوفه ، وكان لإخراج البريطانيين أثر كبير في تحرر وانفلات العنف أثناء الاحتفالات حيث تحول كل ذلك إلى تحالف انقلب على رؤوس الوفديين من اجل الإطاحة بهم .ففي أحداث الشغب في القاهرة في كانون الثاني عام 1952 قُتل ما يزيد عن 75 شخصا وتم تدمير الكثير من الممتلكات ، وفي الأشهر اللاحقة تصاعدت وتيرة العنف عند محاولة حزب الوفد تطبيق الأحكام العرفية ، وأخيرا وفي ليلة 23 تموز عام 1952 قامت مجموعة من الضباط المعارضين ، والذين شكلوا تحالفا من الإخوان والاشتراكيين منذ عام 1948 برد الاعتبار إلى هيبة مصر التي كُسرت في حرب عام 1948, قاموا بانقلاب عسكري ، وكان بين هؤلاء عقيد شوفيني قومي ، والذي كان قبل أربع سنوات ضابطا صغيرا شهد هزيمة مصر على يد الإسرائيليين وكان اسمه جمال عبد الناصر .

أول الــتـدريـبات الــفـدائــيـة

لقد كان تحول إسم ياسر القدوة الحسيني إلى ياسر عرفات في مراحله النهائية في غمرة تلك الأحداث ، ولحظة وصوله إلى غزة في كانون الثاني عام 1949 وانخرط هو وأبوه وإخوته في أنشطة إخوانية مشتركة مع جماعة الحاج أمين . لقد انتشر التوجه الثوري ألإخواني في جميع أطراف غزة وفاض ليصل غزة أيضا ، ونتيجة لتواجد فئات مختلفة في غزة ,سكانها الأصليين بالإضافة إلى اللاجئين وآلاف من موظفي الإدارة المصرية الذين وصلوا لإدارة غزة وكذلك مئات الأشخاص وعشرات التنظيمات واللجان العاملة في حكومة عموم فلسطين التي أنشأها الحاج أمين ، كل ذلك جعل غزة مركزا للتآمر ، ولم يستغرق الأمر كثيرا حتى كان ياسر غارقا في ذلك . وفي شهري شباط وآذار قام أبوه بإشغاله بأمور غريبة تخص الفرع الإخواني في حكومة عموم فلسطين ، والتي كان عبد الرءوف يحاول تشكيلها من خلية الإخوان القديمة ، وعمل ياسر في تلك الفترة بكل إخلاص مع والده ، من توزيع للمنشورات والقيام بمضايقة العازفين عن الانضمام إليهم وإيصال رسائل وأمور أخرى مشابهة ، وبوجود توجه ايجابي نحو الإخوان في غزة وكذلك دعم الحاج أمين لأفكار الإخوان لم يواجه عبد الرءوف صعوبات تذكر في بناء مجموعة تتكون من مائتي عضو ، وحسب ما يقول "أنور صايغ" وهو شاب غزي كان أبوه ضمن المجموعة يقول إنها مجموعة كانت غير فاعلة، والصايغ حتى الوقت الحالي يعمل كمخطط مالي واقتصادي لإحدى الدول العربية المصدرة للنفط ويقول : " لقد كان عبد الرءوف يصنع لنفسه هالة من الأبهة وضعها حول نفسه ، وكان يحب أن يجعل لنفسه أهمية لم تكن له حقاً ، وهذا جعل رجالا مثل أبي الذين كانوا ضعفاء وغير مبادرين ينجذبوا إليه ، وكان أبي فقيرا مثل الآخرين الذين انضموا للقدوة ، ولم ينضموا إلى مجموعة الإخوان الجديدة بسبب دوافع قوية ولكن لأنهم عرفوا أنهم قد يحصلوا على عمل في إحدى مراكز الأعمال التابعة لآل القدوة أو بهدف اقتراض المال من عبد الرءوف . وكان عبد الرءوف يقرضهم المال كإغراء لهم للانضمام للمجموعة ، وعندما كان يقوم بإقراض أحدهم المال لم يكن يدعهم ينسون أنهم مدينون له ، وإذا لم يقوموا بتقديم الإطراء له بشكل مستمر كان يقوم بالحديث عنه أمام الآخرين . لقد عرف الجميع بقدرة عبد الرءوف للوصول إلى المفتي وانه كان حائزا على مباركته وقام عبد الرءوف باستغلال ذلك لبناء منظمة الإخوان الخاصة به ، ولم تكن تلك المنظمة ذات فعالية حقيقية لأنها كانت مجموعة من العجائز المتملقين الذين كانوا يتطلعون للعيش على حساب عبد الرءوف .
وبالطبع حاول عبد الرءوف إظهار مجموعته على أنها ذات أهمية وذات طابع عسكري عالي وكان ابنه بدر رئيسا لأركانه وأكثر تعاليا وإظهارا لأهمية نفسه من أبيه ، وكان جيش بدر يتكون من إخوته الثلاثة الذين كان بينهم عبد العبدالرحمن أو ياسر كما كان يعرفه الجميع ، وكان عملهم الوحيد هو ترويع عائلات الرجال الذين ترددوا في ولائهم لعبد الرءوف ، ولم أكن اعرف ياسر جيدا ولكن اعتدت على رؤيته يذرع الشوارع مع إخوته بحثا عن أعضاء من مجموعة عبد الرءوف لم يحضروا اجتماعاته ، وكان أبي مسالما متدينا بطبعه غير مكترث للأمور السياسية والأمور الأخرى التي كانت تجري في غزة ، لقد كان مُحِبا للجلوس في الجوار وقراءة الصحف ، لقد كان شديد التدين ولذلك فاني اعتقد أن هذا هو سبب انضمامه للإخوان ، وبعد انضمامه حصل على عمل لوقت جزئي عند آل القدوة ، ثم فقد عمله لأنه ملّ من جلافة وعجرفة عبد الرءوف القدوة ، توقف أيضا عن حضور اجتماعات الإخوان ، وفي احد الأيام حضر ياسر وإخوته إلى بيتنا بحثا عنه ، ولم يكن أبي هناك ، فبدؤوا بسبي أنا واخويّ، لقد كنا أصغر سنا منهم وأهانونا بما فيه الكفاية ، ولكنهم بدؤوا بالتحرش بعدها بأختي مما أغاظني أنا واخويّ فلحقنا بهم ، وإذا أردت الحقيقة فقد ضربونا ضربا مبرحا ، ولكنهم كانوا يحملون هراوات انجليزية لم اعرف من أين أتوا بها ، وكان ياسر أشدهم قسوة ، حيث أراد الآخرون وقف الضرب بعد إهراق دمائنا ولكن ياسر رفض ذلك حيث استمر بالضرب وأصيب بحالة جنون عند رؤيته لدمنا " .
بعد انكشاف أحداث عام 1949 أعلن الملك عبدالله حاكم شرق الأردن عن نواياه لضم الهضبة الوسطى من فلسطين والذي كان جيشه المُدرَّب بريطانياً قد احتلها واحتفظ بها في حرب عام 1948 وهذه المنطقة المحاذية للضفة الغربية من نهر الأردن بما فيها مدينة القدس القديمة ، كانت جزءاً من المنطقة العربية الممنوحة للعرب من الأمم المتحدة في مشروع التقسيم ، لقد شكَّل مشروع ضم المنطقة الذي قام به الملك عبدالله وجَعلها جزءاً من دولته الجديدة الأوسع مساحة ، وتحويل مواطنيها إلى مواطنين أردنيين ، كل ذلك خلق إرباكا داخل حكومة عموم فلسطين التابعة للحاج أمين .
لقد وضعت حركة الملك عبدالله ما يقارب من ثلث الفلسطينيين تحت سيطرته وبالتالي سحبهم بعيداً عن نفوذ الحاج أمين ، وعبدالله – وهو ابن الحسين بن علي وشقيق فيصل وهما الاثنان اللذان كان يعتقد الوطنيون الفلسطينيون أنهما المسؤولان الأساسيان عن فشل العرب في تقرير مصيرهم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى – . تم إطلاق مقولات مسيئة له من مقر قيادة الحاج أمين في غزة ، وعندما قام عبدالله بتعيين راغب النشاشيبي – وهو يُعتبر تقليدياً قائد التوجه الأكثر اعتدالاً من وجهة نظر الوطنيين الفلسطينيين – عندما عينه حاكماً عسكرياً على الضفة الغربية ثارت ثائرة الحاج أمين .
بعد وصول الحاج أمين إلى غزة بعدة أشهر حاول هو والموالين له كل جهدهم لتنظيم مجموعة فتوة أو مليشيات فدائية جديدة تتكون من اللاجئين للعمل السري ضد إسرائيل ، ولكن غالبيتهم كانوا غير متعلمين ولا مؤهلين والأكثر من ذلك مُربَكين ومعنوياتهم منهارة ، فمن جهة كانت حكومة عموم فلسطين تعدهم بالعودة إلى ديارهم ومن جهة أخرى تتوقع سنوات من الصراع والتضحية من اجل تحريرها لهم ، ولذلك تحولت جماعة الحاج أمين عن اللاجئين إلى مواطني غزة وإلى المصريين ويستذكر نصر القدوة : " أتذكر احد الأيام عندما استُدعي أبي لمقابلة المفتي وكان ذلك بعد إعلان الملك عبدالله عن ضمه للضفة الغربية ، وعندما عاد دعا إلى اجتماع عاجل للإخوان وقال في ذلك الاجتماع إن المفتي قال له صار لنا الآن عدوان وهما اليهود والأردنيين وطلب منا تشكيل جماعات فدائية إلى جانب تلك الموجودة في غزة ، ولم تكن هذه المرة إضاعة للوقت ، حيث امتلكت جماعة الحاج أمين المال هذه المرة إضافة إلى السلاح والتدريب من جماعة الإخوان في مصر . وفي الشهر الذي تلاه أُخذ العديد منا إلى مكان مجاور لمدينة السويس وتدربنا على العمل الفدائي لمدة من ثلاثة إلى أربعة أسابيع ، وهناك تم تغيير اسم أخي الصغير حسين ، وكان ياسر من قام بذلك ، وكالعادة كان ياسر يعرف أكثر مما نعرف ، كنا نسكن في خيام ونتلقى محاضرات من الإخوان المسلمين ونتدرب على استخدام البنادق والقنابل اليدوية بالإضافة إلى فنِّيات التسلل . كان المدربون المصريون قساة ولم يكن ياسر يجيد التدريبات البدنية التي كنا مجبرين على القيام بها وكان المدربون باستمرار منزعجين من ياسر ، ولكنه كان يجتذبهم إليه عند الحديث عن التكتيك والإستراتيجية . وعلى كل حال جاء ياسر في احد الأيام إلى خيمتنا محتداً حول شرور الهاشميين ، وقال أنه علم أنه يوجد للملك عبدالله حفيد اسمه حسين على اسم والد الملك عبدالله وانه لم يكن من اللائق أن يحمل احد مقاتلي الحاج أمين مثل هذا الاسم ، وأصر على حسين أن يقوم بتغيير ذلك الاسم إلى اسم آخر " .
" فــتــح " هو جذر من العربية لكلمات تعني : الاحتلال أو الاستيلاء ، وحسب ما يقول نصر القدوة فان المدربين من الإخوان كانوا مولعين بتسمية أفراد المجموعة باسم "فتحي " وهو تعبير عامي وتصغير لكلمة " فتح" ولذلك وفي بحث ياسر عن اسم بديل لأخيه حسين ، اخذ ياسر يناديه "فتحي " وسرعان ما عُرف عند الجميع بهذا الاسم .
بدأ ياسر بالتجوال في المخيم محاولا إقناع الأولاد الذين يحملوا اسم حسين أن يقوموا بتغييره إلى فتحي وكذلك قام بنفس الأمر مع الأولاد الذين يحملون أسماء مثل فيصل وعبدالله وعلي أو أي أسماء أخرى لها مثيل في السلالة الهاشمية ، ولكن نجاحه في الموضوع كان ضئيلاً.
ويقول "علي داود "، وهو احد الذين تلقوا التدريب في نفس الوقت مع ياسر وكان أبوه احد قياديي الإخوان يقول :" لقد شكَّل جماعة للتحرك حول موضوع الأسماء ، وكان له عصابة أولاد من غزة وكانوا يتجولون بيننا لإجبارنا على القبول بأسماء جديدة إذا كانت أسماؤنا مشابهة لأسماء الهاشميين ، وقد استطاعوا إجبار أغلبيتنا على تغيير الأسماء ، ولكن بعد مغادرتنا المخيم سرعان ما عدنا إلى استخدام أسماءنا العادية مرة أخرى". ويضيف داود :" ولم يكن المدربون يحبون ياسر وعندما سمعوا بتغيير الأسماء فقد جابهوه باسمه وبصلة قرابته مع الحاج أمين ، لقد كانوا مصريين أشداء ولم يكن لهم إعجاب بالمفتي يصل إلى حد الاستعباد كما كان الأمر في غزة ، وخاطبوه بسخرية انك من عائلة الحسيني وقبل أن تقوم بتغيير أسماء الإخوان المسلمين غيِّر اسمك ، أو من الأفضل أن تجعل الحاج أمين يغير اسمه من الحسيني إلى اسم آخر .وحاول ياسر الادعاء أن اسم العائلة لم تكن له تلك الأهمية ، إلا أني كنت متأكدا أن الأمر استثاره . ورغم أن المدربين لم يحبوه وكانوا يقللون من شأنه لأنه كان كثير التذمر فيما يخص قسوة وصعوبات التدريبات البدنية ،رغم ذلك كان ياسر معجبا بهم جميعا لرجولتهم وانعدام خوفهم ، ولذلك عندما قاموا بزرع فكرة اسم آل الحسيني في رأسه رغم قوله بعدم أهمية الاسم العائلي ، إلا أن الأمور توقفت هناك ، واعتقد أن حمله لاسم آل الحسيني جعله يشعر بانحدار وضعه في عيون المدربين بخلاف ما كان يجب أن يبدو " .
عاد ياسر إلى غزة في آب عام 1949 وصادف انه كان عيد ميلاده العشرين ، ونوعا ما عاد مع قدرة جيدة في أساسيات استخدام السلاح ، وحسب ما يقول نصر فقد عاد ياسر وهو قادر الآن على إطلاق النار من مسدس دون أن يصيب نفسه ، وإطلاق النار كذلك من بندقية ألمانية من مخلفات الحرب العالمية الثانية وبدقة ، وكذلك إلقاء قنبلة يدوية لمسافة الأمن المطلوبة وإلقاء قنبلة مولوتوف دون أن يتسبب في انفجارها في وجهه ، وتم توظيف قدراته الجديدة المكتسبة عن طريق جماعة الحاج أمين ولكن ليس ضد إسرائيل كما كان يأمل .
أثناء حرب عام 1948 لجأ مجموعة من آل النشاشيبي إلى غزة ، وعندما أعلن الملك عبدالله نيته في ضم الضفة الغربية وتسمية راغب النشاشيبي كحاكم عسكري لها رفع إعلانه هذا من مكانة آل النشاشيبي بشكل كبير في جميع المناطق الفلسطينية ، وفي نفس الوقت قوّض سلطة آل الحسيني عندما تم الأمر عام 1950 رغم جهود الحاج أمين في الضغط على الجامعة لمنع هذا الضم ، وبعيدا عن جماعة الإخوان التي تدرب فيها الإخوة من آل القدوة قام الحاج أمين بتمويل تنظيم وتدريب عدة مجموعات من المقاومة منذ وصوله إلى غزة كرئيس لحكومة عموم فلسطين، وعندما فشل في إيقاف عملية ضم عبدالله للضفة الغربية أطلق هذه المجموعات على آل النشاشيبي ، ويستذكر "أمين محجوبHegoub" ابن احد مستشاري الحاج أمين وهو يعمل اليوم في ترويج صناديق للتمويل الثنائي في أوروبا ويقول :" كان ياسر وأخوه فتحي في نفس المجموعة التي كنتُ فيها واعتقدنا انه تم تدريبنا لقتال الصهاينة ، ولكن طوال عامي 1949 و1950لم نقم بشيء سوى ترويع آل النشاشيبي وأنصارهم في غزة ، في البداية كان ياسر مقاتلا شرسا في الفصيلة ، وكان قد بدأ في أدنى رتبة بسبب قلة قدراته العسكرية ، ولكنه أصبح وبسرعة قائدا للفصيلة ليس بسبب أعمال خاصة ، ولكن ببساطة لأنه كان الأكثر قدرة على التخطيط والتفكير .
كان هدف الحاج أمين هو استخدامنا لتهديد آل النشاشيبي في القدس حتى يقوموا بحل تحالفهم مع عبدالله ومقاومة الضم ، وبالطبع كان الأثر عكسيا ، فكلما زادت أضرار آل النشاشيبي في غزة ،كلما زادت قناعة آل النشاشيبي في القدس في فكرة الحماية والمواطنة الأردنية وأتذكر إحدى المهمات التي أُرسلت فيها فصيلتنا وحدها إلى ضواحي غزة من اجل حرق بعض البساتين التي امتلكها آل النشاشيبي وكنا وقتها عشرون شاباً ، كان ياسر قائد الفصيلة وقتها وقد خطط للعملية بأكملها ، وكان هناك عضو في المجموعة لم يكن أحد منا يثق به ، لا أعرف السبب ، ولكن شكله ونظراته كانت لا تدعو للثقة ، وكان اسمه Rork حامد حيث كان معروفا عنه صلاته مع البعض من آل النشاشيبي قبل التقسيم رغم أن أبيه كان من نشطاء الإخوان .
ذهبنا في مهمتنا ولكن عند دخولنا إلى البستان وقعنا في كمين نصبه لنا مجموعة من العمال من آل النشاشيبي وكانوا يحملون سكاكين وهراوات نتج عنه إصابتنا جميعا بجروح خفيفة أو عميقة قبل أن نتمكن من الفرار ما عدا حامد هذا ، واعدنا تجميع أنفسنا مرة أخرى في المدينة في مخزن خلف المقبرة وكان الوقت فجرا ، وكان جميعنا مصابون برضوض وننزف ماعدا حامد ، وبدا كالمُحرَج من ذنب اقترفه ، كان هناك عدة مسدسات في المخزن واستمر ياسر بالنظر بشكل اتهامي له وأظننا فعلنا مثله حيث كنا جميعا نعتقد انه قام بتحذير آل النشاشيبي بشكل مسبق حول مهمتنا ، وأخيرا وبصوت هادئ نطق ياسر بما كنا نفكر ولكن حامد أنكر ذلك بشدة ، وقف ياسر حيث لاحظنا جميعا انه كان يحمل مسدسا خلف ظهره ومشى باتجاه حامد الذي كان يبكي بسبب اتهامنا له وأطلق النار على رأسه أُصِبنا بالصاعقة ثم استدار ياسر وعلى وجهه ابتسامة وقال شيئا بدا كأنه : " ليكن ذلك درس لأي واحد أو لجميع من يخون حركة الإخوان المقدسة " وجَعَلَنا نُقّسِم على سرية ما حصل ثم أمرنا بأخذ جثة حامد إلى ميدان فلسطين وشنقه بنفس أسلوب الإخوان .
عرفنا لاحقا أن حامد لم يكن الخائن ، إنما كان احد رجال الحاج أمين وقام بذلك متعمدا على أمل قتلنا من اجل إثارة كل غزة ضد آل النشاشيبي ، وعندما علم ياسر بذلك لم يظهر أي تأثر لقتله حامد وأتذكر انه قال إن حامد كان أول شخص يقتله وبسبب ذلك فان حامد خدم هدف جماعة الإخوان السامي " .
وكان محمد مُجاية Mujaya" أحد أعضاء المجموعة وهو يؤكد القصة ويصف ياسر ذو العشرين عاما قائلا :" كان تقريبا شخصا يمكن تسميته بصاحب الشخصية المزدوجة ، فأحيانا كان يبدو فاقدا للثقة بنفسه ، وأحيانا أخرى كان ذو همة عالية ، كان قصيرا وسمينا كما هو اليوم ، وكان ذو شارب كثيف من الطراز التركي ، وكانت له طريقتان في النظر إليك بعيونه الكبيرة ، أولهما بلطف مثل رجل ينظر إلى امرأة يرغب بها ، أو بحدة كما لو كانت عيونه تخترقك وكانت تلك علامته الفارقة وهي طريقة نظرته إليك ، وإذا نظر ياسر إليك مرة فانك لن تنساه أبدا.
" ولم يكن راضيا عن شعره ،لقد بدأ في ذلك الوقت بفقدان شعره وكان ذلك مصدر إزعاج له ، وكان معجبا بفتاة وهي ابنة" مُجيب الحوراني" الذي كان عضوا في مجلس الحاج أمين ، كان اسمها "ديروناDerona " وكانت قد تلقت تعليمها في لندن ، وكانت أوروبية في طريقة حياتها وتكبر ياسر بعدة سنوات ، ولم تكن تكترث بياسر ولكنه تخيل أنها سوف تقبله لولا مسألة شعره. وفي احد الأيام رآه مجموعة منا في الشارع يلبس بنطالا وجاكيتا غريبين وهو يتجول بنظره وشعر رأسه مكتمل ، فتساءلنا ماذا حصل لياسر ؟ واكتشفنا أن ياسر جعل شخصا ما يسرق له باروكة ، وكان يتجول في الجوار آملا أن تتقاطع طريقه مع طريق ديرونا الحوراني ، وبقي يضع الباروكة لمدة أسبوعين ، وفجأة ظهر بدونها حيث سمعنا من أخيه انه تواجه في النهاية مع ديرونا وخاطبها بكلام رومانسي طفولي ، فضحكت منه ساخرة مما أثاره بشدة وأدّى إلى قيامه بصفعها وكانت تلك نهاية قصة ديرونا والباروكة.
كان لياسر وبشكل واضح ميزة تهريجية في العديد من الأشياء التي كان يقوم بها ، ولكنه وازن الأمر بالنسبة له عن طريق لسانه الأملس وحدة ذهنه فيما يخص الأمور الفكرية ، وكان هناك مسألة عدم القدرة على ضبط نفسك من الضحك عليه ، ولكن بدا وكأن ياسر يستطيع قراءة الضحكة وهي تتشكل في ذهنك ، فيقوم بقطعها بتلك النظرة التي ينظر بها إليك . وكانت مسألة قتل ابن حامد هي نهاية أي إغراء بالسخرية من ياسر أو عدم أخذه على محمل الجد ، وبدت المسألة وكأنها إصدار امتياز له وفي نفس الوقت مثَّلت رمزا لسلطته علينا ، لقد كان أول من يقوم بالقتل بيننا وأصبحت أنشطتنا الفدائية فيما بعد جادة ومميتة وخاصة ردة فعل عملية القتل . وعندما علم حامد بموت ولده أصيب بالهياج وتوجه إلى عبد الرءوف وطلب منه تسليم القاتل له ، وعرف أن القاتل من الإخوان بسبب طريقة تعليق جثته في الميدان ، وكان والد ياسر يعرف أن ياسر هو من قام بالموضوع حيث انتزع المعلومة من فتحي بالضرب ، ورفض ما طلبه منه والد حامد ، ولذلك قام والد حامد بتوظيف مجموعة من الأشقياء من اجل إرهابنا وفي النهاية اعترف احدنا باسم القاتل ، وعندما علم ياسر بالأمر جعلنا نقسم ثانية على الصمت وقال انه سوف يقتل من يخونه . وأخيرا قام احدنا بخيانته ، لا اعرف من هو ولكن والد حامد علم أن ياسر هو من قتل ولده وقام بإرسال عصابة للبحث عن ياسر ، فلجأ ياسر للاختباء, وفي النهاية قام والد ياسر باستئجار عصابة أخرى من اجل قتل والد حامد قبل أن يصل إلى ياسر ، وشهدنا بداية حرب عائلية حقيقية في غزة بين قياديي الإخوان .
في وقت لاحق علم المفتي بذلك وطلب حضور الأبوين أمامه ، وعندما سمع قصتيهما طلب رؤية ياسر ، وسأل ياسر إذا ما كان قد قتل ابن حامد ، فأجاب ياسر انه فعل لان حامد كان جاسوسا لآل النشاشيبي ، وكانت تلك المرة الأولى التي يقابل فيها ياسر المفتي ، ولكنه لم يكن منبهرا أبدا ، حيث تحدث بشكل مباشر مع الحاج أمين ولم يظهر الطاعة كما كان يفعل معظم الناس وفي حينها سمع ياسر بالقصة الحقيقية حول تقديمنا كطعم لآل النشاشيبي ولكونه من آل الحسيني فقد أفلت من العقاب وقام المفتي بالعفو عنه بالنسبة لمسألة القتل ، وشرح الأمر لوالد حامد وأمره أن يوقف متابعة ثأره ضد ياسر. لكن ياسر لم ينبهر بالمفتي ، وأتذكره فيما بعد يشتكي مرارا وتكرارا حول كيفية قيام آل الحسيني بخيانته للمرة الثانية ، ومنذ ذلك اليوم كان ياسر يذكر المفتي بكل سوء " .
بدأت حدة التحفز العربي لقتال إسرائيل بالتلاشي عند بدء الحرب العائلية بين آل الحسيني وآل النشاشيبي في فلسطين ، حيث اشتدت وامتدت طوال عام 1951 وكافحت حكومات الدول المجاورة المهزوزة من اجل مقاومة الانقلاب في الثورة ، وانتهى الأمر بالحركة الوطنية التي يقودها الحاج أمين بالانكفاء على نفسها نتيجة استحواذ الملك عبدالله على تفكير المفتي ، فبالنسبة للمفتي كان الملك عبدالله رمزا للاتجاهات العميلة التي أصابت الروح العربية لعدة عقود وحرمت العرب من حق تقرير المصير الوطني ، وحتى يتم التخلص من هذه التوجهات كان على الحرب من اجل تحرير فلسطين أن تنتظر .
استمر ياسر في أنشطته الفدائية مع مجموعته التي كانت صورة مقلدة عن الطرق الفدائية حتى خريف عام 1950 ولكن مع مرور الوقت أصبح يجاهر أكثر فأكثر في نقده للحاج أمين ، وهذا التوجه خلق فجوة مع أبيه ، فبالرغم من فشل الإخوان في الاستيلاء على السلطة في القاهرة ، وثبات عدم فعالية حكومة عموم فلسطين التي يقودها الحاج أمين إلا انه كان ملتزما بالكامل بالتحالف الإخواني مع جماعة الحاج أمين وعملهما المشترك ، وباستثناء ياسر وفتحي بقي أفراد العائلة تابعين لوالدهم مستمرين في احترامهم للمفتي ما دام على الأقل يحترم فلسفة الإخوان .
في تشرين الأول عام 1950 جاءت الأوامر من مقر قيادة الحاج أمين بدمج جميع المجموعات الفلسطينية المسلحة والمجموعات الفدائية التي تتبع قيادة الحاج أمين في كيان مسلح واحد سُمي بجيش التحرير ، وكان يُفترض بجيش التحرير أن يتكون من كتيبتين واحدة تسمى باسم القائد الفدائي عز الدين القسام الذي استشهد عام 1930 والأخرى باسم عبد القادر الحسيني ، وطبقا للأمر الصادر كان يجب على مجموعة ياسر الصغير أن تنخرط في كتيبة عبد القادر ، أدى الأمر إلى احتجاج شديد من ياسر حيث رفض ضم مجموعته ، وانتشر الخبر في الجوار حيث قام الموالين للحاج أمين بضم أبيه وعائلته بالقوة ، وقام عبد الرءوف بمواجهة ياسر وطلب منه تنفيذ الأمر ولكن ياسر رفض ، ثم قام عبد الرءوف بمحاولة إقناعه على أساس أن إصرار ياسر كان يتسبب بفقدان العائلة بأكملها لمناصبها في جماعة الحاج أمين ولكن ياسر استمر في رفضه. واستمر التوتر طيلة الصيف ، وأخيرا قدم عبد الرءوف اقتراح لياسر ، إذا وافق ياسر على ترك غزة والذهاب إلى القاهرة فان عبدالرءوف سيتكفل بدفع تكاليف الدراسة الجامعية له ، وبعد انضمام اغلب مجموعة ياسر لكتيبة عبدالقادر رغم احتجاجه الشديد ، أدرك ياسر عدم جدوى بقائه في غزة ، لذلك قبل بالعرض الذي قدمه له والده.

الـــتـحـــول إلى " يـــــاســـر عـرفـات"

تحرص اغلب العائلات الفلسطينية وكتقليد عام على إرسال اكبر عدد ممكن من الأبناء الذكور من اجل إكمال تعليمهم العالي ، ولا يفرقون بذلك حيث تبدأ بالأكبر وتنحدر نزولاً حتى الأصغر ، وكان التزام الفلسطينيين وما زال قويا تجاه مسألة التعليم كما هو الحال عند اليهود ، وهذا الأمر نابع على الأرجح من موقع فلسطين الواقع في قلب الشرق الأوسط إضافة إلى أهميتها الدينية بالنسبة لباقي العالم ، حيث كانت فلسطين الأكثر عرضه للتأثيرات الثقافية الخارجية منذ أقدم العصور من مختلف بقاع العالم .
الأكثر من ذلك كانت مسالة تعليم الأبناء رمزا للتَّميُز الاجتماعي للعائلات في المنظور الطبقي في المجتمع الفلسطيني ، فكلما زاد عدد الأبناء المتعلمين كلما كانت مكانة الأب والعائلة أكثر تميزا عن غيرها .
ولم يكن عبد الرءوف القدوة مختلفا عن معظم الفلسطينيين في مسألة الاهتمام بتعليم الأبناء ، إلا أن الأحداث الاستثنائية التي حدثت في الثلاثينات والأربعينات وتفاعله المباشر معها كان له الأثر المدمر على طبيعة سير الأمور بحلول عام 1950 كان بدر الابن الأكبر قد فوَّت الكثير من الفرص التي قدمها له أبوه من اجل استكمال دراسته من اجل تكريس طاقاته لحركة الإخوان ، أما ابنه زيد الذي يأتي بعد بدر من ناحية العمر فقد قرر أن يتزوج ويعمل في أعمال إصلاح الآلات التي كان يعمل فيها صهره مُفضِّلا ذلك على التعليم ، أما نصر فقد ترك جامعة الملك فؤاد بعد دراسة سنة كاملة ثم قرر التوقف ، وبسبب إصابته بالملل من اضطرابات غزة فقد قرر أن يعمل سائق لسيارة أجرة
لذلك وحينما وافق ياسر على الذهاب إلى القاهرة والتسجيل في جامعة الملك فؤاد ، كان عبد الرءوف فرحا ومرتاحا جدا رغم عدم تعليق آمال كبيرة على بقاء ابنه هناك ، ولذلك فقد أعطى ابنه ياسر مبلغ من المال يكفيه لسنه كاملة ليعيش حياة مريحة وأرسله إلى القاهرة فوراً.
وصل ياسر إلى القاهرة في شهر كانون أول وتقدم بطلبه إلى الجامعة ، وعلم هناك أن مهاراته في الأدب والإنشاء العربي ضعيفة وانه بحاجة إلى تحسين قدراته فيهما قبل قبوله طالباً في الجامعة ، وتم وضع ترتيبات لتعليمه من قبل أساتذة في الجامعة أثناء ربيع وصيف 1950 ، وفي أول شهرين لوصوله عاش ياسر مع احد أعمامه الذي كان يسكن في بيت عبد الرءوف في القاهرة في الحي الفلسطيني حيث وُلد ونشأ ، وفي خلال أسابيع كان ياسر قد تسبب في شجار إثر جدال طويل حصل هناك . كان في ذلك الحي عصابة من الشباب في العشرين من أعمارهم ويسيطرون على الحي ، وكان العديد منهم يتذكر ياسر على انه ذلك الولد الغريب عبد العبدالرحمن القدوة ، ورغم أن أي منهم لم يكن في غزة إلا أنهم كانوا أنصارا متحمسين للحاج أمين ، وكونهم عرفوا بوصول ياسر من غزة فقد طلبوا منه أن يوافيهم بآخر منجزات المفتي ، وقد ساءهم كثيرا تقليله من شأن المفتي ، وأكدت خلاصة أفكاره المناوئة للمفتي ، أكدت لهم على انه ما زال ذلك الصبي الغير متزن الذي عرفوه قبل خمسة عشر عاماً .
في احد أيام ربيع عام 1951 قامت العصابة باغراءه للذهاب إلى مكان والتفاهم بشأن إفراغ غضبهم فيه ، ولكن ياسر لم يذهب دون استعداد حيث كان يضع حول ساقه مسدسا كان قد احضره معه من غزة ، وعندما اتضحت له نية أفراد العصابة لضربه ، وقبل مبادرتهم قام بسحب مسدسه وتصويبه إليهم ، ويستذكر" يزيد جبلJabal Yazid " الذي كان احد أفراد العصابة ذلك قائلا : " صعقتنا المفاجأة تماما ، حيث احتجزنا في طرف الغرفة لمدة أربع إلى خمس ساعات وبدأ يلقي محاضراته عن شرور المفتي ، ثم عن نفسه راسما صورة لنفسه عن كونه فدائيا مقاتلا في غزة ، وHخبرنا عن كيفية قيام الحاج أمين بإرساله مع مجموعة إلى كمين في عسقلان لتسليمهم للصهاينة ، وقال إن سبب خيانة الحاج أمين له بسبب خوف الحاج أمين من ارتفاع شعبيته الناتجة عن أعماله البطولية ، وأضاف أن مجموعته قُتلت بالكامل وانه قام بتصفية الخونة بنفس المسدس الذي يحمله بيده ، وقال إن سبب حضوره إلى القاهرة هو لتأسيس حركة تحرير جديدة تكون نواتها من فلسطيني القاهرة ، وأضاف انه لن يتحرر الوطن ما دام المفتي على قيد الحياة ، وقال أيضا إن مهمته الأولى كانت إرسال مرافقه إلى غزة لاغتيال المفتي . كان يتحدث بحماس عظيم وعندما انتهى كان معظمنا قد صدَّقه ثم وضع مسدسه على الطاولة وجلس في الطرف الآخر من الغرفة ، وقال هذا هو مسدسي من منكم سيحمله ويطلق علي النار ، كنا كالمُنوَّم مغناطيسيا ولم يتحرك أي منا تجاه المسدس ، ثم قال أحدنا : حسنا ، حسنا تستطيع الذهاب إذا أردت فنحن لا نريد أن نؤذيك . ولكنه لم يذهب وابتسم لنا قائلا : من منكم يرغب بالانضمام إليّ؟ فقال أحدنا : ماذا ، لنقتل المفتي ؟ فأجاب لا ، لا استطيع فعل ذلك لقد كنت أمازحكم ، لا استطيع قتل المفتي فأنا وهو من نفس العائلة ، ولكن من منكم يريد الانضمام إلي لتحرير فلسطين ؟ "
لم يرغب احد في الانضمام ولكن يزيد يقول إن أخبار ما قيل حول اغتيال المفتي وصلت إلى بعض كبار السن في الحي ، وفي إحدى الليالي جاء وفد من رجال الحي الغاضبين إلى بيت القدوة وطلبوا من عم ياسر أن يطرده من الحي ومن البيت بسبب هرطقته ، وعلى الرغم أن البيت كان لوالد ياسر إلا أن ياسر خرج دون احتجاج بسبب المخاوف التي أبداها عمه على أبناءه.
بحث ياسر عن أخيه نصر الذي كان يسكن في غرفة بجانب سوق القاهرة الرئيسي وانتقل للسكن معه ، ويقول نصر : "بقي عندي لعدة أشهر وحين علم من احد مدرسيه عن وصول مجموعة من الطلبة الفلسطينيين من فلسطين إلى جامعة الملك فاروق وأنهم انشأوا منظمة أسموها رابطة طلبة فلسطين ، أصبح متحمسا للانضمام للجامعة عند معرفته بكل هذا ، ولذلك أمضى معظم فترة إقامته معي في الدراسة للامتحان الذي سيتقدم له ، ورغم عبقريته في مسألة الأرقام إلا انه كان سيئا في القواعد والكتابة ، وكنت أنا في الجامعة في العام الذي مضى وكان لي أصدقاء ما يزالون في الجامعة ، وفي احد الأيام حضر احدهم للزيارة وحين علم أن ياسر يستعد للاختبار التأهيلي قال انه يستطيع أن يحصل على نسخة من اختبار الكتابة والقواعد ، كان ذلك الشاب يتحدث بشكل عارض ولكن ياسر اخذ الأمر على محمل الجد ولعدة أشهر تلت بقي يلاحق ذلك الشاب ، وأخيرا قام الشاب بسرقة نسخة من الاختبار ولكنه اكتُشف فيما بعد من قبل السلطات وتم طرده من الجامعة لأنه رفض الاعتراف باسم الشخص الذي سرق الامتحان من اجله . وقام ياسر بحفظ الاختبار غيبا وعندما حان موعده نجح فيه ياسر بعلامة كاملة تقريبا ، وبعد قبوله في جامعة الملك فؤاد حصل على مكان للسكن في السكن التابع للجامعة ، وتقدم بطلب التسجيل في أواخر شهر آب عام 1951 . قبل ذلك بعدة أسابيع صُدم الشرق الأوسط باغتيال الملك عبد الله ملك الأردن على يد أتباع الحاج أمين بسبب ضمه للضفة الغربية ومواقفه المعتدلة من إسرائيل ( وفي الواقع قام الملك عبد الله بإجراء مفاوضات مع القادة الإسرائيليين وهو يعتبر انتهاكا خطيرا لموقف الحاج أمين الذي كان يصر على مسألة عدم قيام أي قائد عربي بالاعتراف بوجود الدولة اليهودية ) . وما أثار العالم العربي أن عملية الاغتيال تمت أمام المسجد الأقصى بالتحديد في القدس ، وكان الأمر بالنسبة لغالبية المسلمين خارج عن كل الحدود ، أما الإخوان المسلمين فاعتبروه خروجا عن الدين .
وتمت إدانة الحاج أمين من العديد من القيادات ، وساد اتجاه معاد للحاج أمين بسرعة في كل الدول العربية ، وكان هذا الاتجاه هو الأشد في مصر بالرغم من حقيقة أن الإخوان كانوا يقومون يوميا بعمليات اغتيالات واسعة وحملات إرهاب منظمة من اجل الإطاحة بنظام الملك فاروق ، ورغم إقرار الإخوان بمشروعية الاغتيالات كوسيلة سياسية ، إلا أنهم اعتبروا قيام الحاج أمين باغتيال الملك عبد الله أمرا منافيا للإسلام ، وكان قادة الإخوان قد نالوا ما فيه الكفاية من الحاج أمين ، وقد تسبب أعدائهم – الملك فاروق وحزب الوفد – في إهانة مصر بشدة قبل عشر سنوات باتصالاتهم مع النازيين أولا ثم الانحناء أمام الضغوط البريطانية ، وفي العديد من بياناته حول الإسرائيليين كان الحاج أمين يعيد إلى الذاكرة أعماله أيام الحرب وتحالفه مع الألمان.
كان الإخوان في مصر يدركون أن صلاتهم مع أي قائد عربي متعاطف مع النازيين المُدانين عالميا يتسبب في تعطيل وأذية مشروعهم لاستجلاب تعاطف الرأي العام العالمي ، ولذلك فقد قرروا النأي بنفسهم عن المفتي وتحطيم ما تبقى له من مكانة . وبإشارتهم المستمرة لانتهاك حرمة المسجد المقدسة وماضيه المرتبط بالنازية قام الإخوان بشن حملة دعاية معادية للمفتي في مصر وغزة وسرعان ما أُطلقت مشاعر معادية قوية ضد جماعة الحاج أمين ، وفي احد العناوين البارزة لإحدى صحف الإخوان المعروفة ظهر هذا العنوان الرئيسي " حان الوقت لإزاحة آل الحسيني " وصحيفة أخرى وُزعت في غزة أبرزت العنوان التالي " استنفذ آل الحسيني كل فائدة قد يقدموها لقضية تقرير المصير العربي ".
وصلت الحملة الساخنة ضد المفتي إلى أوجها عندما كان ياسر يتقدم بطلب التسجيل في الجامعة ، وبتحسسه أن مستقبله سيكون مع الإخوان وليس مع الحاج أمين ، عندما قام بتعبئة النموذج الخاص والذي من ضمن بنوده تسجيل اسمه الكامل الحقيقي ، فكتب اسمه كالتالي " ياسر محمد عرفات " وقام بإسقاط اسم القدوة عند علمه أن أبوه وإخوته وعند تخييرهم في الولاء بين الحاج آمين والإخوان المسلمين قدموا ولائهم للحاج أمين ، وإذا كان سيبقى مع الإخوان فلن يكون لصالحه أن يُعرف باسم الحسيني أو القدوة .
التحق ياسر بقسم الهندسة المدنية في الجامعة ، وبالرغم من عدم وجود أي مخطط مهني للمستقبل إلا أنه اعتقد أن خبرته السابقة في المتفجرات وتميزه في الرياضيات إثبات على أن استعداداته تكمن في هذا الاتجاه ، إضافة إلى أنه أخبرني : "غالبا ما كنت أرى إعلانات في صحف القاهرة تطلب مهندسين مدنيين للدول النفطية وكنت أعرف انه هناك يتم جمع المال وكان ذلك في عقلي عندما اخترت الالتحاق بالهندسة ، وكأي فلسطيني مُهجَّر كنت أدرك أنه في يوم من الأيام عليَّ أن ابحث عن رزقي في مكان ما من العالم بدل من إيجاده في وطني " . واشتد نشاط الإخوان ضد الملك فاروق أسوة بباقي الأحزاب المصرية الأخرى مثل الاشتراكيين والمنظمات الشيوعية وتَجمُّع صغير من أعضاء حزب البعث السوري ، وجميعهم كانوا يتنافسون فيما بينهم لتصعيد المعارضة في مصر لجذب اكبر عدد ممكن من الطلاب إلى قضاياهم والاستحواذ على اكبر قدر من السلطة ، وعلى الرغم من أن نفوذ الإخوان قد بدأ يخبو منذ عام 1949 وانقسامها إلى عدة فصائل ، إلا أنها وبأساسها الديني وبأنشطتها السياسية والعسكرية كانت ما تزال الأكثر جذبا لغالبية الطلبة .
لم يضيع عرفات الوقت عن طريق استغلال خلفيته الإخوانية لإثبات وجوده في الجامعة ولكونه أكبر من أغلب زملاءه الطلاب بسنتين أو ثلاثة سنوات وذو مهارة عالية فيما يخص الجدل حول مُدخلات ومخرجات فلسفة الإخوان أصبح ياسر وبحلول نهاية عام 1951 من أهم المُنظِّمين والمُجَنِّدين للطلبة للفرع الإخواني الذي احتفظ بولائه لأفكار حسن البنا المتطورة . لم يعد البنا متشبثا بالخط الإخواني الديني الصرف ، ففي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية ونتيحة لتواصله مع الحركات الوطنية في العالم العربي ، ولاشتراكه في موجة الفضول الخاصة بالشيوعية السوفييتية ، قام حسن البنا بإدخال تعديلات على أصوليته الإسلامية لتتواءم بشكل مقبول مع الموجة الشعبية السائدة بالتوجه نحو الاتجاهات غير المغلقة في الأفكار الاشتراكية والقومية العربية .
كان تقبل الشيوعية في الوطن العربي قليل لان الوطن العربي ارتبط لفترة طويلة بفكرة " الإله الكليّ القوة " ، ولكن كان الكثير من الآليات السياسية والاقتصادية الشيوعية هو الأنسب لهذا الجزء من العالم والذي لم يُطوِّر ومنذ فترة طويلة أي مؤسسات سياسية نابعة من تراثه الفكري ، حيث لم تكن معتادة على الفصل بين ما هو ديني وسياسي ، ولذلك قام حسن البنا بتطعيم أصوليته الدينية بالنظرية الاشتراكية لتُخرِج فكرا وطنيا أكثر توافقا مع الجيل الجديد من الشباب المصري بدلا من التعاليم الإخوانية الأصلية التي قامت عليها الحركة .
ويقول عرفات انه انجذب إلى الحركة الإخوانية الجديدة لأنها كانت تقوم بأعمال شبه عسكرية من النوع الذي كان يتوق للقيام به في غزة والذي كان نادرا ، ويتذكر عرفات : " كان الاختلاف يكمن في أن حركة المقاومة الفلسطينية أخذت بالتراجع ،لدرجة انه وبعد عام 1948 أخذت فرص المشاركة في العمل الفدائي بالتضاؤل ، أما في مصر فعلى العكس كانت تلك الفرص آخذه بالتزايد ، كنا نملك الأسلحة والتنظيم وخرجنا فعليا لنقوم بحرب تحرير . إن القيام بحرب ضد البريطانيين وضد النظام المصري كان أمرا قليل الأهمية ، ولكن الأهمية تَكمُن في أن الشباب الفلسطيني كان لهم الفرصة الحقيقية للقتال ، وفي قتالنا ضد البريطانيين كنا نقاتل ألئك المسؤولين عن مأساة فلسطين ، كنا على الأقل قادرين على تنفيس إحباطنا منهم ،مما جعل الأمر أفضل من عدم القتال " .
هناك سبب آخر جعل من عرفات مساندا قويا للإخوان المصريين وهو رؤيته الواعدة في أن صراعهم سوف يقود إلى ثورة في مصر ، وهذا ما يقوله "مصطفى كامل" والذي كان قريبا من عرفات في حينها في الجامعة ، ويعمل اليوم مديرا لمصنع معالجة القطن في القاهرة : " كثيرا من الأدبيات التي استخدمت في تجنيد الطلبة تعلن تضامن الإخوان مع مسألة تحرر فلسطين وأبرزت دون شك انه حالما يتم تحرير مصر من نظامها الفاسد فإنها ستوحد العالم العربي بأكمله في حرب مقدسة ضد الصهاينة ، واستطاع الإخوان إقناع الفلسطينيين أن أول الأولويات هي استلام السلطة في مصر ، وأصبح الفلسطينيون متحمسين جدا في هذا الاتجاه لدرجة أن معظمهم نسي مسألة تحرير فلسطين واندفعوا إلى الصراع من اجل مصر ، وإذا تجولت في القاهرة سوف تلتقي مع العديد من الفلسطينيين الذين كانوا طلابا في تلك الفترة وقاتلوا في صفوف حركة الإخوان ولكنهم لم يشاركوا مطلقا في الصراع الفلسطيني لاحقا ، وعندما تعرفت إلى ياسر كان في نفس الخط السائد ، حيث فقد كل اهتمام بفلسطين وأصبح مُكرَّسا وبشكل خاص للقضية المصرية حتى جاء عبد الناصر وحظر حركة الإخوان ثم بدأ بعدها بتذكر فلسطين.
احد الطلبة الذين ذكرهم كامل كان "مروان شريف" حيث ما يزال يقيم في القاهرة ويتفق شريف في ذلك حيث يقول : " ذلك صحيح لقد كانت الحياة في ذلك الوقت في القاهرة أفضل منها في غزة ، فعلى الأقل كنا نقاتل وأصبحت قضية مصر بالنسبة للعديد منا هي القضية الوحيدة ، وكذلك كان الحال مع ياسر الذي بقي يتحدث عن الوصول إلى منصب مهم فيما اعتقد أنها سوف تكون حكومة إخوانية يترأسها حسن البنا ، واعتقدنا انه لا مستقبل لنا في فلسطين حيث استولى اليهود على الأرض واستولى الهاشميون على ما تبقى ، فما فائدة الأحلام ؟ قد يستطيع الإخوان أن يطردوا اليهود في يوم من الأيام ، ولكن لم نكن نعول على ذلك ، إن مستقبلنا هنا في القاهرة وحتى أن العديد منا حصلوا على الجنسية المصرية ، رغم كوننا أعضاء في رابطة طلبة فلسطين ، وكانت الرابطة في البداية موالية لحركة الإخوان وكان ولائنا إلى مصر أكثر منه إلى فلسطين وحتى أن ياسر حاول أن يحصل على الجنسية المصرية " . وينكر عرفات انه فكر يوما في الحصول على الجنسية المصرية ، وينفي بنفس الشدة أي طموح له في الحكومة الإخوانية المنتظرة في مصر أو حتى فقدان الرؤية الحقيقية لما كان يقول أنها مهمته الحقيقية ، ولكن شهادة آخرين عرفوه في تلك الفترة – إن كانت دقيقة – فنها تقود إلى نتائج مختلفة . "إسماعيل رياض" طالب آخر في الهندسة في جامعة الملك فؤاد في بداية الخمسينات يقول انه درس مع ياسر مدة سنتين وأصبحوا أصدقاء ، لدرجة انه استضاف ياسر عرفات في بيت أهله في الإسكندرية في عدة مناسبات ، وهو اليوم مدير مساعد في شركة للسفن يقول رياض : " كان والدي رجل أعمال ناجح في الإسكندرية وكانت حياتنا ذات مستوى جيد ، وعندما قابلت ياسر كان ذا شخصية قيادية ويكبرني بعدة سنوات ، كان من النوع الانعزالي ولكنه كان إخوانيا متطرفا كما كنت أنا لفترة من الزمن ، وكان متكلما ذو جاذبية رغم أن عربيته كانت سيئة ، ولكنه لم يكن يتكلم بصوته بقدر ما كان يتكلم بجسده ، يديه، عيونه، وقفاته الدرامية ، وكذلك الارتفاع والانخفاض في الصوت عند ربط فكرة بأخرى .على كل حال أصبحنا أصدقاء ، وأصبح ياسر مغرما بفتاة قابلها في الجامعة وهي فتاة كنت اعرفها لأنها من الإسكندرية أيضا وكان اسمها "جِنان العُرابي" ، وكانت فتاة قصيرة وسمينة ليست من النوع الذي يجذبك ، ولسبب ما كان ياسر معجبا بها ، وكانت من النوع كثير الخوف ولم تبذل أي جهد للاستجابة لمحاولة عرفات بالتقرب ، ولكنه تابع عمله مع ذلك ، وكان يأتي إلى الإسكندرية في العُطل على أمل رؤيتها هناك . وأخيرا حصل على استجابة منها ، لا اعرف ما هي ، فربما ابتسمت له أو لمسته أو أي شيء ، وفرح حد الجنون بذلك ، وأعلن انه سيتزوجها ، وحضر إلى الإسكندرية وطلبها فحصل أن وافقت وعاد إلى بيتي وقال انه يريد أن يصبح مواطنا مصريا ، وكان لأبي صلات في وزارة الداخلية وتوسل ياسر إلى أبي لتسهيل مهمته ، واخبرنا أن والد حنان وافق على تزويجها له على شرط حصوله على الجنسية لأنه لم يكن يريد أن يفقد ابنته في غزة أو أي مكان آخر قد يذهب إليه ياسر . وقام والدي بالوساطة وسرعان ما تم ترتيب الأمور من اجل حصول ياسر على الجنسية ، ولكن وفي اللحظات الأخيرة كان هناك تغيير إما من حنان أو أبوها ، حيث قرروا عدم المضي في مسألة الزواج وكما أتذكر فان ياسر اسقط فكرة الجنسية من رأسه"
ويذكر رياض سبب آخر عن ولاء ياسر للإخوان في مصر : " لم يكن ياسر يذكر أي شيء عن حياته الشخصية ولا عن خلفيته العائلية ولم أكن اعرف انه من آل الحسيني إلا بعد فترة متأخرة وكان كثير الانزعاج من الأشخاص الذين ينبشون ماضيه ، ولأنه كان يتحدث كثيرا عن أبيه لاستخدامه كمثال للإخواني الذي لم يكن يدرك تغير الوقت كما أدركه حسن البنا وكان كثيرا ما يصف أبيه بطريقة غير لائقة واصفا إياه بالجالس في غزة باثاً سمومه بينما العمل الحقيقي للتحرر العربي كان دائرا في القاهرة ، وشعرت أن ياسر كان يكره أباه أو يحتقره أو يخجل منه ، واعتقد أن إخلاصه للإخوان في القاهرة ورغبته في البقاء في مصر كانت نابعة من رغبته في البروز أكثر من أبيه " . وجنان العُرابي الآن في الأربعينات من عمرها وأم لستة أطفال وتقيم في القاهرة حيث يعمل زوجها طابعا ، وبكثير من عدم الرغبة استعادت تجربتها مع ياسر عرفات والتي كانت في خريف 1951 ، وتقول : " كان شابا غريبا وكان له سحر من نوع خاص استطاع استغلاله لمصلحته ، ولكن كان لديه جانب مظلم أيضا ، نوع من الغضب اللاعقلاني والذي كان دائم الغليان تحت السطح ،ولا اعرف سبب إعجابه بي ، ربما لأنه كان مثلي ، حيث كنت خجولة وانسحابية وكذلك كان هو ، ولم أكن يوما مع رجل وكذلك قال هو انه لم يكن يوما مع امرأة ، وصدقت ذلك لأنه كان دائم التواجد حولي ، ولم يكن مثل الشباب الواثقين بأنفسهم . وطاردني لمدة ستة شهور وكان دائما يقول انه يريدني زوجة له ، وأخيرا تقدم لوالدي الذي كان يعمل في مجال المقاولات في الإسكندرية ، واعتقد أن أبي رأى في ياسر شخصا يستطيع إدخاله معه في الأعمال بسبب اهتمامه في الهندسة لذلك وافق على زواجنا . ولكن طيلة فترة ملاحقته لي ، لم يقل ياسر أية أشياء غزلية ، لقد تحدث كثيرا وببساطة حول الأمور السياسية في مصر وكيف انه كان يحلم بان يصبح شخصا مهما في الحكومة في يوم ما ولم يذكر فلسطين أو اليهود ، ولم أكن اعرف انه فلسطيني أو أن له اسما آخر ، ثم حدث أمر رهيب ، كان لنا جيران يهود في الإسكندرية ولم يكونوا محبوبين كثيرا بسبب محاولاتهم للهجرة إلى فلسطين وكانت لي صداقة مع ابنتيهما راشيل ومريم ، وفي احد الأيام جاء ياسر إلى بيتي للزيارة ووجدهما هناك ، وعند تذكر ما حدث ، أدرك انه كان يتظاهر بالبراءة من اجل الإيقاع بهن ، وعندما اكتشف أنهما يهوديتان لاحظت تغيرا في سلوكه حيث أصبح متوترا ، وبدأ بتوجيه أسئلة لهن وكشفتا له أنهم سيذهبون إلى فلسطين للعيش هناك فزاد توتره أكثر ، ولكنه استمر في التظاهر بالبراءة موجها المزيد من الأسئلة الشخصية حول والدهما وطبيعة ومكان عمله وكل تلك الأشياء ، وكانتا تعتقدان انه يتحدث بشكل مجامل معهما وكذلك اعتقدت أنا ، ولم أكن اعرف أن له أي مشاعر معينة تجاه اليهود أو إسرائيل . بعد يومين قُتل والد راشيل ومريم وكانت صدمة رهيبة للجيران ولكونهم يهوداً لم يكونوا محبوبين ومع ذلك لم يكن هناك في الحي من أعرفه أحب أن يتسبب بالأذية لهم ، وكانت الصدمة الأخرى في العثور على السيد "هاركابي" – هكذا كان اسمه – معلقا بالمقلوب من شعره في نفس الشارع الذي كان يسكن فيه. في البداية لم أربط بين ياسر وموت السيد هاركابي ، ولكن وبعد عدة أيام كنت مع ياسر حيث كنا لوحدنا في البيت ، وأخبرت ياسر عما حدث للسيد هاركابي وبدأت بالبكاء من اجل صديقتي راشيل ومريم ، فاهتاج ياسر وضربني وصرخ في طالبا عدم التعاطف مع اليهود ، فرددت بالقول أنهما صديقتي ، مما زاد في هياجه وتابع ضربي ومزق ثيابي وشتمني ولكمني ، كنت خائفة حد الموت وعاجزة وخَجَلي من عُريي ، ثم توقف عن الضرب وألقى بنفسه علي وخلع بنطاله وحاول أن يدخل بي " يغتصبني " ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك مما أفقده أعصابه أكثر وعاد إلى ضربي مجددا وأجبرني على القيام بأشياء مرعبة من اجله ، ثم ألقى بي جانبا وحينها اخبرني انه كان المسؤول عن مقتل السيد هاراكابي . وتصرف على أساس انه لم يجر بيننا أي شيء وان الأمور ستسير مثل ما كانت من قبل ، وقال انه رتب لموت السيد هاراكابي لينقذ فلسطين من يهودي آخر وهدد بقتل راشيل ومريم إن أنا تحدثت معهما مرة أخرى ، وتصرف معي كما لو كنا متزوجين . وتابع حضوره إلي لعدة أسابيع أخرى ، ولكني لم أتمكن من قول أي شيء له ، وكنت مرعوبة منه ، وفي نفس الوقت كنت خائفة من قول أي شيء مما حدث لوالدي أو لأي أحد آخر ، وعاد ياسر إلى ما كان عليه سابقا ، وعندما بدأت بعدم التحدث إليه بدأ يركز على أبي محاولا التقرب منه أكثر . وكلما اقترب موعد الزواج أكثر أصبحت أكثر خوفا ، لم أكن أريد الزواج بياسر ولكن الزواج كان مُرتّبا ولم يكن هناك من طريقة لإلغائه لأني لم أكن قد أخبرت والديّ بذلك ولم استطع ذلك ، ثم تدخل القدر حيث كان جزء من اتفاقية الزواج هو حصول ياسر على الجنسية المصرية ، ووافق أبي على أن يكون الراعي لكل العملية الخاصة بالمواطنة وقام بإرسال خطابات ونماذج إلى القاهرة ، وجاءت إلى أبي رسالة رسمية في احد الأيام عن طريق البريد تقول انه لا يوجد سجل باسم ياسر عرفات ولكن كان هناك رجل باسم كذا وكذا ... الخ ، والذي حصل أن الرسالة أظهرت من هو ياسر عرفات في الحقيقة وليس ما كان قد قاله لأبي عن نفسه ، وهذا الكشف العرضي أثار حفيظة والدي كثيرا ، حيث كان دائما إلى جانب البريطانيين ولم يحب المفتي أو أي شيء له علاقة بآل الحسيني على الإطلاق . واجه أبي ياسر بهذه المعلومات وفي البداية قال ياسر : لا بد انه خطأ ، ولكنه اضطر إلى الاعتراف بالحقيقة ثم قام بالتوسل إلى أبي معبرا له مدى كرهه للحاج أمين أيضا ، ولكن والدي لم يغفر له محاولة خداعه وقام بطرده من البيت وإلغاء عقد الزواج . لقد شعرت بالانفراج ، رغم أني أظهرت المسألة لأبي على أني كنت كسيرة القلب من عمله . رأيت ياسر بعدها لمرة ، وحتى انه لم ينظر إلي "
وعند سؤال ياسر عرفات عن الموضوع كان يدعي بعدم معرفته بأي فتاة كان اسمها جِنان العُرابي .

" السيف العربي "

كان ذلك في شتاء عام 1951 و 1952 ، وقبل ذلك بشهور ولتهدئة المعارضة الشعبية المتزايدة قامت حكومة الوفد ومن جانب واحد بإلغاء المعاهدة المصرية البريطانية التي وُقِّعت عام 1936 والتي كان ما يزال لمدة سريانها 5 سنوات ، ولكن الاحتفالات الوطنية التي تلت ذلك سرعان ما تم السيطرة عليها من قبل الإخوان والقوى الأخرى الطامحة للسلطة في القاهرة وتحولت إلى مظاهرات متصاعدة ضد الحكومة وفي جميع أرجاء مصر
وأثناء هذه الأحداث كان ياسر عرفات قد سافر إلى الإسكندرية لخطب ود جِنان العرابي ، كما كان منشغلا أيضا في الجامعة في القاهرة وفي تأمين مركز ذو أهمية لنفسه في رابطة الطلبة الفلسطينيين التي ترعاها حركة الإخوان ، وعندما فشل مشروع زواجه من جنان في شهر تشرين الثاني عاد إلى الجامعة وكرس كامل وقته لمشاريع رابطة الطلبة ، والتي تكونت في اغلبها في تنظيم مسيرات طلابية تحت راية الإخوان إلى كافة المؤسسات الحكومية في القاهرة ، وكان الهدف الأساسي من هذه المسيرات هو استفزاز الشرطة للرد بعنف ليتم بعد ذلك تصعيد هذه المظاهرات إلى شغب عام ، واندلع احد هذه الاضطرابات في كانون الثاني عام 1952 وأدت مساهمة ياسر فيها إلى علو نجم ياسر في سماء الرابطة .
ابتدأ الأمر بمسيرة طلابية عامة إلى قصر عابدين حيث يسكن الملك فاروق وأمه الملكة نازلي التي كانت الحاكمة الفعلية للعرش المصري ، وكان الطلبة في اغلب مدارس القاهرة يُعدِّون بشكل سري لهذه المسيرة منذ أسابيع وكان بعضهم يمثل الإخوان المسلمين والبعض الآخر يمثل باقي التنظيمات الوطنية المتنافسة ، وياسر الذي كان لوحده تقريبا قام بتجميع رابطة الطلبة الفلسطينيين والذي كان متحفزا في هذا المد المتصاعد من المعارضة ، ولذلك وبحلول يوم التظاهرة كانت رابطة الطلبة الفلسطينيين وأنصارها بين اكبر الجماعات المجتمعة ، وبدأت المسيرة بشكل سلمي من اكبر ميدان في القاهرة ، وكانت غالبية الطلبة تهتف مُغلِقة الشوارع أثناء تقدمها باتجاه القصر ، وسار ياسر في طليعة رابطة الطلبة الفلسطينيين كإعلان عن تعيين نفسه قائدأً ، وكان الاتحاد خلف المجموعة الطليعية بثلاث أو أربع مجموعات وكان مسدسه ملفوفا حول ساقه ، ومع اقتراب قيادة المسيرة من القصر وجهت الشرطة إليهم إنذارا وتحذيرا بعدم الاقتراب أكثر ، ترددت المجموعة أولا ولكن الضغط المتدفق من المجموعات الخلفية دفعها إلى الأمام مجددا ، وفجأة تدفقت المجموعة الضخمة وبسرعة وألقت بنفسها على بوابة اقصر ، وكان يقف خلف البوابة مجموعة من حرس القصر يحملون بنادق اتوماتيكية لامعة . تم ضرب العديد من الطلاب الذين يتقدمون الصفوف وسيطر الاضطراب على الرعاع المجتمعين وتفجر إلى محاولة هروب جنونية ، حيث الكل يبحث عن طريق للهروب وتدفق أعداد من الرعاع إلى شوارع جانبية ، بينما جسم المسيرة الضخم يتبعها مندفعا دون تنظيم فوجد هؤلاء جدارا من الماء قامت برشه ست سيارات إطفاء .
استطاع عرفات تجنب السقوط والسحق تحت الأقدام ووجد مهربا عن طريق شارع فرعي ، وقاد مجموعة من طلبة الرابطة الذين كانوا يناصرونه عبر أزقة ليصل بهم إلى المنطقة الخلفية للقصر ، وكان أثناء ذلك يحمل مسدسه بيده ، وقام برسم خطة على عجل عند الجدار العالي للقصر الذي كان يحيط بالحدائق ، وقام بإصدار أوامر حربية إلى مجموعة كانوا يرافقونه وكان يلوح بمسدسه عندما حدد لهم اتجاهاتهم حسب الخطة ، وكانت الخطة تقضي بالقفز عن السور الخالي من الحراسة والقيام بهجوم مباغت على القصر باستخدام سلاحهم الوحيد وهو مسدس ياسر ، ويستذكر "رشيد بولاميBulami" ، وكان احد الطلبة الذين كانوا مع ياسر وقتها ، يستذكر قائلا : " لم يكن أي منا ليجادله وهو يلوح ويشير بمسدسه ، وأصبح ياسر فجأة مثل الرجل المهووس ، حيث كانت الخطة وليدة اللحظة وقام بإعطاء كل منا مهمة محددة وهدد بقتل كل من يعصي الأوامر ، وكانت خطته تتلخص باقتحام القصر واغتيال الملك كرد على قيام الحرس بإطلاق النار على الطلبة ، حيث خاطبنا قائلا : بما أننا جميعا فلسطينيون فنحن جميعا فدائيون ويجب أن نكون مستعدين للموت في أي وقت ، وادعى انه بموت الملك سنفتح الطريق لثورة الإخوان المسلمين والتي بدورها ستقوم بتحرير فلسطين وأننا سنكون أبطالا في فلسطين الحرة وانه سيتم بناء تصب تذكارية لنا هناك ، ويجب القول انه في حمى الاضطراب وفي تلك اللحظات عندما كانت قلوبنا تنبض بشدة وبخوف ، استحوذ ياسر علينا بفكرة القفز عن الأسوار . ولحسن الحظ أو سوءه حسب تفسيرات الموقف ، أمضى ياسر طويلا في خطابه الدعائي ، وقبل أن تتاح لنا الفرصة للقيام بالعملية اندفعت شاحنة مليئة بالجنود إلى الشارع وقاموا بتطويقنا إذ لا بد أن احدهم قد رآنا وقام بالإبلاغ عنا ، اخذ الجنود مسدس ياسر وساروا بنا إلى الجزء الأمامي من القصر ، كنا جميعا خائفين لا نستطيع الكلام ولكن ياسر واصل إلقاء شتائمه على الجنود ، وحتى انه بصق في وجه احدهم ، حيث تلقى ضربة من كعب البندقية مكافأة له على ذلك مما اضطرنا إلى جره بقية الطريق . وكان هناك طلاب ميتون وجرحى مُلقَوَن أمام القصر . تم تحميلنا في حافلة مع طلبة آخرين كان قد أُلقي القبض عليهم وأُخِذنا جميعا للمعسكر على الجزء الآخر من النهر ، واحتُجِزنا هناك لمدة ثلاثة أيام لم نتناول فيها سوى الماء والخبز ، استجوبونا هناك ولكن لم يعترف أي منا بولائه للإخوان المسلمين ولا لانتمائه لرابطة الطلبة ، وبكل بساطة قلنا أننا كنا نبحث عن ملجأ عندما دوهمنا خلف القصر ، أما بالنسبة لياسر فقد وجد صعوبة في تفسير سبب وجود المسدس معه ، ولكنه في النهاية أقنعهم انه يحمله للدفاع عن نفسه ، وحتى أنهم أعادوه له عندما تم إطلاق سراحنا " .
عند إطلاق سراحه عاد ياسر إلى القاهرة ليجد المدينة تحت الأحكام العرفية بسبب امتداد الاضطرابات التي قام بها الطلبة إلى كافة أنحاء القاهرة ، وعند انتهاء هذه الاضطرابات كان هناك ما يقارب المائة قتيل وآلاف الجرحى ومئات من المباني المدمرة أو المحترقة .
بقيت جامعة الملك فؤاد مغلقة لعدة أيام وعندما استُأنِفت الدراسة اكتشف ياسر انه أصبح بطلا عند أعضاء رابطة الطلبة الفلسطينيين ، حيث كان رفاقه من الطلبة الذين اشتركوا في هجوم لم يتم قد نشروا أخبار جرأته ,رغم اعتقاد رشيد بولامي انه كان يتم تضخيم القصة في كل مرة كان يتم روايتها .ويقول رشيد : " كنا منفعلين جدا بما كنا على وشك القيام به ،لدرجة أنه مع انتشار القصة كنا قد نفذناه ، أي كأننا قمنا بالفعل بتسلق الجدار وبدأنا في الهجوم على القصر نفسه لتقوم بعدها قوات الملك بإيقافنا " . وعندما عاد ياسر إلى الجامعة وجد انه محل إعجاب شديد من قبل زملاءه الطلبة الفلسطينيين .
أدت اضطرابات كانون الثاني 1952 والعصيان المدني الذي تلاها إلى انقلاب بعد ستة أشهر لاحقا واضعا جمال عبد الناصر على مسرح الأحداث في مصر .
أثناء الستة أشهر استغل ياسر صعود نجمه بين الطلبة الفلسطينيين وأمضى معظم وقته يحاول إعادة تشكيل الرابطة لتصبح أداة أكثر نشاطا وفعالية في انتظار الثورة الإخوانية النهائية والإمساك بأمور الحكم ، وكان الانقلاب المفاجأة الذي حدث في تموز على يد الناصريين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم" الضباط الأحرار" ، كان الانقلاب قد حوَّل الرياح عن شراع ياسر عرفات وبالتأكيد عن كل إخوان مصر ليحطم طموحهم ، وحسب رؤية جماعات الضباط الأحرار الاخوانية بدأت حركة الإخوان بالتقرب لرصد النظام الجديد حال قيامه بوضع الجنرال ذو الشعبية الواسعة محمد نجيب ، حيث قام هذا الزعيم بفرض نظام صارم من الإدارة العسكرية.
كان عرفات في هذه الفترة مع دائرة صغيرة من أصدقائه الجدد يقوم باستكمال إعادة هيكلة الرابطة في الجامعة التي أسميت جامعة القاهرة عند استلام الحكومة الجديدة ، وفي هذا الوقت أيضا قام عرفات بتوجيه اهتمام رابطة الطلبة إلى مسألة قيام إسرائيل ، وفور وصولهم إلى السلطة عبَّر الناصريون عن نيتهم بالتزام مصر بإزالة إسرائيل وتحرير فلسطين .
كان هذا الإعلان جزء من رؤية عبد الناصر الشاملة لتوحيد الوطن العربي بأكمله ، وتحويله إلى قوة بارزة لها كلمتها في الشؤون الدولية واضعا ضمن حساباته مصادر البترول الضخمة وعدد السكان المرتفع في الوطن العربي ومثل هذه الدولة العربية الموحدة ستكون مصر هي القيادة العليا فيها .
أثَّرت الرؤية الناصرية في العديد من الاتجاهات السياسية العربية ، ولم يكن اقلهم الطلبة الفلسطينيون ذوي الوعي السياسي ولكنهم في نفس اللحظة مرعوبين ، أثارت تصريحات النظام الجديد النارية حول إسرائيل كبرياء وشوفينية هؤلاء الطلبة الذين كان معظمهم صغارا على المشاركة في الحركة الوطنية الفلسطينية في الأربعينات ، ورأوا في ياسر عرفات شابا اكبر منهم قليلا كان له انخراط في العمل الوطني ، ولكنه كان يرفض طرق الحاج أمين غير المثمرة ، وكان قادرا على تبني بدائل أكثر نفعا ، حيث كان الإخوان قد وعدوا بالالتزام بتحرير فلسطين ولكنهم لم يملكوا القوة للوفاء بهذا الوعد ، ولم يكن مهما أن الضباط الأحرار لم يكونوا إخوانا في توجهاتهم ، فقد ربطوا مصر بفلسطين وكان لديهم القوة اللازمة لتنفيذ الالتزام .
استغل ياسر عرفات تصريحات الناصريين لتوسيع دائرة نفوذه في رابطة الطلبة وكذلك لمضاعفة العضوية فيه حيث بدأ يبالغ في مدح نظام الضباط الأحرار ، وقام أيضا بإعادة تأويل تحفظاته السابقة ذات القاعدة الاخوانية عن طريق التنبؤ بقيام تحالف ناصري إخواني لحكم مصر ، ونتيجة لارتفاع شعبية محمد نجيب ، القائد الصُوَري للناصريين واجه عرفات صعوبة قليلة في تجاوز الاحتجاجات الاخوانية بسبب دعمه للنظام الجديد " كان عبد الناصر يضع نفسه في المؤخرة ، رغم انه أصبح من الواضح مع مرور الوقت انه كان العقل المدبر والسلطة الفعلية في الحكومة الجديدة " . وفي كانون أول عام 1952 دعا عرفات إلى انتخابات للطلبة لانتخاب قيادة طلابية رسمية ، ولم يكن مفاجأة انتخابه كرئيس للرابطة ، واختيار أصدقائه المقربين لترؤس اللجان الفرعية للرابطة .
احد هؤلاء الأصدقاء كان شابا من حيفا اسمه" وليد جريس" وهو اليوم مهندس بترول مصري يقول : " أصبحت أنا وعرفات أصدقاء بعد انقلاب عبد الناصر ، وحتى ذلك الوقت لم يكن لي أنشطة كثيرة في الجامعة وخصوصا في المجال السياسي ، لقد كنت عضوا في رابطة الطلبة الفلسطينيين ولكن تركيزي على الدراسة كان أكثر من أي شيء آخر ، ثم بدأ ياسر يتردد علينا حين عرف أن هناك صلة قرابة تربطني بياسر البيرة الفدائي المعروف ، وسرد لي قصصا عن أبي خالد وكيف كان من أتباع ياسر البيرة المقربين ، لقد كان كثير الحماس والحركة وأصر عليّ للقيام بالعمل أكثر مما كنت افعل ، لقد أثار انطباعي لأنه كان اكبر مني سنا ، وكذلك لأنه حاز على مكانة جيدة في صفوف الرابطة ، لقد صاحبني وجعلني انخرط في العمل بشدة ، وعندما تم انتخابه رئيسا لرابطة الطلبة ، اُنتخبت بدفع منه أحد نواب الرئيس . ولم تدم الوحدة الطلابية طويلا ، في البداية ترأس اللجان طلاب من مختلف مناطق فلسطين ، ولكن وعندما عرف الجميع أن ياسر من غزة أصبح الطلبة الغزيين هم المتواجدين طوال الوقت ، وبمرور الوقت لم يعد ياسر مهتما بان تكون اللجان ممثلة لجميع مناطق فلسطين ، حيث أبدى أصدقائه القادمين من غزة رغبتهم الشديدة أن تكون قيادة الرابطة محصورة في الغزيين ، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ ياسر يتغيب عن اجتماعات الأعضاء المنتخبين ويقوم باتخاذ قرارات ومبادرات فردية مدعومة من قبل الغزيين .
وسرعان ما جاءت الثورة التي قام بها بعض الآخرون لكنها لم تدم طويلا ، حيث دعينا إلى انتخابات أخرى عام 1953 ، وفي هذه المرة حصل طلاب غزة على غالبية المقاعد وفي الحقيقة أصبحت رابطة الطلبة مقتصرة على الطلبة القادمين من غزة ، واستسلمنا أنا وياسر ثم تركت الاتحاد عام 1954 .
وفي رأيي أن فوز ياسر برئاسة الرابطة حوَّله إلى مجنون سلطة ، وهي الطريقة التي سلكها بعد انتخابه ، حين بدأ فجأة يُقوي مركزه ، لقد فهم معنى أن يكون رئيسا لشيء ، القدرة على إصدار الأوامر ، وتشكيل اللجان ، والتخلص من المحيطين به من المعارضين له ، أصبح متعجرفا ومدعيا ، واعتاد القول انه لا يستطيع تكوين علاقات صداقة حميمة بعد الآن لأنه قد يضطر في احد الأيام إلى تأديب أو فصل أو حتى معاقبة احد الأشخاص وإن كان صديقا .................
وفي إحدى المرات قام بذلك ، كان هناك طالب أرسله أهله للعيش مع أقرباء لهم في القاهرة أثناء حرب عام 1948 ولكنهم بقوا هناك في فلسطين ، وعند نهاية الحرب وجد الأهل أنفسهم يعيشون فيما أصبح يُعرف بدولة إسرائيل وفجأة أصبحوا عرب إسرائيل ، وتكيف الأهل مع الوضع الناشئ إلا أن الإسرائيليين رفضوا إعادة الولد إلى أهله ، لقد كان مستاءً مما حصل لكنه لم يتكلم مع احد في الموضوع ، وكنا جميعا نعتقد انه وبكل بساطة من القاهرة ، وكان الصبي سهل القياد ولم تكن له أي ثقة بنفسه ، وكان على استعداد ليتبع أي شخص يُظهر له الود أو الصداقة ، وقام ياسر بتجنيده عندما كان يشكل اتحاد الطلبة الفلسطينيين ، وجنده أثناء محاولته لتجنيد اكبر عدد ممكن إلى جانبه من اجل السيطرة على الرابطة ، وكان الصبي من ضمن المجموعة التي هاجمت قصر فاروق أثناء تظاهرات عام 1952 وكان يعبد ياسر ، ثم بعد سنة تالية كشف ياسر قصة الصبي ، وان والديه يسكنان في إسرائيل ، والأسوأ أنهما كانا راضيان بذلك ، وحاول ياسر الضغط على الصبي من اجل استنكار والديه علناً ، وكان الصبي على استعداد للقيام بأي شئ يطلبه منه ياسر ولكن في هذا الأمر لم يستطع أن يفعل أي شئ ، لقد مزق الصراع ذلك الصبي – الولاء لياسر أو لأبويه – . بدأ ياسر بجعله موضوعا للسخرية ، ألا أن الصبي لم يوافق على إدانة والديه واستطيع القول أن ياسر أحب الصبي حيث كان رقيقا وحساسا مثل زهرة ، وكان من الدائرة الأقرب إلى ياسر مع مجموعة من أربعة أو خمسة أولاد كانوا يعيشون معا في نفس المكان ، وتستطيع أن تتخيل ماذا أعني ، وما الذي فعله ياسر ؟ ! . وكان هناك صبي آخر اعتدنا على تسميته بالسيف العربي ذو أصل بدوي ، وكان شديد القسوة ، وقام عرفات بتنظيم نوع من الاستجواب الشكلي للصبي الذي يعيش أهله في إسرائيل والذي كان يرفض إدانتهم ، فخطب فينا حول كوننا فدائيين ثم صرخ فجأة مشيرا تجاه الصبي وقال : " إن قلبي يتفطر على أحمد – وقد كان اسمه أحمد – إن الروح الفدائية فيّ تنزف من اجل أحمد ، إننا كالإخوة ، كمخلوقات مترابطة الشرايين ، ودم احدنا يجري في الآخر ، ثم قال ولكن أخي احمد لا يستطيع أن يكون فدائيا حقيقيا لذلك يجب أن يتم تلقينه درسا حقيقيا ، وبعد ذلك ظهر الولد الملقب بالسيف معه سكينا ، وبدأ ياسر يتنفس بشكل مضطرب عندما بدأ السيف بخصاء الصبي " قطع عضوه الذكري " . وفي اليوم التالي وُجد الصبي ميتا ، حيث قام بقتل نفسه ، وبعد ذلك ظل ياسر يردد انه لا يود أن يكون له أصدقاء "
وهناك شهود عيان آخرون يؤكدون هذا الحدث الشاذ الذي تحدث عنه وليد جريس.

القضية الجزائرية

لم تدم شعبية نجيب طويلا ، ففي عام 1953 أصبح من الواضح أن القيادة الاسمية للمجلس العسكري لم يكن لديها الطموح للبدء بإصلاح مصر ، والذي كانت تأمله جميع العناصر المتطرفة مثل الإخوان ، ونتيجة لذلك بدأ الإخوان بحملة إعلامية مضادة للحكومة العسكرية ، وبدأت جولة جديدة من الاضطرابات المدنية عندما أطلق الإخوان مجموعة من القتلة والإرهابيين في محاولة منهم للاستيلاء على السلطة .
جرَّت هذه الأحداث ياسر إلى معضلة في داخل الجماعة الطلابية الفلسطينية في الجامعة ، وكرئيس لرابطة الطلبة الفلسطينيين كان ياسر يبالغ في مدح الحكومة العسكرية بسبب استنكارها الشديد لإسرائيل ، أما الآن فعليه أن يناقض نفسه من اجل مناصرة خط حزب الإخوان ، وطبقا لما يقوله احد المراقبين فان ياسر لم يتحرك بالسرعة الكافية ، وأدى هذا الأمر إضافة إلى حصر قيادة رابطة الطلبة في الطلبة الغزيين أدى كل هذا إلى قيام ثورة مضادة لعرفات من جانب العناصر الاخوانية المتشددة في رابطة الطلبة .
واشتد الصراع على قيادة الرابطة في خريف عام 1953 ، ولإظهار التزامه الإخواني وللتعويض عن تباطئه في الانضمام للحركة المناوئة لنجيب قام عرفات باصطحاب مجموعة من الطلبة الغزيين واتجه بهم إلى قناة السويس في شهر تشرين أول عام 1953 للانضمام إلى إرهابيي الإخوان الذين كانوا يتحرشون بإدارة القناة ، ولم تنجز مجموعة عرفات سوى الشيء القليل في منطقة القناة ، كانوا يأملون في الحصول على السلاح للانضمام للعمليات الإرهابية ، ولكنهم لم يُقبَلوا من إخوان القناة وطُلب إليهم مغادرة المنطقة بسرعة ، وعندما عادوا إلى القاهرة وجدوا أنفسهم ضحية انقلاب حيث تم التصويت على طردهم من قيادة الرابطة أثناء غيابهم
وانشأ عرفات ومعه الغزيون المطرودين منظمة جديدة أطلقوا عليها اسم اتحاد الطلبة الفلسطينيين ، وتسلَّم عرفات الرئاسة وأول عمل قام به هو إطلاق حملة دعائية مضادة لرابطة طلبة فلسطين . "إسماعيل بناني" ، كان احد الأعضاء الأوائل في الاتحاد وهو يعمل الآن مدرسا في احد المدارس العربية في الكويت ، يستذكر إسماعيل: " وإضافة إلى الطلاب من غزة انضم إلى عرفات عدد من الأولاد المصريين ، وكان والد احد هؤلاء مالكا لمطبعة ولذلك استطعنا الدخول إلى عالم الطباعة وهو أمر كانت رابطة طلبة فلسطين تفتقر إليه . وهذه كانت الفترة التي تعلّم فيها ياسر كتابة المناشير ، حيث بدأ بكتابة بيانات طويلة ذات طابع ديني ضد رابطة طلبة فلسطين ، وكان هذا الطالب يطبعها لنا بأعداد كبيرة ومجانا ، وكان ياسر يقوم بإرسالنا لتوزيعها في كافة أنحاء الجامعة ،وكانت تلك البيانات مليئة بالأخطاء النحوية والطباعية ، وفي الغالب كان من المستحيل على القارئ الخروج بشيء منطقي منها ، ومع فجاجتها إلا انه كان لها اثر كبير . وفي السابق كان ياسر معروفا عند الفلسطينيين فقط أما الآن فأصبح معروفا لدى كل الجسم الطلابي في الجامعة وذلك عن طريق تلك النشرات .وكان من بين اؤلئك الذين سمعوا عنه مجموعة من الطلبة الجزائريين الذين كانوا يحاولون استقطاب الطلاب من اجل دعمهم في صراعهم للاستقلال عن فرنسا ، حيث كانت فرنسا مشغولة في ذلك الوقت في حربها الخاسرة في الهند الصينية في محاولة منها للإبقاء على وجودها الاستعماري في فيتنام حيث كانت تواجه المناضلين الفيتناميين ، وقد أشعلت التجربة الفرنسية في فيتنام صراعا مماثلا في مستعمرة أخرى هي الجزائر ، وفي النهاية ظهرت حركة ثورية جزائرية لإبراز وإدارة معركة التحرير وتقرير المصير ، وكانت الحركة المسيطرة في تلك الثورة هي جبهة التحرير الجزائرية .
كان قادة المجموعة الطلابية من جبهة التحرير يسعون للوصول إلى ياسر عرفات بعد رؤيتهم للعديد من نشراته المكتوبة ضد رابطة الطلبة الفلسطينيين والتي كانت مليئة بالأخطاء اللغوية وعبارة عن خليط من الفكر الإخواني والدعاية التقليدية المضادة للصهيونية ، ولم تكن تعكس أي توجه سياسي من أي نوع ، وحسب ما يقول إسماعيل : لم يكن في نية الجزائريين الغوص فلسفة في عرفات! وإنما وبكل بساطة معرفة المصدر الذي يوفر له الطباعة المجانية .
ويقول إسماعيل : " كان الجزائريون يواجهون مشكلة الحصول على المال من اجل طباعة النشرات ، وفي نهاية كل نشرة من نشرات عرفات كانت تُذيل بما يشبه الآتي " طُبعت مجانا على نفقة صديق عربي للفلسطينيين " واعتقد الجزائريون أن بإمكانهم كسب صداقة ذلك المناصر للفلسطينيين ، ، ولكن الأهم أصبح أكثر من ذلك ، لقد كانوا أكثر اطلاعا منه وكانوا اقدر على الكلام المتسلسل الأفكار فيما يخص السياسة والاستعمار والامبريالية إلى ما هناك ... ، وكان ياسر يستمع إلى كل ذلك ولكنه لم يناقشهم ولم يحلل كلامهم وحتى انه لم يفكر في كلامهم كثيراً.
لقد كان شديد الإعجاب بالجزائريين ، وأنا متأكد انه تعلَّم منهم كيفية الوصول إلى ما يريد بشكل أكثر فاعلية ، لقد خَبِرَهم وحضر اجتماعاتهم وبدأ يظهر دعمه لهم في منشوراته ، واستطاع تدبر أمر طباعة بعض النشرات مجانا لهم ، ولذلك كانوا يتحملونه ، وبعد ذلك بدأ يظهر في نشراته كلمات وعبارات التقطها منهم ، عبارات مثل " الاضطهاد الاستعماري " ، " الاستغلال الامبريالي " ، وأشياء مثلها ، وبدأ باستخدام كلمة" تحرير" كثيرا عند الإشارة إلى فلسطين ولم يكن قد استخدمها من قبل ، وقد تفاجأ من أثرها الايجابي " .
وكان نتيجة لمزاوجة عرفات بين الإشارة لفلسطين مع كلمة التحرير الوطني ، أن بدأت أعداد كبيرة من الطلبة الجدد بالتدفق على اتحاد الطلبة الفلسطينيين ، وكان العديد من الذين تدفقوا هم من الرابطة المنافسة ، بينما كان الآخرون من الطلبة الفلسطينيين الجدد الذين لم يكن لهم أية التزامات من قبل ، وبحلول ربيع عام 1954 وصل عدد أعضاء الاتحاد إلى ما يقارب المائتي عضو ، وقد ثبت عندها أن التطرق إلى مشكلة فلسطين ضمن مصطلح التحرير كان عنصرا قويا للجذب .
تصاعدت الاضطرابات التي أثارها الإخوان ضد الحكم العسكري في ربيع عام 1954 عندما بدأ نجيب بالعودة إلى دائرة الوفديين السياسيين لتشكيل حكومة وهم الذين كانوا طُردوا في انقلاب الضباط الأحرار عام 1952 ، ونفذ صبر عبد الناصر الذي كان ما يزال خلف الكواليس مع رأس السلطة ، ثم غضب عندما بدأ نجيب بتجاهل أوامر العقل المدبر للضباط الأحرار ويتصرف منفردا فيما يخص التعيينات السياسية ، ولذلك وفي صيف عام 1954 قام الناصريون بإقصاء نجيب ووضعوا قيادة جديدة وعلى رأسها جمال عبد الناصر نفسه .
لم ينفع هذا التغيير في تهدئة الإخوان المسلمين ، فبعد استلام عبد الناصر لوحده ، جرت محاولة إخوانية لاغتيال عبد الناصر عندما كان يلقي خطابا في الإسكندرية ، وحسب رواية محمد هيكل الذي ترأس لفترة طويلة تحرير اكبر صحيفة في مصر ، وموضع الثقة عند عبد الناصر ، لم يتراجع القائد المصري الجديد عندما أزِّت سبعة رصاصات بجانب رأسه : " لقد وقف هناك مواجها القاتل عندما صفَّر الرصاص ، وخاطب الناس لحظة انفجار الرصاصات قائلا : أحبائي أبناء بلدي ابقوا حيث انتم ، أنا لست ميتا ، أنا على قيد الحياة ، وحتى لو مت فكلكم جمال عبد الناصر ، لن تسقط الراية " * .
لقد اوجد الحادث لجمال عبد الناصر شعبية منقطعة النظير في مصر ، وكان بمثابة إعلان دق ناقوس موت حركة الإخوان المسلمين ، وبعدها فورا أمر عبد الناصر بإنشاء وتدريب قوات فدائية مصرية في غزة لأسباب منها ، التخفيف من حدة المواجهة مع الإخوان ، ولإعادة الالتزام لتعهدات النظام التي قطعها على نفسه عام 1952 بقيادة العالم العربي لحل المشكلة التي أوجدتها إسرائيل " وبشكل كامل حسب ما يقول خبراء ، كان الهدف صرف الانتباه عن المشاكل الداخلية المصرية " . وتكونت المجموعات في معظمها من العرب الفلسطينيين الذين جُندوا لهذه المهمة من مخيمات اللاجئين في غزة ، وقلة كانوا من سكان غزة الأصليين يقودها ضباط كوماندوز مصريين مدربين لهذه الغاية ، ولتكون هذه القوة هي رأس الحربة في حرب التحرير النهائية التي لن تعيد فلسطين فقط إلى العرب ، ولكن أيضا لتكون نموذج الرؤية الناصرية لدولة عربية موحدة وتحت قيادة مصر لتتحول إلى قطب القوة الثالث في العالم .
ولتأكيد رؤيته هذه للعالم العربي أعلن عبد الناصر " أنا عربي ، كلنا عرب " عانيا بذلك أن نضال احد العرب هو نضال كل العرب لان معركة الأمة العربية هي معركة الجميع ، وكان لخطابات عبد الناصر صدى واسعا في العالم العربي ذو التقاليد القبلية القديمة القائمة على مقولة " صديق عدوي هو عدوي ، وعدو صديقي هو عدوي " ولم يكن فلسطينيو الشتات هم الأقل حماسا بين العرب .
لقد كان لاستلام عبد الناصر للسلطة وانطلاقة العمليات الفدائية من غزة وشمال سيناء في بدايات عام 1955 كان لها وقع المباغتة على عرفات ، وبينما كان منشغلا في المعضلة الناصرية الاخوانية ، أصيب ياسر بالإرباك عند علمه من احد إخوته في كانون الثاني أن كوادر الجيش المصري كانت تجند وتدرب فرق فدائية من مخيمات اللاجئين للقيام بعمليات قبل ثلاثة أشهر من لقاءه به .ولعدة أسابيع لم يعرف عرفات كيف يتصرف إزاء هذه الأخبار ، فمن ناحية كان التوجه الإخواني ما زال قائما على مقاومة الضباط الأحرار ، وعبد الناصر نفسه كان إخوانيا ، ولكنه تنكَّر لولائه للإخوان ، ومن ناحية أخرى فان إنشاء عبد الناصر لقوات فدائية تحت الرعاية المصرية كان تحقيقا لما وعد به الإخوان طويلا ولكنهم لم يحققوا منه شيئا ، وكان ياسر في نشراته الأخيرة يتخذ خطا إخوانيا قويا لإعادة بسط سيطرته على رابطة الطلبة الفلسطينيين لإدماجها مع الاتحاد الذي أنشأه هو ، وقد أدرك أن تغيير اتجاهه ومدحه لنظام عبد الناصر سوف يعرض هذا الجهد للخطر ويطيح بمصداقيته كناطق باسم الطلبة الفلسطينيين في القاهرة ، وتم حل معضلته جزئيا بالظهور المفاجئ لشابين من مخيم البريج من غزة في القاهرة ، واسماهما "خليل الوزير وصلاح خلف ".


* محمد هيكل ، ناصر ، وثائق القاهرة ( لندن : المكتبة الانجليزية الجديدة المحدودة 1972 )

كان كل منهما فردا من أفراد العائلات التي كانت تسكن بجوار القدس ثم هربت أثناء حرب عام 1948 ، وكانا يصغرانه بسنه أو نحو ذلك وقضيا فترة مراهقتهما في تجمعات غير مريحة في البريج ، وانتميا إلى العديد من المجموعات الإرهابية التي تشكلت وانحلت بسرعة بسبب نقص السلاح والقيادة والتدريب في الأربعينات والخمسينات . مع نهاية عام 1954 تلقيا نماذج سرية كانت توزع على الشباب الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين الثمانية في غزة لتشكيل جيش من الفدائيين ليتم تدريبه في مصر ، وعند انخراطهم في التدريبات الأساسية وجد مدربوهم المصريون أنهما ذوا مؤهلات قيادية وتم اختيارهما مع آخرين ليتم إرسالهم إلى القاهرة ليتلقوا تدريبا أكثر تخصصا في قاعدة للجيش بجوار القاهرة . وصل خلف والوزير إلى القاهرة في شهر نيسان عام 1955 وكانت تلك هي زيارتهم الأولى للقاهرة ، وتجولا لوحدهما هناك حيث كان معهما وقت قبل الالتحاق بالقاعدة ، وكانت جولتهما تلك جولة المتفحص المدقق ، وأثناء التجوال ذهبا إلى مقهى بجانب الجامعة كان يرتاده الطلبة الفلسطينيون في الجامعة ، وعلى الفور عرفهم الطلبة الميسورين بأنهم لاجئون وتعاملوا معهم ببرود جميعا باستثناء واحد شاذ جنسيا ، حيث وعدهم بتوفير أماكن للنوم لليلة واحدة ووافقوا .
كان هذا الطالب احد أعضاء اتحاد الطلبة وأثناء الليل علم منهما سبب تواجدهما في القاهرة وفي اليوم التالي ذكر القصة لياسر ، وكان ياسر مهتما بسماع المزيد عما كان يفعل المصريون في غزة ولذلك طلب من ذلك الطالب أن يُحضر اللاجئَين إليه ليقابلاه ، وحضر خلف والوزير وبعد عدة ساعات من الحديث المتواصل تأسست بينهم صداقة ، وبعد يوم أو يومين غادر الغزِّيان إلى القاعدة العسكرية ووعدا أن يعودا عند نهاية إقامتهما في المعسكر لاطلاع ياسر على تفاصيل التدريبات .
عادا بعد شهر أو أكثر بحكايات عن تدريبهما بفنيات التسلل والمتفجرات ، وتحدثا عن نوع جديد من المتفجرات كالمعجزة ، وهو المتفجرات البلاستيكية التي يمكن تشكيلها يدويا بالشكل والحجم المرغوبين ولها تأثير واسع وخاصة عندما يتم حشوها بالمسامير والشظايا المعدنية فإنها تقتل وتجرح إعداد كبيرة من البشر ، واُخذ ياسر بحديث صديقيه وكونه يعرف في المتفجرات ، وكونه سمع الكثير عن المتفجرات البلاستيكية من العديد من الجزائريين وكان تواقا لتجريبها بنفسه ، ولكن الذي أثاره أكثر كان عودة خلف والوزير يحملان رتبة ملازم في كتيبة غزة الخاصة في الجيش المصري ، وهما الآن يتلقيان رواتب لقاء قتالهما اليهود .

السويس

عاد خلف والوزير إلى غزة عام 1955 تاركين ياسر في القاهرة يلوك عجزه عن اتخاذ قرار ، وسرعان ما بدأت الأخبار تتدفق إلى القاهرة عن نجاح المجموعات الفدائية التي ترعاها مصر في عملياتها خارج غزة وكذلك الضرب في قلب إسرائيل ، حيث نُصبت الكمائن للآليات الإسرائيلية وهُوجِمت المستوطنات والمزارع ووضِعت المتفجرات في الحقول ولُغِّمت الطرقات .
وبدأ كوادر من الفدائيين بالتسلل إلى الأردن وسوريا ولبنان لإنشاء خلايا فدائية هناك ، وبحلول شهر آب كانت خسائر الإسرائيليين ضعفي خسائرهم التي تكبدوها في السنوات السابقة ، ولكن كانت خسائر الفدائيين مساوية لها تقريبا ، وبشكل قاطع كان الإسرائيليون أفضل تجهيزا وتدريبا ، فردوا على غارات الفدائيين بغارات مضادة اجتاحوا فيها قرىً عربية ومخيمات في غزة والأردن وكانوا يدمرون البيوت ويحتجزون من يشكوا بأنه من الفدائيين – فضلوا إطلاق اسم إرهابيين عليهم – آو قتلهم لحظة الإمساك بهم ، وأحد الماثلة على الغارات الإسرائيلية كانت لخان يونس الواقعة في الطرف الجنوبي لقطاع غزة ، حيث كانت المدينة مركزا لتدريب الفدائيين بإدارة الجيش المصري ، ولم يُقتل أفراد من المتدربين الغزيين فقط ، ولكن قُتل أيضا أربعون عسكريا مصريا . وكان من بين القتلى في تلك الغارة شقيق عرفات " بدر " ، ووضعت أخبار مقتل بدر حدا لتردد ياسر في مسألة الانحياز أو الولاء بين الإخوان ونظام عبد الناصر ، واستغل الإعلاميون الناصريون تلك الغارة لإعلان الجهاد ضد إسرائيل داعين الفلسطينيين من كافة الأعمار للانخراط بينما وعد المصريون بأنه سيكون جيشا فدائيا ضخما ومدربا ومزودا بالأسلحة ، واستجاب ياسر للنداء عن طريق التطوع مع عدد من أنصاره للتجنيد في القاهرة .
لم يكن باستطاعته التباهي بخبرته في صنع القنابل باسم الإخوان ، لان الإخوان وبعد محاولتهم قتل عبد الناصر ، أصبحوا وبشكل متصاعد اقل خطورة من ذي قبل ، ولكنه أثار إعجاب ضباط التجنيد المصريين بمعرفته بالمتفجرات وخاصة البلاستيكية منها وطلب منهم إرساله للتدرب في نفس القاعدة العسكرية التي تدرب فيها خليل الوزير وصلاح خلف ، وتمت الاستجابة لطلب ياسر حيث غادر القاهرة في تشرين أول متوجها إلى القاعدة والتي كانت بجوار المنصورة في دلتا النيل ، وقبل مغادرته إلى هناك كان قد بعث برسالة إلى خليل الوزير وصلح خلف يعلمهم فيها بأنه تم قبوله ليتدرب في المنصورة ، فوجها إليه نصيحة بالبحث عن "أنور غالب" وهو نقيب مصري مولود في القدس وكان كبير المدربين لهما في الربيع المنصرم ، وفعل ياسر ما طلباه منه ، وحسب ما يقوله "علي بدنان Badnan"وكان احد المتدربين في ذلك الوقت وهو موظف زراعي مصري الآن ، لقد كانت المعرفة التي حصلت بين الإثنين كانت هي المسؤولة عن لفت انتباه النظام الناصري لياسر . يقول بدنان : " كان أنور غالب شيطانا في هيئة مدرب ، حيث تلقى تدريبه العسكري في بريطانيا في الثلاثينات وكان خبيرا في حرب العصابات ، والمثير انه كان عضوا أيضا في جماعة الإخوان المسلمين ، وكان بالطبع عضوا سريا لان عبد الناصر حظر أي نشاط إخواني في الجيش لحظة وصوله للسلطة ، والأكثر إثارة من ذلك انه كان يعمل في المنصورة مع المخابرات المصرية، وبالإضافة إلى مهمته الأصلية لتدريب الفدائيين كان يقوم أيضا بتجنيد الجواسيس للعمل مع المخابرات التي كان يرأسها عقيد كان مسؤولا عنه في يوم من الأيام وكان الآخر قد تلقى تدريبه في بريطانيا .
أُرسِلت أنا وياسر إلى المنصورة في نفس الوقت ، حيث أثار ياسر انطباع الجميع فورا بروايته لقصص الحرب عن قتاله في القدس عام 1948 وعّرف أنور غالب بنفسه. أحبه أنور وجعله موضع تفضيل وذلك بخلاف الخوف والرهبة في الكتيبة التي تركها غالب حيث كنا جميعا نتنافس لنيل رضا غالب . وكان مجال اختصاص ياسر في المتفجرات حيث كان يعرف أكثر منا جميعا في مزايا وخصائص المتفجرات المتعددة والتي كنا قد تدربنا عليها ، ولم يطل الأمر حتى جعله غالب يعلِّم الآخرين ما يعرف ، ولم يكن يخاف من التعامل مع المتفجرات ، وكان يحمل دائما قطعة من المتفجرات البلاستيكية والتي يقوم بتشكيلها لشخصية صهيونية معروفة مثل بن غوريون ثم يقوم بإضحاكنا عندما يقوم بإعادة عجنها. ومن بين كل مجموعة من مائة متدرب أو أكثر كان يتم اختيار أربعة أو خمسة لهيئة الضباط الاحتياط برتبة ملازم ثاني ، ولم يكن ياسر ذو مقدرة في التدريبات الميدانية ، كان يتعب بسهولة ، ووضع مع الخاملين ولكنة ولسعة معرفته بالمتفجرات قام غالب باختياره ليكون في الهيئة .
واختاره من اجل شئ آخر حيث كان غالب قد جنده للعمل في المخابرات ، وفي احد الأيام حضر رجل من القاهرة ليقابل المجموعة التي اختارها غالب للعمل مع المخابرات ومن بينهم قابل ياسر ، وبعد عدة أيام علمنا انه تم اعتماده ، وكان عمل ياسر هو العودة إلى الجامعة بعد انتهاء التدريب ليقوم بتشكيل منظمة طلابية فلسطينية موحدة من مختلف الجماعات الطلابية الفلسطينية ، وكان يُفترض بان يكون هذا الأمر سريا ، ولكن كبرياء ياسر منعه من حفظ السر حيث اخبرنا أن المنظمة الجديدة قيد الإنشاء ولها الأولوية القصوى وسيحصل على المال والوسائل الأخرى التي يحتاجها من اجل جعلها موحدة وانه سيتم استغلالها من قبل نظام ناصر لأغراض سياسية وحتى انه قال انه في حال عودته إلى القاهرة سيقوم بمقابلة عبد الناصر نفسه .
عاد عرفات إلى القاهرة في كانون أول عام 1955 ولكنه لم يقابل عبد الناصر ، ولكن سرعان ما تم الاتصال به من شخص اسمه" Mohar تقي الدين" وهو احد العاملين في المخابرات المصرية ، وقام تقي الدين بتنشيط مهمة عرفات وأعطاه عدة مئات من الجنيهات المصرية لفتح مكتب بجانب الجامعة ، ووعده بتقديم أية مساعدات أخرى قد تلزم لبدء عمل التنظيم الجديد ، بما فيه أفرادا لفرض المطلوب . وفي غضون أيام امتلأت الجامعة بفيض من النشرات مجهولة المصدر تدعو المجموعات الطلابية الفلسطينية لوقف التنافر فيما بينها وان تتوحد في كيان جديد يدعم ويساهم في حرب نظام عبد الناصر ضد إسرائيل ، وكان الشخص المقترح لترأس المنظمة الجديدة التي ستدعى الاتحاد العام لطلبة فلسطين هو ياسر عرفات ، وبعد عدة أيام تمت الدعوة لاجتماع عام ليتحدث فيه عرفات إلى الطلبة الفلسطينيين والطلبة الآخرين المهتمين ، وكان في الدعوة تهديد مبطن لاؤلئك الطلبة الفلسطينيين الذين لن يحضروا بأنهم سيندمون لتغيبهم . أما قادة رابطة الطلبة الفلسطينيين الذين اعتبروا المنافسين لعرفات فقد نأوا بأنفسهم لمّا فهموا انه إمساك للسلطة بمساعدة مصدر تمويل غامض ، وردوا بمنشورات كتبوها استنكروا فيها السلطة التي تخول عرفات التحدث إلى جميع الطلبة الفلسطينيين ، وفي اليوم التالي وُجد عدد من كبار قادة رابطة الطلبة الفلسطينيين وجدوا موتى ، وأنكر ياسر أي علم له بجرائم القتل ، وعلى الأرجح كان يقول الحقيقة ، وبالرغم من انه اضطر للافتراض أن عمليات القتل قد خططت من قبل راعيه الجديد في المخابرات المصرية ، وبعد توزيع عدد اكبر من المنشورات حصل الاجتماع في أواخر كانون ثاني عام 1956 ، وكان الحضور كُثر ، وألقى فيه عرفات كلمة كتبها له تقي الدين حيث عرض بشكل رسمي تأسيس ما يسمى " الاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين " وتحدث بحماس عن أن الاتحاد سيكون نواة للحكومة المستقبلية في فلسطين المحررة ، وان مسألة تحرير فلسطين ستُنجز بشكل رئيسي عن طريق " نصيرنا المحبوب جمال عبد الناصر " والأمة العربية الجديدة سوف تنضم وتدعم " الجمهورية العربية المتحدة " التي تصورها عبد الناصر والتي ستحقق نهضة العروبة ومجد الإسلام في العالم .
وحتى اؤلئك المقربين جدا من عرفات نظروا إلى بعضهم بحيرة ، حيث انه لم يخبرهم بشيء بناءً على أوامر تقي الدين ، ووعده ابيضا بتدبر أمر أي معارضة له ، لقد فاجأهم بمسألة تمجيده لعبد الناصر ، وفي اليوم التالي بدأ عدد من أنصاره في الاتحاد بالتآمر عليه للإطاحة به من الرئاسة ، ويستذكر" حسين سالم" والذي لم يكن جزءً من دائرة عرفات الداخلية في تلك الأيام ولكنه عضو في الاتحاد ، يستذكر قائلاً : " اختلف ثلاثة أو أربعة من رفاق عرفات المقربين معه في مسألة مدحه لعبد الناصر وعرضه لوضع جميع الطلبة الفلسطينيين في خدمته ، وما حدث بعد ذلك كان مثيرا للصدمة ، حيث واجهوا ياسر في اجتماع للاتحاد في اليوم التالي واستنكروا فعلته وطالبوه بتقديم استقالته ، وكان هناك موافقة من قبل أكثر الآخرين . ابتسم ياسر ابتسامة إشفاق ، تلك الطريقة التي يستخدمها عندما يكون عارفا بأنه يعلم أكثر مما تعلم ، وأصبح احد الطلاب العاملين ضده عدوا حقيقيا له ، وكرهوا بعضهم بشكل كبير ، وقال ياسر كلمات قليلة ، حيث قال : " إن أي محاولات للعمل ضده سوف تجعل من يقوم بها نادما ، حيث قام بتذكيرنا بما حدث لقادة رابطة الطلبة الفلسطينيين ، وفي اليوم التالي قاوم هذا الطالب وقام مع عدد من أصدقائه بالتجوال على الطلبة طالبا منهم إزاحة ياسر عرفات وفي صباح اليوم التالي وُجد ميتا " .
أثناء شهر شباط تجمعت القوى الدافعة تجاه خلق الاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين بشكل رسمي ، وحسب ما يقول سالم الذي يعمل الآن مراسلا صحفيا لمنظمة التحرير في بيروت ، يقول أن ياسر باح لمجموعته الداخلية بالحقيقة حول أن الاتحاد العام لطلبة فلسطين مدعوم من المخابرات المصرية ، ووعد من يبقى على ولاء له بالمكافأة في السنوات القادمة ، " كانوا في البداية اثنين ثم ثلاثة ثم أصبح عدد من يعرف حول صلات ياسر بالمخابرات أربعة أشخاص ، ولكن بسبب توجهاتنا اضطررنا للحديث فيما بيننا وسرعان ما أصبح معلوما في الاتحاد أن ياسر يعمل لصالح المصريين ، في الحقيقة قام ياسر في نهاية المطاف بإخبارنا عن ذلك في اجتماع عُقد في شهر آذار وذلك قبل قليل من موعد عقد انتخابات الاتحاد العام ، لقد قال بوضوح : " نعم انه جزء من المخابرات المصرية وان الاتحاد الجديد سيُمول ويُدعم بسخاء من المصريين ، ولكنه حذرنا من الخلط بين توافقه العلني مع عبد الناصر وبين مشاعره الخاصة ، وأضاف بما أننا شعب بلا وطن يجب أن نكسب الأصدقاء حيثما نجدهم ، سيقوم المصريون باستغلال الاتحاد العام من اجل أغراضهم ولكننا سنستغل المصريين من اجل أغراضنا " .
أُجريت الانتخابات في اجتماع آخر في شهر آذار وبمساعدة من وسطاء تقي الدين الذين كانوا يدورون في وسط الحشود تم انتخاب ياسر رئيسا للاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين المشّكل حديثاً. وأُجريت الانتخابات في جو من التوتر المتصاعد في مصر ، ورفض عبد الناصر الدخول في حلف بغداد ، وهو تحالف عسكري عرضته بريطانيا بينها وبين دول البحر المتوسط الكبيرة ،وكان أساس رفض عبد الناصر هو احتقاره للبريطانيين بسبب بقائهم لعقود كاستعمار استغلالي لمصر ، ولكنه لم يستطع منع العراق من الدخول في الحلف وهي مستعمرة بريطانية سابقة ، وعلاوة على ذلك كان يقود مفاوضات حول الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة لبيع ما قيمته 500 مليون دولار من الأسلحة لمصر ، وعلّقت إدارة أيزنهاور عملية بيع السلاح لمصر تحت ضغط البريطانيين الذين خافوا من استخدام تلك الأسلحة ضد القوات البريطانية التي كانت ما تزال تحتل منطقة قناة السويس .
وافقت القوات البريطانية على إخلاء المنطقة بحلول عام 1956 ولكن بعد إقناع العراق بالانضمام إلى حلف بغداد وبالتالي تحطيم حلم عبد الناصر بعالم عربي موحد ، ولذلك شعر عبد الناصر بوجوب إخراج البريطانيين من السويس فورا ، وعندما استمرت الولايات المتحدة بتعليق الصفقة وعندما علم عبد الناصر أن الفرنسيون وافقوا سرا على تزويد إسرائيل بالأسلحة توجه إلى الروس حيث وجدهم موافقين عل تزويده بالسلاح .
في وقت تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين وانتخاب عرفات ذو الستة والعشرين عاما لرئاسته ، في تلك الفترة اعترف عبد الناصر بالحكم الشيوعي في الصين فردت الولايات المتحدة بسحب وعودها بالمساعدة في بناء السد العالي في أسوان ، وبتدفق السلاح التشيكي إلى مصر وتطوير الصداقة والالتزام بالدعم المالي الذي التزمت به موسكو ، رد عبد الناصر في معركة الأعصاب المتصاعدة بتأميم قناة السويس وأخطر البريطانيين بالخروج منها. وخرج البريطانيون ، ولكن حسب ما يقول محمد هيكل ، كان عبد الناصر يعرف أنهم سيعودون بالقوة ومن الممكن أن يكون معهم الفرنسيون الذين كانوا شركاء لهم في إدارة شركة قناة السويس في محاولة منهم لاستعادة القناة ، وكانت فقط مسألة وقت . في ذلك الوقت ابتهجت مصر بجرأة عبد الناصر وتدفق عشرات الآلاف للالتحاق بالجيش عندما حذر عبد الناصر من عدوان فرنسي – انجليزي ، وحصل الغزو في تشرين أول عام 1956 ، وجاء معه إعصار غير متوقع غيّر بشكل عميق الوجه الجغرافي والسياسي للشرق الأوسط ، وكان هذا الإعصار هو إسرائيل .
بعد تأميم عبد الناصر لقناة السويس طلبت بريطانيا وفرنسا من إسرائيل الانضمام إليهما في الحرب ضد مصر ، وسيكون هناك فوائد لأطراف الحلف الثلاثي ، وكانت إستراتيجية تلك الحرب تقوم على إنزال جوي بريطاني فرنسي في منطقة قناة السويس بينما تقوم قوة مدرعات إسرائيلية بغزو شبه جزيرة سيناء لتشتيت جهد الجيش المصري ، وستبرر بريطانيا وفرنسا مشاركتها في الغزو بسبب الاستيلاء غير القانوني للمصريين على قناة السويس ، أما إسرائيل فمبررها انه بقيام المصريين بتدريب وتمويل الفدائيين العرب للقيام بعمليات ضد إسرائيل من غزة ، فان مصر بذلك تعلن الحرب على إسرائيل وكذلك قيام مصر بفرض حصار على خليج العقبة مما أدى إلى إغلاق ميناء ايلات الإسرائيلي الجنوبي ، ومقابل اشتراكها في الحرب ستتلقى إسرائيل المزيد من الدعم العسكري من فرنسا وبريطانيا. عندما وقعت الحرب صُعق العالم من النجاح الإسرائيلي ، واستنكر العالم بريطانيا وفرنسا بسبب عملهما حتى الولايات المتحدة ، وعوقبت إسرائيل أيضا ، ولكن سهولة التوغل الإسرائيلي في سيناء ومطاردتها للقوات المصرية وتدميرها لكل شئ أمامها ، كل ذلك أثار إعجاب واستنكار العالم في نفس الوقت ، ففي غضون ثماني سنوات حولت إسرائيل جيشها من مليشيات مدنية ذات سمعة سيئة إلى قوات ذات انضباطية عالية سريعة التحرك ومتطورة وذات قوة ضاربة ، ورغم أن بريطانيا وفرنسا أُجبِرتا على الانسحاب بضغط من الأمم المتحدة ، مانحة عبد الناصر انتصارا أخلاقيا وانتصارا إعلاميا واسعا ، إلا أن الأداء الإسرائيلي أعطى مصر والعالم العربي إشارة إلى أن حلمهم في استعادة الجزء الفلسطيني الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية سيكون أمرا بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا ، ونتيجة للحرب اكتسحت شعبية عبد الناصر العالم العربي بأسره ، فارضةً رؤية عبد الناصر في أن يصبح القائد الأوحد للعالم العربي المُوحَّد ، ولكن الحرب أدت إلى تخفيف حدة المشاعر المتأججة التي أثارها عبد الناصر فيما يتعلق بفلسطين حيث قامت القوى الكبرى المتورطة في الصراع بإبعاد الانتباه عن المسألة الفلسطينية ، وسحب الانجاز والمبادرة من حركة التحرر العربية .
لم تتحطم معنويات احد مثل ياسر عرفات فقبل اندلاع الحرب بقليل تم الطلب منه الالتحاق بالخدمة حيث تم تعيينه كمساعد ضابط في فصيل تخريب في مدينة السويس في الجبهة الجنوبية من القناة وكانت مهمة المجموعة هي تدمير المراكز الأمنية في الأجزاء الجنوبية من القناة في حالة ظهور بوادر على نجاح البريطانيين في محاولتهم لإعادة السيطرة على المعبر المائي ، وأوكِلَت لهم مهمة ثانوية تتلخص في تدمير منشآت إنتاج النفط البريطانية المتطورة في منطقة Abu Rudeis في الجزء الجنوبي من خليج السويس . ولم يلحظ عرفات أية أحداث ، ولكن عندما وصلت أخبار انضمام الإسرائيليين إلى الفرنسيين والبريطانيين إلى السويس صُدم من وقع الخبر كما حصل للجميع في مصر . وفي اليوم الثالث للحرب علم عرفات أن الإسرائيليين احتلوا غزة وأنهم يتقدمون في سيناء تجاه القناة ، وكانت معنويات وانضباط الجيش المصري قد تشتت، وفي اليوم الرابع أصبح معروفا أن القوات الإسرائيلية قد سيطرت على ممر مِتْلا Mitla والذي يبعد ثلاثين ميلا إلى الشرق من السويس وأنهم يتقدمون باتجاه المدينة نفسها ، وتدفق الجنود المصريون المنهكون على مدينة السويس وهم يروون قصصا مرعبة عن قوة النيران الإسرائيلية وسرعة تحركهم ، ونتيجة لذلك هرب الضابط المسؤول عن فصيل عرفات وكذلك مساعده ثم تبعهم أغلب الرجال المُعينين معهم ، وبقي ياسر ومعه ثلاثة رجال من أصل أربعين كانوا في الفصيلة ، وقامت تلك المجموعة الصغيرة بنسف مخزنا للسلاح في ضواحي مدينة السويس ، وكما تبين لاحقا لم يكن هدف الإسرائيليين هو احتلال مدينة السويس التي كانت على الضفة الغربية للقناة ولكن تأمين الشرقي كان جزء من خطتهم للسيطرة عل كل سيناء ، ولكن تفجير عرفات للمستودع خدم باتجاه آخر وهو خسارة المصريين لعدة ملايين من الدولارات وهي ثمن الذخيرة الموجودة . ولم يستطع احد أن يلومه لأنه بقي بينما الآخرون أسرعوا بالهرب وكما يقول ياسر عرفات : " كان ذلك عندما تبخر إيماني في قدرة المصريين على مساعدة الفلسطينيين ، كان أمر مشاهدة آلاف الجنود المصريين يفرون إلى القاهرة أمرا مثيرا للتقزز ، وكان عبد الناصر قد مر بنفس التجربة عام 1948 ، وكرر كلامه بان ذلك لن يحدث ثانية ما دام هو الرئيس ، ومع ذلك وبعد مرور أربعة سنوات على استلامه السلطة حدث نفس الشيء مرة أخرى "
ويقول عرفات انه بقي مع ثلاثة من رجاله المخلصين في السويس ينتظرون وصول الإسرائيليين الغزاة ويستعدون للمواجهة النهائية ويضيف : " كنا ندعو من اجل وصول الصهاينة حيث كنا مستعدين للموت ، وقبل الموت أراد كل واحد منا قتل جندي صهيوني عل الأقل ، وقمنا بنصب كمين في الطابق الثاني في احد المخازن وكان لدينا بازوكا
- بازوكا أمريكية – وستة قذائف ، ولم نكن متأكدين من كيفية عملها ولكننا كنا مصممين على استخدامها ، كنا نعرف أن الصهاينة قادمون وان طليعتهم ستكون دبابات ، وكان لدينا البازوكا موضوعة في الزاوية من الجهة التي كنا نتوقع قدومهم منها ، وكانت المدينة في ذلك الوقت فارغة تقريبا ، وبقينا ننتظر خمسة إلى ستة أيام ولكن الصهاينة لم يظهروا أبدا " .
وبإنجاز الأهداف العملية تم إنهاء الحرب في غضون أسبوع . سيطرت إسرائيل على كل سيناء بينما احتلت القوات البريطانية والفرنسية ميناء بور سعيد وميناء فؤاد والذي يقع على نهاية القناة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط ، وفي بداية تشرين الثاني وبضغط من روسيا والولايات المتحدة – كل يسعى لمصالحه القومية – رتبت الأمم المتحدة مسألة وقف إطلاق النار. وكان وقف إطلاق النار ساريا وبقيت القوات المتحاربة كل في مكانه حتى آذار من عام 1957 عندما وافقت كل من بريطانيا وفرنسا على الانسحاب من الموانئ المصرية ووافقت إسرائيل بعد ضغط شديد من الولايات المتحدة على إعادة سيناء إلى مصر ، وأثناء المراحل الأولى لوقف إطلاق النار عاد ياسر عرفات إلى القاهرة بمساعدة من أصدقائه العاملين في المخابرات المصرية ، وتم تسريحه فورا من الجيش ، والسبب في سرعة تسريحه كان أن دول المعسكر الشيوعي كانوا يُنظِّمون مؤتمرا دوليا للطلبة في مدينة براغ في تشيكوسلوفاكيا ،وفي محاولة منهم للدخول إلى العالم العربي وجهوا دعوات إلى عدة دول عربية لإرسال وفود من الطلبة واقترحت مصر عليهم دعوة وفد يمثل الطلبة الفلسطينيين وعندما عادت الموافقة على الاقتراح أعطت الحكومة المصرية تفاصيل الرحلة لضباط المخابرات الذين كانوا يسيطرون على الاتحاد العام عبر عرفات .
أمر عرفات بالدعوة إلى اجتماع عام للاتحاد العام لطلبة فلسطين لإبلاغ الاتحاد بالدعوة . في تلك الأثناء وزعت المخابرات آلاف الصور التي تُظهر عرفات يتلقى الثناء من جمال عبد الناصر وتتحدث عن أعمال عرفات البطولية في الحرب الأخيرة ، وفي الواقع وحسب ما يقول بعض الفلسطينيين الذين كانوا في مجلس الطلبة في تلك الأيام أن الصورة كانت مزورة حيث لم يكن عرفات قد قابل عبد الناصر بعد ، وبالتأكيد لم يكن لعبد الناصر أي فكرة حول الصلة بين المخابرات المصرية والاتحاد العام لطلبة فلسطين ، وكانت الصورة في الأصل لعبد الناصر يحيي فيها احد العرب المعروفين وانه تم إزالة صورة ذلك العربي ووضعت محلها صورة لياسر عرفات في مكانه .
تم توزيع هذه الصور على أعضاء الاتحاد العام لطلبة فلسطين قبل الاجتماع العام الذي نُظِّم من اجل مؤتمر براغ رافعا بذلك من مكانة عرفات ، ووصلت بعض الصور إلى بعض أحياء القاهرة التي يسكنها فلسطينيون ، ومن بين هؤلاء الذين رأوا الصور كان خليل الوزير وصلاح خلف الشابان الغزِّيان اللذان كان لهما صداقة حميمة معه والمسؤولان بشكل غير مباشر عن اتصالاته الأولى مع المخابرات المصرية ، فبدءا فورا بالبحث عن عرفات . ووجداه قبل يومين من موعد عقد الاجتماع ، وحسب ما يقول زيد القدوة الذي كان يزور عرفات في ذلك الوقت ، يقول : " أنهم دخلوا في نقاش صاخب استغرق الليل بطوله – عرفات لا يحب مناقشة بدايات علاقته مع الاثنين – " واخبره خلف والوزير بفرارهما من غزة بعد انضمام وحدتهم الفدائية إلى الجيش المصري الذي هرب بشكل غير منتظم بسبب مباغتة التقدم الإسرائيلي عبر سيناء ، وانتهى الأمر بهم في القاهرة ولكنهما كانا خائفين من إبلاغ الجيش المصري بوجودهما حتى لا يعاد تجنيدهما في الجيش ، وكانا حانقين على أداء الجيش المصري واقسما على القتال ضد إسرائيل لوحدهما . ويستذكر زيد أن ياسر شاطرهما نفس المشاعر ويقول : " عبَّر ياسر عن خجله من المصريين بشكل مسرحي لعدة ساعات وكيف أن العار علق في روح كل فلسطيني ، وكان يمسك بيده مجموعة من الصور فامسك بواحدة منها ومزقها إلى قطع صغيرة مستنكرا عبد الناصر ، صارخا أن رؤيته يصافح عبد الناصر أمر يُعّير به " . وكانت تحكمت بهم العواطف وتشاطر الثلاثة المشاعر كلٌ يؤجج مشاعر الآخر ، ويقول زيد إن عدة طلبة من المقربين لياسر كانوا يتجولون في تلك الليلة وانضموا إلى النقاش مما زاد في حدة الغضب وعدد الأنصار ، ومع بزوغ الفجر كان هناك ما يقارب من 15-16 عضوا من أعضاء الاتحاد العام إضافة إلى ياسر وخلف والوزير وفي اجتماع تلك الليلة تم غرس البذور لما عُرف لاحقاً باسم منظمة " فـــتــح ".

جــــيــل الثـــــــأر

كان معظم الحديث الذي دار حتى وقت متأخر من الليل في عام 1956 حول الجيل الذي ضَيَّع فلسطين . أولا البريطانيين ثم اليهود ، لقد كان جيل الحاج أمين الحسيني وعبد الرءوف القدوة وسليمان الوزير ووجدي خلف ، والآخرين هما والدي خليل الوزير وصلاح خلف وقال خليل :" انه جيل الكارثة " فرد ياسر : " إذن يجب أن نكون نحن جيل الثأر " .
وترددت العبارة " جيل الثأر " أكثر من مرة طوال تلك الليلة، وفي اليوم التالي عقد ياسر وخليل وصلاح اجتماعا مغلقا اقسموا فيه على أن يصبحوا جيل الثأر بما هو أكثر من الكلام ، ولكن بقيت مشكلة ما يجب أن يفعله صلاح وخليل . وحسب ما يروي أخوه زيد وجد ياسر الحل ، كان خليل وصلاح من ناحية اسمية ضباط في الجيش المصري حيث تلقوا تدريباتهم في المنصورة وتم تدريبهم على يد أنور غالب الذي كان يُجند أفرادا للمخابرات المصرية لصالح Mohar تقي الدين ، وهو صلة ياسر مع دائرة المخابرات وعرض ياسر أن يكلم تقي الدين حول خليل وصلاح ، وقام ياسر بذلك في مساء نفس اليوم ، وعندما عقد الاتحاد العام لطلبة فلسطين اجتماعا لاختيار من سيذهب إلى براغ ، كان اسمي خليل وصلاح من بين المرشحين ، وكان ياسر ؤول من اختير ، وخطب ياسر مطالبا أن يتم تعيين صديقيه الفلسطينيين الذين حاربا بشجاعة إلى جانب المصريين ، أن يُعينا " كخبيرين أمنيين " ضمن الوفد ، وتم الموافقة على الطلب واختير طلاب آخرين وانتهى الاجتماع .
تولى تقي الدين مسائل وترتيبات السفر وجوازات السفر ، وبقي ياسر بلا أدنى علم حول الصلة بين دعوته لمؤتمر الطلبة وحاجات المخابرات المصرية ، ولكن في الليلة التي سبقت سفر الوفد قام تقي الدين بإعلام ياسر بشكل جزئي ، حيث أعلم ياسر أن هناك مخطط بين عناصر الإخوان السريين في الحكومة وبالأخص في دائرة المخابرات العامة للإطاحة بجمال عبد الناصر ، وهذا المخطط سيتم تمويله وتنسيقه من عملاء يمثلون الاتحاد السوفييتي الذي كان يعتقد أن وصول عبد الناصر للسلطة في مصر كان مخططاً بشكل سري عن طريق المخابرات الأمريكية C.I.A . ومنذ صعود عبد الناصر للسلطة بدأت فُرص الإخوان تخبو وعلم العديد من أعضاء الإخوان السريين أن عبدالناصر يعتزم حظر حركة الإخوان ، وشرح تقي الدين أن تعيين عبد الناصر على رأس السلطة في مصر استدعى تحركا سوفييتيا مضادا ، لان C.I.A و K.G.B كانا عدوين لدودين ، وان الرعاية السرية للمخابرات الأمريكية لعبد الناصر كانت تعني كذلك أن الولايات المتحدة تعادي الإخوان المسلمين *، وعملا بالمأثور العربي القديم " عدو عدوي صديقي " تقدم الروس بمشروعهم للإخوان للإطاحة بعبد الناصر واستبدال نظامه بنظام إخواني وبناء مصر لتكون قوة عسكرية عصرية . وأكد تقي الدين لياسر على أن عناصر إخوانية سرية مهمة في الحكومة وافقوا على المشروع وحتى أن بعضهم كانوا من المساعدين الثقات لعبد الناصر ، ومن الأهمية بمكان القيام بالمخطط قبل أن تتاح الفرصة لعبد الناصر بالتباهي بانتصاره عن طريق جعل الأمم المتحدة والولايات المتحدة تُجبر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للانسحاب من الأراضي المصرية وكذلك قبل أن تتاح الفرصة لحظر حركة الإخوان . لذلك كانت مهمة ياسر في براغ الاتصال مع العملاء السوفييت وينقل في طريق عودته إلى القاهرة وثائق مزورة تثبت أن عبد الناصر صنيعة المخابرات الأمريكية . استمع ياسر إلى قصة تقي الدين بعجب متزايد ، فبإيقاظ غرائزه الإخوانية القديمة وبتحرره من أوهامه حول عبد الناصر والتي تأججت أثناء مناقشته مع الوزير وخلف ، ما كان أمامه إلا أن يوافق على المؤامرة ، وحقيقة كونه سيتعامل مع الروس زادت من اهتمامه والأكثر من ذلك ، وعده تقي الدين بأنه سيُكافئ بشكل مجز على عمله حتى اكتمال الانقلاب ، حيث سيشكل الإخوان حكومة فلسطينية في المنفى وان ياسر سيعين في منصب عال ، وزاد تقي الدين في الإيضاح عندما قال أن الحكومة ستكون مدعومة بالكامل من السوفييت الذين سيكرسون قوتهم لحمل الأمم المتحدة للمساعدة على تحقيق أهدافها .
وكما تبين لاحقا بالطبع لم يتحقق أي شيء من هذا ، حيث غادر ياسر إلى براغ مع وفده من الاتحاد العام لطلبة فلسطين بمن فيهم الوزير وخلف من خارج الجسم الطلابي ، ومعهم كمية كبيرة من العملات الأوروبية زودهم بها تقي الدين ، وقد حذره تقي الدين من البوح بمهمته لأي كان ، ولكنه كان شديد الانفعال بالمخطط الإخواني وبدوره فيه لدرجة انه لم يستطع معها الكتمان ، ففي الطائرة المتوجهة إلى براغ اخبر خلف والوزير بتفاصيل العملية وطلب منهم أن يقسموا على الكتمان.

(*) ظهر فيما كُشف حديثا عن طريق مايلز كوبلاند مؤلف كتاب لعبة الأمم وعند آخرين ما يعطي مصداقية في أن للمخابرات المركزية دور فيما كان يحدث في الحكومة المصرية

وفي براغ حضر الثلاثة اجتماعات متعاقبة كُرست لمناقشة فضائل الاشتراكية وتطبيقاتها في الدول الناشئة أو دول العالم الثالث . وضغط ياسر وأعضاء الوفد الفلسطيني لإصدار قرار يدين قانونية إنشاء ووجود دولة إسرائيل ولكنهم لم ينجحوا -في ذلك ، ويستذكر احد أعضاء الوفد وهو "عبدالرحيم جبريل" : أنهم لم يفشلوا في ذلك فقط ، ولكن أيضا دخل الوفد في خلافات حادة بسبب ياسر وصديقيه الجديدين.
يقول جبريل الذي هو اليوم رجل أعمال ثري في بيروت : " ترك ياسر للوزير وخلف حرية السيطرة على الوفد ، هذان اللاجئان اللذان لم يكونا طلابا ، وتصرفا على أنهما القادة وليس ياسر ، وكانت أفضل وسائل النقاش لديهما هي التهديد والإهانة ، وبدا أن ياسر موافق على ذلك ، وبعد فترة لم يستطع أي من بقيتنا أن يتفوه بكلمة ، لقد كان الاثنين دائمي الصراخ حول ظروف المخيمات والشرور التي تمارسها إسرائيل في غزة ، وكانا يسيطران على كل مجرى للنقاش وكان ياسر يكتفي بالجلوس ولا يتكلم أبدا ، ويقوم بالإيماء برأسه دلالة الموافقة . وفي احد الاجتماعات قام رئيس المؤتمر – وهو يوغسلافي على ما اعتقد – قام بتوبيخ الوزير بسبب لغته الهستيرية في الحديث ، فوقف ياسر بشكل مفاجئ واحتج على ذلك ، فأمره الرئيس بالجلوس والتزام الصمت ، فرفض ، فاستدار نحونا وأمرنا جميعا بالخروج معه ، حيث خرج هو والوزير وخلف من المدرج وتبعهم بعض أعضاء الوفد الآخرين ، ولكن بقيتنا لم يفعلوا ، لقد طفح بنا الكيل من ياسر وتابعيه المخلصين ، وفيما بعد غضب ياسر بشدة وطردنا من الوفد ولكن ذلك لم يكن مهما حيث لم يتبق لديه وفد ذو فاعلية ، كان ياسر وصديقيه فقط الذين لم يعرفوا طرق التفاوض حول الإجراءات ولم يكونوا مهتمين كثيرا " .
انتظر ياسر والوزير وخلف بترقب شديد في الأسبوع الأول اتصال العملاء السوفييت ولم تجر أي محاولة للاتصال بهم ، ثم جاءت الأخبار السيئة بان الطلبة الذين طردهم ياسر من الوفد بمن فيهم جبريل غادروا براغ عائدين إلى القاهرة في بداية الأسبوع وتم اعتقالهم حال وصولهم إلى مطار القاهرة ، ووصل نبأ الاعتقال إلى ياسر بعد عدة أيام ، وأُعلِن وقتها أن عبد الناصر قد كشف المخطط الإخواني ، واعتُقل العديد من الشخصيات المصرية البارزة بمن فيهم العديد من المقربين من عبد الناصر وعدد من العاملين في المخابرات ، وأضاف الخبر أن البحث جار عن متآمرين آخرين . ويتذكر جبريل الحدث : " حين اعتقلنا وُجهت لنا تهمة المشاركة في المؤامرة وكنا قادرين بسرعة على إثبات العكس بما لا يدع مجالا للشك عند الشرطة ، وأصبح واضحا لنا أثناء عملية التحقيق الذي خضعنا له انه كان عند الشرطة معلومات تربط الاتحاد العام لطلبة فلسطين بالمؤامرة ، ووُجه لنا العديد من الأسئلة عن ياسر ، ولم يكن للشرطة أي علم عن وجود خلف والوزير في براغ ولكننا أُجبرنا على الحديث عنهم ، وعندما أطلقت الشرطة سراحنا كان من الواضح أنهم ينوون اعتقالهم حال عودتهم ، وعلمنا لاحقا انه تم توريط الاتحاد العام لطلبة فلسطين في المؤامرة الاخوانية عن طريق الإخوان العاملين في المخابرات وان ياسر كان يعمل كرأس حربة لهم " . ويقول جبريل أن احد أعضاء الاتحاد العام لطلبة فلسطين أرسل برقية إلى ياسر حذره فيها من العودة إلى القاهرة ووصلت الرسالة في نفس اليوم الذي نشرت فيه صحف براغ إعلان الحكومة المصرية عن كشف المؤامرة ، وفي مساء اليوم التالي تم توقيفه هو وخلف والوزير عن طريق اثنين من العاملين في السفارة المصرية وأمروهم بان يرافقوهم إلى مكتب القائم بالأعمال ، ولمعرفته بما يعنيه الأمر قام الوزير بلكم احدهما وهرب الثلاثة عائدين إلى غرفتهم في الفندق .
هناك ناقشوا خياراتهم والتي بدت أنها خياران ، وهما العودة إلى القاهرة أو طلب اللجوء السياسي في براغ ، ولم يكن أي من الخيارين يستحق النقاش لان جوازات سفرهم كانت محددة الوجهة والمدة ، ولا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان ، ولكن خطرت لخلف فكرة بعد ذلك . أثناء أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات هاجر العديد من العرب الفلسطينيين من الشرق الأوسط إلى ألمانيا الغربية للاستفادة من وفرة فرص العمل التي أتاحها اقتصاد ألمانيا بعد الحرب ، وكان من بين هؤلاء مجموعة من عائلة خلف الذين استقروا في مدينة شتوتجارت وضواحيها حيث تكونت هناك جالية فلسطينية كبيرة ، وكان لخلف العديد من أبناء عمومته في جامعة شتوتجارت والتي كان بها أيضا عددا كبيرا من الطلبة الفلسطينيين . وكانت فكرة خلف هي الوصول إلى شتوتجارت . ولكن كيف ؟ وتمت الإجابة على التساؤل فورا ، كان احد الطلبة المقربين من عرفات عند تأسيسه لاتحاد الطلبة الفلسطينيين شاب من غزة اسمه "زهير العلمي" ، وهو ابن شقيق موسى العلمي الرجل الذي كان مندوب فلسطين في جامعة الدول العربية قبل عودة الحاج أمين إلى القاهرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وكان زهير من المعجبين بياسر بسبب استنكاره للحاج أمين الذي كان يتصارع مع عمه لقيادة الحركة الوطنية ، وعند تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين وتنصيب ياسر رئيسا له كان زهير مع ياسر ، وكان زهير حاضرا في تلك الليلة المشحونة والتي تم فيها إدانة جيل الكارثة وكان زهير متفقا معهم في تلك الإدانة التي شملت عمه أيضا واتفق معهم أيضا على تنصيب ياسر وخلف والوزير لأنفسهم كقادة لجيل الثأر وسعى لترشيح نفسه وتم تعيينه ضمن وفد براغ وكان واحدا من الطلبة الذين بقوا على ولائهم لعرفات عندما انشق عن أعضاء الوفد الذين كانوا غير راضين عن سيطرة خلف والوزير على الأمور. وكان زهير حينها في براغ ولكنه كان غير راض لان ياسر وخلف والوزير كانوا يستثنونه من مناقشاتهم الخاصة .
كان زهير يحمل جواز سفر يخوله السفر بحرية ، وعندما ذكر ياسر الأمر رأى فيه خلف الحل المطلوب ،وكان ياسر ما يزال يحمل الأموال التي أعطاها له تقي الدين ، والتي سيستخدمون جزءاً منها لإرسال زهير إلى شتوتجارت حاملا رسالة لأحد أقارب خلف ، وستحتوي الرسالة على طلب عودة زهير إلى براغ ومعه ثلاثة جوازات سفر فلسطينية سارية المفعول من الطلبة الفلسطينيين الموجودين هناك ، وباستخدام تلك الجوازات بعد إلصاق صورهم عليها سيكون باستطاعة ياسر وخلف والوزير السفر إلى شتوتجارت لإيجاد ملجأ لهم هناك من السلطات المصرية .
استدعوا العلمي وشرحوا له الخطة ، وأخبروه انه قد يتم اعتقاله بعد عودته إلى القاهرة في نهاية المؤتمر الطلابي ، وأضافوا أن النظام المصري قد حظر عمل الإخوان وانه حصل عمل قوائم بأسماء أعضاء الإخوان وأنهم يُنفِّذون اعتقالات بالجملة وبالتالي فإنهم سيكونون معرضين للخطر إذا عادوا للقاهرة . وبسبب حماسه لإرضاء ياسر ولفرحته بأنه قد استعاد ثقة ياسر به وافق زهير على الخطة ، وغادر في اليوم التالي إلى شتوتجارت ، وبعد أربعة أيام عاد إلى براغ حاملا معه ثلاثة جوازات سفر وقصصا عن وجود حركات وطنية فلسطينية نشطة في تلك المدينة الألمانية ، وفي اليوم التالي غادر ياسر وأصدقاؤه الثلاثة إلى شتوتجارت .

مــــن ألمانـــيا إلى الــكــويـــــت

وصل ياسر إلى شتوتجارت ليجد أمامه كما قال له العلمي حركة فلسطينية ذات أسس قوية ولكنها كانت غربية على إدراكاته ، ولأنها كانت ترتكز على مُثُل اشتراكية أوروبية سّخف قادتها من توجهاته الاخوانية ، وبدلا من مزاوجة أفكاره مع تلك الموجودة عند الفلسطينيين هناك إلا انه قام وأصدقائه الثلاثة بالابتعاد والتقليل من شأن القيادة المحلية ، وتشكيل مجموعة جديدة على أفكارهم القديمة .
ويقول "صبري حدّاوي" الذي كان حينها طالبا في جامعة شتوتجارت ويعمل اليوم في مصرف في فرانكفورت يقول : " قام هو وأصدقائه بعدة محاولات لإخافة الناس ، ولكنها كانت في وقت بدأت فيها الحركة تفقد فيها قوتها ، لقد ثبَّطت حرب السويس من عزائم الجميع حيث لم تكن تلك الحرب من اجل فلسطين ، إلا انه تم إضاعة القضية الفلسطينية في كل الأمور التي كانت تجري ، وكان معظمنا في شتوتجارت قد وصلوا حد الملل والتعب ، ولم يستطع هذا المسمى عرفات بقوة تابعيه وطرق عمله السرية لم يستطع إثارة انطباع أي منا "
مكث ياسر في شتوتجارت مدة ثلاثة شهور ، ومع تناقص الأموال التي أعطاها له تقي الدين ، حاول ياسر وأصدقائه جمع تبرعات من الفلسطينيين الموجودين هناك في محاولة منهم لإنشاء مجموعة تحرير مستقبلية ولكن نجاحه كان ضئيلا ، وبالرغم من توفر شواغر عمل كثيرة في المنشآت الصناعية في شتوتجارت إلا أنهم كانوا خائفين من التقدم لأي منها خوفا من اكتشاف وجودهم غير القانوني هناك . وإضافة إلى ذلك كانت مشكلة اللغة ، حيث لم يكن أربعتهم يتكلم إلا اللغة العربية ، كانوا يفهمون القليل من الانجليزية التي كانوا يسمعونها في القاهرة ، ولكن اللغة الألمانية استغلقت عليهم . وبسبب رفضهم من الفلسطينيين هناك مع عدم قدرتهم على التواصل مع أي احد غير الفلسطينيين ونفاذ ما لديهم من النقود وعدم ارتياحهم بشكل عام من فترة نهاية الشتاء القاسية في ألمانيا ، لكل ذلك بدءوا بتصيد فرص جديدة .
وجدوا تلك الفرصة في احد أيام نيسان عام 1957 حيث قرأ ياسر إعلانا في صحيفة عربية محلية نشرته حكومة الكويت وكان هذا الإعلان يطلب عمال مقاولات مهرة للهجرة إلى المشيخة الصغيرة الواقعة على الخليج الفارسي للمساعدة في طفرة البناء التي كانت في أوجها نتيجة لغنى ذلك البلد بمصادر النفط . ووعد الإعلان العمال بكل أنواع الحوافز التي لم تُقدم من قبل في أي بلد عربي ، وكان الإعلان موجها بالذات للمُهجَّرين الفلسطينيين من حملة درجة الهندسة ، حيث يحصلون على نفقات السفر والسكن المجاني ، ولزيادة الرغبة في الإقبال على الإعلان كان هناك وعد بعدم توجيه أي أسئلة عن خلفية المتقدم الشخصية باستثناء مؤهلاته الأكاديمية .
ذهب ياسر وأصدقائه في اليوم التالي إلى العنوان الموجود في الإعلان ، ووجد الكثير من الفلسطينيين هناك منهم حديثو التخرج من جامعة شتوتجارت وألئك الذين على وشك التخرج وكلهم تواقين إلى الرحلة المجانية إلى المناطق الدافئة . وفي سنوات دراسته في جامعة القاهرة لم يقض ياسر إلا القليل من الوقت في قاعات الدرس وحين جاء موعد تخرج دفعته كان ياسر من المتأخرين في برنامج الهندسة ولم يتخرج ، ولكن ترتيباته مع تقي الدين تكفلت بالموضوع ، وكرئيس للاتحاد العام لطلبة فلسطين ورئيس الوفد المتوجه إلى براغ كان مفروضا على ياسر أن يحمل إثباتات حقيقية بأنه طالب وخريج من جامعة القاهرة . ولذلك وعلى الرغم من تدني علاماته تم إصدار شهادة رسمية لدرجة البكالوريوس في الهندسة المدنية بناءً على أوامر تقي الدين ، وحملها معه إلى براغ وأبرزها في مكتب لجنة التعاقد الكويتية في شتوتجارت وتم التعاقد معه فورا ، وفي غضون أيام معدودة تم إصدار وثائق السفر الضرورية له وتذكرة الطائرة ومبلغ المصاريف ، وباستخدام جواز السفر الكويتي الخاص الذي سيُعطى له قرر ياسر المجازفة وزيارة أهله في غزة وهو في طريقه إلى الكويت ، واستطاع إقناع المندوب الكويتي بعمل التحويل اللازم وأصبحت تذكرته تشمل النزول في القاهرة . ولم يحالف الحظ خليل الوزير وصلاح خلف حيث لم يتم التعاقد معهم بسبب عدم حصولهما على أي مؤهلات أكاديمية أما زهير العلمي فحصل على التعاقد ، وتناقش الأربعة في المشكلة الناشئة قبل سفر ياسر ، واتفقوا على انه حال وصول ياسر إلى الكويت سيقوم بالبحث عن فرص عمل لخليل وصلاح لترتيب التحاقهما بياسر وزهير وفي هذه الفترة سيتم التواصل عن طريق الرسائل ، وسيبقى خليل وصلاح في شتوتجارت للاستمرار في محاولة إنشاء منظمة تحرير ذات قاعدة إخوانية . وغادر ياسر وزهير شتوتجارت في صباح يوم 16 أيار عام 1957 في رحلة إلى القاهرة حيث أصبح زهير عضوا في مجموعة الأربعة المسماة " جيل الثأر " . حيث تم إعلامه بتورط رفاقه الثلاثة في مؤامرة المخابرات المصرية والتزم التزاما قويا بالحركة الراديكالية التي ستكون ضمن رؤية عرفات لأسلوب التحرير ، وكان زهير قد استطاع إقناع الكويتيين بالسماح له برحلة جانبية إلى غزة ، وعندما وصلا إلى مطار القاهرة أُدخلا إلى قاعة القادمين دون تدقيق في جوازات سفرهما الكويتية .
لم يمكثوا في القاهرة حيث توجهوا فورا إلى غزة حيث كان الإسرائيليون قد انسحبوا حديثا من سيناء وغزة ولم يكن المصريون قد استطاعوا إعادة تنظيم مواصلات منتظمة إلى غزة وفي طريقهما شاهدا أدلة على الانجاز العسكري الإسرائيلي الذي حدث قبل ستة أشهر – مئات من الدبابات والعربات المصرية المحترقة والمدمرة – فأثار هذا المنظر غضبهما حيث قضى ياسر معظم الرحلة يتمتم بألفاظ نابية بحق المصريين والإسرائيليين .
كان المشهد في غزة أكثر إحباطا ولم تكن المدينة وحدها هي التي تعاني من الرعب والدمار فقط ، بل كان السكان محبطين وعزيمتهم منهارة ، وعندما زار ياسر والده توقع أن يجده مشحونا بمشاعر الحقد والانتقام ، ولكن والده كان رجلا مهزوما وفي صوته نبرة حزن ، والأكثر إثارة للمرارة كان حديث عبد الرءوف الودود وتقريبا الإعجاب بالإسرائيليين الذين احتلوا غزة مدة خمسة شهور . باستثناء أخيه الأصغر فتحي كان الجميع مستسلمين ، حيث نال نصر وزيد ما فيه الكفاية من ذلك الصراع ، وعندما حاول ياسر استثارتهم مرة أخرى رفضوا الاستماع إليه لأنهم كانوا فقط يريدون مساعدة أبيهم في إنعاش أعماله المحطمة وان يعيشوا بسلام تحت الإدارة المصرية التي عادت مرة أخرى . ويقول زيد انه حث ياسر على ترك الأفكار التحررية وانه حان الوقت لإدراك الواقع ومسايرة الحياة ونسيان فكرة إزالة اليهود ، وأضاف زيد : " لقد رأيناهم وعشنا بينهم ، إنهم أقوياء جدا ولن نتغلب عليهم أبدا " . فبصق ياسر على أخيه ، وبعد مكوثهما مدة أسبوع في غزة ، اتجه ياسر وزهير عائدين إلى القاهرة وقبل مغادرتهما إلى الكويت قاما بزيارة في غير وقتها إلى مكتب الاتحاد العام لطلبة فلسطين بجانب الجامعة وفوجئا بأنه ما زال قائما ، وقابلوا هناك العيد من الطلبة الذين يعرفونهم وغضب ياسر عندما علم منهم أن احد أعدائه السابقين الذين سافروا معه إلى براغ قد تم تنصيبه رئيسا للاتحاد . ويقول عبدالرحيم جبريل : " أن ذلك الشخص قام بإفراغ الاتحاد من كل أتباع عرفات وكرَّسه بشكل مباشر لخدمة المصريين وقام كذلك بالتعاون مع الشرطة بحظر كل نشاط إخواني . واهتاج ياسر عندما علم أن الاتحاد عاد إلى تأييد سياسات المفتي ، وبدأ بالبحث عن الرئيس الجديد والذي كان اسمه "نسيم قرنوبي" ، وأنا متأكد انه كان ينوي قتله ، ولكن لم تتح له الفرصة حيث ابلغ احد أتباع قرنوبي الشرطة أن ياسر عاد إلى القاهرة ، وجاءت الشرطة للبحث عنه ورغم أني لم أكن أحب ياسر كثيرا إلا أني لم ارغب برؤيته معتقلا ، ولذلك عندما عاد إلى المكتب في المرة التالية استوقفته وحذرته من أن الشرطة بانتظاره في الداخل ، فسألني : وهل قرنوبي في الداخل فأجبته بنعم فقال سوف ادخل واقتله لأنه شيء يستحق الاعتقال من اجله ، وكان سيذهب لولا ذلك الشخص الذي كان معه – زهير العلمي – والذي لم يسمح له، وطلب زهير أن يغادرا فورا ووافق ياسر أخيرا . ولكن قبل مغادرتهما سحب ياسر كمية من النقود من جيبه ولوح بها في وجهي وقال إنها ستكون لي إذا قتلت نسيم قرنوبي قبل انتهاء الليلة وأضاف انه سيقابلني في مكان محدد وأنني إذا أحضرت معي يد قرنوبي المميزة معي فانه سيُعطيني كل النقود وستكون اليد إثبات لقتلي له ، وكانت اليد معروفة عند الجميع لأنه فقد إصبعين منها ، ولكني قلت له لا استطيع فعل ذلك ولذلك فإنهما غادرا وحسب علمي فان الشرطة لم تجده أبدا " .
لم يجدوا ياسر لأنه وفي اليوم التالي غادر القاهرة مع زهير متجهين إلى الكويت . والمشيخة الواقعة على رأس الخليج الفارسي والمحشورة بين العراق والسعودية كانت كلها عبارة عن صحراء باستثناء البلدة التي كانت أيضا ميناء وتسمى كذلك الكويت ، حيث وصلوا إلى هناك بعد رحلة طيران من القاهرة إلى بغداد ، وبعد ذلك في رحلة بالشاحنة إلى البصرة في الجزء الجنوبي من العراق وأخيرا رحلة في قارب استغرقت يومين في ممر ضيق في وسط الخليج الفارسي الخانق. وجدوا أن الكويت عبارة عن متاهة من الغبار الخانق من مشاريع البناء وجميعها في مراحلها الأولية وهي تزحف من حافة البلدة الأصلية باتجاه الصحراء نفسها وكانت المدينة تعج بالفلسطينيين وظروف العيش فيها قاسية ، واتصل ياسر وزهير بوزارة الأشغال العامة والتي بدورها عينت لهم العمل فورا وأعطتهم سكنا – عبارة عن خيمة تُطل على الشاطئ الواقع جنوب المدينة – فعلق ياسر باشمئزاز : " كأننا في النصيرات " حيث كان يشير إلى مخيم اللاجئين بجانب الشاطئ في غزة.
كان عمل ياسر في قسم تزويد المياه ، وكانت وظيفته الرئيسية هي دراسة الجداول المقدمة إلى وزارة الأشغال العامة من شركات خاصة أجنبية حيث كانت تتقدم بعروض من اجل عقود إنشائية ، وسرعان ما أدرك انه بوجود كل هذه الأشغال الخاصة المتوفرة أدرك أن باستطاعته تحقيق ما هو أفضل عن طريق إنشاء شركة خاصة به ، واستخدم المبلغ الذي أُعطي له ليغادر من ألمانيا إلى الكويت لشراء سيارة بكب أمريكية مستخدمة وقام بطلائها وكتب على أبوابها الجانبية باللغة العربية " شركة فلسطين الحرة للمقاولات – مالكها ياسر عرفات " وأعلن عن دخوله في الأعمال . وكان أول عرض تقدم به تمديد أنابيب لمجمع من الشقق الجديدة بنيت بجوار الشاطئ لإسكان العمال الفلسطينيين ، ولكونه ما يزال على رأس عمله في قسم المياه وكان من مهماته دراسة العروض المقدمة وتحديد العقد الذي سيتم منه عطاء التمديدات الصحية ، فقد كان العطاء من نصيب شركة فلسطين الحرة للمقاولات .
لانجاز العطاء كان لا بد لياسر من أن يستأجر عمالا ، وتلقى رسالتين أو ثلاثة من خليل الوزير في شتوتجارت يُعلمه بتحقيق تقدم لتنظيم مجموعة هناك ، ولكنها كانت تعبر عن رغبة بالالتحاق بياسر في الكويت ، وتوجه ياسر إلى رؤسائه في العمل في وزارة الأشغال العامة حيث تقدم بطلبات للموافقة على إحضار الوزير وخلف إلى الكويت وسيكون عملهما مضمونا في شركة فلسطين الحرة للمقاولات ، وأثناء ذلك كان يبحث بين الجالية الفلسطينية المحلية عن أربعة أو خمسة عمال للالتحاق بشركته ولكنه لم يعثر على أي واحد . لقد كانت فرص العمل في الكويت أكثر من العمال الموجودين وكان على ياسر أن يدفع أجورا أعلى لاجتذاب العمال لترك أعمالهم ، ولذلك اخذ يتصيد عمالا من القادمين الجدد بالقوارب في الميناء وبهذه الطريقة حصل على أول دفعة مكتملة من العمال ، واحد هؤلاء العمال كان شابا فلسطينيا اسمه "فاروق القدومي" وهو ناصري كان يعاني الحرمان في مخيم للاجئين في درعا في سوريا منذ عام 1949 وكان القدومي مجندا في وحدة فدائية تدعمها سوريا وقامت تلك الوحدة بشن هجمات عديدة في إسرائيل وكان يفيض بنار التحرير واستحوذت علية وطنية ياسر المتأججة .بدأ القدومي بالعمل عند ياسر فني تمديد أنابيب في مشاريع التمديدات الصحية وفي الأشهر القليلة تلقت شركة فلسطين الحرة للمقاولات المزيد من الأعمال وترك زهر العلمي عمله في وزارة الصحة ليلتحق بياسر وفاروق .

فــــــتــــــــح

في فترة بداية عام 1958 بدأ اهتمام العالم العربي بالقضية الفلسطينية بالتلاشي بعد حرب السويس ، وباستثناء بعض المناسبات عندما كان قائد عربي مثل عبد الناصر يستثمر ظروف اللاجئين للاستهلاك الإعلامي ، عدا ذلك لم تكن القضية الفلسطينية محور تفكير ولم يُنجز إلا القليل وخاصة عند الحديث عن الحركة الوطنية الفلسطينية
كان الأردن يسيطر على القسم الأكبر لما كان يُفترض أن يكون دولة فلسطينية عربية بموجب قرار التقسيم عام 1947 وبدا أن الفلسطينيين في الأردن راضين بما آل إليه مصيرهم ، وكانت مصر تسيطر على غزة وبالرغم من أنها لم تكن بنفس خضوع الضفة الغربية إلا أن بوادر التغير بين الفلسطينيين القاطنين هناك كانت قليلة .
بعد عام 1956 انشغلت الدول العربية الكبيرة والقوية في صراعات فيما بينها واستغل عبد الناصر شعبيته التي اكتسبها بعد تأميم قناة السويس ثم إجبار الفرنسيين والبريطانيين والإسرائيليين على الانسحاب من الأراضي المصرية ، استغل ذلك في محاولة لفرض رؤيته لعالم عربي موحد يكون هو فيه على قمة هرم السلطة ، وحقق ذلك جزئيا مع سوريا عام 1958 عندما تشكل بين البلدين ما سُمي بالجمهورية العربية المتحدة ، وكان عبد الناصر قد تبنى إيديولوجية سياسية في مصر هي " الاشتراكية العربية " وأسس الاتحاد الاشتراكي العربي والذي كان الحزب السياسي الوحيد العامل في البلد ، وكان حزب البعث في سوريا يخطط لاستلام السلطة – وهو يمثل نمطا اشتراكيا قوميا ماركسيا تحرريا – وكذلك كان الحال في العراق ، واتضح لاحقا أن الوحدة بين البلدين لم تدم لان العبثيين وجدوا أن نسخة الاشتراكية المصرية كانت ذات أفق ضيق وتتسم بالجمود ، وقاموا بمحاولة سحب البساط من تحت عبد الناصر للسيطرة على السلطة في العالم العربي .
كان عبد الناصر يدعو للإصلاح في العالم العربي ليُطابق نموذجه العربي الاشتراكي ، وكان يُبطن في فلسفته الإصلاحية إدانة للأنظمة الملكية القديمة ممثلة بدول مثل الأردن والسعودية واليمن ، ولذلك قامت مصر بدعم الحركات الثورية في هذه البلدان ، وأخيرا اشتركت فعليا في تلك الصراعات عندما أرسلت قوات كبيرة لليمن للقتال ضد قوات الإمام المدعومة من السعودية ، وعلاوة على ذلك سعت مصر للإطاحة بالنظام الملكي الهاشمي في الأردن وبذرت بذور الصراع المدني في أماكن أخرى . والدولة الوحيدة التي بقيت نسبيا بعيدة عن الاضطرابات المتصاعدة كانت الكويت ، والمثير للدهشة أن التعبير الأعنف عن الإحباط العربي وخاصة الفلسطيني وُلِد هناك.
بحلول منتصف عام 1958 كان عرفات قد أسس نفسه بشكل مريح في الكويت والتي كانت سيدة الأعمال المزدهرة والبيروقراطية المتصاعدة المهمة ، واستمر الفلسطينيون المتعلمون بالتدفق على البلد وسرعان ما أصبح ياسر مركزا لدائرة دائمة الاتساع لأصدقاء متعاطفين مع أفكاره ومنجذبين لثقته العميقة في تلك الأفكار ، وكان بين أؤلئك الأصدقاء غير زهير العلمي وفاروق القدومي ، (محمد يوسف النجار وكمال عدوان) وكانا أصلا من القدس .
وباستثناء زهير العلمي كان جميع هؤلاء المذكورين من وقت إلى آخر بعد عام 1948 قد سكنوا مخيمات اللاجئين وكذلك أعضاء في جماعات مقاومة ، وكان كل منهم في منتصف العشرينات وكانوا إما يعملون جزئيا أو وقتا كاملا في شركة مقاولات ياسر .
في أواخر عام 1958 استطاع ياسر سحب الخيوط اللازمة لتامين أُذونات دخول لخليل الوزير وصلاح خلف اللذان كانا ما يزالان في شتوتجارت ، ووصل الوزير في شباط عام 1959 ، أما خلف فأصيب بالمرض في اللحظات الأخيرة ولم يستطيع أن يقوم بالرحلة ، ولذلك قام الوزير باصطحاب شخص بدلا منه صادقه أثناء إقامته في شتوتجارت هو (خالد الحسن) ، ورغم انه كان في أواخر الثلاثينات إلا انه كان طالبا في جامعة شتوتجارت وقائدا لمجموعة طلابية تأسست بعد مغادرة عرفات .
ويقول عرفات انه صُعق للتغيير الملحوظ في شخصية صديقه خليل الوزير حيث كان في السابق سريع الغضب وعنيد ، أما الآن فهو شديد الهدوء والتأني والحذر وكان من الواضح أن خليل الوزير وقع تحت التأثير القوي للقادم الجديد ، الحسن ، والذي كان حسب ما يتذكر عرفات مثقفا ويتحدث الألمانية بطلاقة وكان متزنا هادئ الطباع . وحسب رواية (سلمان يوسف) والذي كان عضوا لفترة وجيزة في دائرة عرفات في الكويت فقد استقبل ياسر الوصول الغير متوقع للحسن بقدر كبير من الفتور ويضيف : " كان يتوقع وصول صلاح خلف ولكن جاء الحسن بدلا منه ، وكان يلاحظ التأثير الواضح للحسن عليه ولم يحب ذلك ، لقد اعتاد ياسر أن يكون القائد والمفكر ، والآن يظهر هذا الغريب الذي يكيل الوزير له المديح بشكل مستمر ، ولم يكن ياسر يحب ذلك ، لقد كان غيورا وإلى جانب ذلك لم يترك ياسر انطباعا عند خالد الحسن ، حيث كان خليل قد تحدث كثيرا عن ياسر وأنت تعلم كيف تكون التوقعات عندها ، وعندما وصل الحسن توقع أن يجد ياسر من النوع ذو الشخصية البطولية ، ولكن بدلا من ذلك بقي ياسر صامتا ولم يبد عليه الرضا لقدوم الحسن ورأى فيه تهديدا لنفوذه .
ولكن خالد الحسن تجاهل هذا كله وأدهشنا جميعا بأفكاره ، وأصبح شخصا مهما في ألمانيا وكانت له صداقات مع العديد من الثوريين الجزائريين هناك ، وحتى انه ذهب إلى الجزائر وتجول مع الخلايا السرية لجبهة التحرير الجزائرية ، وعقد كذلك تحالفا بين الطلبة الفلسطينيين والطلبة الجزائريين وأصبح صديقا لمحمد كيدار Khaidar وهو واحد من قادة جبهة التحرير الجزائرية . ويؤكد خليل الوزير كل هذا وفي الحقيقة كان خليل الوزير يعرف كيدار أيضا ، وكان خليل وخالد يتحدثان كثيرا عن جبهة التحرير الجزائرية وكفاحها الثوري ضد الفرنسيين في الجزائر ، وكانا يقولان أن الجزائريين لم ينتظروا لسنوات طويلة كما كان يفعل الفلسطينيون – قدوم العرب من اجل تحرير الجزائر ، إنهم يقومون بذلك لوحدهم – وهم يقومون بذلك ضمن رؤية سياسية واضحة ودرجة انضباطية عسكرية عالية في أعمالهم الفدائية ، وكذلك عن طريق جذب المواطنين الجزائريين إلى جانبهم ، وكانا يقولان إن أول مبدأ لأي حركة تحرر ثورية هو الاستحواذ على رضا الشعب ومن ثم تنظيمهم في خلايا ثورية .
كنا نعقد هذه الاجتماعات كل ليلة في مكتب الشركة التابعة لعرفات ، وكان ياسر لا يتفق مع ما يقوله الحسن حيث كان ما يزال مؤمنا بمبادئ الإخوان- التخريب والإرهاب والاغتيالات – وكان خالد يجيب بالموافقة ، ولكنه يتساءل لماذا فشل الإخوان في مصر ، ويجيب على السؤال بان ذلك كان كل ما فعلوه ، ولم ينظموا أحدا من الجماهير معهم وبدلا من ذلك أرعبوا الناس ، وكان الحال هو نفسه مع جماعة الحاج أمين حيث كانوا بارعين في قتل الناس المخالفين لهم ، ولكنهم لم يعرفوا كيف يؤججوهم للعمل. وتفوّه خالد بأشياء كثيرة قاسية من الصعب على ياسر أن يتقبلها وكانت كذلك قاسية علينا . لقد رُبينا على مبادئ الإخوان والحاج أمين والآن يخبرنا خالد أن كل ذلك كان بلا فائدة ، وإذا كان لفلسطين أن تتحرر فان ذلك سيتم على أيدي العرب الذين يؤمنون بالمبادئ الثورية المعاصرة ، وأشار إلى فيتنام والصين والجزائر وقال إن هذه ثورات حديثة ، ثم تساءل : من هم الذين يبعدوننا عن التحرر ؟ إنهم الصهاينة الذين يحتلون نصف فلسطين والأردنيون والمصريون الذين يحتلون النصف الآخر ، هؤلاء في نظري فرنسيون وانظر ماذا فعل الجزائريون بالفرنسيين ، ويجب على الفلسطينيين أن يفعلوا كما فعل الجزائريون والفيتناميون " .
يوسف,وهو سوري الأصل ، ويعمل الآن في السلك الدبلوماسي في الحكومة الكويتية ، ويقول لقد بقي ياسر يقاوم حجج الحسن بشكل مستمر ، حتى حدث شرخ في الو لاءات بين اؤلئك الذين وقعوا تحت سيطرة قوة شخصية ومنطق خالد الحسن ، وبين اؤلئك الذين بقوا على ولائهم لياسر وذلك لان ياسر كان بالنسبة لهم مصدرا لفرص العمل .
ويضيف : " ولكن هذا الخلاف تم حله بعد شهر أو أكثر عندما وصل صلاح خلف من ألمانيا ، وكان هو قد أصبح مؤيدا للحسن ونظريته الجزائرية ، وعندما لاحظ ياسر ذلك أصيب في البداية بالإحباط ثم رفض الحديث مع صلاح ، ولكن كان مع صلاح الكثير من النشرات الخاصة بجبهة التحرير الجزائرية ، حيث بدأ ياسر بقراءتها وسرعان ما بدأ بالدخول بمجادلات كثيرة مع خالد ، وكان خالد اكبر سنا ومُنظِّرا أكثر منه عاملا ، وكان ياسر من النوع الذي لا يتردد في حمل بندقية واستخدامها ضد عدو ، ولذلك كنا جميعا معجبين به وكذلك معجبين بذهنية خالد وأوضح الوزير الأمر بشكل جلي عندما قال انه رغم انه أُعجب بخالد وسار وراءه إلا أن إعجابه بياسر وتبعيته له لم تكن لتقل عن تلك التي أظهرها لخالد إن لم تكن اكبر ، ثم تكلم صلاح بنفس النَفَس وقال لياسر : اترك الكويت وعد إلى ألمانيا فهناك يجري العمل الحقيقي لتحرير فلسطين ، ولكن إقامة ياسر في ألمانيا لم تكن مريحة وبتلك الطريقة بدأت حركة فتح " .
كان ذلك في منتصف الصيف ، وكانت تأشيرات خالد وخليل المؤقتة على وشك الانتهاء وكان عليهم العودة إلى ألمانيا ، وكان خالد يصر على خلق روابط بين أتباعه في شتوتجارت وأتباع ياسر في الكويت لإنشاء جبهة تحرير فلسطينية جديدة قائمة على مبادئ حركة التحرر الجزائرية ، وقال انه حصل على وعد للمساعدة من جبهة التحرير الجزائرية ، فوافق ياسر ثم وافق الجميع ، وكان جميعنا يحب أن يكون جزءا من العملية وكنا وقتها حوالي العشرين فردا ، ولكن ياسر وصلاح وخليل وخالد الحسن كانوا الأكثر حماسا بيننا . كما كان فاروق القدومي ومحمد يوسف النجار وزهير العلمي متحمسين أيضا ، أما بقيتنا فاستطيع القول وبكل بساطة أننا جاريناهم . وكنا جميعا نسكن في خيام بجوار الشاطئ وفي الليلة السابقة لسفر خالد وخليل أقمنا لهم حفلة وداع على الشاطئ ، وعقدنا اتفاقا سريا بيننا وتحدث ياسر طويلا حول جيل الثأر وأراد أن يُسمي مجموعتنا بذلك الاسم ، ولكن خالد قال : لا, كان ذلك طفوليا ، لقد كان ذلك أمرا إخوانيا طفو ليا ولن يتم أخذه على محمل الجد ، وأراد اسما أكثر وقارا مثل " جبهة تحرير فلسطين " ثم قال أخر " جبهة فتح وطننا الفلسطيني " واستحوذت علينا كلمة الفتح ولكن خالد قال إنها كلمة ستكون مضللة لان ما نريد هو الثورة والتحرر وليس الفتح ، والفتح هو ما كانت تقوم به القوى الأجنبية . فتابعنا النقاش والتلاعب بالأسماء ولكن لم يكن شيء هو المطلوب ، وبقيت كلمة الفتح تراوح نفسها حيث قال ياسر أنها كلمة تعني الكثير بالنسبة لكل عربي ومسلم لأنها جسدت العصر الذهبي للإسلام . ثم قام على ما اعتقد صلاح خلف واقترح علينا انه إذا تم عكس الكلمة نحصل على " حتف " وستكون حتف الاختصار العربي لحركة التحرر الفلسطيني وهكذا كانت ستسمى حركتنا باسم حتف ، ولكننا سنقلبها لتكون " فتح " "
لم اقصد تبسيط المسألة إلى هذا الحد حيث سمينا أنفسنا بأسماء عديدة خلال الأشهر القليلة التالية وفي الحقيقة أن صلاح خلف هو الذي خلق شعبية للكلمة عندما عاد إلى ألمانيا ، واستحوذ الاسم على الطلبة في شتوتجارت ، حيث كانت شتوتجارت هي المكان الذي تطور فيه وعي الحركة التنظيمي " .

فلسطيننا

لم تكن حركة فتح الناشئة مختلفة في كثير من الجوانب عن العديد من جماعات التحرر الشابة الجديدة التي ظهرت بعد حرب السويس بين فلسطينيي الشتات ، وكانت الخطابات هي السلاح الوحيد لهذه المجموعات في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون مثبطي العزائم ومختلفين مما يجعل تلك الخطابات بلا تأثير . وكان من الممكن لحركة فتح أن تولد ميتة مثل باقي المجموعات الأخرى إلا أنها وبفعل التوجيه الفكري لخالد الحسن ابتدأت خطابها الأول بمفهوم جديد وغير مألوف عند الفلسطينيين ، والذين ناضلوا ولعدة سنوات لتحقيق مقالة أن وطنهم سيتحرر عن طريق جهود امة عربية موحدة ، وكان محور هذا المفهوم هو أن تحرير فلسطين قد تم تأجيله عن طريق وضع ثقة الفلسطينيين المبرمجة في بعض القادة العرب غير الفلسطينيين بأنهم سيكونون المحررين مثل عبد الناصر ، والأمل بان فلسطين سيتم تخليصها من اليهود عن طريق دول الطوق العربية ، وقد ثبت انه أمل زائف بعد الفشل الذريع في السويس ، وقد حان الوقت للفلسطينيين أن يدركوا أن استعادة أرضهم كان شأنا فلسطينيا بالأساس ولا يمكن أن يأتمنوا الدول العربية أكثر من ذلك .
في الوقت الذي انخرطت فيه العديد من الدول في كفاحاتها الثورية الداخلية ، وحيث أن كلمات مثل " التحرير " " حق تقرير المصير " أصبحت شعارات ذات شعبية متصاعدة لشعارات يتم التلفظ بها للدفاع عن عدالة هذه الصراعات ، في ذلك الوقت استحوذت فكرة أن الفلسطينيين أنفسهم هم المسؤولون عن مصيرهم ، واستحوذت هذه الشعارات على الجيل الشاب الصاعد ، وهذه الفكرة قدمت لخطاب فتح في مراحلها الأولى وخاصة بين طلاب الشتات, وهو ما كانت تفتقر إليه المجموعات الأخرى وأمدت الحركة بالغذاء اللازم لبقائها على قيد الحياة .
ويحب ياسر عرفات أن ينسب الفضل لنفسه في استلهام المفهوم الجديد ، ولكن معظم الذين انخرطوا في فتح منذ بداياتها والراغبين منهم في التحدث عن ذلك يدَّعون أن الفضل يرجع أساساً إلى خالد الحسن أولا وخليل الوزير ثانيا واللذان عادا إلى شتوتجارت من الكويت بهدف إقامة تحالف بين الجنين الناشئ " فتح" مع حركة التحرير الجزائرية التي كانت أفضل تنظيما وأكثر احترافا من الناحية العسكرية وبقي ياسر في الكويت ليجمع التبرعات من اجل المجموعة وذلك باستغلال مركزه في الحكومة الكويتية من اجل طلب مساهمات مادية من العائلة الحاكمة ذات الثراء الواسع .
ويستذكر " عمر الحطَّاب "وهو احد الأعضاء الأوائل في فتح وجُرِح في عملية فدائية عام 1969 وهو الآن يجند أفرادا لحركة فتح في مخيمات اللاجئين ويقول : " كان ياسر ناجحا في هذه الهمة وكان هو العبقرية المالية في السنوات الأولى ، وجعل أمر التبرعات أمرا رسميا بشكل أو بآخر للتنظيم من ألئك الذين كانوا يحضرون إليه سعيا للحصول على عقود مقاولات ، وأصبح معروفا انه إذا أرادت شركة ما أن تحصل على عقد فعليها أن تساهم بنسبة معينه من قيمة العقد للجنة تحرير فلسطين والتي كان هذا اسمها في البداية قبل أن تصبح " فتح" وكان هناك العديد من الأشخاص الذين عملوا في الوزارة ليساعدوه في ذلك والذي لم يكن صعبا لان معظم العاملين كانوا من الفلسطينيين .
وأريد القول أن ياسر قام في السنة الأولى بجمع عشرين ألف جنيه انجليزي عام 1959 ، ولكن لم يكن ذلك كل ما قام به حيث جنَّد العديد من الأشخاص للجنة بمن فيهم أنا ، وكانت مهمتنا الأصلية هي القيام بجمع التبرعات أيضا عن طريق مراكز عملنا الحكومية وكان لي صديق يعمل في وزارة المالية كان صديقا لابنيّ أمير الكويت حيث انضم إلينا وأقنع هذين الأميرين بالقناع والدهما لدفع المال للجنة لتمويل صحيفة أراد ياسر أن يُصدرها ".
والصحيفة – التي كانت في الواقع مكونة من أربع صفحات من القطع الصغير سُميت (فلسطيننا )وبدأت طباعتها في خريف عام 1959 حيث كان ياسر المساهم الرئيسي فيها ، وأبرزت زاوية – شاهد عيان- وهي قصص كان يرويها الفلسطينيون الواصلون إلى الكويت عن قصص زعموا فيها أن شرورا كثيرة قد ارتكبها الإسرائيليون ضد العرب أثناء حرب عام 1956 ومقالات افتتاحية بلا توقيع كتبها ياسر والتي طورت فكرة تفعيل الفلسطينيين لتحررهم الوطني .
ويقول الحطاب أن الصحيفة أصلا كانت للجالية الفلسطينية في الكويت ولكنها نجحت بشكل كبير ما جلب دفقا كبيرا من المجندين للتنظيم حيث أن ياسر وضع خطة توزيع للصحيفة في مخيمات اللاجئين في الدول العربية الشمالية . وتوجه ياسر إلى بيروت بعد حوالي ستة أشهر من إصدار الصحيفة ، وقام بجولة في المخيمات ووضع نظاما للتوزيع ، وأثناء وجوده هناك التقى بخالد الحسن وصلاح خلف اللذان حضرا من ألمانيا وقد أُعجبا كثيرا بالصحيفة وبتجوال ياسر في المحيط للتبشير بأفكار خالد ، وقد عبّرا كذلك عن إعجابهم بالأموال التي جمعها ياسر ، ولم يكن ياسر في تلك الأيام ذلك الرجل الحريص الذي نعرفه الآن ، فعندما وصل بيروت نزل في فندق القديس جورج وعندما حضر الآخران من ألمانيا دفع لهم لينزلوا هناك أيضا وكل ذلك كان من أموال الكويت .

مكثوا هناك حوالي ثلاثة أسابيع يتبادلون فيها الأخبار حول ما كانوا يحققونه في الكويت وألمانيا وكانت تلك الأسابيع مهمة جدا ، لأنه في حينها قاموا بتنظيم أنفسهم بشكل رسمي في حركة فتح وانضم إليهم خليل الوزير قادما من الجزائر حيث كان يعمل في السر مع جبهة التحرير الجزائرية واخبرهم أن مقاتلي الحركة من جبهة تحرير الجزائر كانوا متوجهين إلى الصين من اجل التدريب وأنهم يرحبون بفكرة اصطحابه معهم ، وكان ياسر وصلاح شديدي الحماس لهذا الموضوع وطلبا من خليل المحاولة من اجل الترتيب لهما للذهاب معه .
كان هذا في صيف عام 1960 في بيروت حيث أصبحنا بشكل رسمي فتحاويين ، حيث اتفق ياسر والآخرون على استخدام اسم فتح فقط من ذلك الوقت فصاعدا ، وستكون ضمن ثلاثة فروع ، واحد في ألمانيا ويكون مسؤولية خالد وصلاح وواحد في الجزائر والمسؤول عنه خليل وأخر في الكويت والمسؤول عنه ياسر . وكانت مسؤولية ياسر الأساسية هي الاستمرار في جمع التبرعات وإصدار الصحيفة وتنظيم الخلايا لفتح في المخيمات وأما خالد فكان عليه تنظيم خلايا في أوروبا, ومسؤولية خليل القيام بنفس العمل في الجزائر والتي كان فيها الكثير من الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون هناك ، وقال إن قادة جبهة التحرير الجزائرية سوف يدعمون قضيتنا عندما تنتصر ثورتهم .
وحضر محمد يوسف وفاروق القدومي وكمال عدوان وزهير العلمي إلى بيروت في تلك الفترة وانضموا إلى ياسر والآخرين ونظروا إلى بعضهم بعضا وقالوا " ها نحن هنا القيادة ، ويجب علينا أن نقرر الآن ما نحن فاعلون " واخبرهم خليل بكيفية عمل جبهة التحرير الجزائرية مستخدمين مبدأ القيادة الجماعية التي تعلموها من الصينيين ، ولذلك قرر الثمانية أن يكونوا هم القيادة الجماعية لحركة فتح " .
وعقب اجتماع بيروت اتجه القادة المؤسسين لفتح كل إلى وجهته ، ولم يتوقعوا مصاعب القيادة الجماعية عندما انفصلوا عن بعضهم آلاف الأميال ، ولذلك وأثناء السنتين التاليتين اقتربت حركة فتح من السقوط نتيجة لاتجاهها المرتبك ، وطبقا لما يقوله غالبية اؤلئك الذين كانت لهم معرفة بالوضع يقولون أن عمل ياسر فقط هو الذي حفظ للحركة وجودها الحي ، فبعد إصدار طبعات محدودة من صحيفة فلسطيننا بدأت رسالتها الفتحاوية تفقد بريقها ، وتلقى ياسر تقارير تفيد بتضاؤل الاهتمام بالصحيفة في مخيمات الشمال ، وفي الكويت أيضا خبا الحماس الذي رافق الإندفاعة الأولى تجاه حركة فتح ، ألا أن ياسر بحكم إدارته للصحيفة أصبح معروفا في عالم المخيمات وقرر انه إذا أراد إحياء الاهتمام بالحركة الجديدة يجب عليه أن يستغل شهرته الواسعة من اجل إيصال رسالة فتح إلى الوطن بشكل مباشر أكثر ، وبالتتابع بدأ بجولة شخصية مع نهاية عام 1961 في المخيمات في إطار جهد لإثارة حماس اؤلئك الذين شعر أنهم العناصر الأكثر انجذابا للتجنيد في حركة فتح – اللاجئين – .
وحسب ما يقوله الحطاب رافقه في تلك الجولة زهير العلمي وكمال عدوان وفاروق القدومي وباستخدام جوازات سفر مزورة أمَّنها لهم بعض المتعاطفين في وزارة الخارجية الكويتية سافر ياسر باسم مستعار هو الدكتور محمد فوزي وقدم نفسه وأصحابه على أنهم طاقم طبي مبعوث من الحكومة الكويتية لتقصي الظروف الصحية للمخيمات .
ويصر ياسر اليوم على أن تلك الرحلة هي التي أججت في روحه هاجس استرداد فلسطين من اليهود ويقول : " قبل تلك الرحلة كنت مُتَّهما بأني سياسي مُبتَدء وهذا صحيح لقد كنت مبتدءا ، لقد كنت في عدد من المخيمات في غزة وعدد آخر في لبنان ولكني لم أُمضِ وقتا في أي منها ولم أكن اعرف مدى الإهانة والإذلال التي أُجبِر شعبي على أن يحيا فيها بسبب الصهاينة ، كنت ملتزما بالتحرير بشكل حقيقي ولكن اتجاهي لم يكن محددا ، وأصبح ذلك الاتجاه محددا أثناء تلك الرحلة عندما عايشت بنفسي قسوة المخيمات ، ولم اهتم للمنطق الذي استخدمه اليهود لتبرير وجود إسرائيل ولم أكن مهتما بما عاناه اليهود في أوروبا ، وما رأيته أي ما كان اليهود يمارسونه ضدنا هو نفس ما مارسه النازيون معهم ، وقررت حينها انه يجب علي أن أكرس نفسي وكل ذرة طاقة ومبادرة أملكها لتصحيح الوضع ، وهذا كل ما شكل اهتمامي منذ ذلك الحين " .
ومن وجهة نظر تنظيمية كانت تلك الرحلة ناجحة بشكل متواضع ، ولم ينجح ياسر في تنظيم خلية واحدة لحركة فتح في أي من المخيمات التي زارها لأنه لم يترك أي واحد خلفه بعد عودته للقيام بالعمل التنظيمي الفعلي واستطاع أن يمهد لما يمكن تسميته وعيا فتحاويا بين تجمعات اللاجئين ولذلك عندما عاد إلى الكويت وبدأ الكتابة في صحيفة فلسطيننا أصبحت مقالاته تُستقبل بشكل اكبر من ذي قبل .
في بدايات عام 1962 ونتيجة الدعم المتزايد الذي يجمعه عبر مكتب الأشغال العامة وسَّع ياسر صحيفته لتصبح شهرية مكونة من أربعين صفحة ولان إمكانية الطباعة في بيروت كانت أفضل مما هو متوفر في الكويت فقد قرر ياسر أن يطبع منشوراته في بيروت وطوال عامي 1962 و 1963 كان يسافر بشكل منتظم مرة في كل شهر إلى العاصمة اللبنانية ليسلم المطبعة نسخة المجلة ، ومع تحول فلسطيننا إلى منشورة ذات عدد صفحات اكبر وتوزيع أفضل وتنسيق أكثر احترافا من قبل ، بدأت فتح تكتسب مكانة – أولاً في العالم العربي ثم بين التجمعات الفلسطينية في الخارج – كناطق باسم الحركة الوطنية الفلسطينية الجديدة وبقيت المجلة تبشر بفكرة ما يسمى مسؤولية الفلسطينيين عن تحرير فلسطين بالإضافة إلى مقالات شديدة اللهجة ضد ما كان يسميه كُتّابها شرور الصهيونية ولكن وبإصرار من خالد الحسن فتحت صفحات لمقالات أكثر موضوعية ومقالات تعكس وجهة نظر المثقفين العرب بشكل أكاديمي حول الاستعمار والامبريالية وشرعية التوجهات الثورية العربية .
في إحدى رحلاته إلى بيروت عام 1962 التقى ياسر مع كل مؤسسي حركة فتح باستثناء واحد حيث كان فاروق القدومي هو الوحيد المتغيب وبعد رحلته في المخيمات هجر ياسر أي شكل من الاهتمام في الحياة الرغيدة ، ولذلك لم يجتمعوا هذه المرة في فندق القديس جورج الفخم ولكن في سقيفة ذات سطح من الصفيح في مخيم الدكوانة Dekwaneh للاجئين في بيروت والذي كان لا يحتوي على الحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية .
استحوذت تقارير خالد الحسن وخليل الوزير على ذلك اللقاء وتحدث الحسن عن التقدم الذي أحرزه في تحويل اتحاد الطلبة الذي قوَّاه باتجاه مبادئ فتح ، أصبح الاتحاد مترابطا مع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في القاهرة وهو نفس الاتحاد الذي ترأسه عرفات عام 1956 وقام نظام عبد الناصر بتنظيف الاتحاد من الإخوان المسلمين وكل المناوئين للنظام الناصري وهو اليوم يموله وبالتالي يسيطر عليه بهدف خلق شعبية من المنظمات الطلابية الفلسطينية في العالم العربي وأوروبا تكون مساندة لعبد الناصر وأضاف الحسن أن النفوذ المصري على الاتحاد ما زال هو المسيطر في شتوتجارت ولكنه قام بتنظيم خلية كبيرة لفتح في داخله بالإضافة إلى خلايا أخرى في التجمعات الطلابية وباقي الجامعات الألمانية والسويدية .
كان صراع جبهة التحرير الجزائرية في الجزائر يقترب من ذروة نجاحه وتنبأ الحسن انه حال إتمام الجزائريين لنصرهم فان العديد من الطلبة الفلسطينيين في أوروبا الذين دعموا جبهة التحرير الجزائرية سيتحولون بالكامل إلى أنصار لحركة فتح لأنه قام بإنشاء خلايا الحركة على نموذج خلايا جبهة التحرير الجزائرية وأعلن كذلك أن صحيفة فلسطيننا تصل الآن إلى أوروبا وحث ياسر على زيادة توجهاته الداعمة لجبهة التحرير الجزائرية .
أما خليل الوزير فجاء بأخبار الأحداث في الجزائر نفسها وتحدث بحماس شديد عن انجازات التكتيكات الفدائية لجبهة التحرير الجزائرية والتي أصبح خبيرا فيها وتحدث عن كيفية وصول الفرنسيين إلى حد الانهيار والجلاء عن البلاد ، وتفاخر بصداقته مع احمد بن بيلا – الرجل الأول في جبهة التحرير الجزائرية – وقال أنه حصل على وعد من بن بيلا وقياديين آخرين في جبهة التحرير الجزائرية بتقديم دعم كامل لحركة فتح حال استلام الثورة للحكم في الجزائر .
كان بين الحاضرين ذلك اللقاء "حسن الشريف" الذي كان ابنا لأحد كبار قادة المخيمات ويعمل طابعا في المطبعة التي يطبع فيها ياسر مجلة فلسطيننا ويتذكر حسن : " كان ياسر صامتا طيلة الوقت ورغم موافقة الجميع على مبدأ القيادة الجماعية إلا انه كان هناك شكوك في ذهني أن ياسر كان القائد بين القادة ، لقد قال القليل ، بينما كان الآخرون يطرحون تنبؤاتهم المخططة على المدى البعيد ، وكان يقوم بإبداء المعارضة بين الحين والآخر ، ولم يكن متحمسا لربط حركة فتح مع جبهة التحرير الجزائرية مثل الآخرين وكُنتَ تَشعر أن الآخرين كانوا دائمي القلق لمعرفة بماذا كان ياسر يفكر ، وأثناء حديثهم كانوا ينظرون إليه بطرف عيونهم بشكل قلق ، وعرفت لاحقا أن سبب هذا كله هو لأن عرفات كان يسيطر على مسائل المال وكان قد فتح حسابا بنكيا في بيروت وأدركت انه احتوى على خمسين ألف جنيه إسترليني ، وحصل على كل تلك الأموال من الكويت وكان هو فقط المُخوَّل الوحيد بالتوقيع على الشيكات ، كان خليل يتحدث عن فتح مكتب تنظيم للحركة في الجزائر واحتاج إلى مبلغ عشر أو خمس عشر ألف جنيه ولكن عرفات أجاب بالرفض وقال اعملوا كما نعمل في الكويت ، اجمعوا التبرعات من الجزائريين .وكان هناك الكثير من الخلافات حول المال واعتقد أن عرفات استمتع بالسلطة التي كان يمارسها على الآخرين في الشؤون المالية ، وكان ياسر أكثر القادة تحفظا وما اعنيه تجاه المال خلق عنده تحفظا تجاه أشياء أخرى مثل السياسة والإستراتيجية ، واعتَقَدَ أن أكثر الأشياء أهمية هو ترسيخ وجود صحيفة فلسطيننا وتوزيعها على اكبر نطاق ما أمكن .
إلا أن أسلوب ياسر الحَذِر وقع فريسة للأحداث ، فبعد اجتماع بيروت بوقت قصير سلَّمت فرنسا الجزائر واستولى ثوريو جبهة التحرير الجزائرية على الحكم في الجزائر وعاد خليل الوزير إلى بيروت فورا حاملا معه أخبارا من أن بن بيلا وقادة آخرين في جبهة التحرير الجزائرية يريدون لقاء جميع مؤسسي حركة فتح في الجزائر .
قام الثمانية بالرحلة في شهر كانون أول عام 1962 واستقبلهم بن بيلا ليلة عيد الميلاد وأُعجب ياسر كثيرا بالقائد الجزائري الذي أمر بإعلان اللغة العربية لغة رسمية للبلاد ، واستمع إلى بن بيلا يتحدث عن كفاح عَقّدٍ متواصل قامت به جبهة التحرير الجزائرية ، وروى بن بيلا قصصا مخيفة للتضحيات التي قدمها المحاربون الجزائريون من اجل الحرية وحذر الثمانية أن الصراع لتحرير فلسطين سيكون طويلا وشاقا وأضاف مُحَذِّرا : " ولكن يجب أن تقوموا بذلك بأنفسكم ويجب أن تسعوا للحصول على كل مساعدة ممكنة من جميع الشعوب العربية وغير العربية ولكن لا تعقدوا تحالفات ، وفي النهاية لا تثقوا إلا بأنفسكم ولتحصلوا على استقلال فلسطين يجب أن تكونوا انتم مستقلين أولاً " .
ووفى بن بيلا بوعوده لخليل الوزير فبناء على طلب عرفات وافق على افتتاح مكتب لفتح في الجزائر ويجب على كل الفلسطينيين أن يسجلوا فيه من اجل الحصول على تصاريح عمل هناك ، ولم يتم إصدار تلك التصاريح إلا لألئك الذين يلتزمون بالتبرع بنسبة من رواتبهم لحركة التحرير الفلسطينية والنقود التي يحصلون عليها سوف تُنفق لإقامة معسكرات تدريب للفدائيين وسيتكفل خالد الحسن بإرسال الراغبين في التدريب إليها من بين أتباعه في ألمانيا والنمسا ، وأثناء ذلك قال بن بيلا : " يجب أن يكون أمرا مُلزِما للجادين منكم في مسألة تحرير فلسطين أن يذهبوا إلى الصين لان الصينيين هم الذين جعلوا من ثورتنا أمرا ممكنا وسوف يحققون نفس الشيء لكم وسوف نتدبر ذلك الأمر " .
عاد ياسر إلى الكويت بتحول تام نحو أسلوب جبهة التحرير الجزائرية الذي كان خالد الحسن يحاول تكريسه لفترة طويلة ، وفورا امتلأت صفحات فلسطيننا بمقالات تتغنى بالمديح للثورة الجزائرية وبنصوص من كتابات (فرانز فانون) عالم النفس الأسود والتي كانت آراؤه السياسية – وخاصة كتابه (المعذبون في الأرض) – الذي جعل من العنف قوة كاسحة في أيدي المضطهدين والمُستَعْمَرين في الأرض ، حيث وفَّر هذا الكاتب الكثير من الإسهام الفلسفي لجبهة التحرير الجزائرية ، وبالتأكيد فان الإعلاء من شأن العنف والذي كتب عنه فانون انه : " يحرر المواطن من عقدة النقص ومن اليأس والخمول " سرعان ما أصبح الميزة الرئيسية لمجلة فلسطيننا . وفي نيسان عام 1963 جاء الرد من الجزائر لياسر أن الصينيين يرحبون بزيارة اثنين من ممثلي حركة فتح ، وتمت الدعوة لاجتماع عاجل لمؤسسي حركة فتح في بيروت ولم يستطع خالد الحسن الحضور إلى بيروت من ألمانيا في ذلك الوقت ، أما السبعة الباقين فقد التقوا مرة أخرى في نفس المخيم لاختيار الذاهبين إلى الصين ، ولم يكن هناك أي خلاف على أن أول الذاهبين خليل الوزير فهو أول من أثار اهتمام جبهة التحرير الجزائرية بحركة فتح وهو يُعَد الآن حلقة الوصل الأساسية مع الجبهة ، وأشار الحسن انه يجب أن يكون العضو الثاني في رسالة بعثها لان اهتماماته في الثورة الصينية كانت أسبق من باقي الأعضاء المؤسسين في فتح ، ولكن ياسر الذي كان ينظر إلى خالد على انه مثقف أكثر منه فدائيا ضغط ضد اختيار خالد وأعلن انه ذاهب ، وبرر ذلك قائلا انه القوة المحركة لمجلة فلسطيننا سيكون قادرا على تدوين ملاحظات عن الصين والتي ستكون أكثر أهمية للقضية الوطنية من أي شيء يقدمه الحسن، وحصل ياسر على الموافقة .
طار مع خليل فورا إلى الجزائر وانضما هناك إلى وفد من مُدرِّسي الجامعات من الصف الثاني في قيادة جبهة التحرير الجزائرية ضمن برنامج التبادل الثقافي ، ثم أقلعوا إلى بكين وطبقا لما يقوله
( سعيد حمامي) وهو اليوم المتحدث الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية ، يقول أنهم أُحبِطوا من الاستقبال الذي تلقوه عند وصولهم ، حيث استقبلهم نشطاء في البرنامج الثقافي الصيني حيث ظنوا أنهم أعضاء في جبهة التحرير الجزائرية ولذلك وأثناء أقامتهم والتي استمرت لأسبوعين لم يكن لديهم ما يقومون به سوى حضور محاضرات عن الثورة الشيوعية في الصين وزيارة التعاونيات الزراعية ، ولم يكن أي من المرشدين المرافقين لهم يفهم اللغة العربية وأما مرافقيهم الجزائريين فكان اهتمامهم بالشؤون الفلسطينية قليلا ، وأخيرا استطاعوا إقناع مرشديهم الصينيين أن وجودهم في الصين كان لأمر مختلف عن مسألة العلاقات الجزائرية الصينية وطالبو بمقابلة – ماو تسي تونغ و تشاو لاي – وقادة الثورة الآخرين وهددوا بكشف إهانة الصينيين للثورة الفلسطينية حال عودتهم للشرق الأوسط إذا لم يتم إجراء مثل تلك المقابلة ، ولم يقابلوا أي من القادة ولكن أُتيحت لهم فرصة مقابلة ضابط في الجيش الصيني كانت له شهرته في الحرب الفدائية أثناء الثورة ، وبوجود مترجم أمتعهم ذلك الضابط بقصص حول أعمال الفدائيين الصينيين ولم تكن هذه القصص ذات أهمية للفلسطينيين وغادروا الصين يحملون مرارة سوء الاستقبال الذي تلقوه .وقررا ألا يتم كشف طبيعة زيارتهم للصين .وعند عودته إلى بيروت في أيار 1963 بدأ عرفات بنشر مقالات تمجد الصين في مجلة فلسطيننا وكذلك كتب عن مقابلات سرية مع ماو وتشاو تم فيها تقديم الدعم والموافقة الرسمية على القضايا التي طرحتها حركة فتح وركز أكثر على أدبيات الثورة التقليدية التي لم يَعرف غيرها ولكنه كتب بان القادة الصينيين في مقابلاتهم معه – مقابلات لم تتم – قدموا له سيناريو مهم لتحرير فلسطين ، ودعا هذا السيناريو إلى قيام قيادة متعاضدة أولا ، حيث ادعى ياسر أنها موجودة بالفعل في شكل القيادة الجماعية التي يمارسها مؤسسي حركة فتح ، والخطوة الثانية للقيادة هي كسب ثقة الشعب الفلسطيني بها والتوجيه والتحريض على الثأر وتوعيتهم بمأساتهم والاضطهاد الذي يواجهونه ، أما الخطوة الثالثة فهي السيطرة على المنظمات والمؤسسات التي تقدم الخدمات للناس من اجل خلق تنظيم وانضباط وطنيين ، وأما الخطوة الحاسمة فتتمثل في تنظيم وتسليح الشعب لبدء الصراع العسكري ضد المحتل – وهي إسرائيل بشكل أساسي – وضد أي شخص من الممكن أن يعرقل هذا العمل . وادعى ياسر أن ماو أخبره أن المفتاح لتطبيق هذا السيناريو هو وجود أعمال استعمارية تمكن القيادة الثورية من تأجيج المشاعر الوطنية الضرورية للانخراط في الرد الثوري ، ولم يكن ياسر يعرف بان مثل هذا العمل في مراحل نموه سوف يوفر القوة اللازمة لياسر ولفتح للقفز إلى مركز الصدارة في العالم العربي .

منظمة التحرير الفلسطينية

كان الحدث المنتظر هو تحويل إسرائيل لمياه نهر الأردن في الجزء الأعلى منه ، و يمتدح عرفات نفسه المغامرة الإسرائيلية على أنها السبب في تسريع بروز حركة فتح في العالم العربي وهو يقول : " لقد كان التوقيت الأمثل ، حققنا بعض التقدم في محاولاتنا لإقناع شعبنا بضرورة الحل العسكري لمشكلة الحرمان والاضطهاد التي نعيشها ، ولكن الأمر بقي صعبا ولم يكن الصهاينة يعرفون عنا شيئا بعد ولم يكن لديهم أي تصور لسياسات ثورية قد تظهر ، ولذلك لم يستطيعوا التنبؤ بنتائج عملهم غير القانوني ، لقد كانوا قلقين من مسألة كيف سيتم تفسير عملهم في الأمم المتحدة ولكن وبسبب غرورهم مضوا في مشروعهم على أساس أنه إذا تمت عملية التحويل فان العالم سيتقبلها رغم عدم مشروعيتها مثلما قَبِل العالم الوجود غير القانوني لدولة إسرائيل .
ولكن ذلك الغرور هو الذي أعماهم عن حقيقة نتائج ممارساتهم, وإذا قلنا أن أحداث الشرق الأوسط التي حدثت في الإثنا عشر عاما الماضية جاءت نتيجة عملية تحويل نهر الأردن فإن هذا القول فيه درجة عالية من الدقة ، لقد وفر لنا العمل الإسرائيلي بؤرة محددة لنبني عليها قضيتنا ، وأمدنا ذلك المشروع بالنفوذ والقوة التي كنا نصارع من أجل تحقيقها ، وأعطانا كذلك إستراتيجية محددة وأسلوب تكتيكي استطعنا تكييفهما في ضوء حاجاتنا ، ولكن الأهم انه قام بتسوية القضية بالكامل – أي انه لا يمكن تحقيق سلام في الشرق الأوسط حتى يحصل الفلسطينيون على حقوقهم كأفراد وشعب " .
كان مشروع تحويل نهر الأردن قد تم التخطيط له قبل عدة سنوات من قبل إسرائيل منذ أن رفضت الدول العربية المجاورة عقد اتفاقية لإدارة المياه بالاشتراك مع الدولة اليهودية ، وكان المشروع يتلخص بتحويل مياه الجزء الأعلى من النهر من منطقة بحر الجليل الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية إلى سد ثم يتم مد قناة إلى صحراء النقب لأغراض الري ، وتسربت الأخبار إلى العالم العربي عام 1963 مُحدِثَة عاصفة من الاحتجاجات حيث زُعم أن عملية التحويل ستجفف الجزء الأسفل من النهر الذي يجري في الأراضي الأردنية والذي كان المصدر الأساسي لخصوبة وادي الأردن وسيؤدي ذلك إلى تحطيم الاقتصاد الأردني الهش والمعتمد على خصوبة وتنوع المحاصيل الزراعية في وادي الأردن التي كان يمثل الشريان الحيوي في الاقتصاد الأردني .
وقد رأى قادة الدول العربية الكبرى في مشروع التحويل الإسرائيلي وسيلة إعلامية آنية مضادة لإسرائيل ، ومن العبث المبالغة بالقول في أنهم استغلوا هذا الحدث لكسب السيطرة على العالم العربي في الصراع ضد إسرائيل ، إلا أنهم استغلوه جزئيا لأنه كان الحدث الطاغي في وقته . وفي عام 1961 تم الانفصال بين سوريا ومصر والذي سُمي بالوحدة عام 1958 وذلك بسبب إصرار عبد الناصر على السيطرة على السياسة السورية وكانت المشاعر بين البلدين عبارة عن أحقاد وانعدام ثقة متزايدة وازدادت تلك المشاعر حدة عندما استولى البعثيون في انقلاب عسكري على السلطة ومحاولتهم التخلص من كل العناصر الناصرية الذين بقوا في الحكم منذ أيام الوحدة ، وأوضح البعثيون أنهم غير ملتزمين بادعاءات مصر بأنها تحمل الإجابة لمشروع الوحدة العربية ، وبدءوا بحملة ضد عبد الناصر من أجل سحب الحركة العربية باتجاه أكثر تطرفا ، وبينما كان القادة العرب يتحدثون عن عدم قانونية المشروع ، إلا أن عرفات استغله على صفحات مجلة فلسطيننا لتوريط العالم العربي في الحرب .
ويتذكر (توفيق خوري) ، الذي ساعد عرفات على إخراج مجلة فلسطيننا وأصبح فيما بعد رئيسا لتحريرها ويقول : " هذا ما كان يعنيه عندما يقول أن مشروع التحويل أعطى لفتح إستراتيجيتها ، لقد كان عرفات والآخرون مُصرّون على أن التحرير كان أساسا شأنا فلسطينيا ، ولكنهم عرفوا أيضا أن الفلسطينيين لن يستطيعوا القيام به لوحدهم ، حيث كنا مشتتين ولم نملك وسائل لذلك ، وما كنا ننوي فعله هو إجبار الدول العربية التي استمرت في الادعاء بأنها تناصرنا ولم يفعلوا غير الكلام ، كنا مضطرين لإجبارهم على الدخول في الحرب حيث أصبحت تلك استراتيجيه لنا منذ عام 1963 فصاعدا ، وعملت تلك الإستراتيجية بشكل مُبهِر ، فبحلول عام 1967 كنا قد جررنا الدول العربية إلى الحرب . ورغم خسارة العرب وانتصار إسرائيل إلا أننا كنا الرابحين الحقيقيين ، حيث أن الحرب أبرزت قضيتنا أمام العالم ضمن المعايير التي يجب أن تُوضع بها لمجابهة مشروع التحويل الإسرائيلي . وعندما اتضح انه لا عبد الناصر ولا قادة الدول العربية الأخرى كانوا مستعدين للدخول في حرب حول الموضوع المطروح بدأت حملة عنيفة من الإساءات تقودها مجلة فلسطيننا ومنشورات وطنية أخرى ، ودعا ياسر الجاليات الفلسطينية في الدول العربية إلى الثورة على كل دولة عربية يتواجدون فيها ، ثورة تقود كل الحكومات العربية للدفاع عن حقوقهم بالأفعال لا بالكلمات " .
وفي ردة فعل منه ، تقدم عبد الناصر باقتراح يدعو لتشكيل منظمة ترعاها جامعة الدول العربية على الفور وتمثل الكيان الفلسطيني وتكون متحدثة باسم المجموعات الوطنية المحافظة منها والراديكالية،ولكونه القائد للعالم العربي تخوف عبد الناصر من أن استفزاز مجموعات مثل حركة فتح قد يقود مصر إلى حرب أخرى مع إسرائيل – وهذه بدقة كانت إستراتيجية عرفات ومؤسسي حركة فتح – أن حربا أخرى في ذلك الوقت ستقود إلى نتائج كارثية على مصر، وان الهزيمة المؤكدة سوف تظهر للعالم عجز نظام عبد الناصر عن استرجاع فلسطين ، ومثل هذا الكشف سيوجه ضربه قاصمة إلى مكانة عبد الناصر والطريقة الوحيدة لمنع حدوث ذلك هي أن تقوم مصر بالسيطرة على الحركة الفلسطينية بأكملها عن طريق استغلال مكانتها في الجامعة العربية
كانت نتيجة هذا الاقتراح هو تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية التي نصَّب عبد الناصر (أحمد الشقيري) رئيسا لها ، وكان الشقيري محاميا فلسطينيا حاد المزاج ، وكان يشغل منصب مندوب السعودية في الأمم المتحدة ، ووصف عبد الناصر احمد الشقيري بأنه : " دبلوماسي ورجل دولة خبير وهو الأفضل لقيادة المنظمة بسبب صلاته الواسعة في المجتمع الدولي " . وصُعِق ياسر ومعه أنصار الاتجاه الراديكالي من تحركات عبد الناصر ، فمن ناحية أولى كان الشقيري من جيل الكارثة وهو ما يزال يتمسك بمبادئ الحاج أمين الحسيني التي عفا عليها الزمان ، حيث كان الحاج وقتها يعيش في بيروت بعد أن أُجبر على مغادرة القاهرة وغزة بسبب استمرار صلاته مع حركة الإخوان المسلمين المحظورة عام 1959 ، ومن ناحية أخرى كانت هناك سمعة عن أحمد الشقيري بانت صاحب خطابات حامية وصريحة ولكنها بلا أفعال أثناء خدمته في الأمم المتحدة مما قلل من شأنه بالنسبة لاتصالاته الواسعة في المجتمع الدولي . ويقول عرفات : " لقد كان تعيين عبد الناصر للشقيري متحدثا باسم قضيتنا انعكاسا واضحا لاحتقار عبد الناصر لمشروعنا ، وكان واضحا منذ البداية أن منظمة التحرير لم تكن سوى نمر من ورق ، أداة في يد المصريين لكتم أصواتنا "
وحقق الشقيري فورا كل توقعات عرفات ، فأثناء سفره في العالم العربي في ربيع عام 1964 كان يقوم بإطلاق تصريحات رنانة حول منظمة التحرير ، وقام الشقيري بتعيين عدد من السياسيين ذوي الخط القديم في مؤسسات المنظمة ، والذين كانز من الناشطين في أعوام العشرينات والثلاثينات ولكنهم كانوا فاقدي النفوذ بين الجيل الثوري الجديد .
وولدت منظمة التحرير رسميا في القدس في 22 أيار عام 1964 عندما عقد الشقيري أول مجلس وطني فلسطيني وألقى كلمته رنَّت بعبارات مثل " إزالة إسرائيل " " الموت للصهيونية " " الإعداد للمعركة " و" وطننا المقدس " ولم يفوت ياسر الفرصة حيث رد على صفحات مجلة فلسطيننا بأفكار اتهامية هو وآخرون ، وقال ياسر الذي تخلى بشكل جذري عن أفكاره الإخوانية " كم من الوقت يجب علينا أن نناضل مع الأحلام الإخوانية التي يقدمها لنا هذا الدَعيّ الشقيري ؟ أليس معيار عبد الناصر هذا دليل على قصر النظر بأن يجعل من منظمة التحرير هذه ما لا يقبله لمصر ؟ "
ولكن كان للشقيري كثير من المزايا التي لم تكن لياسر أو لاي من منافسيه ، فباستثناء سوريا التزمت الدول العربية بناء على إصرار عبد الناصر بالدعم الكامل للشقيري ، وكذلك كان موقف زعماء وكبار الجاليات الفلسطينية في قطاع غزة ولبنان والكويت والسعودية ، وكان هناك تقريبا دعما ماليا غير محدد تحت تصرف الشقيري ، والأكثر من ذلك انه تم تفويضه تنظيم جيش لتحرير فلسطين ، حيث سيتم تدريب وحدات منه عن طريق عدد من الدول العربية ويكون مرتبطا بتلك الجيوش .
لقد كان الاستثناء السوري هو الذي وفر لعرفات وحركة فتح الدرجة الأخيرة في سلم الصعود للصدارة في العالم العربي .

الإرهـــــــــاب

اتبعت الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية إملاءات عبد الناصر في إنشاء ودعم منظمة التحرير الفلسطينية التي ترأسها الشقيري لعدة أسباب ، لكنها كانت جميعا تتناسب مع رغبة عبد الناصر في إبقاء الحركة الفلسطينية تحت سيطرته ، وكانت كل دولة تُدرك أنه إذا أفلتت الأنشطة الفدائية من أيديهم بدرجة أو بأخرى ، فإنهم سيعانون من مرارة الرد الإسرائيلي المعروف للجميع ، وفعلا قام عبد الناصر بحظر الأنشطة الفدائية الفلسطينية بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية والحصول على موافقة الجميع بان الحرب ضد إسرائيل ستنطلق في الوقت المناسب وفقط تحت القيادة العربية الموحدة المنشودة .
إلى جانب سوريا كانت المعارضة الوحيدة من الأردنيين ، ولكن كانت تلك نصف معارضة ، حيث كان الملك حسين وريث العرش من الملك عبد الله الذي كان يُنظر إليه باحتقار – كان الملك حسين سعيدا لوضع الحركة الفلسطينية تحت سيطرة الجامعة العربية – لقد كان وبكل بساطة غير راض عن عمل منظمة التحرير في القدس والأماكن الأخرى في الضفة الغربية ، وسبب هذا انه كان يعرف أن توجيه الإهانات للهاشميين من قبل الحركة عائد إلى أيام الحرب العالمية الأولى ، وأن الإهانات الموجهة له شخصيا عائده إلى أيام جده عبد الله بسبب ضمه للضفة الغربية عام 1950 ، وأصبحت الضفة الغربية شديدة الأهمية بالنسبة للاقتصاد الأردني ، وكان حسين يعرف أن الحركة الفلسطينية تُخفي أمرا ضمن منظومتها الفكرية وهو أن الضفة الغربية من الأجزاء التي يجب تحريرها . أما معارضة السوريين فكانت كّلية تقريبا ، ولم تنبع تلك المعارضة من عدم وجود الرغبة في رؤية الحركة تحت السيطرة العربية الكاملة، ولكن من الخلافات المتصاعدة مع المصريين وتصميمها بعد استيلاء البعثيين على السلطة في انقلاب عام 1963 للحط من قدر عبد الناصر والاستحواذ على القيادة المطلقة للأمة العربية لنفسها .
وكان نداء حركة للعمل العسكري الذي أداره عرفات في مجلة فلسطيننا وفي منشورات أخرى كرد فعل على مشروع التحويل الإسرائيلي ، كل هذا أدى إلى ما بدا وكأنه استجابة واسعة بين الشباب الفلسطيني وخاصة في الجزائر وأوروبا ، وفي ألمانيا والنمسا كان خالد الحسن يوزع مقالات عرفات ليعبئ اتحاد الطلبة الفلسطينيين الذي تسيطر عليه القاهرة بتوجهات حركة فتح سريعة الانتشار ،وكان أساس هذه التوجهات هو أن مسألة تحرير الوطن لا يمكن أن تكون مؤتمنه في أيدي الدول العربية ولكن يجب أن يقوم بتحقيقها الفلسطينيون بأنفسهم، وخلايا فتح التي زرعها عرفات في مختلف في فروع الاتحاد في أوروبا منذ عام 1961 ظهرت فجأة إلى العلن ، فبتوجيه من حركة فتح غادر المئات من الطلبة جامعاتهم وطاروا إلى الجزائر حيث انخرطوا في مخيمات تدريب للفدائيين كان يشرف عليها خليل الوزير وترعاها الحكومة الجزائرية ، وأرسل الوزير رسالة إلى ياسر في بيروت مفادها أنه سوف يرسل في أقرب وقت كتيبة من المقاتلين ذوي التدريب العالي إلى ارض المعركة (فلسطين ) والذين سيصبحون حُماة حرب حركة فتح للتحرير .
أدى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في أيار عام 1964 إلى تحويل أهداف حركة فتح ، حيث أصبح ياسر وزملاءه منخرطين بشكل خاص في مسلسل الإدانات المتصاعدة ضد عبد الناصر والشقيري والعالم العربي عموما ، وأما الشباب الفلسطينيون الذين عاشوا قسوة التدريبات ويواجهون الآن مسألة الانخراط الحقيقي في العنف ، هؤلاء بدءوا يعيدون النظر في الأمر ، حيث سرعان ما توجه اغلبهم عائدين إلى جامعاتهم ولم يتوجه إلى بيروت إلا مجموعة صغيرة لم تتعدَ عدد أصابع اليدين حيث انضموا هناك إلى ياسر عرفات المصاب بخيبة أمل عميقة .
وطلب عرفات عقد اجتماع لمؤسسي فتح لمناقشة مشكلتهم ، فبعد انسحاب العديد من المتدربين ، أخطر الجزائريون خليل الوزير أنهم سيقومون بتقليص الدعم عن الحركة لان فتح لم تظهر كقوة حقيقية وبخاصة عند النظر إلى قوة منظمة التحرير الفلسطينية ، وأدى خلق منظمة التحرير الفلسطينية إلى تباطؤ الدعم الكويتي إلى الحد الأدنى ، حيث ذهبت معظم الأموال إلى منظمة التحرير الفلسطينية ولم يتبق من المال لمجلة فلسطيننا سوى لطباعة عدد أو عددين فقط .
واجتمع المؤسسون وانضم إليهم مجموعة من الأعضاء الآخرين الذين حازوا على ثقة عرفات في مخيم الدكوانة طوال الأسبوع الثالث من شهر أيلول عام 1964 ، ويعترف عرفات قائلا : " كانت تلك أحلك الساعات ، كنا جميعا بطريقة أو بأخرى منبوذين ومطاردين وكنا جميعا خائفين على حياتنا من عملاء عبد الناصر ، لكن ذلك صلَّب موقفي على الهدف وكان العديد من زملائي مُثَبطي الهمم ، وجاء خالد الحسن بالأخبار السيئة من شتوتجارت بان الطلبة الذين كانوا في الخلايا بدءوا بالانسحاب من حركة فتح ، وجاء الوزير من الجزائر بأخبار سيئة مشابهه بان الجزائريين قد أغلقوا معسكرات التدريب وكان الجميع يشعر بالهزيمة ، ولكني عرفت بأنه في مثل هذه اللحظات قد يتحول الحظ العاثر إلى عكسه " .
وجاء الحظ الجيد مع (حازم الخالدي) وهو أردني كان قد حارب في صفوف الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية وكان الخالدي من معارف خالد الحسن وأصبح من المتعاطفين مع الخط الفلسطيني الذي دعا له الحسن ، وكان ياسر توّاقا لانخراط الفدائيين الذين تدربوا في الجزائر في العمل الفدائي ، للبدء وبسرعة تُثبت أن الشقيري والمنظمة التي يقودها لا تقوم سوى بحرب كلام ، بينما أقرنت فتح كلماتها بالأفعال ، وكان الخالدي مديرا للأكاديمية العسكرية السورية في دمشق ، وعندما سمع عرفات بان الخالدي كان في بيروت طلب من الحسن أن يأتي به إلى الاجتماع . وعندما حضر الخالدي مع الآخرين ، اعترف له عرفات بأنه لم يكن لاي من قادة فتح بمن فيهم عرفات نفسه. لم يكونوا يمتلكون الخبرة العسكرية المناسبة للبدء بحرب فدائية مخططة ، وقال عرفات : " لدينا بعض الرجال والرغبة ونستطيع تأمين بعض السلاح ولكننا لا نمتلك المعرفة " . وكان ياسر يعتقد بان الضفة الغربية يجب أن تكون مركز العمل الفدائي لأنها كانت تحوي العدد الأكبر من الكثافة السكانية الفلسطينية وكانت القارب إلى مراكز التجمعات السكانية الإسرائيلية ، ثم قام بطرح سيناريو طموح – بشكل مُندفع وأقرب إلى الخيال – حول نمو حركة فتح في الأعوام القادمة ويصل إلى ذروته عند القدرة على إزالة إسرائيل والأردن معا عن طريق ثورة شعبية داخلية وتأسيس دولة عربية فلسطينية مستقلة مكانهما . وفي النهاية ولترجمة رؤيته على الأرض طلب من الخالدي أن يقود العمليات العسكرية لفتح ، وقال ياسر بشكل متحايل : " عندما تكتمل ثورتنا ستصبح القائد العام للقوات المسلحة الفلسطينية " .
رفض الخالدي هذه الدعوة ، فمن وجهة نظره كانت الاحترافية التي تفتقر إليها فتح إثبات على أن هذه المنظمة الصغيرة لم يكن لديها أي وجود عسكري مستقبلي عملي ، وشعر بالإرباك من الجدول الزمني للعمل الثوري الذي عرضه عرفات والذي وصفه الخالدي :" بأنه مخطط لسنوات قليلة ، وكان الرجل يتحدث كما لو أن الثورة كانت خلف الأبواب ، وأن عدة عمليات فدائية ضد حسين وضد إسرائيل سَتثور الشعوب بعدها كالعاصفة وستقوم هناك بشكل مفاجئ دوله اسمها فلسطين ، لقد كان بعيدا عن الواقع تماما ، وأخبرته أن تلك الثورة ستأخذ سنوات وربما عقود وأنه قد لا يعيش ليراها فقال : آه أنت مخطئ سأعيش لأراها وسنعيش لنراها ، وأراد أن نبدأ بالعمل الفدائي فورا وان يسحب البساط من تحت أقدام المكانة التي كانت لمنظمة الحرير وأن يُحرج حسين وعبد الناصر لاستفزازهم للحرب ضد إسرائيل ، فأخبرته أنه إذا أراد أن يبدأ بالحرب الفدائية من أي بلد عربي فيجب إعداد الناس وبشكل حذر لمثل تلك الأنشطة قبل البدء فيها وإلا فإنه سيواجه كراهية الناس لأنهم هم من سيتلقون الردود الإسرائيلية على تلك الهجمات وقلت له أن هذه ستكون هزيمة ذاتية ، فعلى سبيل المثال في الضفة الغربية وبدون دعم الناس له سيقوم هؤلاء بمقاطعة مقاتليه ويسلموهم إلى السلطات وسرعان ما ستنتهي حركة فتح التي ستقود تلك الثورة .ولكنه غضب من تحذيراتي وبدأ بالصراخ علي وشتمي ولعني وقال انه لا يوجد وقت لدينا لأؤلئك الذين يريدون تثبيطنا ولدينا ما فيه الكفاية من الناس الذين يُمْلون علينا بما نفعله وما لا نفعله ، قل لنا ماذا نفعل أو اخرج ، فخرجت ولكن أثناء مغادرتي ذكرت لهم الشيء الوحيد الذي كان في ذهني فقلت اذهبوا إلى السوريين ، حيث اعتقدت أن السوريين بنظامهم الجديد سيكونون الوحيدين المهتمين بفتح حيث كانوا نافذي الصبر مثل عرفات والحسن وكنت على حق " .
تمت مناقشة الاقتراح فورا من قبل مؤسسي فتح وتصاعد الحماس للاقتراح بسرعة ويستذكر
(نبيل Rashmiye )قائلا : " لقد أصبح الأمر ضمن التساؤلات المثارة ، لماذا لم نفكر بالأمر من قبل ؟ وهو أحد الشبان الذين تدربوا في الجزائر وحضر العديد من الاجتماعات ويضيف " كان لفاروق القدومي قريب يعمل في مجموعة المخابرات السورية في بيروت ، حيث كان السوريون يحاولون التسلل إلى المخيمات في لبنان لتنظيم فدائيين فلسطينيين وقال فاروق أنه علم بهذا من قريبه مما أثار جنون عرفات وجعله يقول لفاروق : لماذا لم تخبرنا بذلك أيها الأحمق ؟ ألم تدرك أن السوريون يقومون بما نقوم به ؟الم تدرك أنها الفرصة المثالية للاتصال بالسوريين ؟ فأجاب فاروق : " لم اقل شيئا لأنني اعتقد أننا قرننا قبل وقت طويل ألا نتعاطف مع أي بلد عربي " فرد ياسر "فكرت ، فكرت ، أنت يا فاروق غير مؤهل للتفكير ، أنت أحمق ، أترك أمر التفكير لي " وبعد ذلك بدأ نقاش حاد حول القيادة الجماعية بين الجميع وعن المساواة في اتخاذ القرار ، وتم حل الإشكال في النهاية واستمر ياسر بالقول " يجب أن نكون مرنين فهذا هو المفتاح لمهمتنا ، يجب على الثوار أن يكونوا مرنين مثل الأفعى القادرة على الالتفاف " .
أُرسل القد ومي ليخبر ابن عمه أن حركة فتح كانت مهتمة بالحصول عل الدعم السوري ، وفي غضون شهر وصل إلى بيروت من دمشق (غيث حافظ) وهو ناشط في المكتب الثاني السوري – الذي كان نسخه مُعرَّبه عن الشرطة السرية الاستعمارية الفرنسية التي عملت في سوريا قبل الحرب العالمية الثانية – وبدأ البحث عن قادة فتح في الدكوانه, وفي الثلاثين من كانون الثاني عام 1964 ، اجتمع ياسر عرفات وخليل الوزير وفاروق القدومي والسوري غيث حافظ في مخيم عين الحلوة للاجئين المجاور لميناء صيدا في جنوب لبنان . وفي الستة أشهر التي سبقت الاجتماع كان حافظ قد جند 12 شخصا من سكان عين الحلوة والمخيمات الأخرى المجاورة ، وكان معظمهم من الشبان في العشرينات من أعمارهم والذين كانوا يعيشون على التهريب والسرقات الخفيفة ، أما أسماؤهم وهوياتهم فقد حصل عليها حافظ عن طريق أصدقاء له في المكتب الثاني من الشرطة اللبنانية والذين اعتادوا عل استمرارية متابعة العناصر الإجرامية بين الجالية الفلسطينية الكبيرة في لبنان ، وعرض حافظ على الـ12 رجلا أجورا ثابتة مقابل خدماتهم كفدائيين ، وقام بإرسالهم إلى مخيم على الحدود السورية اللبنانية للتدريب لمدة أسبوعين في تكتيكات التسلل ، وكانوا يحصلون على النقود التي وُعدو بها . وقام المكتب الثاني بتعيين حافظ ليكون همزة الوصل بين الحكومة السورية وحركة فتح ، وكان في السابق مجندا في الفيلق الفرنسي الأجنبي وحارب ضد الفيتناميين في الهند الصينية في بداية الخمسينات وكان يُعتبر من الخبراء السوريين البارزين في شؤون الحرب الشعبية ، وكان رجلا متعطشا للسلطة ومتسلطا ، وبعد مقاومة من عرفات والمؤسسين الآخرين لفتح ، وضع حافظ خطة للعمل الفدائي ليتم العمل بها ضد إسرائيل باسم حركة فتح .
وأما العملية الأولى فكان يُقصد بها أن تكون رمزية وفي نفس الوقت حقيقية ،حيث كان سيرسل مجموعة من ستة رجال من الذين جندهم عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية لنسف جزء من القناة الناقلة للمياه المتدفقة من مشروع تحويل نهر الأردن في وادي بيت Netopha وكان يُفترض بالمجموعة أن تنطلق من المخيم في ذلك الصباح ، وكان عرفات وحافظ والآخرون مشغولون بكتابة بيان بعنوان " البيان العسكري رقم واحد لحركة فتح " تأخذ فيه على عاتقها مسؤولية الغارة جاعلة منها فاتحة لحرب التحرير الجديدة .
وتم إكمال البيان قبل عدة ساعات من موعد مغادرة المجموعة ، وتدبر حافظ أمر طباعته على آلة نسخ في المخيم ثم أرسل عرفات لأنصاره في بيروت لتوزيع نسخ منها على الصحف العديدة الموجودة في المدينة في اليوم التالي – في اليوم الذي يُفترض أن يتم فيه الانفجار – .
وبعيدا عن علم الجميع وفي الساعة التي سبقت انطلاقة المجموعة قرر أحد أفراد المجموعة السرية أن المهمة خطرة جداً ، فسرب المعلومات إلى ضابط الأمن اللبناني المسؤول عن المخيم وتم اعتقال المجموعة بأكملها وفي نفس الوقت كان عرفات وأنصاره قد وصلوا إلى بيروت ووضعوا البيان رقم واحد في صناديق بريد خمس عشرة صحيفة وفي اليوم التالي أبرزت الصحف على صفحاتها الأولى خبر الغارة وضجت بيروت بالانفعال حول الخبر الأول للمجموعة التي أطلقت على نفسها اسم فتح. وفي اليوم التالي – يوم رأس السنة عام 1965 – قامت السلطات اللبنانية بإعلام الصحف بمسألة اعتقالات عين الحلوة وأصبح معروفا للجميع أن ادعاءات فتح حول الغارة كانت غير صحيحة ، وكان ذلك هو أول الادعاءات الكاذبة والمبالغات ، وكان الظهور الأول غير الحقيقي " للعاصفة " كما وصفها البيان وان فتح على وشك إنهاء الوجود الإسرائيلي .
وعاد ياسر إلى مخيم عين الحلوة غاضبا على غيث حافظ ، السوريون خططوا لمثل هذه النتيجة، ولذلك قام بإرسال مجموعة عمل ثانية من خمسة رجال إلى مخيم في اربد في الأردن وعندما علم باعتقال المجموعة الأولى أرسل خطابا إلى اربد يأمر فيه فريق المساندة بالقيام بالعمل . وفي ليلة الثاني من كانون الثاني عبرت المجموعة المكونة من ثلاثة رجال والتي تقلصت بسبب انسحاب اثنان من المجموعة ، عبرت نهر الأردن من منطقة ضحلة واتجهت إلى وادي بيت Netopha المجاور ، وكانوا يرتدون لباسا عسكريا قديما ويعتمرون كوفيات مرقطة بالأبيض والأسود " وهي غطاء الرأس التقليدي للعرب الفلسطينيين " واستطاعوا تجنب دوريات الحدود الإسرائيلية ووصلوا إلى القناة بحلول منتصف الليل ، ثم وضعوا حمولتهم المكونة من عشر عبوات ديناميت على جدار القناة ووضعوا فيها الصواعق ثم انسحبوا ، وبحلول الفجر كانوا عائدين إلى الأردن .
ومرة أخرى نجت القناة من التدمير حيث اكتشف حارس إسرائيلي المتفجرات البارزة للعيان في الصباح التالي وأزال منها الصواعق وقامت دورية حدود بتتبع آثار الدخلاء حتى نهر الأردن وشاهدوا الآثار على الأعشاب الواقعة على ضفة النهر والتي كشفت نقطة العبور ،وفي ذلك الوقت لم تكن ملاحقة المخربين عبر الحدود من ضمن مهام الجيش الإسرائيلي ولذلك عادت الدورية وسلمت تقريرا روتينيا حول الموضوع ، ولم يعرف المخربين الثلاثة ولا الإسرائيليين في ذلك الوقت أن هذه الحادثة رغم فشلها كانت المؤشر الجديد لمرحلة جديدة من الصراع العربي الإسرائيلي .

التحول ... أبو عمـــار

أثارت أخبار التغطية الصحفية للعمليات التي لم تتم في بيت ناتوفا أثارت ضجة حول حركة فتح في العالم العربي ، فمن منظمة صغيرة غير معروفة لا يزيد عدد أعضاءها وأنصارها عن مائة شخص إلى منظمة ذات شهرة واسعة انطلقت شهرتها على جناح السرعة ، وفي البداية كانت شهرة كاذبة وفيما بعد تم المبالغة بأفعالها عن طريق الصحف ، وكانت التقارير الصحفية الأولى والتي استندت على البيان العسكري رقم (1) ذكر انه تم إحداث أضرار جسيمة في قناة الماء الإسرائيلية ، والتقارير اللاحقة صححت تلك المزاعم ، ولكن بحلول ذلك الوقت كان الانطباع قد ترسخ ، وأعلنت فتح فورا بأن
- تلك الأعمال التي لم تتم- هي الطلقة الأولى في الثورة الفلسطينية .
انقسمت الآراء حول العملية وحول فتح نفسها ، فبالنسبة لمصر والأردن ولبنان فقد أصدرت بيانات تعبر عن عدم الموافقة مستندة على مخاوف تلك الدول من الرد الإسرائيلي والذي قد يقع على أراضيها ، ولم تبارك العملية سوى سوريا- ولكن في حينها كانت سوريا هي التي هندستها - ، أما بالنسبة للصحف ومحطات المذياع العربية فقد امتدحت حركة فتح بشكل كبير واستخدمت تلك الوسائل أكثر المصطلحات تحريضا ومجَّدت حركة فتح في الأسابيع التي تلت ذلك وخلقت تعاطفا واسعا مع أهدافها الثورية .
ومع ذلك فان عرفات ورفاقه لم يكونوا قادرين على الاستفادة من تلك الشعبية ، فبعد وصول أخبار العملية الحقيقية على بيت ناتوفا اُعتُقل ستة منهم وسُجنوا لأكثر من شهر ، إلا أنهم كانوا مدركين لما حققوا ويقول عرفات اليوم : " لقد جعلت العملية من لحظات سجننا مستحقة لكل دقيقة منه وأصبحنا مقتنعين بشكل حقيقي بأننا موجة المستقبل وأنه لا مجال للعودة " . واعتُقل غيث حافظ أيضا ولكنه أُطلق فورا بعد احتجاج دبلوماسي من سوريا ، وأثناء عمله على إطلاق سراح قادة فتح قام هؤلاء بإشغال أنفسهم أثناء الاعتقال بتوسيع وتطوير خططهم .
ويقول (عصام السراج) ، وهو فلسطيني كان مسجونا في تلك الفترة وتم تجنيده لحركة فتح بواسطة صلاح خلف الذي كان زميله في الزنزانة ، يقول عصام:"لقد كان ذلك الوقت الذي قرر فيه الجميع أن يسموا أنفسهم أسماء جديدة ، وتقريبا قاموا بتنظيم جميع من تواصلوا معه في حركة فتح، ولكن هم أنفسهم بقوا قوة بعيدة عن الجميع كأنهم تنظيم مستقل قيادة جماعية ، ولكن بدا أن عرفات هو من سيطر عليهم جميعا ، وفي احد الأيام حضر السوري حافظ للزيارة وجاء بصحفيين معه من اجل إجراء مقابلة مع القيادة ولم يكن ياسر أو خالد الحسن موجودين ، حيث أُخذا إلى مكان آخر للاستجواب ،وأجرى الصحفيان المقابلة مع الموجودين وأرادا أن يعرفا من هو القائد للحركة ، ولكن صلاح خلف وخليل الوزير والآخرون أصروا على انه لم يكن يوجد قائد أوحد ، ولكن القيادة جماعية ، ولكن الصحفيان أصرا على انه من أجل الإعلام يجب أن يكون هناك قائد واحد ، وفي النهاية تقدم حافظ وقال : إنهما يستطيعان كتابة أن ياسر عرفات هو القائد وان معظم الأفكار كانت أفكاره
ويقول السراج الذي ترك فتح منذ ذلك الوقت : فيما بعد عندما علم ياسر بما جرى غضب من حافظ ، وطلب اجتماعا للمؤسسين ولامهم بشدة لأنهم سمحوا بنشر أسمائهم الحقيقية بشكل واسع وقال " لنا أعداء كثيرون ويجب أن نعمل بشكل مخفي ، يجب أن نجعل حركة فتح تتكلم عنا وليس الأفراد منا " ، ثم اقترح أن يكون للجميع أسماء جديدة ، وفي الحقيقة هويات جديدة ، وكانت هوية عرفات الجديدة مبنية على تجربته المبكرة مع ماجد حلبي ، الرجل الذي أعطاه اسم ياسر والذي كان يُعرف باسم أبو خالد ، وكذلك كانت مبنية على تجربته عن قرب مع ممارسات سرية الهوية التي تميز بها الإخوان المسلمون ، وأعلن أن على الجميع أن يكون لهم أسماء جديدة من اجل الحفاظ على أمنهم وبقاءهم مجهولي الهوية .
واختار عرفات اسم أبو عمار وهو اسم آخر سماه به ماجد حلبي عندما سمى نفسه أبو خالد ، واختار خليل الوزير اسم أبو جهاد واختار صلاح خلف اسم أبو إياد ، أما خالد الحسن فلم يأخذ فكرة ياسر عرفات على محمل الجد وقاوم مسألة تغيير الاسم ، فقام الآخرون بفرض اسم أبو سعيد عليه ، أما فاروق القدومي فاختار اسم أبو اللطف ومحمد يوسف اختار اسم أبو يوسف ، أما كمال عدوان وزهير العلمي فلم يُعتقلا ولم يحضرا الاجتماع ولذلك تم إعطائهم أسماء غيابيا.
ووافقت المجموعة على استخدام الأسماء الجديدة بشكل حصري عندما يشير احدهم إلى الآخر باستثناء خالد الحسن الذي كان يعارض ذلك . وعند تفسير عرفات للسبب الذي أدى إلى تغيير الأسماء يقول : " يجب أن نتذكر انه أثناء اعتقالنا قامت الشرطة اللبنانية باستجوابنا بشكل مكثف ولم يكن لأي منا إقامة طويلة في لبنان ، ولم نكن معروفين بشكل واسع ، ولم يكن اللبنانيين متأكدين مما بين أيديهم وصممت على مسألة تحديد خلفياتنا صعبة ما أمكن ، وبهذه الطريقة نستطيع حماية عائلاتنا وسيكون الأمر مفيدا كذلك للتخفيف من مسألة إلحاح الصحفيين لتحديد أشخاص بعينهم كقادة للحركة مما سيجعلهم يحترمون رغبتنا لإظهار الصورة الجماعية " .
وأثناء مكوث عرفات والآخرون في السجن خطط غيث حافظ لعدة عمليات تسلل قام بها الذين جندهم على عجل من مخيمات اللاجئين في لبنان ، وفي يوم 14 كانون الثاني عام 1965 استطاعت مجموعة من رجلين أن تفجر عبوة تحت خط الماء الوطني الإسرائيلي مؤكدة بذلك المزاعم التي أعلنت قبل أسبوعين من ذلك الوقت وفي 28 شباط قامت مجموعة أخرى بنسف مخزن للحبوب في مستوطنة كفار هسّ.
وأطلق اللبنانيون سراح عرفات وأتباعه في شهر آذار بعد حصولهم على وعد من حافظ أنهم لن يبقوا في لبنان ، وحال خروجهم قام حافظ باصطحاب عرفات وصلاح خلف وفاروق القدومي إلى دمشق لمقابلة عقيد في الجيش السوري هو( سليمان فخر) الذي كان هو الرجل السوري المسؤول عن برنامج المقاومة الفلسطينية للعمل ضد إسرائيل وهي المسألة الأساسية التي قُصدَ منها إحراج عبد الناصر والملك حسين الذي كان ينظر إليه النظام السوري الجديد على أنه مثل جده عبدالله، لم يكن يعمل ضد إسرائيل بما فيه الكفاية. حَيَّا فخر عرفات بشكل مبالغ فيه وأوضح لهم أنه لأن الغارات قد طُبعت بشكل واسع في عقول العرب بأنها من أداء حركة فتح ، رغم ذلك كانت تلك العمليات سورية وان النظام السوري قرر أن يستفيد من الظروف لتطوير حركة فتح لتكون منظمة فدائية كبيرة ، وأضاف أن أعضاء في الزمرة العسكرية السورية قرءوا مقالات عرفات في مجلة فلسطيننا ورأوا في وجود حركة فتح أداة قيمة لسياستهم العبثية ،وإذا تعاون قادة فتح فانه سرعان ما سيكون تحت تصرفهم قوة فدائية مدربة وكبيرة .
ووافق ياسر على العرض ، ولكنه عبر عن شكوكه في جدوى طريقة حافظ في توظيفه لأفراد من المخيمات ليكونوا الفدائيين الحقيقيين ، ويقول عرفات : " كانت رسالتنا السياسية تُحدث تأثيرا ولكن كان علينا إثارة أي استجابة واسعة من جانب الناس ليصبحوا مقاتلين في خدمة قضية التحرير " . فأخبره العقيد فخر بأن يذهب ويجند كادرا من المقاتلين الملتزمين ووعده بالتمويل ومساعدات أخرى غير محدودة لقوم بجولة في المخيمات في الأردن ليقوم بتجنيد فدائيين . وقال فخر : " سنستمر بإرسال المجموعات التي جندها ودربها حافظ للعمل ضد الصهاينة وكل نجاح يتحقق سيُسجل لصالح حركة فتح ، وسرعان ما ستجد أمامك الكثير من اللاجئين ينتظرون للانضمام إليك " .
وحتى أثناء الاجتماع الذي كان دائرا نُفذت عملية في بلدة أراد الصحراوية في إسرائيل ، ورغم عدم وجود أي صلة لعرفات وزملاءه بها إلا أنها سُجلت رصيدا لحركة فتح ، وتم تجاهل العمليات الفاشلة ، ففي بعض الأحيان كان حافظ وفخر يرسلون مجموعات من اجل القيام بعمليات تفجير وبدلا من عبور الحدود كانت تلك المجموعات تقوم بإخفاء المتفجرات في كهوف في الضفة الشرقية وتعود إلى إربد – التي كانت نقطة الانطلاق المعتادة – ليبلغوا عن نجاحهم ويأخذوا مكافأتهم ، وبما أن حافظ كان يُغرق الصحف ببيانات حول العمليات التي يُفترض أنها كانت تتم ، كانت المهمات الفاشلة تتلقى نفس الاهتمام المماثل للعمليات الفعلية ، وبحلول شهر نيسان كان جميع السكان اللاجئين وغير اللاجئين واقعين تحت التأثير المزعوم بأن حركة فتح كان لها جيش كبير من الفدائيين .
ووقعت الحكومة الإسرائيلية تحت نفس التأثير غير الحقيقي ، ولم تأخذ المخابرات الإسرائيلية حركة فتح على محمل الجد حتى أواخر عام 1964 ، حيث كانت المقالات الكثيرة المناوئة لإسرائيل أمرا روتينيا ، ولذلك وعندما بدأت المخابرات الإسرائيلية تتابع مقالات مجلة فلسطيننا لم تثر قلقا كبيرا في أوساط المخابرات الإسرائيلية رغم أنها كانت تُقص وتُتنسخ وتُوزع على وزارات أخرى في الحكومة الإسرائيلية ، ولم تُأخذ حركة فتح على محمل الجد إلا في شهر شباط عام 1965 عند تنفيذ عملية كفار هس وما رافقها من دعاية في الصحف العربية، وكان الإسرائيليون يشكون بان عرفات وقيادته الجماعية يتلقون مساعدات من النظام الراديكالي السوري ولكنهم مالوا إلى إعطاء حجما وتأثيرا اكبر مما كان لها فعلا ، وطوال شهري نيسان وأيار قام العقيد فخر بإقامة مراكز تدريب فدائية بجانب قلقيلية وجنين في الضفة الغربية لنهر الأردن ، وعندما علم الملك حسين بالأمر احتج بشدة لدى الحكومة السورية ولكن بلا طائل ، حيث اتهمه السوريون علنا بأنه الوريث لتلك العائلة –الهاشميين – التي كانت في الأساس المسؤولة عن بيع فلسطين ، وأصر السوريون على أن إسرائيل والأردن نفسها أو على الأقل الضفة الغربية كانت ما تزال من ناحية قانونية أراضي سورية وبما أن حسين رفض الانخراط بإخلاص في الصراع من اجل التحرير وبما انه فضَّل البقاء خارج جماعة الحرب لإزالة إسرائيل فان السوريون سيحملون الراية وحدهم . وحذر السوريون بان أي تدخل من حسين سيُعتبر عملا معاديا ويقود ذلك إلى صب جام غضبهم على رأسه ، وسحب حسين احتجاجاته بشكل مؤقت رغم انه أرسل رسائل سرية إلى الإسرائيليين يتنصل فيها من أي مسؤولية فيما يخص حقيقة انطلاق العمليات الفدائية من الأردن ، وفي أثناء ذلك تسلل عرفات وأعضاء قيادته عبر الحدود الأردنية السورية وكانوا يتجولون في مخيمات اللاجئين يوزعون نشرات ويحاولون تنظيم وتجنيد فدائيين من اجل التدريب في سوريا . وعودة مرة أخرى إلى أيامه مع ماجد حلبي أحيا عرفات مصطلح العاصفة وبدأ بتسمية قواته الفدائية التي لم تُنشأ بعد باسم قوات العاصفة .
ولم تبدأ حركات عرفات بالنجاح في التجنيد حتى 25 أيار عام 1965 بعد الغارة التي شنتها على رمات هاكوفش في وادي شارون ونتج عنها وفاة ثلاثة إسرائيليين وفي الليلة التي تلتها قام فدائيو فتح بنسف منزل في العفولة وكرد على العمليات أرسلت إسرائيل قوة عسكرية إلى الضفة الغربية ودمرت مراكز التدريب التي أقامها فخر في جنين وقلقيلية .
وفرح السورين كثيرا حيث عرفوا أن إسرائيل شكت بأنهم القوة الدافعة للهجمات التي تشنها فتح وكانوا قلقين من قيام إسرائيل بالرد على أراضيهم, ولكن الإسرائيليين لم يتجرءوا على ضرب شبكة دفاعهم القوية الموجودة على طول هضبة الجولان السورية الواقعة على الجبهة مع إسرائيل وبدلا من ذلك اختاروا ضرب الأردن الأضعف مما عني بالنسبة للسوريين أن سياستهم الرامية إلى إحراج الملك حسين ثم عبد الناصر كانت تسير في طريقها الصحيح ، ولذلك قرر النظام السوري توسيع حجم أنشطة الفدائيين وأعطي للعقيد فخر الضوء الأخضر لتوسيع حركة فتح بشكل جدي .
وقام فخر باستدعاء عرفات وأتباعه إلى دمشق لتقديم تقارير أعمالهم في موضوع التنظيم والتجنيد للحركة وقام بتوبيخهم على بطء سير عملهم في الموضوع ولخص لهم الخطط السورية للبدء بأنشطة فدائية ، ويستذكر (احمد كيلاني) ، وكان احد المجندين الجدد ورافق عرفات في رحلة عودته إلى دمشق ، يستذكر قائلا : "كانت تجربه مُهينه بالنسبة لعرفات حيث قلل السوريون من شأنهم وكان الباقون يصرخون فيهم ويوجهون لهم الأوامر ، ونعت فخر ياسر بالغباء لعدم قدرته على استغلال الهجمات الإسرائيلية للقيام بتوسيع شعبية حركة فتح ، ورد ياسر بان التجنيد كان صعب التحقق لان وجهاء المخيمات كانوا غير متعاونين فرد فخر قائلا: انه لا يريد أية أعذار وأضاف انه سيعطي ياسر والآخرين فرصة أخيرة لتنظيم قوة وإذا لم يتحقق هذا الأمر بسرعة فان السوريين سينسون شيئا اسمه فتح وسيبدءون بإنشاء منظمات للتحرير خاصة بهم . ثم طلب (محمد عركة) للدخول وكان عركة فلسطينيا يعمل للحكومة السورية كجاسوس ضد الملك حسين ، وكان عركة يعرف المخيمات جيدا وله علاقات جيدة مع الفلسطينيين الذين كانوا موظفين في الحكومة الأردنية ، وأخبرهم فخر انه سيعين عركة مسئولا عن الحركة حتى يتعلم ياسر والآخرين كيف نقوم بالتجنيد ، واحتج ياسر وخليل الوزير ولكن فخر رد قائلا بأنهم إذا لم يتبعوا تعليمات عركة فإنهم سيعتقلون .
واستسلم ياسر وخليل للأمر لمعرفتهما بأنهما لن يحققا شيئا بدون سوريا ، وعندما اخبرا الآخرين بموضوع عركة كان هناك جدل كبير ، حيث قال خالد الحسن بان عرفات يتخلى عما بقى لهم من استقلالية ورفض صلاح خلف العمل تحت إمرة عركة ، ولكن رأي ياسر تغلب في النهاية، حيث قال إن حركة فتح بحاجة لمساعدة السوريين ولكنهم سيستغلون السوريين مثلما يقوم السوريون باستغلالهم ، فحالما يتم إنشاء قوات العاصفة سوف يعلنوا استقلالهم عن السوريين وكان ذلك أفضل شيء حصل معهم ، فحالما بدأ عركة بإدارة عملية التجنيد للحركة بدأ البناء الحقيقي لها " .
ولا يُعرف سوى القليل هذه الأيام عن محمد عركة سوى انه كان مناوئً عنيفا للصهاينة وكان قائدا قاسي القلب في أساليبه ، ويقال انه وظف كل الثقل السوري الراعي لمحاولة اغتيال الملك حسين ، ولكن وبينما كان يخطط لهذه العملية كان يتآمر أيضا مع العناصر البعثية الأكثر تطرفا للإطاحة بالقيادة السورية التي كانت ترعى نشاطاته . ويضيف احمد كيلاني الذي يقوم بإدارة مكاتب الإعلام الفلسطيني في أوروبا : " كان له أولويتان قتل الملك حسين أولا ، ثم قتل قادة إسرائيل ثانيا ، ومما قاله لنا تأكدت بان اهتمامه الرئيسي ببناء حركة فتح كان نابعا من أمله في تحريك ثورة ضد الملك حسين ، وكان يؤمن بأنه يجب تحرير الأردن قبل إسرائيل وفهمت أن سبب كرهه للملك حسين كان نابعا من قيام جد الملك بقتل والده عام 1949 لأنه كان يعمل ضد مشروع ضم الضفة الغربية " .
وقاد عركة مجموعة قيادة فتح في حزيران عام 1965 وقام بسرعة بإظهار أكثر الوسائل نفعا في التغلب على مقاومة وجهاء المخيمات للجهود والتجنيد التي كانوا يقومون بها وكان ذلك يتلخص بقتلهم وكانت أول محطة لهم في مخيم إربد ذو الكثافة السكانية العالية . ووجد هناك ياسر أن الإعلام السوري قام باستغلال الهجمات الإسرائيلية على العرب " الأبرياء " في قلقيلية وجنين وأثاروا بذلك عاصفة من الحماس لحركة فتح . ورأى عركة انه من الأفضل قتل اثنين من وجهاء المخيم الذين كانوا يحرضون ضد الهجمات الفدائية على ساس أن سكان المخيم هم من سيعانون من الرد الإسرائيلي مستغلا صمت باقي الوجهاء ، وقام عركة بفتح مكتب للتجنيد للحركة في خيمة كانت سابقا مركزا للإغاثة في المخيم . وترك عركة فاروق القدومي وكمال عدوان في المخيم لاستكمال عملية التجنيد وبرفقتهم ترك اثنين من مساعديه السوريين ، ثم انتقل ومعه بقية قادة فتح إلى مخيم آخر مجاور للعاصمة الأردنية عمان وقام بتكرار ما فعله في اربد وترك صلاح خلف ومحمد يوسف النجار في ذلك المخيم . ومن هناك توجه عركة برفقة عرفات والحسن والوزير وعبروا النهر باتجاه الضفة الغربية وذهبوا إلى مخيم النويعمة الواقع بين القدس وأريحا وهناك ترك عرفات والوزير ، ولم يظهر أي معارضه لهم بين قادة المخيم ، وكان معهما تعليمات من عركة لإيجاد مائتين مجند ذوي لياقة بدنية في خلال شهر .
كانت أساليب عركة المتسمة بالسرعة والعنف ذات فاعلية عالية، وسيطر عركة على وجهاء المخيم بكل سهولة ، ووجد عرفات والوزير نفسيهما أصحاب سلطة مطلقة على شباب النويعمة وبدءا بالدعوة لاجتماعات قصرية لرجال المخيم ممن هم دون الأربعين وكانا يحاضران فيهم حول فكر حركة فتح ، والذين أبدوا حماسا منذ البداية تم تعيينهم كمساعدين لعرفات والوزير لإجبار الباقين على الحضور وفي غضون أسابيع كان مخيم النويعمة قاعدة صلبة متقدمة لحركة فتح .
وبحلول منتصف آب كان عرفات والوزير قد جندا أكثر من حصتهما المطلوبة وهي مائتي مجند وتم إرسالهم إلى سوريا من اجل التدريب ، وانتشرت أخبار نفوذ حركة فتح الواسعة في النويعمة في المخيمات المجاورة وكذلك في المدن والبلدات الفلسطينية وفي نفس الوقت كانت الهجمات ضد إسرائيل مستمرة – سواء كانت حقيقية أو غير حقيقة ولكنها كانت تسير بشكل دقيق لحركة فتح عن طريق السوريين – مما زاد من معرفة سكان الضفة الغربية بالحركة الفدائية الجديدة .
وفي أيلول غادر عرفات والوزير المخيم تاركين ورائهم بعضا من الثقات للإشراف على المخيم وتوجهوا إلى المخيمات الواقعة في منطقة الخليل وهناك وباستخدام أساليب عركة استطاعا أن يحرزا نفس التقدم والنجاح الذي حققاه في النويعمة تقريبا حيث أسسا لنمط من التجنيد وتابعاه لسنتين تلتا من اجل خدمة الرغبات السورية المتشددة لإنهاء عقود طويلة من السلبية العربية ضد إسرائيل – وكانت هذه السلبية في رأي السوريين ثمرة لتصدر القيادة المصرية للعالم العربي – .

العلاقات مع ســـــوريا

كانت محطة عرفات التالية هي غزة ، حيث أُرسل هو وصلاح خلف وفاروق القدومي وصاحبهم في هذه الرحلة عدد من نشطاء المخابرات السورية التابعين للعقيد فخر مباشرة بجوازات سفر مزورة للتجنيد والتنظيم في المخيمات هناك ، واتخذ عبد الناصر موقفا متشددا جدا من فتح حتى أنه أمر الصحف التي تسيطر عليها الحكومة أن تحاول أن تحط من قدر عرفات عن طريق كشف ارتباطاته القديمة مع حركة الإخوان المسلمين ووصفه انه أداة للصهيونية, وهي عبارة أصبح عرفات مولعا باستخدامها على صفحات مجلة فلسطيننا عندما كان يريد إدانة أحد أعدائه ، ولكن حملة عبد الناصر أدت إلى عكس ما كان مطلوبا منها أن تؤديه ، حيث أدت إلى إشهار عرفات في كل مصر وعندما قامت وسائل الإعلام السورية بالرد على تلك الحملة مستخدمة عبارات عرفات في المقارنة بين أعمال فتح وكلمات أحمد الشقيري ومنظمة التحرير وراعييها المصريين خلق ذلك تعاطفا متزايدا مع فتح *.
أحرز عرفات ورفاقه نجاحا كبيرا أثناء فترة الثلاثة شهور التي أمضوها في غزة ، وأصبحت رسالتهم الآن راسخة واكتسبوا الثقة والاحتراف في استخدام أسلوب التهديد الذي تعلموه من محمد عركة والذي عاد إلى دمشق لوضع اللمسات الأخيرة على انقلاب المتطرف الوشيك الوقوع . وما ساعدهم أيضا هو التقارير الصحفية المؤثرة حول استمرار هجمات فتح في إسرائيل بالرغم من أن العديد من هذه الهجمات لم تحدث أصلا أو أنها كانت غير مؤثرة ، إلا أن المصداقية كانت قد رسخت وكان قلة من العرب فقط هم من شكوا في هذه الأعمال .
وتم إعطاء جهود التجنيد دفعة إضافية في أواخر عام 1965 عندما تم نشر تقارير عن طريق الصحافة الغربية بان إسرائيل تخطط لتصنع أسلحة نووية وأثارت هذه الأنباء العالم العربي وحتى أن عبد الناصر بدأ يتحدث عن الحاجة إلى " حرب وقائية " ضد الدولة اليهودية قبل أن تتمكن بالفعل من أنتاج أسلحة نووية .
واستغل السوريون تصريحات عبد الناصر للعب على ما رآه البعثيون بأنه ضعف وسوء توقيت ، ولا جدارة بالنسبة له كمتحدث باسم العالم العربي . وأعلن صُنّاع الإعلام السوري بان فكرة الحرب الوقائية كانت عبارة عن لعبة من عبد الناصر لخداع الرأي العام العربي ، لأن ما سيحل المشكلة الفلسطينية – الصهيونية بشكل نهائي هو الحرب الشاملة ، وفي المقدمة في جبهة الحرب ستتواجد حركة فتح التي بأعمالها الفدائية ستضايق وتضعف وتثبط من عزائم إسرائيل حتى تلتقي الجيوش العربية تحت قيادة موحدة في تل أبيب .
وبحلول عام 1966 كان عرفات وأتباعه ما يزالون يقومون بالتجنيد في غزة والأردن باستخدام الدعم والمطابع السورية ، فجندوا أكثر ما كانوا قادرين على التعامل معه ، ووُعِد المجندون الجدد برواتب شهرية منتظمة وانه أثناء تدريبهم في سوريا سيجدون الكثير من المباهج التي كان اللاجئون يفتقرون لها في مخيمات اللاجئين . وبدأ عرفات يتحول إلى رمز راسخ في المخيمات ، وأثناء تحركه من مخيم إلى آخر استمر في الجلوس في المقاعد الخلفية في السيارات القديمة هو ومساعديه من القياديين ، واعتاد على لبس الكاكي والكوفية المرقطة بالأبيض والأسود ، وأصبح هدفا للصحفيين العرب الذين سعوا لإجراء مقابلات معه في مواقع سرية ، وقاموا بطبع كلماته بشكل أمين بعباراتها المتشددة ضد إسرائيل ، ووصفه لحياته بأنها استقامة وضنك في العيش وتضحية ذاتية أسس لها عن طريق تشدده في الزهد في النساء والبعد عن الخمور والمتع الأخرى الفانية ، وكان يُقتبس من أقواله"أنا متزوج من حركة فتح ، فالحركة هي زوجتي وعائلتي وأولادي " وعند إدراكه للأثر الذي تحدثه الصحافة قام بإحاطة نفسه بهالة من الغموض والخطر ورفض التحدث عن ماضيه وعائلته مُصرا على قوله " لم أولد إلا عندما أصبحت ابو عمار " وهدد بقتل أي كاتب يذكر علاقة قرباه مع الحاج أمين ، واستمر في الادعاء بأنه قائد حركة فتح ، مستخدما الخطابات الطويلة مادحا فيها مزايا القيادة الجماعية ، ولكن ما جعله يظهر كقائد لحركة فتح هي طلاقته في الحديث عن الموضوع بينما كان المؤسسون الآخرون أكثر تشددا ولا يمكن التواصل معهم . وتدفقت أحاديثه بالبلاغة العربية التقليدية وهي المبالغة والعبارات النارية


* عندما كانوا في غزة طُلب من عرفات وباقي قيادات فتح أن يقوموا بعمليات التجنيد بشكل سري بسبب المراقبة الموجودة هناك من قبل المخابرات المصرية . وكان في ذلك الوقت البدء في استخدام نظام الأسماء السرية في العمل اليومي


ولكن تلك الأحاديث كانت مليئة بالأخطاء النحوية والقواعدية – ولذلك وعندما كان يتلو بياناته بدا للذين يستمعون أليه وكأنه احد قادة العمال البريطانيين والأمريكيين الذي يتكلم الانجليزية بلهجته المحلية غير الواضحة ، وكان غالبا ما يصرح بما يلي " أنا الشعب الفلسطيني ، والشعب الفلسطيني أنا ، ليس مهما من أكون ، ما يهم من أنا ، فأي فلسطيني قد يكون أبو عمار ولذلك فان أبو عمار هو كل الفلسطينيين " . وباحتكاكه بالمزيد من الصحفيين تعلم عرفات أن يقدر بشكل اكبر مزايا الغموض الشخصي ، وأدرك أن الغموض والتناقض والمفاجأة كانت الصفات التي يسبغها عليه الصحفيين من الصحف العربية ، ويقول ابن عمه عبدالرءوف القدوة الذي كان حاضرا لبعض تلك المقابلات بأنه بدأ يمزج التوتر الظاهر مع الجدية التامة مع القليل من السحر من ذكرياته من أيام ماجد حلبي ، ويضيف كان أمرا مثيرا ملاحظة التغير الذي طرأ على ياسر عندما بدأ الصحفيون بالتواجد ، ففي الخلوات كان ذلك الشخص الذي لا يمكن التواصل معه كما كنت اعرفه ، وكان ينظر إلى أفراد عائلته بازدراء ولكنه أيضا كان قاس مع أؤلئك المقربين منه ، وعندما يظهر أحد الصحفيين يبدو ياسر حليما ودافئا ، وكان يتظاهر بأنه يتعامل معنا جميعا مثل أصدقاء قدامى ، فيطلق النكات ويروي القصص وكأننا جميعا رفاقه الأعزاء ، وعندما ينصرف الصحفي يعود إلى سيرته من البرود والجفاء حتى يظهر صحفي آخر . وكان ذكيا جدا واستطاع استغفال العديد من الصحفيين ليعتقدوا بأنه يملك هذا السحر العظيم الذي جعلنا مخلصين له ، وكان يتصرف بنفس الطريقة من الخداع عند تجنيد الأولاد حتى يظهر لهم الاهتمام والمودة – وان أبو عمار العظيم مهتم بهم ، ولكن حال إعلان ولائهم فتح فانه يتجاهلهم تماما " .
استطاع عرفات أن يخدع الصحافة العربية في شأن آخر أيضا ، فبسروره من الشعبية التي كان يتلقاها كقائد لحركة فتح والعقل المدبر لقوات العاصفة استطاع إخفاء الحقيقة حول القوة الفعلية المسيطرة على المجموعتين – فتح والعاصفة – وان السيطرة الفعلية في يد العقيد فخر ومحمد عركة في دمشق . وأصبح هذا الأمر مكشوفا بشكل واضح داخل الحركة الفدائية في منتصف عام 1966 . في شباط من ذلك العام كان فخر وعركة أعضاء في الانقلاب الذي أطاح بالحكومة البعثية ونصَّب محلها زمرة عسكرية أكثر تطرفا يرأسها الجنرال (صلاح جديد ). وتم الانقلاب ب للعديد من الأسباب أغلبها أساسه خلافات دينية وعائلية داخل حزب البعث ، ولكن السبب الرئيسي هو أن القادة الرسميين بدءوا بالتخفيف من حدة تحديهم لقيادة عبد الناصر ، فحالما تم تثبيت أقدام النظام الجديد قام فورا بإرسال مبعوثين إلى روسيا للتعبير عن تضامنه مع الأهداف الشيوعية السوفييتية وطلب السلاح ، ولتجربتهم الصعبة في اختراق الشرق الأوسط عن طريق مصر, استجاب السوفييت بشكل ايجابي للطلب السوري ووافقوا على صفقة السلاح التي استدعت تواجدا سوفييتيا كبيرا في سوريا . وبعد فترة قصيرة من ذلك تم استدعاء ياسر ورفاقه المؤسسيين إلى دمشق عن طريق العقيد فخر وأبلغهم فخر أنه من أجل تصعيد خطط حرب النظام الجديد فإن عمليات فتح والعاصفة وُضعت تحت سيطرة سورية أشد .
وبحلول ذلك الوقت كانت القيادة الجماعية لحركة فتح قد توسعت لتضم أربعين شخصا ,تم إدخال معظمهم في العام المنصرم وعُينوا في لجان سياسية وفنية متعددة ، ونصَّب عرفات والسبعة المؤسسين أنفسهم لجنة تنفيذية وكل واحد منهم يترأس لجنه فرعية ، إلا أن صوت قياديي الصف الثاني كان لهم دور في اتخاذ القرارات ، وعندما قام عرفات باستدعاء اللجنة للاجتماع في شهر تيار لإيصال أمر فخر إليهم أحدث ذلك هيجانا عندهم ، واحتج عدد من المؤسسين وكان من أبرزهم العضوين دائمي الجدال صلاح خلف وخالد الحسن اللذان ضاقا ذرعا بالشعبية التي كان عرفات يحصل عليها ، وكان أساس احتجاجهم أن القبول بالحركة السورية سيعني الإطاحة بالاستقلالية الخاصة بالحركة والتي أصبحت موضع تفاوض ، ولكن عرفات راوغ من اجل القبول بأمر فخر مصرا على انه ملائم لمنطق فتح لإثارة حرب ، ولم تكن العاصفة قوية بما فيه الكفاية للقيام بحرب فدائية على عاتقها ، وازدادت حدة الجدال حول الموضوع في الأسابيع التالية ولم يتم التوصل إلى قرار ، وبقي عرفات صابرا ويتوسل للعقيد فخر من اجل إعطاءه المزيد من الوقت لإقناع معارضيه . وفي أثناء ذلك كان الحسن وخلف يتآمرون مع بعض الذين اقتنعوا بوجهة نظرهم من اجل الإطاحة بعرفات وإبعاده عن منصبه كمنفذ أخير . ولم يكن ذلك المخطط ضروريا ، حيث نفذ صبر العقيد فخر من إبطاء الفتحاويين لتنفيذ الأمر وقرر أن يمسك بزمام المبادرة ، وعين أحد مساعديه وهو نقيب في وحدة عسكرية فلسطينية في الجيش السوري اسمه (يوسف عرابي) ليتولى قيادة فتح ، وأمر عرفات وبقية أعضاء القيادة أن يمتثلوا لأوامره من الآن فصاعدا ، وحاول عرابي أن يقوم بخطوة متقدمة أكثر حيث أرسل رسائل إلى جميع خلايا فتح في سوريا معلنا انه قد أبعد ياسر والمؤسسين عن القيادة وأنه سيتولى قيادة التنظيم بنفسه . وحررت أعمال فخر وعرابي عرفات من فكرة أن سوريا تضع مصلحة حركة فتح في البال وان هدفها كان إعادة توحيد عرفات مع الحسن وقادة المعارضة الآخرين ، وطبقا للعديد من أعضاء الحركة الذين كانوا موجودين في دمشق أثناء تلك الأحداث قرر عرفات وبشكل شخصي أن يرسل مجموعة اغتيال إلى مخيم اليرموك حيث فَتَحَ عرابي مقر قيادته من اجل قتله . وعندما تم ذلك اتجهت مجموعة من الموالين لعرابي إلى مخبأ عرفات في ضاحية دمشق الشرقية للانتقام لعملية القتل التي تمت ، وحصل اشتباك بالبنادق قُتل فيه العديد من حرس عرفات الشخصي وقبل نجاح أنصار عرابي في اقتحام المنزل الذي يختبئ فيه عرفات تدخلت الشرطة السورية . وبعد ذلك تم اعتقال عرفات بناء على أمر العقيد فخر وبعد يوم أو يومين اُعتُقل أعضاء آخرون في حركة فتح بمن فيهم خالد الحسن وصلاح خلف ، وهرب باقي قادة فتح إلى لبنان ، وبقي عرفات وخلف والحسن في السجن طوال فصل الصيف وكان العقيد فخر أثناء ذلك يحاول إقناعهم بتلبية رغباته ، وأثناء ذلك استمرت القيادة السورية بار سال أعداد متزايدة من الإرهابيين إلى إسرائيل عبر الأردن ناسبة معظم هذه العمليات إلى حركة فتح ، ولكن بقيتها نُسبت إلى جماعات تحرير أخرى برزت كمجموعات منافسة للحركة ويرعاها السوريون .
وفي أواخر آب وافق عرفات وخلف والحسن على التعاون مع العقيد فخر وتم إطلاق سراحهم ، إلا أن الاتفاق كان خدعة من اجل تأمين إطلاق سراحهم وحالما أصبحوا أحرارا تسللوا إلى جنوب لبنان حيث وجدوا ملجأ في مخيم النبطية . وهناك عرفوا أن هناك حركتين عاملتين باسم فتح ، إحداها حركتهم التي أضعفتها الأحداث في سوريا وتقلصت عدديا لتصل إلى ثلاثين عضوا فقط بمن فيهم المؤسسين ، وأخرى في سوريا تسيطر عليها القيادة السورية وتسيطر على أغلب الفدائيين الذين جندوهم . وجاء هذا الاكتشاف ضربة قوية ، ورغم ذلك كان عرفات ورفاقه قد أصبحوا عن طريق الصحف والإذاعة ملتصقين في ذهن الرأي العام العربي بالأعمال التي كانت تقوم بها حركة فتح التي يسيطر عليها السوريون في السنوات الماضية ، ولان سوريا استمرت بنسب الهجمات الإرهابية الواسعة إلى حركة فتح دون التمييز بين فتح عرفات وفتح الخاصة بها ، وجد عرفات وأتباعه انه يجب أن يتركوا مسألة رد الفضل في الأنشطة ضد إسرائيل إلى حركة فتح التي كانت تحصل على مزيد من الدعاية في الصحافة العربية وكذلك تجيير هذه العمليات لصالحهم .
ولبلوغ هذه الغاية بدءوا بالسعي لضم الصحفيين اللبنانيين الذين كشفوا تواجدهم السري في لبنان وكتبوا قصصا تركت انطباعا بان عرفات والآخرين حضروا إلى لبنان لتكرار تجربة النجاحات التي لاقوها في سوريا والأردن وغزة في لبنان ، وأنهم في نفس الوقت هم المسئولين عن الهجمات التي تتم ضد إسرائيل والتي كانت في الواقع تحدث بتوجيه من سوريا . ورغم وجود عملاء سوريون سريين يتتبعون عرفات إلا أنهم لم يشاءوا كشف الخلاف الدائر في الحركة الفدائية ، ولذلك بقوا صامتين حول مزاعم عرفات للصحف اللبنانية " كان الكثير من الإرهابيين الذين يعملون تحت الإشراف السوري يعتقدون في الواقع بأنهم يعملون بأوامر عرفات " وساهم الصمت السوري في تعزيز مصداقية مزاعم عرفات ، وسرعان ما عاد نجم عرفات يتألق وهذه المرة بين أكثر من 100 ألف لاجئ في مخيمات تفتقر للحد الأدنى من متطلبات الحياة في لبنان .
وكان عرفات وأعضاء قيادته بلا أي تمويل حيث خسروا التمويل السوري, ولتعويضه بدءوا بالتجوال بين الجالية الفلسطينية يستجدون أحيانا ويهددون أحيانا أخرى لجمع التبرعات من اجل القضية وسرعان ما استطاعوا تأسيس مكتب لهم في بيروت وبدءوا من خلاله بعملية تجنيد جديدة ، وفي نفس الوقت أدركوا ضرورة عقد تحالفات لأنهم كانوا من ناحية عسكرية أضعف من أن يحققوا أي شيء.
وبحلول نهاية عام 1966, وفي محولة منها لمواجهة المد السوري المتصاعد ، قامت مصر عبد الناصر بإجراء تحول حيث انحازت إلى جانب العمل الفدائي ضد إسرائيل مفوضة أحمد الشقيري ومنظمة التحرير للبدء بعمليات إرهابية ، وطوال الفترة الأولى من عام 1967 خضعت إسرائيل إلى إرهاب الفدائيين المتزايد من الأردن عن طريق سوريا ومن غزة عن طريق عناصر من منظمة التحرير المدعومة من مصر ، وقام عرفات وزملاءه بعمل تحول لم يكن مفاجئ حيث سعوا إلى التحالف مع منظمة التحرير وصار لهم ذلك ، ولكنه لم يدم طويلا لأنه وخلال أشهر من المؤامرات المتصاعدة بين مصر وسوريا لتنافسهم على قيادة العالم العربي أدى ذلك إلى حرب شاملة مع إسرائيل .

تحول ياسر عرفات

من الأمور التي يحب أن يتفاخر بها ياسر عرفات أنه لولاه هو ورفاقه في حركة فتح ما كانت حرب حزيران عام 1967 العربية الإسرائيلية لتحدث ، وكذلك ما كان لقضية " الشعب الفلسطيني " أن تكون هي القضية المركزية للصراع في الشرق الأوسط .
وكما رأينا فان هذه الادعاءات من ناحية واقعية ادعاءات فارغة ، لأن ما جعل الحرب تقع هو سلسلة الحكومات السورية المترادفة التي كانت تسعى إلى الحط من قدر عبد الناصر وكذلك ربما من اجل محو العار والإحباط الناتج عن خسارة سوريا لفلسطين في الحرب السابقة ، وبدون شك قامت سوريا باستغلال حركة فتح أو فكرة حركة فتح لمساعدتها في تحقيق أهدافها للحرب مثلما قامت باستغلال مجموعات التحرير الفدائية الأخرى التي قامت برعايتها بعد سجن عرفات ، ولكن فتح نفسها – أي فتح عرفات ورفاقه الآخرين – كان لهم أثر بسيط في إثارة الحرب .
وإن كان هناك من استفاد من تلك الحرب غير إسرائيل , فقد كانت حركة فتح القَزِمة وفصيلين أو ثلاثة منافسة لها. لقد تم توثيق أحداث حرب عام 1967 وما تلاها من أحداث لاحقة حتى الوقت الحاضر ، تم توثيقها بشكل مكثف في مكان آخر ، وفي الصفحات القادمة سألخص أهم النقاط التي جعلت عرفات يتبوء مكان الصدارة وسأحاول وضع اللمسات الأخيرة على اللوحة التي تصور الرجل كما هو اليوم .
كان عرفات ورفاقه يراقبون من مخيمات اللاجئين عملية إحباط الإسرائيليين لجهود الحرب ، وفي اليوم الذي انتهت فيه الحرب بدأ تقريبا بالتحرك . وبمقدار اكتمال النصر الإسرائيلي كان عمق المهانة العربية حيث بدا أنه سيمر عقد آخر قبل تهديد إسرائيل بحرب أخرى ، وكان أغلب العالم الغربي مبتهجا بالنصر الإسرائيلي وبدأ يصوره على انه انتصار داوود (اليهودي) على جوليات(الفلسطيني) وسخروا كذلك من الأداء المتواضع للعرب ، ولكن ما كان يؤيده العالم الغربي كان يُواجه مباشرة بالاستنكار من العالم الشرقي وخاصة روسيا .
وكانت أهم جوانب النصر العسكري هي الاستيلاء على قطاع غزة والضفة الغربية التابعة للأردن وكذلك استيلائها على كامل مدينة القدس حيث أعلنت أنها لن تتخلى عنها أبدا ، وبسيطرة الإسرائيليين على الضفة الغربية تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الإضافيين إلى الضفة الشرقية مما تسبب في تضخم المخيمات الموجودة وبناء مخيمات جديدة .
وبالرغم من هزيمة العرب إلا أنهم لم ينحنوا فبعد أسبوع من انتهاء القتال بدأت الصحف العربية بدق طبول الخطابات النارية ضد إسرائيل وعادت هذه اللهجة لتسيطر على الصحف والإذاعات العربية وبدأت صحف بيروت – وهي المدينة التي كان بها اكبر عدد من الصحف مقارنة بالمدن العربية – بإعطاء المنبر لأي شخص أراد الانغماس في الثأر الخطابي ، ولإدراكهم بأن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة أعطاهم فرصة لإبراز أيديولوجية فتح في الصفوف الأمامية ، لذلك بدأ عرفات ورفاقه بالسعي لدى الصحف من اجل الحصول على أماكن في صحفهم ولان تلك الصحف كانت تتنافس فيما بينها على طباعة أكثر المقالات والتصريحات سخونة ما أمكن لذلك قامت تلك الصحف بإعطاء الفتحاويين كل ما أرادوا ، وفي غضون أسابيع أصبح عرفات -الذي كان المتحدث الرئيسي- أكثر الأسماء تداولا في لبنان .
وكان تركيزه الأساسي على الشعب الفلسطيني وكان بذلك يعطي انطباعا بان فتح – فتح الكبيرة التابعة للسوريين والتي ارتبطت في الذهن الشعبي بعرفات – أن فتح خرجت من الحرب أقوى مما كانت عليه وأقسم انه سيجعل تلك المنظمة الأداة الرئيسية في خلق الدولة الفلسطينية – متجاوزين بذلك الهزيمة النكراء وصرح عرفات : " من تحت رماد هذه الحرب سينهض طائر الفينيق العربي من فلسطين الحرة " . وانتقد بشدة الدول العربية لفشلها في تقديم الدعم الموحد لحركة التحرير الفلسطينية وبدأ بالعزف على وتر العار الذي لحق بالمصريين والسوريين والأردنيين طالبا منهم ومن اللبنانيين والدول العربية الغنية بالنفط " بان يضعونا على رأس جبهة الثورة " .
وفي الدول العربية المنخرطة بالحرب كان رد فعل القادة الأولي هو إعدام او سجن العديد من القادة العسكريين الذين حُمِّلوا مسؤولية الهزيمة وفي سوريا تم إبعاد العقيد فخر ومحمد عركة مع عدد كبير من العسكريين الآخرين وتم تنصيب ضباط جدد في القيادة العامة السورية .
وفي مؤتمر القمة الذي عُقد عام 1967 في شهر آب بدعوة من عبد الناصر لإعادة تأكيد قيادته للعالم العربي أعادت الدول العربية التأكيد على رفضهم الاعتراف بالدولة اليهودية وانه لديهم النية لتجديد الحرب ضد إسرائيل في وقت ما في المستقبل وفي نفس الوقت صادقوا بشكل مسبق على أهمية العمل الفدائي ووعدوا بتقديم الدعم بالمال والسلاح لأي ولكل المجموعات الفدائية الراغبة بالعمل في المستقبل .
واندفع قادة فتح في ذلك العرض ، وفي شهر أيلول استطاع عرفات تأمين دعوة له للعودة إلى سوريا مع وجود ضمانات بالدخول الآمن . وهناك تمت دعوته لمقابلة القائد السوري صلاح جديد – وهي أول مقابلة له مع زعيم عربي – وتمت تبرئته من كل التهم التي وُجهت إليه من العقيد فخر ، ثم طُلب منه أن يتحدث في مؤتمر حزب البعث ، وكانت كلمته ناقدة بشكل لاذع وانفعاليه وساخرة ومتعاطفة وهاجم بشدة الفشل السوري في تحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه الفلسطينيين ، واستغل مسألة العار الذي يجب أن يشعر به كل العرب نتيجة لإحباطهم لكل الإرهاصات القومية للشعب الفلسطيني .
وكانت تلك الكلمة في مقاييس تلك الفترة جريئة وتطفح بالغرور ، لكنها فعلت فعلها ، فبدلا من اعتقاله وقتله تم توجيه المديح له بشكل مذهل ، وخلال ذلك الاسبوع كافأه السوريون بالسماح له بتولي قيادة ما تبقى من فتح التي كانت تتبع العقيد فخر وان يضمها إلى تنظيمه وان يبدأ العمل ، مع وجود بعض الخيوط للتواصل . وأصبحت فتح الموحدة الآن والتي تُعد ما بين 500إلى 600 عضو ، أصبحت تحت السيطرة التامة لعرفات ورفاقه المؤسسيين ، وتلقوا تدريبا وتسليحا بتمويل سوري ولكنهم سيبقون مستقلين ، والشرط الوحيد لكل ذلك هو عدم إرسال أي مجموعات إلى إسرائيل من الأراضي السورية، وعلى عكس توقعات عرفات كانت حركة فتح تتمدد ببطء على الرغم من الإجماع والدعم الكبير من الدول العربية ، وظهرت لهم مشكلة جديدة وهي التنظيمات المنافسة التي تأسست بعد الحرب مباشرة وأبرزها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، والتي تأسست على بقايا خط القوميين العرب ، والذي كان يتخذ من الجامعة الأمريكية في بيروت مركزا له ، وكان يقود هذه الجبهة طبيب مسيحي فلسطيني اسمه (جورج حبش) والذي كان مثل عرفات يتلقى الدعم من سوريا قبل حرب عام 1967 والذي كيف فكره السياسي يتناسب مع الفكر البعثي المتطرف .
وكانت هناك مشكلة أخرى وهي بالرغم من الالتزام السوري بدعم حركة فتح ، فقد قررت الحكومة السورية إنشاء مجموعات فدائية تابعة لها لتحقيق هدفين هما : إظهار التزامها بفكرة العمل الفدائي ، وكذلك لتوفر لنفسها ثقلا موازيا لحركة فتح في حالة تحول الأخيرة لقوة كبيرة .
وكانت هناك مشكلة ثالثة وهي الخلاف الدائم فيما يخص العمل الفدائي والتحرري بين السكان الفلسطينيين والعديد من الدول العربية . حيث عاش العديد من اللاجئين الفلسطينيين وغير اللاجئين لسنوات عديدة على أمل تحقق الوعود الجوفاء التي قدمتها الدول العربية ولذلك كان هناك القليل من الكلام المقنع الذي تحدث به قادة الفدائيين ليجعل الناس يصدقوا بان الأمور ستتغير .
وأخيرا كانت هناك مشكلة الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ، وفي رأي عرفات مثَّلت تلك المنطقتان الأرضية الخصبة التي يمكن أن تُبذَر فيها بذور العمل الفدائي " لكسب قلوب وعقول الناس الذين يعيشون تحت سيوف مُضطَهِديهم " كما صاغها عرفات . وأمضى أواخر عام 1967 وقتا كبيرا يقوم بجولات سرية في الضفة وغزة لبناء خلايا لحركة فتح في القرى والبلدات ولكنه حقق نجاحا قليلا . واكتشف السكان الفلسطينيين الذين لم يغادروا الضفة الغربية بعد احتلال عام 1967 أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكن أكثر قسوة عليهم من الإدارة الأردنية التي كانت موجودة قبل عام 1967 . ولخضوعهم لقرون, خلت للسيطرة الأجنبية وكشهود عيان على قوة الآلة العسكرية الإسرائيلية, وجد هؤلاء القليل من الفائدة في الخطاب الثوري لعرفات والمتحدثين الآخرين سواء كانوا معتدلين أو متطرفين . واحتاج الأمر حادثة في بداية عام 1968 لتعطي حركة فتح الدفعة التي احتاجتها لتأمين المكانة لعرفات التي كانت تُجانِبه وحصلت تلك الحادثة في شهر آذار . فمنذ شهر أيلول في العام المنصرم كانت وتيرة الهجمات الإرهابية الفدائية في تصاعد وخاصة ضد الأهداف المدنية في إسرائيل وفي الأراضي المحتلة ، ولزيادة التضامن والحماس لحركة فتح أدخل عرفات فكرة الاستشهاد في العمل الفدائي ، مستحضرا مرة أخرى النموذج المبكر لبطل الطفولة ماجد حلبي ،ففي الفكر الإسلامي الحقيقي يُنظر إلى الموت في الغالب كمكافأة وخاصة عندما يكون ضمن جوانب بطولية ، وتحرر الأوطان كان بكل تأكيد هدفا بطوليا ، ولذلك فان أي موت في خدمة ذلك الهدف يُنظر إليها كبطولة حقيقية ترفع الشهيد وعائلته إلى أعلى مواقع الشهرة والشرف . واستغل عرفات وشركاؤه هذا المفهوم لتشجيع المتطوعين للعمل الفدائي وليغرسوا فيهم ضرورة تجنب الوقوع في الأسر وعملت هذه الإستراتيجية مع البعض وعندما كانت التقارير تعود إلى قادة فتح حول وفاة أي فدائي كانت فورا يُعلن عنة كشهيد ويتم الاعتناء بأسرته . ولكن هذه الإستراتيجية لم تكن فاعلة مع الكثيرين حيث ألقى الإسرائيليون القبض على العديد من الإرهابيين وقاموا باستجوابهم ، وفي بداية عام 1968 كان لدى الإسرائيليين معرفة عميقة بحركة فتح – إعادة بنائها وقيادتها وخاصة قواعد التدريب الخاصة بها في الأردن .
بعد إصابة أطفال كانوا في حافلة نتيجة لغم زرعه الفدائيون يوم 8 آذار عام 1968 قرر الإسرائيليون الرد لتدمير مركز تدريب رئيسي لحركة فتح في قرية الكرامة التي تقع شمال البحر الميت في الضفة الشرقية لنهر الأردن ، وفي يوم 21 آذار قامت قوات كبيرة من المشاة والمدرعات بعبور الحدود وانحدرت باتجاه الكرامة وقامت وحدات أخرى بقطع طريق الهروب وكان الإسرائيليون يعرفون أن عرفات موجود في الكرامة وعلموا ذلك من احد الفدائيين الذين القوا القبض عليهم وتم إرسال فصيل خاص للقبض عليه حيا أن أمكن .
وما لم يكن متوقعا عند الإسرائيليين هو تدخل قوات الملك حسين في المعركة ، وحرص الإسرائيليون على إعلامه بان زحفهم على الكرامة كان موجها ضد الفدائيين فقط ويجب على الملك حسين ألا يفسر ذلك على انه غزو للأردن . ولكن الملك حسين كان كمن يسير على حبل مشدود في السياسة في العالم العربي وخاصة في موضوع القضية الفلسطينية ، شعر الملك حسين بأنه ملزم بالقيام بلفته فيما يخص العمل الفدائي رغم خوفه ومعارضته للوجود المتنامي لهم في الأردن ولذلك أمر القوات المسلحة القريبة من ارض المعركة القيام بهجوم معاكس .
في بداية المعركة سيطر الإسرائيليون بسهولة على الكرامة وقتلوا ما يقارب المائتي فدائي فلسطيني ، ولكن عندما حاولوا الانسحاب واجههم الأردنيون وحدثت معركة بعد ذلك وقلة من الذين نجوا من الفدائيين انضموا إلى الأردنيين ولكن اغلبهم هربوا بمن فيهم عرفات والذي قاد دراجة نارية وهرب باتجاه الشمال الشرقي إلى مدينة السلط . وتكبد الإسرائيليون خسائر فادحة في الأرواح وخسائر كبيرة في المعدات أمام الأردنيين وتم تسليط أضواء كثيرة على الحادثة . في أعقاب حرب عام 1967 وبعد أن بدأ الفرح بالانجاز الإسرائيلي يخبو برز اتجاه متخوف لما اعتقد الكثيرون انه تعنت إسرائيلي وبدأ ذلك الاتجاه بالتطور في العالم الغربي وكان هذا الاتجاه سائدا بين الأجيال الشابة المنخرطين في الحركات اليسارية المعادية للحرب والمعادية للامبريالية . وسرعان ما انقلبت الصورة فقد رأى الكثير قبل أشهر قليلة الصورة على انه كانت فيها إسرائيل هي داوود والعرب هم جوليات ، ولكن بدأ يُنظر إلى إسرائيل على أنها هي جوليات وأصبح الفلسطينيون العاجزون هم داوود الآن ، وعزز هجوم الإسرائيليين على الكرامة هذه الصورة الجديدة وفي العديد من المناطق كان هناك نوع من التراجع الإسرائيلي وبدأ التعاطف مع الفلسطينيين بالنمو .
ولم يتوانى عرفات ورفاقه في استغلال هذا الاتجاه سواء في العالم العربي أو خارجه ، وأخيرا خَبِرَ عرفات الخطر العظيم – الصمود واللهب والدم في المعركة – وكونه غادر بسرعة تاركا المئات من أتباعه المخلصين يموتون وينزفون خلفه لم يكن أمرا ذا أهمية ووصل إلى السلط وقلبه ممتلئ بالراحة والانفعال ، وكان يحمل معه قصصا مبالغا فيها حول بطولة الفدائيين ضد العدو ، وعندما كشف الإسرائيليون عن خسائرهم بعد عدة أيام اندفع عرفات إلى دمشق ليثير انطباع النظام السوري حول قدرة حركة فتح للوقوف في وجه الصهاينة البغيضين ، ولم يكن في وارد السوريين الجدال حول الموضوع فقد عرفوا أن الأردنيين هم من خاضوا المعركة وليس الفدائيين ، ولكن الأردنيين كانوا آخر من سيوجه لهم السوريون الفضل في العمل ، ولذلك قاموا بتهنئة عرفات ، وبالغوا في مدحه ليسمع كل العالم والتقطت الصحف العربية والأجنبية هذه القصة وسرعان ما أصبحت أسطورة انتصار حركة فتح على إسرائيل حقيقة .
وحركت الحادثة وحضروها الإعلامي العالم العربي ايجابيا تجاه الفدائيين جالبة زيادة حادة في التجنيد وتدفقا كبيرا في المساعدات المالية من كل الدول العربية تقريبا وكذلك وضعت عرفات وحركة فتح في بؤرة الاهتمام العالمي وتدفقت الفرق الصحفية والتلفزيونية الأجنبية على لبنان والأردن ليوصلوا إلى قراءهم ومشاهديهم مشاهد للمقاتلين من اجل الحرية ، وكان معظمهم أطفالا أثناء تدريبهم ، وصورا لجنازات الفدائيين وصورا للسكان اللاجئين الذين يعيشون الحرمان في المخيمات ، ولعرفات ومساعديه يحاضرون في الصحفيين عن عدالة القضية الفلسطينية والحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني .
وشهدت السنوات التي تلت معركة الكرامة صعودا لياسر عرفات رغم أن الارتقاء لم يكن بعيدا عن المخاطر ، وجال ممثلو حركة فتح في أوروبا بقية عام 1968 مؤسسين خلايا في جميع المدن الرئيسية تقريبا ومجندين الطلبة الأجانب من اجل القضية . وقام آخرون بالتحاور مع الدول النفطية طالبين مبالغ اكبر من المال من خزائن الشيوخ الذين كانوا أغنياء بدرجة لا يمكن تصورها ، وتضاعفت قوة ونفوذ حركة فتح مثيرة حسد التنظيمات المنافسة الذين حاولوا في اغلب الأحيان الحط من قوة عرفات ، ولفشلهم في ذلك سعوا لخطف الأضواء من حركة فتح عن طريق مضاعفة قدراتها الإرهابية خارج الشرق الأوسط . وفي شباط من عام 1969 قوّى عرفات من قبضته على حركة الفدائيين عن طريق بسط سيطرته على منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت ما تزال تابعه اسميا للجامعة العربية ، ولكن خبا نجمها منذ عام 1967 نتيجة السلوكيات الجبانة والخطاب اللاواعي لقائدها احمد الشقيري أثناء حرب حزيران ( كان الشقيري هو من أوجد شعار " سوف نلقي باليهود في البحر " ) رغم أنه ينكر انه كان يقصد ذلك بشكل حرفي ، ووضع عرفات المنظمة تحت السيطرة الكاملة لحركة فتح ثم بدأ حملة لوضع المنظمات المنافسة فيها وإقناع العالم العربي بالاعتراف بها " كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني " .
وبدأ عرفات ومنظمة التحرير التابعة لحركة فتح بتلقي دعما ماديا ومعنويا من الاتحاد السوفييتي والصين ومن قوى شيوعية أقل تأثيرا ، ولكن سعيهم للحصول على إجماع عربي لم يتحقق بسبب حدة التناحر الداخلي بينهم ، وازدراءهم الواضح والعلني للملك حسين ، ورد الملك حسين على ذلك في خريف عام 1970 معلنا الحرب على الفدائيين الذين كانوا متواجدين بكثرة في بلاده ، وتجرءوا كثيرا لدرجة إنهم بدءوا يستولون على البلد ، وفي سلسلة من المعارك التي بدأت في أيلول عام 1970 ممتدة إلى عام 1971 قام جيشه بالقضاء على الفدائيين وطردهم, ومن نجا منهم هرب إلى سوريا ولبنان ولم يحصل من وراء ذلك إلا على عدائهم الأبدي .
وأمضت حركة التحرير بقية عام 1971 باستجماع نفسها وإعادة انتشارها والتركيز في لبنان بقيادة أكثر حزما لمنظمة التحرير الخاضعة لحركة فتح ، وأُعيد تسليحهم عن طريق الروس وكذلك الصين بواسطة سوريا والجزائر ، وقام عرفات ومساعديه بإنشاء علاقات وروابط مع حركات فدائية وثورية أخرى في جميع أنحاء العالم ، وفي نفس الوقت أطلقوا موجة جديدة من الأنشطة الفدائية ضد إسرائيل ، وكانت هذه المرة في أغلبها من منطقة العرقوب في الجنوب اللبناني والتي سرعان ما بدأت تعرف باسم ( دولة فتح) . وكان هدفهم مشابها لذلك الذي كان قبل حرب عام 1967 وهو الاستفزاز من اجل قيام حرب أخرى لوضع القضية الفلسطينية في مقدمة اهتمامات العالم .
وفي هذا الوقت كان عرفات ورفاقه أكثر سيطرة على الحركة من ذي قبل ولكن بالرغم من أن الحرب المأمولة قد حصلت في تشرين عام 1973 إلا انه لم يكن لهم شأن كبير في إثارتها ، وفي الحقيقة تفاجئوا مثلما تفاجأ معظم العالم عندما قام المصريون بهجومهم الجريء عبر قناة السويس والتقدم السوري في هضبة الجولان .
وأكملت حرب عام 1973 وما تلاها صعود نجم عرفات ، ورغم أن انجازات العالم العربي في الجانب العسكري كانت متواضعة إلا انه حقق الكثير في الجوانب النفسية والدبلوماسية والاقتصادية . وبعد الحرب بفترة قصيرة عُقد اجتماع قمة عربي وهذه المرة في الرباط في المغرب ، وكانت مصر وسوريا غاضبة على الملك حسين لأنه لم يفتح جبهة ثالثة عن طريق الهجوم عبر الضفة الغربية وكان البلدان يعتقدان بان نجاحاتهما ستكون أكبر لو أن الأردنيين استطاعوا استدراج قطاعات كبيرة من الجيش الإسرائيلي . وفي الأشهر التي سبقت مؤتمر الرباط قام عرفات وأتباعه بسحب البساط من تحت إقدام الملك حسين وأصروا على انه بوقف أعماله ضد إسرائيل يكون قد تخلى عن الضفة الغربية وانه لا يمكن تمثيل الضفة وسكانها إلا من قبل منظمة التحرير الفلسطينية ، وكان الزعماء العرب تواقين لمعاقبة حسين بسبب تقصيره ونظروا إلى مطلب عرفات بتعاطف وأصدروا قرارا صادق على أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ونحّى القرار الأردن عن القضية الفلسطينية المثيرة للجدل وأعطى اعترافا رسميا لعرفات ولمنظمة التحرير ، وبوجود هذا الاعتراف سعى عرفات لتحقيق ذروة أعماله وهي الحصول على دعوة لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني عام 1974 فيما يخص فلسطين .
لقد كانت الأمم المتحدة عام 1974 مختلفة عن الأمم المتحدة عام 1948 والتي صوتت إلى جانب خلق دولة إسرائيل (وكذلك دولة عربية فلسطينية ) لقد تغير جسمها السياسي بالكامل مع توسيع العضوية فيها حيث دخل فيها العديد من الدول التي أُنشأت عن طريق حروب التحرير للحصول على الاستقلال ، وكانت دعوة عرفات إلى المنظمة الدولية تمثل إحراجا لا يمكن القيام بشيء حياله بالنسبة للدول الغربية التي سيطرت في السابق على الأمم المتحدة . أما بالنسبة لإسرائيل فكان أمرا مثيرا للهيجان ، وأما بالنسبة لبقية الدول التي استقلت نتيجة للحروب الإرهابية والفدائية كانت القضية الفلسطينية ذات ترابط عضوي معها وكان قادتها يعتبرون عرفات أخا روحيا لهم ، وفي الحقيقة كان الرجل الذي تم انتخابه ليرأس جلسة الجمعية العامة التي كان عرفات سيتكلم فيها كان ذلك الرجل نفسه إرهابيا جزائريا سابقا . وعندما وقف عرفات أمام الجمعية العامة وتقبل ترحيبها الحار كان يُنظر إليه كشخص يستحق التعاطف ، وكان يلبس لباسه الكاكي المعتاد ذو اللون الأخضر الشجري والكوفية المرقطة بالأسود والأبيض والتي كانت تغطي رأسه الأصلع بالكامل ، وجراب المسدس على خصره ، وقام بقراءة خطابه المُعد بعناية من قبل زملاءه المقربين في حركة فتح – قراءة بين استخدام الكلمات العربية القوية والكلمات المستجدية – لقد كان خطابا من المتناقضات – حقائق وأكاذيب ، حقائق ومغالطات تاريخية، تهديد وليونة ، وكلها جسدت الصورة التي اختتم بها خطابه – البندقية وغصن الزيتون .

خـــــــاتـــمــــــة

كان ذلك في ليلة مليئة بالنجوم وليل بيروت الصافي في شهر كانون الثاني عام 1976 ، وكان يجلس على شرفة فيلا على تلة مطلة على المدينة ، وكان عرفات يقاسي البرد ويتحدث مع احد ناشري الصحف اللبنانية الأثرياء ، وكان الناشر المسيحي يتوسل إلى عرفات لتأمين إطلاق سراح عمه وعمته العجوزين الذين اختطفا قبل أيام قليلة على يد فدائيين فلسطينيين ، وكان ذلك الناشر يعلم ما كان قلة من الناس يعرفون بان عرفات فقد كل سلطاته على التنظيمات الفدائية المتعددة المكونة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وأصيب عرفات بالحرج من التوسلات الهستيرية التي كان يقوم بها ذلك الناشر حيث كان الرجل قد استضاف عرفات كثيرا في بيته وفتح صفحات صحيفته له.
ونظر عرفات إلى ما كان يوما مدينة تشرق بالأضواء وانعكست أضواء النيران التي تركت آثارها السوداء على المدينة ، انعكست في عينية الواسعتين الحزينتين ، ثم يستدير إلى الناشر ويخاطبه باللغة العربية قائلا : "أنا آسف يا صديقي لكني أتلقى الأوامر من ... " وذكر اسمي رجلين في القيادة العليا السورية " ولا يوجد ما استطيع فعله في هذا الوقت . إنني منزوع القوة حتى ينتهي هذا الأمر " ويشير بذراعه إلى الأفق " وأقول لك لثقتي المطلقة بك كصديق وإذا خرجت منك كلمة ستُقتل ، ولن استطيع إيقافهم " (السوريين) " فعملائهم موجودون في كل مكان " .
وكان الضيف التالي لعرفات صحفي أمريكي وحالما بدأ الصحفي يدخل إلى شرفة الفيلا سرعان ما أحاط به ستة من مرافقي عرفات واقترب حارسان كانا يقفان في العتمة وتتدلى من كتفاهما بندقيتا كلاشنيكوف ويمسكون بها بأيديهما . وكان أول سؤال للصحفي حول وعد الولايات المتحدة باستخدام الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الذي يُتوقع أن يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية وكان الضوء الأصفر القادم من أسفل المدينة يلمع في عيون عرفات عندما بدأت تضيق وتقسو . فأجاب بلغة انجليزية قويه : لقد استنفذنا صبرنا مع الولايات المتحدة واستخدمنا الطرق الدبلوماسية بسبب إصراركم في العالم الغربي ولكني أسألك ماذا نتج عن ذلك ؟ وأمسك عرفات بطرف لحيته المتدلية من ذقنه للحظة موجها نظرته إلى احد الرجال الذي كان يقف خلف الصحفي ثم أضاف قائلا بمرارة : تذكر هذا جيدا لقد كنا مسؤولين عن حرب ال1967 وكذلك عن 1973 وكنا مسؤولين أيضا عن حظر النفط الذي تلا . ولن يتم حرمان الفلسطينيين من حقوقهم العادلة وإذا استمرت الولايات المتحدة في رفض الاعتراف بالحقوق المشروعة لشعبي ، سوف نضطر حينها للبدء بحرب جديدة . وأنت تسأل كيف ننوي أن نتصرف تجاه الفيتو ؟ ما يحدث في لبنان الآن سيكون أمرا لا يذكر مقارنه بالدماء التي ستسيل في إسرائيل في الحرب القادمة وبإمكانك أن تقول لشعبك انه سيكون هناك حرب أخرى ولن تكون هذه المرة حرب بين العرب والصهاينة فقط . فكل مرة تنكرون فيها حقوقنا ستقتربون أكثر من محرقتكم . فسأل الصحفي : ما مدى هذا "القريباً " ؟ . فكر عرفات في السؤال للحظة وتحرك احد الواقفين قريبا منهم وهمس في أذنه فأومأ عرفات برأسه وابتسم للصحفي " عرفنا انه سيجري عندكم انتخابات هذا العام ، انتخابات رئاسية أليس كذلك ؟ فأومأ الصحفي بدوره ، " حسنا إذا ، إننا نفهم أن هذا الفيتو المتوقع سيتم استخدامه لأسباب داخليه خاصة بكم ، أسباب سياسية ، وسيكون غير مقبول شعبيا أن يتم الاعتراف بنا في السنة التي تجري فيها الانتخابات ، لقد أُعلمنا أن أي سياسي سيعترف بنا سيرتكب انتحارا سياسيا بسبب الضغط الصهيوني البس كذلك ؟ لذلك سأقول لك ما يلي ، سوف ننتظر لنرى من سيكون الرئيس وعند انتهاء الانتخابات سنرى ما سيحدث حينها . وإذا لم يتخذ رئيسكم الجديد الخطوات اللازمة للاعتراف بنا فلن يكون لنا خيار سوى البدء بحرب جديدة ، وتذكر كلماتي جيدا . ستكون هذه حربا عالمية ثالثة ، لن يكون لكم إلا خيار واحد وهو الاعتراف بنا وضمان حصولنا على دولة ذات سيادة وإذا لم تقوموا بذلك ستقع الحرب العالمية الثالثة . وعندما يتم طحن أبنائكم في الدمار النووي ستتمنون لو أنكم استمعتم إلي ". *
لقد كان هذا عرفات مختلف ، واثق، منفتح ، ومُهَدِد ، أما عندما حضر الناشر فقد كان عرفات يتكلم بلهجة اعتذاريه مستسلما تقريبا ويُظهِر الوهن .
من هو عرفات الحقيقي هذه الأيام ؟ هل هو الرجل الذي يدعي انه قادر على إثارة حرب عالمية ثالثة ؟ أم هو الرجل المُوجَّه بشكل سري من دائرة محبطة من المعارف وانه يأتمر بأوامر الحكومة السورية ؟ .
ربما تكون الإجابة في كتاب " بروتوكولات حكماء صهيون " وهي مجموعة كتابات دينية ملفقة كتبتها الشرطة السرية لقيصر روسيا في القرن التاسع عشر لتبرير جرائمهم ضد اليهود – وكان عرفات يحمل معه باستمرار نسخة عربية منها ويقتبس منها باستمرار لإثارة الانطباع حول رؤيته للخيانة الصهيونية والكلمات المعبرة عن الإجابة هي " سنمتلك السلطة الفعلية عن طريق تعظيم الإحساس بقوتنا الظاهرة في عقول وأذهان الناس وما يُنظر إليه على انه ليس أكثر من تفاهة في عيون العقلاء وسنجعل منه حقيقة مهمة في نظر الرعاع ولذلك فانه يجب علينا أن ننتشر في كافة أرجاء العالم وان نقوم باستغلال مشاعر الخوف الطبيعي عند الجهلاء وألئك المؤمنين بالخرافات لنغوص في أعماقهم لاستثارة مكامن الخوف المظلمة فيهم، وان نقنعهم بقبول الأوهام كحقائق لا لبس فيها بينما هي أوهام في جوهرها . هناك قلة قليلة منا وكثرة هائلة عندهم ولذلك لا نستطيع أن نتقوى عليهم عدديا . إن السيطرة عليهم بالمنطق ، منطق قوتنا ، ستكون الطريقة الذي يجب أن نسير فيه . سيكون هدفنا تعزيز منطق قوتنا ليكون لنا قوتنا ، حتى يركع العالم عند أقدامنا وينصاع لنا ".

* نُقلت هذه الرواية لي عن طريق عشيقة الناشر اللبناني ، وهي امرأة اوروبية تتحدث العربية وكانت قد رافقت الناشر إلى الفيلا . وعند وصولهم اُخذت إلى غرفة في الطابق الثاني من الفيلا للانتظار حتى ينتهي الناشر من حديثه مع عرفات ، وكانت الغرفة مطلة بشكل مباشر على الشرفة حيث جلس عرفات ، وقد عرفت هذه المرأة لعدة سنوات ولديّ قناعة كافية للاعتقاد بان عباراتها كانت دقيقة .


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 112 / 181128

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع سير ومتابعات   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010