الأربعاء 30 أيلول (سبتمبر) 2015

حول التيّار والمشروع الاستراتيجي لمنير شفيق

الأربعاء 30 أيلول (سبتمبر) 2015

الفصل الأول

حول المشروع الاستراتيجي
مقدمات
- مدخل
- بين التحرير والتغيير
- الموقف من العروبة والوحدة والتجزئة
- البنية الثورية والجماهير
- حول برنامج النقاط العشر
- المشروع الاستراتيجي وعملية الانتقال إلى الموقع الإسلامي

- تقديم

يحمل هذا الكتاب سمات تاريخية لتيار انبثق أساساً من داخل فتح، وترعرع من خلال تجربة الثورة الفلسطينية في النصف الثاني من السبعينات. ثم دخل مرحلة تحول كبرى بالنسبة إليه حين انتقل إلى أرض الإسلام بعد أن كان يقف على أرض الوطنية الفلسطينية، والقومية العربية، والمرجعية الماركسية اللينينية. وكان انتقالاً على مستوى العقيدة والمنهج والمرجعية النظرية والفكرية (الأيديولوجية) والفقه، وكذلك على مستوى السياسة والممارسة. أي كان الانتقال إلى الانخراط في العمل الإسلامي عموماً والمشروع النهضوي الحضاري الكبير للأمة.

على أن هذا الانتقال حافظ في المجال السياسي على الثوابت والمنطلقات والأهداف الأساسية مثل تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية، والتحرر من السيطرة الإمبريالية، وبناء الاستقلال الحقيقي وإقامة العدل الاجتماعي. هنا أصبحت كل هذه الثوابت والأهداف معززة أكثر من خلال الوقوف على أرض الإسلام وغدت مشمولة، بقوة أكبر، عبر الانخراط في المشروع النهضوي العربي والإسلامي العام.
ولهذا فإن التاريخ لهذا التيار يشكل جزءاً، ولو متواضعاً، لكنه مهم، في تجربة فتح والثورة الفلسطينية وحركة التحرر العربي من جهة، كما يحمل من جهة أخرى مغزى خاصاً بانتقاله العقدي والنظري والفكري والسياسي إلى الموقع الإسلامي. وهو ما دعا الكثيرين إلى التساؤل عن عملية هذا الانتقال لا سيما، كونه تميز بانتقال شبه جماعي لأعداد كبيرة من الأفراد ذوي الخلفيات الدينية والمذهبية والقومية والثقافية والحضارية المختلفة. بما ينزع عن هذه التجربة سمة المعاناة الذاتية الشخصية في عملية هذا الانتقال.

ومن هنا جاء هذا الكتاب ليسدي بعض الحقائق لفئة من الشهداء في مقدمتهم محمد محمد بحيص (أبو حسن) ومحمد باسم سلطان التميمي (حمدي) وسعد جرادات (سعد) ومروان كيالي وسمير الشيخ وجورج شفيق عسل (أبو خالد) وعلي أبو طوق والحاج حسن، ومحمد علي (أبو يعقوب)، وهلال رسلان (أبو محمود)، وحمود الحسنية، وعشرات غيرهم من شهداء فلسطينيين ولبنانيين وعرباً وغير عرب، لعبوا دوراً إيجابياً بارزاً في تجربة الحرب الأهلية في لبنان كما في تجربة الثورة الفلسطينية وعلى مستويات أوسع من ذلك. وكانوا في حياتهم عرضة لهجمات كثيرة. ولاقوا ظلماً شديداً في أثناء عملهم، وحتى بعد استشهادهم. أما من جهة أخرى فقد جاء ليلبي بعضها من الحاجة إلى معرفة الخلفية التي أوصلت هذا التيار إلى الدخول في مشروع الصحوة الإسلامية وإعادة صياغة نفسه على أساس الإسلام.
على أن إعطاء صفة التاريخ لهذا العمل لا ينطبق عليه تماماً فهو بالمقياس المنهجي التاريخي لا يستحق أن يحمل هذه الصفة، أو في أحسن الحالات، يمكن أن يحمل قدراً متواضعاً جداً منها. فالكتاب بمقياس الكتابة التاريخية يفتقر إلى التوثيق والتسلسل في تناول الأحداث، ويخلو من التعرض إلى الأسماء ذات العلاقة سلبياً أو إيجابياً بتجربته عدا أسماء بعض شهدائه. ويرجع ذلك إلى صعوبات ناشئة عن رغبة البعض في عدم ذكر أسمائهم، ومن ناحية أخرى، تجنب التعرض لأشخاص واجههم التيار حتى لا يحمل ذلك تجنياً لا سيما في نقل أفكارهم. وإذا كان ما تقدم يترك فراغات كثيرة بحاجة إلى أن تملا من قبل المؤرخ الذي يهمه الدخول في الأزقة والدهاليز ومختلف التفاصيل، إلا أنه سجل تاريخه الفكري والنظري والسياسي من جهة، كما سجل من جهة أخرى، أفكار عدد من التيارات ومواقفها وشعاراتها وما دار من صراعات فكرية وسياسية في ذلك الحين. ومن هنا، وعلى الرغم مما يحمله العمل من نواقص ستشغل بال المؤرخ الذي يهمه تسلسل الأحداث والتفاصيل والأفراد الذين لعبوا دوراً في تلك المرحلة، غلا أنه سيظل ذا فائدة لمن سيكتب عن تجربة الثورة الفلسطينية في أثناء الحرب الأهلية في لبنان.

أما عن الصراعات التي دارت داخل فتح والساحة الفلسطينية والعربية خلال السبعينات والثمانينات، فإن من يقرأ هذا الكتاب وما سجله حول مرحلة تمتد من 1973 إلى 1988 قد يتصور أن تيار أبي حسن، وحمدي، وإخوانهما قد كان محور الأحداث أو أنه لعب الدور الرئيسي فيها. وهو تصور يجافي الحقيقة طبعاً، ويؤدي إلى المبالغة في تقويم ذلك الدور.

وهو ما يحدث عادة عندما يقرأ المرء مذكرات إنسان عاصر مراحل تاريخية معينة وشارك بشكل أو بآخر في أحداثها. فطبيعة كتابة المذكرات الخاصة لفرد أو لحزب أو تيار تقود إلى التصور، إن المعني، حتى لو لم يقصد ذلك قطعاً، كان ذا دور عظيم وكان مركز الأحداث ولهذا يرجى التنبيه إلى أن هذا الكتاب لا يريد الوصول بقارئه إلى هذه المبالغة وإن كان يريد أن يرفع عن تيار أبي حسن وحمدي وإخوانهما، ما ناله من ظلم وتجاهل وإنكار وعقوق.

هذا ويعترف مؤلف هذا الكتاب أنه يحمل سمة المذكرات. لأنه سجل متابعته لمسيرة هذا التيار، وإن كان قصّر أكثر ما قصر في مجال سجله العلمي بسبب غياب كثير من التفاصيل عنه أو عدم مواكبته لها. ولكنه نال شرف المساهمة في أغلب النقاشات التي خاضها أبناء هذا التيار وقد أسهم في كتابة محصلة عدد من النقاشات التي أصدرها بكتب ومقالات ودراسات، كما حدث على سبيل المثال بالنسبة إلى النقاشات التي دارت حول قضية المرأة، وقد أصدرها بكراسة حملت اسم "حول نضال المرأة". ولعل ما يكنه من حب خاص وتقدير كبير لأبي حسن وحمدي وسعد وعلي أبي طوق وأبي خالد جورج وأبي محمود ومروان والحاج حسن وأبي يعقوب، وعدد آخر من إخوانهم الشهداء ممن عرفهم جيداً، يسمح بإبعاد عمله هذا عن صفة الموضوعية بمعناها البحثي اللامبالي والبارد، فهي كتابة منحازة ومجرحّة بحبها وصداقتها ووفائها، ولهذا يجب أن يؤخذ الكتاب على هذا المستوى عند قراءته وتقويمه.

تساءل بعض الذين حاول المؤلف الاستعانة بهم، ممن عاصروا التجربة في مختلف مراحلها العملية عن الفائدة من كتابة هذا النص أو بالأحرى ما الفائدة منه ولمن هو موجه؟ الإجابة هنا تفرض العودة إلى إعطائه سمة تاريخية، (ولو بحدود)، للخاصة ممن يهمهم أن يعرفوا شيئاً من دور أبي حسن وحمدي ومروان، وسمير وإخوانهم، في تلك المرحلة لا سيما وأن عدداً من شهداء هذا التيار أصبحوا رموزاً على مستوى الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني واللبناني والعربي، بل أكثر من ذلك، أصبحوا جزءاً من المشروع الإسلامي والصحوة الإسلامية.

أم من جهة أخرى، فإن في هذه التجربة كثيراً من العِبر التي قد تفيد على صُعد متعددة، لا سيما إذا ما فهمت بروحيتها ومنهجيتها وعقليتها، ولم تفهم بحرفيتها، وتقلد تقليداً بليداً. بل يمكن القول أن أهمية تيار أبي حسن وحمدي وإخوانهما، لا تكمن فيما أدوه من دور فحسب، وإنما أيضاً في كونه مدرسة كذلك، وهذا ما قد يسمح لمن يريد أن يتعلم منهم، ويواصل طريقهم ونهجهم، بأن يحيط جيداً بتجربتهم، ويتعرف أكثر إلى روحيتهم ومنهجيتهم وعقليتهم، ويكون قصده المواصلة بإبداع لا بتقليد، فيمسك بالجوهر لا بالشكل، والأهم أن يدرك خطورة أن يحمل المرء راية هذا النهج بلا مبدئية وصدقية وتضحية، لأن تركها أفضل من تلطيخها بالمطامع الشخصية والجشع أو الوهن والجبن أو العجز والكسل، أو التراجع والانكفاء، فهذه الراية كانت شديدة في تمسكها بالثوابت والمبادئ وحازمة في سلوك طريق التحرر والتغيير والنهوض والبحث عن الحقيقة.

وإذا كان هنالك من عبروا في أكثر من مناسبة عن أنهم سيكونون ورثة هذا الخط، فإن عليهم أن يثبتوا ذلك بالأفعال ومكارم الأخلاق وحسن المقال وصحة السياسة والمواقف وعدم الخوف من الصعوبات والتضحيات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

كلمة أخيرة، وهي اعتذار مرة أخرى، للثغرات التي حملها هذا الكتاب وقد حدث بعضها عن وعي وقصد، وبعضها عن قلة حيلة وعجز، وبعضها عن نقص في المعلومات والإحاطة. ولعل ما يمكن أن يكون قد تضمنه من إيجابيات وفوائد يشفع لبعض تلك الثغرات. أما الاعتذار الحقيقي فهو لأبي حسن وحمدي وإخوانهما، لما يكون قد قصّر به هذا الكتيب بحقهم لا سيما في مجال الممارسة وذكر ما سطروه من مآثر وبطولات، أو في مجال إبراز بعض المجالات الفكرية والنظرية المنهجية التي سَهَا عنها، كما لا بد من الاعتذار للشهداء، وذويهم ممن لم يحضره ذكرهم، أو لم يعطوا حقهم كما يجب، فمؤلف هذا الكتاب يعترف أنه تابع الصراعات الفكرية متابعة دقيقة، بينما كان بعيداً عن كثير من التفاصيل في الممارسة العملية، والتي لا يستطيع أن يكتب عنها إلا من عايشوها في الواقع يوماً بعد يوم، فثمة تاريخ تفصيلي يجب أن يُسجل للسرية الطلابية وكتيبة الجرمق، وثمة تاريخ تفصيلي يجب أن يُكتب عن أبي حسن وحمدي في عملهما في الأرض المحتلة، سواء أكان في مرحلة لجنة 77 أم في مرحلة سرايا الجهاد الإسلامي، وأن من سيقوم بذلك يُكمل هذا الكتاب ويَسد نواقِصه أو يُصبح أصلاً، ويُصبح هذا الكتاب مُكملا له.
ورحمة الله على أبي حسن، وحمدي، وسمير، ومروان، وإخوانهم من شهداء هذا التيار، ورحمة الله على كل الشهداء، وأسكنهم فسيح جنانه.
المؤلف
رمضان / 1414هـ
نيسان 1994م

- مقدمات

مدخل:
ويعبر العام السادس على استشهاد الأخوة القادة محمد محمد بحيص (أبو حسن) ومحمد باسم سلطان التميمي (حمدي) ومروان الكيالي 14 شباط (فبراير) 1988. وقد وقعت خلال السنوات الماضية أحداث ومتغيرات جعلت المسافة بعيدة جداً عن ذلك اليوم الذي فقدنا فيه هؤلاء الشهداء. وهو ما جعل إحساسنا بعظم خسارتنا لهم يتضاعف عما كان عليه يوم وارينهم التراب. فقد ظن البعض من إخوانهم أن بالإمكان مواصلة طريقهم بمجرد تقليد ما كانوا يفعلون، أو بمجرد متابعة ما كانوا يتابعون. ولكن سرعان ما تبين أن استشهادهم كشف في توقيته، وعملياً عن نهاية مرحلة كانوا من قادتها وفرسانها وبداية مرحلة جديدة.
فالإشكالية هنا لا تتمثل بتكرار بليد للشعارات أو لأشكال العمل والممارسة وإنما في القدرة على استخدام منهجيتهم في دراسة الوقائع الجديدة، والظروف المُستجدة، والمرحلة المُقبلة. ولهذا ينتشر شعور، الآن لدى محبيهم، بأن ثمة حاجة إلى الاستمساك بقوة شكيمتهم المبدئية والأخلاقية ولا سيما مع حالة الانهيار التي أصيبت بها كثرة من الكوادر الفلسطينية والعربية بعد حرب الخليج، والأهم مع حالة الانحراف المطلوب للدخول في مشروع التسوية وما وصلت إليه الأمور مع توقيع اتفاق أوسلو.
لقد كان الشهيد محمد محمد بحيص (أبو حسن) مؤسساً أول لتيار متميز داخل فتح والثورة الفلسطينية وكان إلى جانبه في ذلك الوقت في أواسط 1975 ثلة من الشباب ذوي السمات القيادية، وقد تميزا بروحية وحدودية عالية وبشجاعة لا حدود لها في مواجهة التحديات. وقد سقط أكثرهم شهيداً مخضباً بدماه. ويمكن أن نخص هنا بالذكر المرحوم هلال رسلان (أبو محمود) والشهيد سعد جرادات، وعلي أبو طوق والحاج حسن وأبو خالد جورج عسل ومحمد علي ومروان الكيالي وأبو الوفا وسمير الشيخ ومحمود الحسنية وغيرهم سيأتي ذكرهم بمناسبة أخرى. ولم يبق من تلك النواة إلا قلة قليلة جداً حُرمت من الشهادة وهي ما زالت تنتظر وما بدلت تبديلاً.

وما أن خرج محمد باسم سلطان (حمدي) من السجن في الأرض المحتلة حتى أصبح وأبو حسن يداً بيد وخطوة بخطوة في مسار دام ما يزيد على خمسة عشر عاماً.

وإذا كان لهذا التيار أن يميّز فيه فيما بين الذين عملوا من خلاله في التسابق على الخير في تأسيسه وتعزيزه وترسيخ فكره ومنهجيته وتقاليده فلا بد من أن يوضع على رأس القائمة أبو حسن وحمدي وسعد جرادات، وإن كانت المسافة التي تفصلهم عن الآخرين لا تعد بالأمتار أو الأشبار وإنما بالبوصات أو السنتيمترات.

لعل أبرز ما يذكره الكثيرون عن أبي حسن وحمدي وسعد والشهداء الآخرين هو ذلك الجانب العملي في حياتهم أي انكبابهم على الممارسة واتسامهم بالشجاع والنشاطية وإخضاع حياتهم الخاصة للعمل والقضية. وهذه مزايا ليست بالهينة أو البسيطة فهي ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلى القائد والقدوة وهو يشق طرقاً جديدة. ولهذا، فالذين يبرزون هذه الجوانب ليسوا مخطئين لا في إبرازها في هؤلاء الشهداء العظام ولا في إعطائها أهمية معيارية عالية.

بيد أن تلك المزايا لا تقع بالنسبة إليهم في المقام الأول من بين مزاياهم الأخرى. فالبعض إما عن قلة معرفة، وإما عن قصد مدغول، يبرز تلك المزايا، على أهميتها وخطورتها، في الشهداء دون أن يتوقف كما ينبغي له أمام مزايا أخرى هي في المقام الأول بالنسبة إلى شخصياتهم أو بالنسبة إلى الخط الذي كانوا يجسدون. بل أن المزايا العملية المتعلقة بالنشاطية والممارسة كانت نتاجاً لتلك الصفات الأخرى التي لم تشتهر كما يجب في أولئك الشهداء، فالذين لا يرون في أبي حسن وحمدي ومروان وأبي محمود وسعد مروان وأبو خالد وغالبية الشهداء الآخرين مفكرين ومنظرين وصاحبي منهج، ولا يرون أن ثمة خطاً سياسياً وأيديولوجياً كان يهدي ممارستهم ونشاطيتهم وكانوا هم في مقدمة واضعيه لا يكونون قد عرفوا الشهداء.

فالمسألة من هنا تبدأ وبهذا تنتهي. وهي تمر بسيرتهم العملية فلو أخذنا على سبيل المثال ما كان يتسم به هذا التيار من اهتمام في المسائل الفكرية والنظرية لوجدنا ذلك غير مقتصر على المسائل الفكرية والنظرية التي كانت تعني الثورة الفلسطينية خلال السبعينات فحسب، وإنما كان الاهتمام يمتد أيضاً إلى المسائل الفكرية والنظرية التي كانت تعني الوضع العربي كله بل العالم. فقد كان النقاش مع التيارات الفكرية والنظرية والسياسية العالمية والعربية والفلسطينية يتم بأعلى درجات الجدية والاهتمام، ويعطى من الوقت ما لا يعطيه له المثقفون المحترفون. وإلا كيف كان لهذا التيار أن يصوغ كل ذلك التراث الفكري والنظري والسياسي الذي اتسم به خلال السبعينات والثمانينات. أما نوعيته فمسألة ستظل خلافية، ولكنها في كل الأحوال كانت تتسم بالجدية والمبدئية والتجديد ومحاولة التعمق والإحاطة والاقتراب من الصواب قدر الإمكان. ولو لم يكن الأمر كذلك لما تطور هذا التيار بأغلبيته من مرحلة فكرية ونظرية إلى أخرى وصولاً إلى الوقوف على أرض الإسلام. فهذه العملية ما كانت لتحدث لو لم يكن أبو حسن وحمدي وزملاؤهما على درجة عالية من الاهتمام بالمسائل الفكرية والنظرية والعقدية، ولو لم تكن التجربة العملية التي مارسوها، أو التي كانت تجري من حولهم فلسطينياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً محط تقويم نظري وفكري وسياسي مستمر حتى كان بالإمكان الاقتراب أكثر فأكثر من فهم الواقع المحلي والإقليمي والعالمي، كما الاقتراب أكثر فأكثر من الإمساك بالحقائق الكونية والكلية.

بكلمة أخرى، ما كانت الممارسة بالنسبة إلى أبي حسن وحمدي ومعهما مروان والآخرون غاية بحد ذاتها، ولم تكن انجرافاً مع تيار الثورة، وإنما كانت وسيلة لتحقيق غايات وأهداف أكبر منها بكثير.

- بين التحرير والتغيير

فقد كان هؤلاء الشهداء يدركون تماماً أن الثورة الفلسطينية التي أعطوها شبابهم وعُصارة فكرهم وغاية جهدهم هي محدودة التأثير على مستوى مقاتلة العدو الصهيوني بسبب اتساع الهوة في ميزان القوى العسكري والمادي بينها وبين العدو، وكانوا يدركون أن الثورة الفلسطينية لا تستطيع تحرير فلسطين وحدها لأن قضية التحرير أكبر بكثير من إمكانات الشعب الفلسطيني، فالكيان الإسرائيلي يجمع في داخله ومن ورائه قوة دولية هائلة من إمكانات الدول الكبرى إلى إمكانات الحركة الصهيونية العالمية. ومن ثم فإن تحرير فلسطين يحتاج إلى تحشيد قوى كبرى مقابلة. ولهذا كان الكفاح المسلح لتحرير فلسطين هو طريق مساعد لإحداث التغيير المطلوب في الوضع العربي والإسلامي ولتعبئة رأي عام عالمي واسع حول عدالة القضية الفلسطينية. ومن هنا عندما طرحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية برنامج النقاط العشر في أواخر 1973 رأى أبو حسن وعدد من إخوانه ، فيه انقلاباً على مبادئ فتح ومنطلقاتها وأهدافها وأعلنوا رفضهم له. وشددوا على ضرورة أن تبقى مهمة الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني هي الكفاح المسلح ضد الاحتلال والكيان الصهيوني باعتباره طريقاً يسهم في استنهاض الأمة وإحداث التغيير المنشود فيه. لأن ذلك وحده هو الذي يؤدي إلى وقف الزحف الصهيوني إن لم يؤد إلى تحرير فلسطين. أي أصبح خطهم وممارستهم يحملان أهدافاً أبعد بكثير من الأهداف التي حملتها م. ت.ف. حين تبنت برنامج النقاط العشر. وأصبحت تبحث عن مكان لها فيما بين الأنظمة العربية بدلاً من مكانها في قلب التغيير العربي، كما أصبحت تسعى للدخول في المعادلة الدولية ضمن إطار قرار 242، بداية، بصورة غير مباشرة ثم بصورة مباشرة فيما بعد، بدلاً من أن تترك ذلك الإطار للدول العربية المعنية في حين تحصر هي مهمتها بتحرير الأرض، وبعد ذلك لكل حادث حديث. فقد اعتبروا أن إثارة موضوع الدولة الفلسطينية أو السلطة الوطنية، سيدخل الشعب الفلسطيني وم.ت.ف. في زحمة من الصراعات الجانبية ولتحقيق أهداف هزيلة لا تساوي عظم المسؤولية التاريخية والتحريرية والحضارية التي ألقيت على كاهل الشعب الفلسطيني. وشاءت المقادير أن تضعه في ذلك الموقع المتميز، وهو الذي يجب أن يضطلع به، ويستحق ما قدم ويقدم من تضحيات. ولقد أثبتت الوقائع صوابية هذه النظرة الإستراتيجية بعيدة المدى، إذ أثبت المسار الذي خُطّ منذ قرار المجلس الوطني بتبني برنامج النقاط العشر أن نهايته كانت اتفاق أوسلو ولعل المستقبل يخبئ ما هو أسوأ، أي بقاء الاحتلال عملياً وتحويل الدفة الفلسطينية نحو حكم ذاتي أو شبه دويلة ستكون "بندوستانا" فلسطينياً إن لم تكن رأس جسر لعبور المشروع الصهيوني عليه إلى البلاد العربية والإسلامية. بينما لو حافظت فتح على أهدافها ومبادئها ومنطلقاتها كما كان يرى أبو حسن وحمدي وسعد ومروان وإخوانهم لما كان من حل ممكن للضفة الغربية وقطاع غزة ولا سيما القدس أمام الدول العربية والمجتمع الدولي غير الانسحاب الإسرائيلي كما هو الشأن بالنسبة إلى سيناء والجولان، أو كان بقاء الكرة بالنسبة إلى قرار 242 في الملعب الإسرائيلي والأمريكي والروسي والأوروبي ومجلس الأمن، ومن ثم كانت الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الحالتين في الموقع الأقوى والأسلم. أما إبراز الشخصية الفلسطينية كما كان يفهمه أبو حسن وحمدي وإخوانهما فقد كان الهدف منه مواجهة الاغتصاب الصهيوني من خلال استخدامه عنوانا ًلعدالة القضية وكان حجم هذه الشخصية (م.ت.ف.) في هذه الحالة بحجم القضية أي أكبر بكثير من أية دولة قطرية. أما أنا أريد من ذلك البحث عن دويلة، أو كيانية قطرية، فسيعني ذلك مساراً آخر غير المسار الذي عبرت عنه فتح في منطلقاتها أو م. ت. ف في ميثاقها. فالكيانية في الحالة الفلسطينية. أي ضمن معادلات الوضع فشي فلسطين والوضع العربي والعالم لا ب لها من أن تخرج، في أحسن حالاتها، أكثر اهتراء من أية دول قطرية عربية هزيلة.

- ‏الموقف من العروبة والوحدة والتجزئة

‏إذا كان التيار قد اعتبر، استنادا إلى منطلقات فتح أساسا، بأن الكفاح المسلح لتحرير فلسطين يساعد عل التعبئة الضرورية والمناخ الملائم من أجل تحقيق الوحدة العربية والتغيير العربي فقد كان ذلك بالنسبة إليه أمراً جاداً وليس، كما استخدمه البعض، لأغراض المناقشة مع العروبيين فقط.

‏ولعل مراجعة مدققة لأفكار ذلك التيار لتؤكد أن مدخله إلى إبراز الشخصية الفلسطينية والتركيز على القضية الفلسطينية والكفاح المسلح الفلسطيني كان ينبع من نعرة عروبية قوية، ومن توجه قومي وحدوي ثابت. ويمكن القول أنه كان يندفع بقضية التحرير وعينه على التغيير العربي والوحدة العربية. وذلك من خلال القناعة بأن هذين الشرطين التغيير العربي والوحدة العربية لا يشكلان شرطاً أساساً لنهوض الأمة العربية فحسب بل هما شرط تحرير فلسطين وإنقاذها. طبعا لقد تعمقت هذه النظرة، فيما بعد، إذ اعتبر ذلك طريقا إلى التغيير الإسلامي ووحدة الأمة العربية والإسلامية كذلك.

‏ولهذا عندما أخذت بعض الاتجاهات الفلسطينية ترتد إلى التعامل والسمة الفلسطينية لا باعتبارها هوية نضالية وتغييرية وإنما كأنها "قومية" قائمة بذاتها، وراحت تعيد الشعب الفلسطيني إلى الكنعانية والفلستية والاختلاط العرقي والحضاري مع طمس للمرحلة العربية الإسلامية والهوية العربية الإسلامية كما فعل البعض في البلاد العربية حين عادوا بقطرهم إلى عهود ما قبل الإسلام أي الانتساب إلى الفرعونية أو الفينيقية أو الآشورية. ورد عل ذلك من قبل هذا التيار بمعارضة حازمة مبكرة فقد رؤي بتلك الإرهاصات مقدمة خطيرة لانكفاء فلسطيني ضيق، وعصبوي يعزل نفسه، عمليا وسياسيا، إن لم يكن نظرياً، عن أمته العربية ودوره العربي. وهذا ما يفسر المستوى الذي تحصن به هذا التيار ضد السياسات التي كانت تحاول استغلال المعاناة التي عانى منها الشعب الفلسطيني من عدد من الدول العربية، بما في ‏ذلك الصراعات الحادة أو الدامية التي عرفتها السبعينات والثمانينات، أو استغلال الانكفاء القطري لهذا البلد العربي أو ذاك والتفريط في الاهتمام بالقضية الفلسطينية أو الاستعداد لمواجهة العدو الإسرائيلي، أو التقصير في دعم الشعب الفلسطيني.. هنا كان التيار يرى أن الموقف من ذلك يجب أن يتجه إلى المزيد من الإصرار على التوجه العروبي (وفيما بعد العروبي والإسلامي)، والى المزيد من الدفع باتجاه التغيير العربي والوحدة العربية. وقد وصل الموقف إلى حد اعتبار التجزئة العربية شر الشرور، ومصدر كل ضعف، وهي سبب رئيس في كل نكسة وتراجع. كما وصل من جهة أخرى إلى حد الدعوة إلى تأييد كل تقارب عربي - عربي يتضمن التخفيف من موانع الحدود ووضع البرامج التنموية أو الثقافية.

‏المشتركة. هذا واعتبر أن تأييد الوحدة العربية، أو الوحدة بين أي قطرين، يجب أن يكون بلا قيد أو شرط، حتى لو كانت السياسات التي وراء الوحدة ستفتح السجون وتنزل أشد ألوان النكال بخصومها السياسيين.
وإن كان هو نفسه من بينهم. المهم أن تحقق الوحدة أية وحدة وبعد ذلك يكافح من أجل التغيير تصحيحاً للمعوج وإنقاذاً. من خطر العودة إلى التجزئة.

‏لقد كان هذا الموقف من العروبة والوحدة في أساسات نشأة التيار الذي لم يكن ليفهم منطلقات فتح أو يقدمها لم إلا منسجمة وهذا الموقف ومعززة له.

أما انتقال التيار، فيما بعد، إلى الموقع الإسلامي فقد جعله يرى في الإسلام شرطاً في فهمه للعروبة والوحدة العربية كما رأى فيه ضمانة لمواصلة الطريق الفلسطيني دون انكفاء إلى الإقليمية الضيقة ودون تراجع عن الثوابت والأساسيات فقد أصبحت القضية الفلسطينية وفي مقدمتها تحرير القدس جزءاً من العقيدة وأصبح الجهاد لتحرير فلسطين وإعلاء المقاومة ضد الاحتلال واجباً وفرضاً. وهذا كله طريق يسهم في العملية الكبرى الشاملة لتحرير شعوب الأمة واستقلالها ونهضتها ووحدتها وتحقيق العدالة.

- البنية الثورية والجماهيرية
‏لقد انطلقت الأنوية الأولى التي شكلت التيار من مفاهيم وأيديولوجية ومرتكزات تطمح إلى بناء الفرد الثوري المنتمي للجماهير العريضة الكادحة والتي تختزن أفضل التقاليد الثورية والسمات الأخلاقية البعيدة عن الأنانية والانتهازية والنظرة الفئوية الضيقة من جهة، والمشربة من جهة أخرى بروح الاستقلالية والإقدام والعمل المتفاني والتكافل والتعاون، والمسلحة بالنظرة الواسعة الجبهوية والوحدوية والتوليفية، والمعالجة السمحة المرنة المعتدلة مقابل الأيديولوجية المتطرفة العصبوية المغالية التي تتسم بها بعض الفئات المثقفة والمغامرة الطموحة من الطبقات المتوسطة، والتي تتجه إلى محاكاة نظيراتها في الغرب، والتي تحمل العقلية الانشقاقية المتشنجة.

‏راح التيار يزن مختلف المواقف السياسية والمسلكية والأخلاقية على أساس الصراع بين هذين الخطين. وذلك بقصد تشريب الأخوة والأخوات بتلك القيم من خلال القناعة الذاتية والاختيار الحر بين إتباع هذا الخط أو ذاك. فإذا كان الشائع في ذلك الوقت إعطاء "صفة البروليتارية" للخط الأول وصفة البرجوازية للخط الثاني، فقد مال التيار إلى استخدام صفة الجماهيرية والثورية والخط الصحيح تمييزا لنفسه، لا من الناحية الشكلية فحسب وإنما أيضا من ناحية المحتوى، عن المفهوم الماركسي التقليدي (السوفياتي واليسراوي والماوي) للبروليتارية. لأن المفهوم الآخر يعبر عن الجماهير الشعبية العريضة في بلادنا. لكنه احتفظ في المقابل باستخدام تعبير البرجوازية والبرجوازية الصغيرة مرادفا للخط الثاني. لكن حتى هذه كانت تعطى سمات كثيراً ما كانت تختلف عن سماتها في النظرية الماركسية. فمثلاً كان يعتبر الموقف السلبي أو المعادي للإسلام، والرافض للتقاليد والأخلاقية الموروثة رفضاً بالجملة، ومن حيث أتت، سمة من سمات المثقف البرجوازي المقلد للغرب بينما يعتبر هذان الموقفان بروليتاريين في التأويل الماركسي (السوفياتي واليسراوي ‏الأوروبي كما في الثورة الثقافية الماوية في الصين).

وهنا يمكن أن يلحظ أن الشعارات المعتدلة والمواقف المرنة التي تبناها التيار في كثير من المواقف السياسية اليومية فلسطينياً ولبنانياً وعربياً كانت تقوم على أساس متين من الالتزام الشعبي الجماهيري الثوري. فالمرونة لم تنبع من ميوعة، والاعتدال لا ينبع من انتهازية، والنظرة التي تجمح بين المتناقضين لا تصدر من تلفيقية، والتركيز على أولوية ما لا يعني بيع ما عداها. فقد كان انتماء أصيلاً وحازماً للجماهير العريضة وللثورة والتغيير

- حول برنامج النقاط العشر وخط التسوية

‏كان من نتائج حرب تشرين أول (أكتوبر) 1973 ‏أن راحت تتبلور فكرة طرح برنامج مرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية يصبح برنامج الحد الأدنى، أو المرحلة الأولى بينما يبقى برنامج التحرير الكامل برنامج الحد الأعلى. وقدمت المرحلة الأولى، لامتصاص المعارضة شبه الشاملة ‏لها، باعتبارها مرتبطة عضوياً بالمرحلة الثانية، وهي شرط الوصول إلى الأخيرة. ولهذا طرحت على شكل "قيام السلطة - الوطنية المقاتلة على أي جزء يتحرر من فلسطين"، ومن ثم بناء القاعدة المحررة لمواصلة عملية التحرير. وشاع اتخاذ ما حدث في فيتنام نموذجاً لهذه المرحلية إذ حررت في فيتنام الشمالية أولاً وأصبحت القاعدة المقاتلة الصلبة للمرحلة الثانية أي تحرير فيتنام الجنوبية.

‏لم يكن من السهل بالرغم من كل هذه التعمية حول حقيقة برنامج النقاط العشر أن يمرر على المستوى الداخلي في فتح خصوصاً، (وبالمناسبة لم يقرر رسمياً من خلال مؤتمر لفتح إلا عام 1980‏) أو على مستوى المجلس الوطني إلا بشق الأنفس وبكثير من المناورات وأساليب التقريب والإبعاد. ويكفي تدليلاً على صورة الوضع الفلسطيني في ذلك الوقت أن عدداً هاماً من كبار المفاوضين الفلسطينيين في واشنطن أو طابا أو القاص ة أو في المفاوضات الإقليمية كان معارضا حتى لتبني برنامج النقاط العشر. ولم يقنعه حتى أن تكون السلطة مقدمة. لأنه كان يرى في ذلك بداية الانحراف عن المنطلقات أو بداية الانزلاق إلى طريق قرار 242 ‏معدلا بحيث يصبح لمنظمة التحرير الفلسطينية مكان فيه. وقد أثبتت الوقائع فعلا أن نظرية المرحلية والتشبه بالطريقة الفيتنامية كانا زرا للرماد في العيون، أما إضافة كلمة المقاتلة إلى السلطة الوطنية والإصرار على التحرير الكامل في الوقت نفسه كانا لتمرير البرنامج وما أن يثبت المبدأ حتى تبقى السلطة وتسقط كل الإضافات التسويغية ‏الأخرى.

‏ويمكن أن يسجل بهذه المناسبة براعة استثنائية لقيادة فتح في المناورة بالكلمات والمساومات للوصول إلى صيغ يمكن أن تكون مشتركة فيما بين أغلب الاتجاهات والتيارات داخل م. ت. ف. فقد كانت تلك القيادة تعرف بالضبط ما تريد، فعلى سبيل المثال حدث هذا حين مرر برنامج السلطة الوطنية، أو المشاركة "في مؤتمر مدريد" إذ كانت الأغلبية داخل فتح وخارجها، وأحيانا داخل قيادة فتح نفسها، لا تستطيع أن تشرب الكأس على تلك الصورة. وهنا كانت المناقشات تحتد لتنتهي إلى اتفاق بعد أن تكون الأطراف المعارضة وضعت من الشروط ما شاءت حول الموضوع المعني وتكون قيادة فتح قد قبلت بتلك الشروط مهما كانت مناقضة للموضوع الأساسي أو مقيدة له. ثم يأخذ التنفيذ العملي بإسقاط تلك الشروط عمليا ليبقى المقصود فالذي بقي هو قرار العمل من أجل الوصول إلى سلطة أو إلى المشاركة في المفاوضات أي كان المهم هو إقرار المبدأ أما ما عدا ذلك فيترك للمؤرخ أو للمعارض الذي سيرتكز عليه وهو يواجه مشروعاً يحمل تنازلات جديدة.

على أن تمرير برنامج النقاط العشر لم يتم بصورة أساسية بسبب المهارة والمناورة والتلاعب بالشروط المقيدة وإنما بسبب التقاء بين تيارين أساسيين في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية: التيار الذي يراعي الموقف المصري أو الموقف العربي الرسمي عموما والتيار الذي يعبر عن موقف الاتحاد السوفياتي الذي أخذ يمد بنفوذه إلى الساحة الفلسطينية. فقد تزعمت كل من مصر والاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت حملة التغيير المطلوب في برنامج م. ت. ف. وقد التقيا على ذلك على الرغم من الصراع الذي أخذ يتعاظم بينهما في ذلك الوقت. أي كان التقاء بين هذين التوجهين المصري والسوفياتي وإن من موقفين وهدفين مختلفين. فمصر بعد حرب تشرين كانت تريد الاندفاع بطريق التسوية الأمريكية، ولهذا ضغطت باتجاه التغيير المذكور، ولم يكن انعقاد المجلس الوطني الذي أقر النقاط العشر في القاهرة خالياً من المغزى. أما الاتحاد السوفياتي فكان يرى بهذا التغيير إزالة عقبة كبيرة كانت تقف بينه وبين بسط نفوذه على الساحة الفلسطينية أو ممارسة التأثير فيها. لأن ذلك شرط الانسجام مع اعترافه بالدولة الإسرائيلية وحقها بالوجود وتبنيه ‏لقرار 242 ‏. كما أنه سيضيف من خلال ذلك قوة رئيسية إلى موقفه في عملية الصراع ضد الانفراد الأمريكي بالتسوية بل في مواجهة خط السادات نفسه.

‏إن الالتقاء بين هذين الاتجاهين الأكثر تأثيراً في المعادلة الفلسطينية في ذلك الوقت هو الذي سمح، مع عملية التجميل والتعمية الضرورية للبرنامج، أن يشق طريقه وسط معارضة كبيرة بل أكبر من المؤيدة، داخل الساحة الفلسطينية، ووسط تحفظ، أو معارضة، من قبل عدد من الدول العربية كانت متصارعة فيما بينها.
‏لقد شُنت حملة واسعة في ذلك الوقت ضد رفض برنامج النقاط العشر عموماً وضد التيار الذي جسده الشهداء أبو حسن وحمدي ومروان رحمهم الله، ولاسيما داخل فتح، وعلى الخصوص من قبل الاتجاهات الداعية إلى التحالف مع السوفيات كما من قبل قيادة فتح المتقاطعة أكثر مع الموقف المصري. وقد ارتكزت الحملة على اعتبار الاستمساك بالمنطلقات الأساسية لفتح ورفض الموضوعات المتعلقة بالمرحلية الموهومة بأنه عدمية سياسية، أو لا واقعية تتجاهل حقائق موازين القوى العالمية.

‏وجاء رد أبي حسن وحمدي وسعد وعلي أبي طوق ومروان الكيالي وأبي خالد جورج عسل والحاج نقولا عبود وإخوانهم على هذه الموضوعات أولا بملاحظة أن أنصار السوفيات بحماستهم المنقطعة النظير لتغيير برنامج فتح وم.ت.ف. عموماً من شعار التحرير الكامل إلى شعار السلطة الوطنية إنما يراد منه إزالة عقبة كبيرة تقف أمام احتواء الاتحاد السوفياتي لمنظمة التحرير الفلسطينية. فالاتحاد السوفياتي كان حاسماً وثابت باعترافه بالكيان الإسرائيلي وحصره التناقض وإياه ظاهراً.

‏حول ضرورة تنفيذ قرار مجلس الأمن 242‏، ولكن حقيقة بسبب تواطؤ الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة. المهم كان التعديل في الشعار لا يمثل واقعية مرحلية إذ لم يكن هنالك في الأفق أي تطبيق لقرار 242 ‏على الأرض الفلسطينية، وإنما كان المطلوب إيجاد شرط انحياز م.ت.ف. إلى المعسكر السوفياتي إن لم يكن رسمياً فعملياً. ومن هنا كان الصراع قد احتد في مواجهة أنصار التحالف والاتحاد السوفياتي لا على أساس واقعية برنامج النقاط العشر أو عدم واقعيته.

‏أما ثانيا، فقد لاحظوا أن تمرير البرنامج سيصب في نهاية المطاف في الخط الساداتي. لأن ما في جعبة السوفيات هو "اللاسلم واللاحرب" ولهذا لا بد للجدية في البحث عن سلطة وكيانية من أن تقود إلى جعبة مصر ضمن تسوية أمريكية. ومن هنا كان للصراع الذي خاضه ذلك التيار، أو تعرض له، رأسان أحدهما موجه للخط السوفياتي والآخر للخط الساداتي. وإن غلبت في الظاهر معركته مع التيار الذي كان يدعو للتحالف والسوفيات. ويرجع ذلك لتصديه الأشد شراسة وعلنية وهجومية ضد تيار أبي حسن وإخوانه بينما كانت الأطراف الأخرى تنهج سياسة "ترك الفُخّار يكسر بعضه"، ولكن ضمن تحالف مع التيار الأول وضرب تحت الحزام ضد تيار أبي حسن وإخوانه دون أن يصل إلى حد التصفية حتى يظل الفُخّار يكسر بعضه. لأن قيادة فتح كانت تشعر دائماً بمخاوف من سيطرة التيار الأول السوفياتي ومن دفعه إياها لمعاداة مصر ودول الخليج لكنها ما كانت تواجهه مباشرة. ولعل ذلك كان واحداً من الأسباب التي حالت دون تصفية تيار أبي حسن وحمدي وإخوانهما منذ وقوفهم الحازم والعلني ضد برنامج النقاط العشر وسياساته.

‏أما وجهة نظر أبي حسن وحمدي ومروان وإخوانهم في مناقشة موضوع برنامج النقاط العشر من زاوية الواقعية أو اللاواقعية، فقد استند إلى اعتبار أن الانحياز إلى الاتحاد السوفياتي سيعني من ناحية واقعية تجميد الوضع وليس تحقيق حل مرحلي لأن الإستراتيجية الحقيقية للاتحاد السوفياتي كانت في تلك المرحلة هي "اللاسلم واللاحرب" في المنطقة ومن ثم فان التغيير لا يشكل خطوة باتجاه تحقيق برنامج مرحلي. وإنما سيشكل انتكاسة، فقط في إستراتيجية فتح و م.ت.ف. من إستراتيجية الحرب إلى إستراتيجية "لاسلم ولاحرب".

‏وقد كان الأخوة واضحين هنا في التقاط خطر هذا التحول، كما لاحظوا من جهة أخرى أن هذا التحول إذا تم، وإذا ما وجدت م.ت.ف. نفسها غارقة في حالة "لا سلم لا حرب" بينما أصبحت شهيتها مفتوحة. إلى السلطة والكيانية! فقد تجد طريقها مع مصر تدريجاً إلى فتح الأبواب لأمريكا والعدو الإسرائيلي اللذين بيدهما الخروج من حالة ‏"لاسلم لاحرب" باتجاه تسوية سياسية تعطي شيئا إن كان لها أصلاً أن تعطي شيئاً للفلسطينيين وقد أثبتت تجربة السادات هذه المقولة. فإسقاط إستراتيجية الحرب والانتقال إلى إستراتيجية اللاسلم واللاحرب (السوفياتية أساساً) سيؤدي إلى اختناق يدفع إلى البحث عن تسوية أمريكية - إسرائيلية. وهو مصير كان ينتظر م.ت.ف. وقد راحت تسعى إليه، بصورة حثيثة، بعد الخروج من لبنان في خريف 1983 ‏. فالذي يجري الآن من اقتراب متواصل نحو الحل الأمريكي - الإسرائيلي لم يكن نتاج حرب الخليج أو انهيار الاتحاد السوفياتي فحسب، وإنما كان أيضا قد مهد له مع تقرير البرنامج المرحلي، لا سيما منذ توقف سفينة ياسر عرفات الخارجة من طرابلس (لبنان)، في بورسعيد والتقائه القيادة المصرية، وهو في طريقه إلى تونس. وكان في ذلك قد خرق المقاطعة العربية للقاهرة بسبب المعاهدة المصرية - الإسرائيلية عام 1979 ‏، وكان ‏الخروج إلى تونس يعني موضوعياً التحرر من العوائق التي كانت تمنع من السير على نهج القاهرة، أي العائق السوفياتي والسوري والمحلي اللبناني والفلسطيني. أي اتخذت الواقعية التي حملها برنامج النقاط العشر مسارها الطبيعي في القفز من حالة اللاسلم واللاحرب إلى حالة ‏البحث عن السلم المصري، ومن خلاله السلم الأمريكي - الإسرائيلي.

‏هذا دون الحديث عن أن الواقعية الثانية أي واقعية البرنامج المتوافق والإستراتيجية الأمريكية في المنطقة ومن ثم الإستراتيجية الإسرائيلية، بالضرورة، سواء أكان بوعي أم بلا وعي، لا يشكل برنامجاً مرحلياً بمعنى تحرير الضفة والقطاع أولاً أو أي جزء ينسحب منه العدو، ثم نأتي إلى برنامج المرحلة الثانية لتحرير اللد والرملة، ثم برنامج المرحلة الثالثة تحرير يافا وحيفا. فهذه المرحلية: وكما أظهرت التجربة المريرة والقاسية، غير واقعية إلا بقدر. ‏ما هي واقعية للتخلي عن نفسها في مصلحة واقعية أخرى تعتبر غزة وأريحا مرحلة أولى تليها في أحسن الحالات مرحلة تمس بعض أجزاء الضفة الغربية في ظل سيطرة أمنية إسرائيلية على الوضع كله أو بقاء الاحتلال عملياً حتى على الضفة وغزة. ناهيك عن أن لسان الواقعيين لم يعد الآن، يستطيع التحدث، ولو همساً، عن تحقيق أهداف فتح وم.ت.ف. ومنطقاتهما أي التحرير الكامل مرحلة بعد مرحلة.

‏أما السلطة المقاتلة فأصبحت السلطة المجردة من السلاح والباحثة عن قوات دولية حفاظاُ على أمنها من المستوطنين، أو عن ضمانات إسرائيلية مع مراقبين دوليين، عدا قوات شرطة لضبط الأمن الداخلي ومنع الصدام بالعدو.

‏تكمن الإشكالية هنا في أن نظرية المرحلية لا علاقة لها منذ طرح برنامج النقاط العشر في أواخر 1973 ‏وأوائل 1974 ‏بمرحلية تحرير كامل فلسطين بحدودها قبل 1947 ‏. فنظرية المرحلية استخدمت غطاء نظرياً للرد على المستمسكين بالمنطلقات الأساسية ليس إلا. وهذا الأمر يتكرر الآن مع نظرية غزة وأريحا أولاً والتي توحي كأن ثانياً سيعني الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي المحتلة عام 1967 ‏بما في ذلك القدس الشرقية، والتي يشملها القرار 242‏، كما سيعني إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أنقاض ذلك الانسحاب. فأولاً هنا لا علاقة لها في واقع الحال بكل ذلك حتى لو حصرناه في الأراضي المحتلة بعد 1967‏. وإنما له علاقة بترتيبات شبيهة بما يجري الآن بالنسبة إلى غزة وأريحا قد تشمل بعض المدن والقرى عدا القدس ومنطقتها، وعدا الطرق والنقاط الإستراتيجية، وعدا مسؤولية الأمن على الحدود وعلى الوضع عموماً، أما إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأرض والحدود فهذا غير الكيان الذي سيقوم باسم الحكم الذاتي حتى لو سمي الأخير، في المستقبل، اختراقاً وتجاوزاً "دولة".

‏بكلمة، إن مشروع النقاط العشر، كما أكدت السنوات العشرين الماضية، لا علاقة له بالتحرير المرحلي لفلسطين ولا بالواقعية السياسية أو الثورية. وهذا ما لاحظه الشهيدان وإخوانهما في حينه وكان واحداً من الأسس التي قام عليه رفضهم لها بل اعتبروا أن الواقعية الحقيقية المرحلية إذا شئت، هي احتفاظ فتح وم.ت.ف. بالبرناج الأساسي، أي بالمنطلقات والثوابت والميثاق، وترك موضوع التسوية والصراعات العربية والدولية حولها شأناً من شؤون مؤتمرات القمم العربية والدول العربية، بينما الفلسطينيون يبقون حالة مقاومة، ويبقون مستمسكين بالحقوق الأساسية في فلسطين، ويستمرون شاهداً حياً على جريمة الاغتصاب الصهيوني لفلسطين. فهم بهذه الواقعية يكونون قد استعادوا ‏للشعب الفلسطيني شخصيته وكيانيته المعنوية والشاملة لكل الفلسطينيين، من خلال شخصية الشعب المقاتل من أجل التحرير، والممثل لجانب العدالة في الصراع، هذا فضلاً عن أدائه لدور الحافز على التغيير العربي، والصارخ في وجه التخاذل والتفريط، والناقد لعدم وضع كل الجهود في خدمة القضية المركزية أو القضية المقدسة الأولى للعرب والمسلمين. أما من جهة أخرى فإن هذه الواقعية تجنب فتح وم.ت.ف.

‏الصراع مع الأردن حول الضفة الغربية أو التمثيل. وهو الذي كان يسميه أبا حسن رحمه الله لماذا نتقاتل على جلد الدب قبل أن نصيده. وقد كان يرى هو وحمدي المنغمسان في العمل في مهمات المقاومة في الداخل أن تأزيم الأجواء مع الأردن والدخول في حرب داخلية لا يخدم تصعيد المقاومة السياسية والعسكرية ضد العدو. وكانا يستشهدان بالخسارة، أو بالنكسة التي مني بها الكفاح المسلح، ولاسيما، في قطاع غزة، بعد أحداث أيلول والخروج من الأردن. فقد كانت الإستراتيجية الصحيحة تقتضي التركيز على مقاومة الاحتلال وإعطائه الأولوية وإخضاع علاقات م.ت.ف. بالدول العربية، وخصوصاً بالأردن لهذه الأولوية.

‏وكانا يريان أن التشديد المبالغ فيه على موضوع السلطة الوطنية، والتمثيل الفلسطيني، ومن ثم السعي للدخول في اللعبة السياسية الدولية، يؤدي إلى تعكير العلاقات الفلسطينية - اللبنانية كما الفلسطينية - السورية. فإستراتيجية المبادئ والمنطلقات لفتح وم.ت.ف. كانت تقضي بأن يكون لبنان "قاعدة وممراً للمقاومة بينما رأينا إستراتيجية النقاط العشر قد اتجهت إلى السيطرة على ما أمكن من لبنان واتخاذ ذلك ورقة للوجود على خريطة الشرق الأوسط كما ذكر جهاراً، فقد راجت مقولة معبرة وذات مغزى، بعد الخروج من لبنان، وهي: "أن لبنان كان رهينة بأيدينا نفاوض عليه، والآن فقدنا هذه الورقة". ولا يخفى أن هذه الإستراتيجية كلفت الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني الكثير الكثير، وإن كان من غير السليم تحميلها كل المسؤولية إذ أن هنالك إستراتيجيات أخرى كانت تعمل في لبنان وأدت بدورها إلى ما حدث في لبنان لكل من الشعبين الشقيقين. ويفسر هذا، الفجيعة التي أصيب بها ‏كثير من اللبنانيين بعد إعلان اتفاق أوسلو إذ أحسوا أنهم خدعوا بشعارات الثورة الفلسطينية التي جعلتهم يبذلون الكثير تحت راياتها باعتبارها راية تحرير كل فلسطين أو هي صاعق التغيير العربي، وليس باعتبارها مشروعاً في هذه القامة التي ما كانت تستحق كل ما قدم من تضحيات لبنانية وفلسطينية في لبنان.

أما على جبهة العلاقات الفلسطينية - السورية فقد كان برنامج النقاط العشر أحد العوامل الهامة لتدهور تلك العلاقات، وما زال النهج الذي خطه ذلك البرنامج وما أدى إليه عاملاً هاماً في دهورة تلك العلاقات. وإن كان من الخطأ أن تلقى في ذلك كل المسؤولية عليه.

‏لأن السير في برنامج التسوية كان يقضي بالانشداد المستمر إلى السياسة المصرية، ولاسيما بعد توقيع المعاهدة المصرية - الإسرائيلية، ومن خلال ذلك البحث عن طريق فلسطيني "منفرد" لا محالة في مخاطبة أمريكا والكيان الإسرائيلي.. وهي عوامل كانت تعني الصدام بسوريا إلى جانب عامل محاولة السيطرة على الشطر اللبناني غير الماروني.

‏ولهذا كان الاستمساك الحاسم بسياسة مقاومة الاحتلال دون الدخول في زحمة التسوية السياسية والبحث عن موقع على الخريطة - دولة - كيان - حكم ذاتي أو أقل من ذلك، كان سيقلل الكثير من الصراعات الفلسطينية - الأردنية والفلسطينية - السورية، والفلسطينية - اللبنانية، وحتى الفلسطينية - المصرية (لأن برنامج النقاط العشر في مرحلته الأولى، أو واقعيته الأولى، أو الاحتمال الأقوى لمساره، كان باتجاه الانحياز للسوفيات موضوعياً. ‏في وقت كانت فيه مصر تخفف من علاقاتها السوفياتية وتقترب باتجاه التفاهم والولايات المتحدة الأمريكية).

‏وبالمناسبة احتار بعض الذين ردوا بالتشهير ضد هذا التيار فيما يصفونه، أو على من يحسبونه، فتارة اتهم بالعمالة للأردن وكان رد أبي حسن "إذن كانت فتح عميلة للأردن من 1965 ‏إلى 1974.." وتارة أتهم بالعمالة لسورية، وأخرى بالعمالة لمصر. وكان الرد "ألم يكن هذا موقفكم دائماً قبل طرح برنامج النقاط العشر"!!، ‏كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد وجد حلاً مثالياً للثورة الفلسطينية في مرحلة المنطلقات والمبادئ وذلك حين أعلن موافقته على مشروع روجرز إذ قال من حق الفلسطينيين أن يرفضوا مشروع روجرز، وقرار مجلس الأمن 242‏، ولكن ليس من حقهم أن يحاربوا مصر بسبب ذلك. فالإستراتيجية الأحكم هنا كانت تقضي بأن تتمسك الثورة الفلسطينية بمنطلقاتها وأهدافها وبمواصلة مقاومة الاحتلال إلى جانب تمسكها بحقها في رفض مشاريع التسوية لأن ما من مشروع منها يحقق الحد الأدنى من الحقوق الأساسية الثابتة في فلسطين. ولكن مع ترك الدول العربية تسعى إلى "إزالة آثار العدوان"، أو استعادة الأراضي المحتلة في 1967‏، وفي مقدمتها القدس. وبهذا يكون خطها عدم الدخول في صراعات المحاور العربية، ولا في زحمة صراعات الحرب الباردة.

‏طبعاً هذا لا يعني أنها كانت ستنجو من الضغوط العربية الرامية إلى فرض الانحياز عليها واستخدامها في صراعات المحاور، كما أن التحريض لضربها، وعدم السماح لها بالتحرك من الحدود العربية كانت سياسة أمريكية - إسرائيلية ثابتة. وكانت هنالك استعدادات عربية للاستجابة لذلك. ولكن كان ما سيقع أقل كثيراً من الذي وقع بسبب برنامج النقاط العشر والتمثيل الأوحد للشعب الفلسطيني والدخول في لعبة التسوية أو محاولة إيجاد مكان في المعادلة العربية والدولية.

‏وتتمثل أهمية هذه الإستراتيجية في أن الثورة ستكون في الموقع الأقوى في كل تلك الصراعات حين يكون دافعها من الطرف العربي هو الاستجابة لضغوط خارجية أو لإخراج الثورة من حياديتها واستقلاليتها بالنسبة إلى الصراعات المحورية العربية - العربية. أما في الحالة الأولى أي محاولة التحول إلى نظام عربي ومحاولة استخدام الأوراق المختلفة، والتحالفات والمناورات السياسية من أجل الاشتراك في التسوية من خلال التقرب من السوفيات أولاً ثم أمريكا فإسرائيل ثانياً، كان يزيد على ما ذكر من عوامل للصراع في الحالة الثانية عوامل المنافسة المباشرة حول التمثيل والضفة الغربية، والمنافسة المباشرة لسوريا في ‏لبنان، وفي الانحياز إلى مصر.

بكلمة، لا يمكن أن يوصف موقف الشهداء أبي حسن وحمدي ومروان وإخوانهم من إشكالية برنامج النقاط العشر بالعدمي أو باللاوقعي، فهو بالإضافة إلى أساساته المبدئية، نبع من إدراك أعمق للواقع العربي والدولي ولاتجاه مسارات التسوية. ومن ثم كان يرفض رفضاً قاطعاً ألا يكون هو الأكثر واقعية وعملية والأفضل نتائج على أرض الواقع.

‏تبقى إشكالية واحدة هنا كانت تجابه هذا التيار وهي ماذا سيحدث لو تحققت تسوية واستعادت الدول العربية المعنية، مصر وسوريا والأردن، ما كان بحوزتها من أرض قبل حزيران 1967‏؟

‏هنا كان يحضر منذ ذلك الوقت جوابان، الأول هو أن الأولوية يجب أن تعطى لاستعادة الأراضي ولاسيما القدس. ومن ثم فتحقيق ذلك سيكون نصراً حتى لو خرجت م.ت.ف. من المولِد بلا حمّص كما يقول المثل أو كما كان يخاف البعض من حدوثه. وقد أثبتت الوقائع أن دون ذلك خرط القتاد وليس بالأمر الذي كان على أجندة التنفيذ الواقعي. وإذا ما قورن بما نشهده اليوم من شروط للتسوية راحت توافق عليها م.ت.ف. كان سيكون، وبلا جدال، خياراً أفضل.

‏وإذا كانت مصر لا تظهر مشكلة في الحالتين بسبب حرصها على عدم الوجود العسكري المباشر في القطاع. وإن كانت حريصة علي أن يبقى القطاع موالياً لها، فإن الإشكال يبقى بالنسبة إلى السؤال يتعلق بالعلاقات الفلسطينية - الأردنية في الضفة الغربية. وهنا كانت ثمة عدة خيارات مطروحة ويمكن أن يتفق عليها مسبقاً من أجل الذين يحرصون على عدم الخروج من "المولد بلا حمص". وهي خيارات تراوحت بين المملكة المتحدة إلى الكونفدرالية. وهي خيارات، على الرغم من الممثل الشرعي والوحيد وشعارات الدولة الفلسطينية المستقلة بقيت جزءاً من برنامج الطرح الفلسطيني الذي لم يستطع من الناحية النظرية والعملية والسياسية القفز عليها. لأن الخيار المقابل الذي أفرزه مسار التسوية كان حكماً ذاتياً ضمن السيادة الأمنية الإسرائيلية أو كونفدرالية فلسطينية - إسرائيلية أو كونفدرالية فلسطينية - أردنية - إسرائيلية وهذه جميعاً أسوأ الخيارات، وأسوأ حتى من إذابة الشعب الفلسطيني وفقدانه لأية هوية سياسية رسمية فلسطينية.

أما الجواب الثاني، فكان يرى أن أية تسوية يمكن أن تعقدها الدول العربية، ولو من وراء ظهر م.ت.ف.، لم تعد تستطيع عدم استرضاء الفلسطينيين حتى دون أن يسعوا من جانبهم إلى ذلك. لان مجرد الوقوف الصامت والمتأني من قبل م.ت.ف. والشعب الفلسطيني تاركين لعملية التسوية أن تأخذ مجراها فيما بين الدول أمر لا تستطيعه المعادلة العربية أو الدولية أو الإسرائيلية، ذلك بأن من شروط العملية الحصول على موافقة فلسطينية وهو أمر ضروري للأطراف العربية أولاً بسبب ما يمكن أن تحمله التسوية من تنازلات. فالورقة الفلسطينية الصامتة هنا أقوى ألف مرة، من ناحية عملية، من برنامج النقاط العشر وما تبعه من برامج وصولاً إلى اتفاق أوسلو. لأنك في الحالة الأولى تكون مطلوباً ومسترضى وفي الحالة الثانية تكون طالباً بل متوسلاً. وتكون: كل أوراقك في الحالة الأولى بيديك بينما تكون في الحالة الثانية أغلب أوراقك إن لم تكن كلها قد فقدت من يديك، أو أصبحت مكشوفة.

‏كما أن القبول الفلسطيني أو الاسترضاء على الرغم مما كان يظهر على السطح سيكون مطلوباً أمريكياً وأوروبياً وإسرائيلياً لا لتغطية الموقف العربي والمشاريع القادمة فحسب وإنما أيضاً لنزع الفتيل الفلسطيني أو اللغم الفلسطيني المتفجر تحت أية تسوية تدوسه تحت أقدامها.

‏المهم أن البقاء في مواقع المنطلقات والمبادئ من الناحية النظرية والأيديولوجية والسياسية والبقاء في مواقع المقاومة والثورة من الناحية العملية والأخلاقية والقيمية وإبقاء الأولوية لدحر الاحتلال كانا الخيار الأفضل وكان مردودهما أقل خسائر وتضحيات بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني وأكثر فائدة ونفعاً لمستقبل التغيير العربي وللمستقبل الفلسطيني وللوضع العربي الرسمي عموماً. بل حتى للهوية الفلسطينية ونوع الكيانية ولكن ذلك كله كان بحاجة إلى خيال وحساب معادلة ‏مركبة وإلى صبر جميل.
‏هذا الإدراك المعمق والشمولي الذي حمله أبو حسن وحمدي وأبو محمود وسعد ومروان وأبو خالد جورج وإخوانهم الذي ينم عن رؤية نظرية ومبدئية وسياسية عملية الذي ميزهم عن أغلب القوى الفلسطينية والعربية الرافضة في ذلك الوقت، وهو الذي يفسر السبب الذي جعلهم وإخوانهم يثبتون عليه طوال المراحل اللاحقة بينما شهدت فصائل م.ت.ف. التي رفضت مشروع النقاط العشر تراجعاً تلو الآخر أولاً باتجاه السلطة الوطنية ثم باتجاه الموافقة على الانخراط في هذا أو ذاك من مشاريع التسوية. ولهذا كان الشهيد القائد أبو حسن يردد المثل الفلسطيني "دجاجة حفرت على رأسها عفرت" مدللاً علي أن التخبط في هذا الطريق الذي شقه مشروع برنامج النقاط العشر هو سير على طريق خراب البيت الفلسطيني والعربي. وهو ما كان يلحظه مع تلاحق المراحل التي مرت بها م.ت.ف. منذ 1974‏، بصورة خاصة، حتى يوم استشهاده بصحبة حمدي ومروان في 14 ‏شباط (فبراير 1988‏).

‏وإذا كان من الصحيح أن يرى قرار القمة العربية في الرباط عام 1974 ‏باعتبار م. ت. ف. الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مكملاً أو متكاملاً مع البرنامج المحلي، فقد حاول أبو حسن وحمدي وإخوانهما أن يعطوه، مع تحفظهم عليه أساسا، بعداَ نضاليا يشدد على الشخصية الفلسطينية المقاتلة وعلى ضرورة احترام قرار الشعب الفلسطيني باختيار طريق الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وأن يستخدم ضد أي تفريط عربي بالحقوق الثابتة في فلسطين. وقد أثبتت الوقائع أن قرار التمثيل الوحيد غير المشروط كان يخفي من بعض القيادات العربية في قمة الرباط خبثاً تكاد تزول منه الجبال. وهو إيجاد المسوغ لإلغاء المسؤولية العربية والإسلامية إزاء قضية فلسطين، أو حتى بالنسبة إلى استعادة كل الأراضي المحتلة عام 1967 ‏وفي مقدمتها القدس. ومن ثم تدفع م.ت.ف إلى تقديم التنازلات المطلوبة أمريكياً وإسرائيلياً بعد استنزافها وتدويخها بالحصار والضغوط المختلفة، ليصبح شعار الدول العربية "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون". وبهذا "يتحررون" من عبء "قضية العرب المركزية" أو "قضية العرب والمسلمين الأولى" فتصبح القضية قضية الشعب الفلسطيني فقط، والذي يعبر عنه في ذلك م. ت. ف الممثل الشرعي والوحيد.

‏أما من جهة أخرى فقد أثبتت والوقائع صحة كل تلك المعارضة لهذين التوجهين: "البرنامج المرحلي وإشكالية الممثل الشرعي والوحيد للقضية ‏الفلسطينية" فهذان التوجهان أديا، في نهاية المطاف إلى أن يصبح البحث في الكيان الفلسطيني والتمثيل الفلسطيني مقدمين على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الضفة والقطاع والقدس وتفكيك المستوطنات لا سيما من القدس الشرقية وما حولها. ويؤدي هذا، بدوره إلى الالتفاف على شعار الأرض مقابل السلام ليصبح الحكم الذاتي بقيادة الممثل الشرعي والوحيد مقابل السلام. وهو ما عبرت عنه اتفاقية أوسلو، والتي حملت اسم "غزة أريحا أولا" أي الحكم الذاتي أولا، ولو على جزء، ولو تحت أية شروط.

- ‏المشروع الإستراتيجي وعملية الانتقال إلى الموقع الإسلامي

‏يلحظ مما تقدم أن المشروع الذي حمله الشهيدان أبو حسن وحمدي وإخوانهما كان مشروع إستراتيجيا كبيراً يطمح إلى أن يكون بحجم القضية الفلسطينية وبحجم مشروع الوحدة العربية ومشروع نهضة الأمة العربية والإسلامية. وقد فهموا على هذه الصورة منطلقات فتح ومبادئها وأهدافها. وكان كل تطور فكري لهم يسير بهذا الاتجاه ويعمقه بينما كان البعض من حولهم قد راح يتجه إلى التخلص من هذا الإرث وتسطيحه خطوة بعد خطوة حتى يتخلص منه تماماً.

‏لقد كان هذا بالضبط عاملاً مستخفياً في كل ما لقيه الشهيدان في حياتهما من اضطهاد معنوي ومحاصرة سياسية وتضييق مادي. وكانت هذه المعاناة تزداد كلما تأكد أن صلابتهما في استمساكهما بهذا الخط تزداد يوما بعد يوم وقد أصبحت من فولاذ وإسمنت لا سيما بعد أن فتح الله عليهما مع عدد من إخوانهما بالوقوف على أرض الإسلام عقيدة ومنهجاً ونمط حياة، ومرجعية نظرية، وفكرية، وأخلاقية، وسياسية.
‏وهنا أحدث الشهيدان قفزة في ممارستهما العملية السابقة حين راحا يجمعان القوى والإمكانات من أجل إطلاق الجهاد في فلسطين، وكان في ذلك تجديداً لشباب الثورة الفلسطينية عملياً، لا سيما بعد أن أرهقتها التراجعات السياسية والصدامات بالوضع العربي وآخرها الخروج من لبنان والتمركز في تونس. لقد جاء مشروع الجهاد في فلسطين تجديداً لحيوية المقاومة في الشعب الفلسطيني ولعله كان تمهيداً لمرحلة الانتفاضة وحماس. بل أصبح بعد نجاحه حافزاً، ولو بصورة غير مباشرة لتجديد روح المقاومة عند شبيبة كل الفصائل الفلسطينية الأخرى بمن فيهم شبيبة فتح.

‏وإذا كان لأحد أن يسجل دوراً قيادياً فكرياً ونظرياً وعملياً مميزاً في ‏إطلاق مشروع الجهاد في فلسطين فيجب أن يرى في أبي حسن وحمدي بؤرة المركز فيه. فقد كانا يمتلكان الرؤية النظرية الصحيحة والواضحة والسليمة حول مركزية القضية الفلسطينية وحول ضرورة إطلاق الجهاد الإسلامي على الأرض المباركة. وكانا يمتلكان الخبرة العملية التاريخية الضرورية، والإمكانات التي تحتاجها الانطلاقة والأهم كان بمقدورهما أن يلعبا دور الموحد بين عدد من المجموعات الإسلامية والشخصيات الإسلامية التي كانت تطمح في ذلك الوقت بإطلاق شعلة الجهاد الفلسطيني. ولكنها ما كانت قادرة على إيجاد أرضية مشتركة فيما بينها فضلاً عن حاجتها إلى الوقت الكافي لامتلاك الخبرة والإمكانات. ومن هنا كانت التجمعات الجهادية الفلسطينية، أفراداً وجماعات صغيرة متواضعة، بحاجة إلى أبي حسن وحمدي شخصياً ليسهما في تجميع جهودها إلى ما عندهما من قدرة وإمكانات بشرية وتسليحية وتجربة عملية تاريخية لإطلاق العملية الجهادية. وما كان ذلك ممكن التحقيق، في تلك الظروف، إلا تحت فكرة "سرايا الجهاد الإسلامي"، والتي أطلقت تحت راياتها عملية حائط البراق. أي فكرة إطار تنسيقي أو جبهوي عام يحمل اسما مشتركا تطلق تحت مظلته العمليات الجهادية التي تنسب له بغض النظر عن الجهة المعنية التي تقوم بالعملية الجهادية. وذلك تحت الطموح لتجنب التسابق على ادعاء العمليات فيما بين الجماعات الإسلامية الجهادية وتجنب استخدام الجهاد لأغراض الترويج الفئوي كما ضرورة تجنب استعداء الإخوان المسلمين أو إحداث شرخ في الساحة الإسلامية.

‏هنا يجب أن تدرك حقيقة أساسية، وهي أن مرحلة الثمانينات التي شهدت ولادة سرايا الجهاد الإسلامي في فلسطين كان لأبي حسن وحمدي الدور المميز فيها، علماً أنهما كانا يهربان من الأضواء كما من المديح والإطراء، ويقدمان دائماً الآخرين تشجيعاً لهم. وان الإشارة إلى هذا الدور لا يقلل ولا بشكل من الأشكال من الأدوار التي قامت به عدة جماعات وشخصيات إسلامية، جنباً إلى جنب، وبالتعاون مع الشهيدين، لإنجاح المشروع.

وبالمناسبة حاول الشهيدان أبو حسن وحمدي أن يعطيا لعملية ‏الدبويا العسكرية الشهيرة أسماً إسلامياً كرمز لوحدة العمل الإسلامي والوطني الفلسطيني في ذلك الوقت من عام 1980 ‏وهي المرحلة التي كانت الثورة الفلسطينية تواجه فيها مفترق طرق. وكانت إحداها تدل على بداية صحوة إسلامية كبيرة، كما كانت إحداها تدل على دوران في المكان إن لم يكن الخروج من لبنان، وأخرى على تراجعات باتجاه التسوية وأخرى تشير إلى متغيرات إقليمية وعالمية كبيرة. فقد رأى الشهيدان في تلك المرحلة ضرورة إحداث انعطافة في سياسات الثورة الفلسطينية من خلال العودة إلى المنطلقات، والتحالف والصحوة الإسلامية والاستناد إلى المرجعية الإسلامية بدلاً من التقاذف في مهب الرياح. وبدلاً من التآكل الداخلي.

ولكن ما كان ذلك مجرد اقتراحات إذا تبلت كان به وان لم تقبل تبقى الأمور على حالها. أي دون أي اختيار من جانبهما للطريق الذي اقترحاه واعتبراه ضرورة لإنقاذ الثورة من طمع الطامعين إقليمياً ودولياً. كما ضرورة لإنقاذها من نفسها بعد أن أخذت علائم الترهل تظهر هنا وهناك. وتهدد بالتفشي والتفاقم لا من الناحية السياسية والمبدئية فحسب وإنما أيضاً، من ناحية القيم والمناقب الثورية والأخلاقية.

على أن توصلهما وأغلبية ممن شاركهم البحث والمداولة إلى الوقوف على أرض الإسلام لم يأت لأسباب عملية بقصد تجديد شباب الثورة الفلسطينية من علائم الترهل ومخاطر التخلي عن المنطلقات والمبادئ والأهداف. فهذا الأمر جاء نتاجاً لاحقاً ولم يكن سبباً ودافعاً فقد اقتضت عملية الوصول إلى تلك النتيجة سلسلة طويلة من المناقشات والجدل والمقارنات ومحاولات استقاء العبر من التجارب المحلية والإقليمية والعالمية في تقويم طرق العلمنة لاسيما طريق الماركسية الليفينية حتى في وجهها الأكثر جاذبية بالنسبة إلى الثورة في بلدان العالم الثالث أي ما عرف باسم أفكار ماوتسي تونغ. ‏وإلى حد أبسط أفكار موتشي منه ومنهجيته في التعامل والقضايا الجزئية للتجربة.

‏بكلمة، كان الانتقال أو بالأصح التطور أو التقدم باتجاه المرجعية الإسلامية قد تم عبر عملية تاريخية صاحبت تلك التجربة وأفكارها وتنظيراتها ما يقارب العقد من السنين. وإذا كان البعض قد نظر إلى هذا التحول بعين ساخطة، وتجنى عليه باتهامه بالتقلب في المواقف أو بالتنقل ‏الهوائي أو العشوائي، فقد أخطأ في ذلك. لأن ما حدث كان مسار. متماسكاً باتجاه اكتشاف الحقيقة لا الحقيقة الكونية فحسب وإنما أيضاً ‏الحقائق التاريخية والاجتماعية والأيديولوجية والمفهومية. فقد اتسم التيار الذي وقف في مقدمته أبو حسن وحمدي بالتوتر القلق الدائم في البحث عن الحقيقة والموقف السياسي والأيديولوجي الصحيح. وكان هذا يقضي إبقاء العيون مفتحة على كل ما اعتبر من المسلمات، وإبقاءها متوقدة في تقويم نتائج كل تجربة أو فكرة أو نظرية، فالتعامل والماركسية الليفينية لم يبدأ في هذه التجربة بالطريقة الجامدة المدرسية التي كان عليها أن تبتلع نتاج النظرية بكلمته وتفصيلاته، وغالباً بشكل شديد التبسيطية، وإنما بالتعامل وإياها من خلال نقد صارم للتجربة ‏السوفياتية، ولتجارب الأحزاب الشيوعية واليسارية إقليمياً وعالمياً، والأهم بدأت بنقد صارم للمركزية الأوروبية في بنية النظرية الماركسية الليفينية، ومن هنا كان التعامل والنظرية منذ اللحظة الأولى تعاملاً نقدياً، مع محاولة دائمة لوضعها على محك التاريخ العربي، والواقع العربي، مما كان يدفع باستمرار إلى الخروج بموضوعات ذات أصالة نسبياً ومختلفة جوهرياً عن كثير من الموضوعات التي تبنتها الحركات اليسارية الفلسطينية والعربية والأوروبية، لاسيما في التفسير الطبقي ‏التبسيطي للتاريخ، والواقع العربي القائم أو التفسير الطبقي الساذج للظاهرة الصهيونية في فلسطين والعالم.

‏ولعل مراجعة للرسالة التي نشرت باسم الشهيدين تحت عنوان "رسالة من وراء القضبان"، والملحقة بهذا الكتيب، لتكشف من جهة عن جوانب من البعد الفكري. - الثقافي - النظري لدى الشهيدين مما يدحض حصرهما في الجانب الجزئي التطبيقي العملي، ولتكشف من جهة أخرى عن نهجهما وما وجهاه من النقد للماركسية الليفينية وتجاربها.

‏في الواقع لم يكد عام 1976 ‏يشرف على الانتهاء حتى كان الشهيدان ومعهما عدد هام من المنتسبين لهذا التيار قد أخذوا يصفّون الحساب مع الماركسية الليفينية تماماً، وكانت الشعرة التي ‏قصمت ظهر البعير سقوط تجربة الثورة الثقافية في الصين. وإن كان النقد الأساسي الذي وجهاه لها غير النقد الذي وجه لها رسمياً من قبل القيادة الصينية اللاحقة. فقد ‏اعتمد نقدهما على الروحية الأوروبية التخريبية التي حكمت جانباً هاماً من الطرح النظري للثورة الثقافية لاسيما اعتماد الموضوعة النظرية الواردة في البيان الشيوعي لماركس وانجلز، والقائلة بضرورة القطع التام مع الماضي بكل أوجهه وليس فقط مع البرجوازية. فقد لاحظ الشهيدان ومعهما أغلب إخوانهما روحاً تخريبية عالية في طرح نظرية الثورة الثقافية وممارستها بالرغم من شعبويتها ونفسها الجماهيري ومعارضتها للبيروقراطية وتسلط الحزب والدولة على الشعب، والتي اتهمت بالغلو واللاتوازن بسبب سياسات القادة الأربعة للثورة الثقافية ("عصابة الأربعة" وفقاً لنعت قيادة الحزب الشيوعي الصيني اللاحقة).

‏لقد كانت هذه التجربة مناسبة للتعمق أكثر فأكثر في عدد من المواضيع النظرية مثل موضوعة خط الجماهير، وموضوعة الاستقلالية، والأصالة في فهم خصوصية الثورة والتغيير في كل بلد، كما صحب ذلك سقوط تام لهالة الماركسية الأوروبية ابتداء من ماركس وانجلز ولينين وصولاً إلى مراجعة صارمة للفلسفة المادية والمنهج الديالكتيكي والمادية التاريخية والاشتراكية العلمية، وأصبح التيار المذكور مطالباً بطرح مشروع مواز في كل تلك المجالات وإزاء مختلف تلك المواضيع. وهنا تطلب الأمر القيام بدراسات حول التجربة الإسلامية الواقعية والتي بدأت بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وما تلاها من تجارب إسلامية شروط ضرورية لبناء نظري وأيديولوجي أصيل. لقد كانت هذه الدراسات وإلى جانبها حوار مفتوح متعدد الأطراف والمشاركين حول هذه الإشكاليات محاولة لاكتشاف القوانين التي تحكمت في التاريخ العربي قديمه وحديثه ولاكتشاف القوانين المتعلقة بالمنهج، وأخيراً إجراء قراءة أكثر تعمقاً للواقع العربي الراهن وصولاً لاكتشاف سمات الثورة في بلادنا.. سمات التغيير الذي يخرج الأمة من حالة التجزئة والتبعية والوجود الصهيوني في فلسطين ويسمح لها بالوصول إلى الوحدة والعدالة الاجتماعية والنهوض الحضاري والثقافي والنمو الاقتصادي ‏والعلمي والتقني.

‏كانت هذه البداية السليمة نسبياً وهي التحرر المبكر جداً، بل منذ ‏ولادة التيار، من الماركسية السوفياتية، كما من اليسراوية الأوروبية والتي ترعرعت في النصف الثاني من الستينات بصورة خاصة، قد حصنته من جهة ضد سلسلة من الشعارات المخطئة لا سيما المغامرة ‏والطفولية ودفعته إلى الأصالة والاعتماد على الذات من جهة ثانية. وهذا ما جعله يدخل الصراع لا مع التيارات السوفياتية فحسب وإنما أيضا مع التيارات اليسراوية الأوروبية، والتروتسكية، أو الماوية، أو الثورية المسلحة، وغيرها وامتداداتها في الساحتين الفلسطينية والعربية. بكلمة لقد كانت لها إطلالتها المستقلة والأصيلة على الماركسية، بما في ذلك أفكار ماوتسي تونغ والتجربة الفيتنامية. وقد انسحب هذا حتى على المسائل الصغيرة وذات الطابع الشكلي فمنذ البداية على سبيل المثال لم يستخدم لقب "رفيق" مطلقاً وإنما نداء الأخ والأخت. فهذا على بساطته كان يعتبر شذوذاً في مختلف المدارس الماركسية وبإجماع.

‏هنا بدأت العقول والأبواب تفتح على مصراعيها لدراسة الإسلام والتجربة الإسلامية التاريخية وقد صحب ذلك تدفق الجماهير إلى الشوارع في إيران وهي ترفع راية "الله أكبر" و"لا اله إلا الله"، وتمضي إلى غايتها بحزم وتصميم لا مثيل لهما. ولكن أكثر ما أثر في الإسراع بالتقاط الإشكالية المتعلقة بالإسلام ودوره في المعركة ضد السيطرة الامبريالية العالمية وفي مواجهة الطغاة والعملاء وفي إلهام الشعب في مساره للتغير والنهوض كان رد الفعل الذي استقبلت به الجماهير الفلسطينية والعربية نداء "الله أكبر" المتصاعد من طهران. فقد تبين من خلال نظرة ثاقبة أن هذا النداء يسكن أعماق جماهير الأمة العربية‏، ومن ثم فإن كل بحث عن خط الجماهير، أو خصوصية سمات الثورة في بلادنا لن يصيب كبد الحقيقة أبداً ما لم يدرك الحقيقة الإسلامية المزروعة في أساسات التكوين العربي الراهن. وبهذا بدأت الأمور تتداعى باتجاه فهم أعمق لا لدور الإسلام وأهميته في عملية التحرير والانعتاق والنهوض في بلادنا أي الجانب الحضاري - الثقافي - السياسي - التحريضي فحسب وإنما أيضاً لفهم الإسلام نفسه وإدراك بنيته الداخلية أقرب ما يكون لما جاء عليه في القرآن والسنة. وكان هذا يقضي بعدم الاقتصار على إدراك النظريات الإسلامية في التاريخ ‏والاجتماع والاقتصاد ومعالجة قضايا الإنسان أو الإمساك بالمنهج الإسلامي الذي يتسم، فيما يتسم به، بقانون التوازن والعدل وإنما التوقف أمام مسألة العقيدة ودورها المحوري في بنية الإسلام كله، إذ أن كل الجوانب المتعلقة بالإشكاليات الحضارية والثقافية والمنهجية والتغيير تنبعث من محور العقيدة ولا بد من أن تظل مشدودة إلى ذلك المحور.

‏هنا دخلت العملية مرحلة أخرى منطقية بالنسبة إلى ما تقدم كان لا بد من الوصول إليها، كما كان الحال فيما حدث من تتابع منطقي للموضوعات السابقة. وتأتي هذه المنطقية في سياق متماسك صاحب منهجية الشهيدين وإخوانهما من أول يوم بدأ يتشكل به هذا التيار. ويمكن أن يشار هنا إلى جانب هام وهي أن هذا التيار لم يحول نفسه منذ البداية إلى تنظيم مركزي تخضع فيه الأقلية للأغلبية والمستويات الدنيا للمستويات العليا، ولم يتشكل على أساس وجود رئيس وأمين عام ومكتب سياسي ولجنة مركزية. لأنه لو كان كذلك لما تمكن من انتهاج ‏ذلك النهج النقدي - التطوري - والقلق في البحث عن الحقيقة والصواب. فما كان أسهل من أن يكبت أي رأي نقدي أو فكرة جديدة، أو محاولة نظرية، من خلال التصويت أو من خلال نظرية الأغلبية والأقلية. فعلى العكس، كان إبقاء الأبواب مفتوحة على مصاريعها للنقد وللتجديد والتنظير سمح دائماً بإخصاب الفكر والتجربة وإغنائهما وهو الذي سمح أن يتحول ما كان وليداً في صدور قلة قليلة إلى كثرة كاثرة مع الزمن والنقاش الأخوي الودي الصبور. ودون أن يؤثر ذلك في مسار الجانب العملي التطبيقي الذي كان موضوعه ثابت أي مواجهة العدو الصهيوني سواء أكان في النشاط على الحدود من جنوبي لبنان أم كان من خلال دور الشهيدين في القطاع الغربي والعمل في الداخل.
‏فالتيار في حقيقته قام على أساس نواة متفاهمة متحابة متماسكة تحكمها ثقة متبادلة عميقة، ولم تكن نواة مغلقة وإنما كانت نقاشاتها مفتوحة، ولم تكن ذات هيكل تنظيمي، أو نظام داخلي.. ففي كل ما يتعلق بالمسائل الفكرية والنظرية والعقدية والسياسية والمواقف كان خطها مفتوحاً على العشرات والمئات بل على كل مشارك حتى لو كان يحمل وجهات نظر مناقضة، أو يمثل تياراً آخر. وما كانت لتحصر في مكان ‏بعينه ومناسبة بعينها وإنما كانت تجري حيثما وجد اثنان أو أكثر. ومن ثم كان النتاج النظري والسياسي محصلة لجملة واسعة من النقاشات في كل المواقع. أما الممارسة العملية فكانت تتم وفق للقناعة الفردية. وقد ترك قرار المشاركة ومستواها لضمير كل فرد وقناعته دون أن يترتب على عدم المشاركة أية إجراءات تأخذ شكل العقاب والمحاسبة، أو التشهير وإنما كان عدم المشاركة يعني فقدان الدور، تلقائيا وبلا قرار، في مجال التطبيق، وهو دور كان يمكن أن يستعاد، في المقابل، بمجرد العودة إلى الممارسة وقد يصار إلى تخطيه إذا ما قامت ممارسة تستحق ذلك. أي ‏كان النهج المتبع يسمح بتبادل تلقائي لمواقع "القيادة" أو بالأصح أهمية الدور، وفقاً للدور العملي، وليس وفقاً القرار من فوق! ولعل السبب الذي جعل مثل هذا النهج ناجحاً يعود إلى مجموعة من الأسباب كما إلى طبيعة المخاطر القصوى التي كان يتضمنها الدور العملي.. ولهذا ليس من السهل استخدامه في ظروف أخرى بالطريقة نفسها. أو بكلمة أخرى يجب ألا يعتبر هذا النهج قانوناً عاماً، أو هو الأصح دائما، وبصورة مطلقة، لأن إشكاليات التنظيم وألوانه أو إشكالية العلاقات ‏داخل تيار معين يجب أن تخضع لظروف كل حالة وما يناسبها.

‏وكان الشهيدان حريصين على محاربة الاتجاهات التي كانت تحاول المساس بمن يتخلف عن الممارسة أو الإساءة إليه، وذلك لإبقاء روح العلاقة أخوية بلا حزازات شخصية، ولإبقاء الأخ مشدوداً للتيار عموماً وفي حالة احترام بداخله، ومن ثم إبقاء الباب مفتوحاً أمامه لمراجعة موقفه وامتلاك القناعة الذاتية بضرورة المشاركة العملية والتجرؤ على التضحية. فالقتال كره للإنسان وفيه الكثير مما يناقض الحرص على الحياة والمصالح وصون الأمل والولد، والأمر كذلك بالنسبة إلى السجن والتشريد.

‏وكان الشهيدان حريصين علي أن يبقيا خط التواصل ممدوداً مع جميع الأخوة الذين استمسكوا بالوضع السابق ورفضوا تقبل الإسلام عقيدة ومرجعية، فمن جهة حافظوا على روح الأخوة واللقاء الودود والحوار الودي، وإن أمكن إبقاء التعاون في الممارسة. فالعقول الفردية والتجارب الذاتية ليست سواء بين الناس. ومن ثم يحتاج البعض إلى ‏وقت أطول وتجارب أكثر حتى يصل ما وصل إليه السابقون. كما أن هنالك إشكالات في مواقع الحركة الإسلامية نفسها ليست مشجعة دائماً لمن هو خارجها لولوجها، كما أن ثمة ضغوطاً هائلة معادية لا تشجع كذلك. ولهذا لا بد من طول النفس في معالجة الكثير من الحالات. بل أن من لا يقتنع سيظل مشدوداً إليك بهذا القدر أو ذاك إذا ما حافظت على التواصل والإخاء والود والرفق.
‏وجاءت التجربة العملية لتؤكد أن هذا النهج أتى في الحالتين أكلاً طيباً، فكثيرون تخلفوا عن القتال والعمل في هذه المناسبة أو ذاك، أو لهذا السبب أو ذاك، ولكنهم عادوا بعد حين أشد مضاء، وأكثر استعدادا للتضحية. وكثيرون تأخروا عن تقبل الإسلام، ولأسباب مختلفة، عادوا إلى رحابه وأصبح حالهم أفضل من بعض ممن سبقهم تُقىً وثباتاً واستقامةً وعملاً.

الفصل الثاني

صراع التيارات داخل فتح
- حركة فتح
- مدخل
‏- في مناقشة التيارات داخل فتح
- حول تقويم القيادة
- العلاقة بالقيادة
- من أصول اللعبة الداخلية

- حركة فتح

مدخل:
لعل مراجعة دقيقة لمجموعة المواقف السياسية التي تبناها أبو حسن وسعد وحمدي وأبو محمود وإخوانهم منذ بدايات تبلور خطهم المميز لتلحظ اختلافاً شبه دائم والخط الرسمي المعلن والمطبق الذي تبنته قيادة فتح وم.ت.ف. وذلك ابتداء من معارضة قرارات المجلس الوطني الخاص ببرنامج النقاط العشر والتحفظ على قرارات قمة الرباط حول الممثل الشرعي والوحيد ومرور. بسلسلة من المواقف المتعلقة بإدارة الصراع في ‏لبنان وانتهاء بمشروع الجهاد والموضوعات التي تبلورت خلال الثمانينات وفي مقدمتها معارضة موقف المنظمة من الجهاد الأفغاني، ومن الحرب العراقية - الإيرانية ومن سياسة العودة إلى لبنان بدلاً من التركيز على الداخل. هذا إلى جانب المعارضة "لعقلية التسوية" ولسياسات البحث عن مكان في المعادلة الرسمية الدولية والعربية في أية تسوية قادمة.

‏ومن هنا كان السؤال الدائم: إذا كان الأمر كذلك فما الذي أبقى هذا التيار في فتح؟ وما هي حقيقة موقفه من قيادة فتح؟

هنا يجب أن يلاحظ بداية أن وضع الشهيد أبي حسن وإخوانه في فتح وموقفهم من قيادتها كان قد تطور تدريجاً لأنهم في الأساس انضموا إلى فتح بقناعة كاملة بمنطلقاتها ومبادئها وأهدافها ‏وإستراتيجيتها. وقد اعتبروا تلك المنطلقات – فتحاً حقيقياً في فهم الوضع العربي وسمات إحداث التغيير فيه من خلال التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وإستراتيجية الكفاح المسلح وتكتيكه لتحرير فلسطين طريقاً يهيئ لأحداث التغيير والوحدة والنهضة في الأمة. وكانت سياسات فتح الاستقلالية إزاء المحاور العربية، كما شعاراتها حول عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ووضع القضية الفلسطينية فوق الخلافات العربية، وتوجيه كل البنادق نحو العدو الصهيوني، هذا إلى جانب سياساتها الاستقلالية عن الاستقطاب الدولي: هجوماً على الامبريالية الأميريكية حليفة العدو الصهيوني، ونقداً صارماً للموقف السوفياتي من قضية فلسطين، قد شكّل عندهم قناعة فكرية راسخة وارتباطاً وجدانياً بفتح. وكان شأنهم شأن كل الذين انخرطوا في فتح ومنظمات الثورة الفلسطينية قد انشدّوا إلى المبادئ والمنطلقات إلى جانب الإعجاب الشديد والثقة بالمبادرة الثورية التي تحدت الحصار العربي والدولي وشقت طريق الكفاح المسلح، وأخذت مواقعها في الميدان في مقدمة الصفوف. فإذا كان الانشداد إلى المبادئ والمنطلقات بقي قوياً فيهم دائماً إلا أن مستوى الثقة بالقيادة وسياساتها راح يتزعزع خطوة فخطوة، ابتداء من تجربة فتح والثورة في الأردن ومروراً، بصورة خاصة، مع طرح برنامج النقاط العشر وبروز سياسات لدى بعض القياديين راحت تبتعد بهذا القدر أو ذاك عن الموقف الاستقلالي سواء أكان بالنسبة إلى سياسة الابتعاد عن المحاور الدولية والعربية أم كان بالنسبة إلى التحالفات الشعبية حيث بدأ الانحياز واضحاً لما كان يسمى بجبهة القوى التقدمية.
‏كان أبو حسن قد فقد ثقته تماماً بقيادة فتح منذ الخروج من الأردن في تموز (يوليو) 1971. وبدأ يبحث عن بدائل أخرى من داخل التيارات التي أخذت تتنامى داخل فتح نتيجة لمراجعة تجربة الأردن. وقد انتقل إلى بغداد حيث مكث فيها حوالي السنتين وكانت تعج بالنقاشات والبحث عن مخرج من الأزمة بعد الرحيل من الأردن. ومن هناك انتقل أبو حسن إلى بيروت حيث أصبحت مركز الثقل في فتح. وقد راح يخوض في حوارات مطولة مع مختلف الكوادر والقيادات في بيروت حول البحث عن مخرج من الأزمة.

‏كان الوضع في بيروت يعج بآراء لا حصر لها، وكان المشاركون في النقاشات من داخل فتح ألواناً وألواناً، بعضهم كان في أعلى مستويات المسؤولية في اللجنة المركزية وأكثرهم من المجلس الثوري في حينه ومن الكوادر الأخرى في الصف الثاني والثالث. وكانت الحركة الطلابية بدورها تتأجج نشاطاً وهي تبحث عن مخرج من الأزمة كذلك.

‏فالبعض راح يطرح تشكيل تنظيم ماركسي لينيني على النمط اليسراوي، وآخرون سعوا لتشكيل تكتل تقدمي باتجاه التحالف مع الاتحاد السوفياتى والجبهة التقدمية العربية والبعض راح يطرح تكتلاً أو تنظيماً فتحاوياً حديدياً من أجل تكريس نظام داخلي مركزي ديمقراطي ينقذ التنظيم مما كان يسمى بالعقلية الفردية والعشائرية.

‏وكان ثمة إرهاصات متواضعة لتفكير آخر أخذ منذ البداية موقفاً نقدياً، من كل هذه التيارات باعتبارها إجابات مخطئة على لإشكالية فتح وما يواجهها من أزمة. فإن تشكيل تنظيم ماركسي - لينيني على النمط اليسراوي لا يمكنه أن ينقذ الوضع وإنما قد يزيد الوضع الداخلي تأزماً. فالإشكالية في جوهرها ليست تنظيمية أو متعلقة بالنظرية الثورية، الأمر الذي يجعل هذا التناول مرتجلاً وليس له أركان. كما أن تيار التحالف مع الاتحاد السوفياتي والقوى التقدمية ينحرف بفتح عن منطلقاتها ومنهجها وسياساتها. ويكفي أن يحكم عليه بدراسة تجربة ما يسمى بالقوى التقدمية المتحالفة مع السوفيات وما أفرزته على أرض الواقع. فتبنّي مثل هذا الخط رسمياً يدمر فتح قطعاً، وبهذا يكون الحل كالهارب من الدلف إلى المزراب. والأخطر أنه يتضمن الاتجاه مستقبلاً للتوافق وقرار مجلس الأمن 242 ‏لأن التحالف والاتحاد السوفياتي لا يستقيم وهدف تحرير فلسطين.

‏كما أنه رد على التكتلات الرامية إلى الخروج من الأزمة من خلال وضع نظام داخلي لفتح وهو ما تم وفقاً لتصور المعنيين في المؤتمر الثالث أواخر 1971. وقد التقت في هذا المؤتمر التوجهات اليسراوية والسوفياتية والإصلاحية كافة فقرر مبدأ "المركزية الديمقراطية" ووضع نظاماً داخلياً استعير من المبادئ العامة للأنظمة الداخلية في الأحزاب الشيوعية. فكان حلاً لا علاقة له بالحالة الفتحاوية المشكلة تاريخياً على صورة محددة. ولم يكن من الصعب أن يلحظ أن أغلب الداعين إلى إصلاح فتح وإعادة بنائها على أساس تنظيم ثوري وحديدي إن هو إلا ‏وهم غير قابل للتنفيذ إلا إذا استبدل ناسها من القمة إلى القاعدة بغير ناسها الحاليين. فإن الدعوة إلى الإصلاح على الرغم من أنها تلقى هوى وصدى لدى غالبية أبناء فتح إلا أنها كانت غير واقعية ولا تؤدي إلا إلى تأجيج الصراعات الداخلية. وقد أراد البعض استخدامها لتحسين وضعه الداخلي. فكانت تجمد في أغلب الحالات، بعد الوصول إلى المواقع المطلوبة لتعود الأمور داخل فتح سيرتها الأولى وربما أسوأ.

‏وفي الواقع أثبتت التجربة العملية أن كل تلك التيارات ما كانت تستطيع مجتمعة أو منفردة أن تخرج فتح من جلدها أو تغير طبيعة تركيبتها الداخلية، أو العقلية السائدة فيها في إدارة وضعها الداخلي. فالمحاولات التي أرادت بناء التنظيم الثوري الماركسي سرعان ما تطايرت في اتجاهات شتى بعضها انضم إلى انشقاق 1983 ‏وبعضها بصم بالعشرة لقيادة ياسر عرفات في تونس. ولكنها في الحالتين تخلت عن مشروعها التي قامت عليه وأصبحت مقولاتها السابقة في خبر كان. أما التيار السوفياتي فقد تعاظم نفوذه داخل فتح ومجلسها الثوري لاسيما في سنوات الحرب الأهلية. وذلك لما امتلك من دعم دولي وعربي ومساندة من القوى التقدمية اللبنانية التي تعاظم نفوذها في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية وإن كان ذلك، بداية، بالاتكاء على فتح وفصائل م.ت.ف.. فقد ‏كانت قيادة فتح تجد في تلك الجبهة غطاء لنفوذها وسلطتها المتنامية في لبنان بعد انفجار الحرب الأهلية في نيسان (ابريل) 1975. وكان الثمن الذي دفع هو تعظيم دور تلك القوى لاسيما منظمة العمل الشيوعي والحزب الشيوعي اللبناني على حساب الإسلام السياسي السني التقليدي وبعض الناصريين والحركة الإسلامية السنّية في بيروت وصيدا وطرابلس، وعلى حساب القيادة الشيعية السياسية التقليدية وحركة المحرومين ثم حركة أمل الشعبية في المناطق الشيعية من لبنان، لاسيما الجنوب. ولكن هذا الاستقواء الذي امتلكته جبهة القوى والأحزاب التقدمية عاد بدوره فمارس تأثيره في توازنات فتح الداخلية وراح يرجّح من دفة القوى الأكثر اتجاهاً نحو السوفيات ومعسكرهم عالمياً وجبهة القوى التقدمية عربياً وتقدمياً. أما الدخول السوري إلى لبنان والمعارضة المغالية التى ووجه بها من قبل جبهة القوى والأحزاب التقدمية اللبنانية ‏والفلسطينية، بما فيها تلك التي في فتح فقد سمح بإضعاف قوة التيار "التقدمية" داخل فتح نفسها لاسيما بعد هزيمته العسكرية في الجبل في منطقة عينطورة أمام القصف السوري. وكانت تعتبر القاعدة المحررة وسميت بالجيب الأحمر.

‏على كل حال انتهى تيار القوى التقدمية بألوانه المختلفة في فتح بعد الانشقاق الذي حدث عام 1983 ‏، لا سيما بعد انتقال قيادة فتح إلى ‏تونس. ولكن يجب أن يسجل له أنه كان ماضياً كالصاروخ في السيطرة على فتح في ظروف المنتصف الثاني من السبعينات على مستوى معادلة الحرب الباردة والوضع اللبناني والصراعات العربية لاسيما مع انتهاج القاهرة سياسة عزلة عربية ولبنانية منذ فك الاشتباكين الأول والثاني وصولاً إلى المعاهدة المصرية - الإسرائيلية. فالانشقاق أثبت أنه استطاع ‏أن يحشد حوله قوى كثيرة وإن لم تكن كلها من الاتجاه نفسه. بيد أنه أثبت من جهة أخرى عدم قدرة على التحول إلى بديل بل عدم قدرة على المحافظة على قواه التي بدأ منها الانشقاق. أما من الجهة الأهم فإن التجربة أثبتت أن نقطة الانطلاق التي تشكلت على أساسها تلك التوجهات أي تحت دعوى إصلاح فتح وإعادة بنائها على أساس تنظيم ثوري لم تكن واقعية أو جادة من هذه الزاوية، وهذا ما جعلها تتحول ‏الى مسار آخر مع أولى خطواتها.

- في مناقشة التيارات داخل فتح

‏كان النقد الذي وجه إلى مختلف التيارات التي تقدمت بمشاريع للخروج من الأزمة يرتكز في ذلك الوقت على مجموعة من المقولات الأساسية. ولعل الوقوف عندها باختصار يثكل ضرورة لإعطاء خلفية أدق لفكر التيار الذي تبلور فيما بعد على يد أبي حسن وحمدي وعدد من إخوانهما، وهي: أولاً، يجب ألا ترى الأزمة داخلية، على الرغم من وجود أزمة داخلية في فتح. فالوضع الفلسطيني يجب أن يرى دائماً ضمن معادلة علاقته بالوضع العربي والدولي. فإذا كانت تلك المعادلة غير مؤاتية فإن كل المشاريع المقترحة ستظل دون طموحها بكثير حتى لو تجمعت كلها. وأمسكت بزمام القيادة. أي يجب أن يعاد تقويم حجم الدور الذاتي الفلسطيني أمام ذلك التضخم المرضي الذي أصيب به، لا سيما، بعد معركة الكرامة والتفاف الجماهير الواسعة من حول فتح والثورة الفلسطينية والترحيب الإعلامي الحماسي. لأن البقاء في دائرة ذلك التضخم سيؤدي إلى التقدم بمشاريع طموحة جداً سرعان ما تعيد ذلك الدور إلى حجمه الحقيقي مع كل ما يحمله ذلك من خيبات وتصدعات.

‏ثانياً: الحركات الكبرى لم تنشأ عبر مشاريع إصلاح التنظيم، على الرغم من أن إصلاح التنظيم يظل مطلوباً عموماً، ولكن ليس باعتباره المخرج من الأزمة، وإنما باعتباره مخففاً منها في أحسن الحالات. فالحركات الكبرى تقوم على أساس تبني مشروع نظري وعملي بديل حول الخروج من الأزمة، وهذا ما سبق وفعلته فتح، فإذا لم يكن ذلك متوفراً، أو لم تكن الظروف مهيأة له، فليس هنالك من مشروع يخرج من الأزمة أو يحدث تغييراً إنقاذيا جذرياً للوضع.

‏ثالثاً: يجب التنبيه عند تقويم أية تجربة تاريخية أن من السهل بمكان التقاط هذا العنصر الغائب فيها، أو ذلك العنصر السلبي في داخلها ثم الاستنتاج بأن استدعاء الغائب أو تغيير السلبي هو الجواب على الهزيمة أو الفشل أو الأزمة، بينما قد يكون السبب أو الأسباب، الأكثر حسماً، في ‏ذلك شيئاً آخر تماماً. ولهذا فإن إعطاء الإجابات المتعجلة مثل لو كان هنالك نظرية ثورية وحزب ثوري لما خرجت فتح من الأردن. ومن ثم يصار إلى طرح مشروع يسدّ هذا النقص. ولكن سرعان ما يتبيّن أنه متعثر وربما غير قادر حتى على الوصول إلى أهداب ثوب الطرف موضوع النقد. وبالمناسبة هذا ما يجب التنبه له من جانب الحركات ‏الإسلامية أيضاً. فلا يظن أن مجرد تبني الإسلام وبناء جماعة إسلامية يكونان الجواب الشافي وحدهما للأزمة أو البلد المعني لأن من الضروري مراعاة توفير الشروط الأخرى الضرورية لذلك مثل نظرية العمل، والشعارات، ولغة الخطاب، وإشكال الممارسة ومراعاة المعادلة ‏الإقليمية والدولية.

‏رابعاً: ليست "البروليتارية" أو الثورية شعارات متطرفة فوق يسارية، وليست استهتاراً بالتقاليد والقيم أو إشباعاً لنزوات بعض المثقفين، إنها فعل ثوري عملي، وموقف صحيح من خط الجماهير، ومسلك أخلاقي قويم، ومنهج جبهوي، بعيداً عن الروح الانشقاقية.

‏خامسا: الأمر يتطلب أولاً تقدير موقف صحيح للوضع الدولي والعربي عند تقويم الأزمة، ثم يصبح بالإمكان تحديد الآفاق السياسية التي يمكن أن يعمل على أساسها للخروج من الأزمة أو وقف التدهور أو القيام بمبادرات محددة. الأمر الذي يؤدي إلى اقتراح سياسات يمكن تبنيهاً على مستوى الوضع ككل. كما قد يؤدي إلى اقتراح مبادرات إنقاذية على جبهة الصراع ضد العدو يمكن تنفيذها من قبل ثلة من المناضلين دون أن يكون بمقدرة أحد معارضتها أو منعها.

‏ومن هنا كانت بدايات تيار أبي حسن وإخوانه متحررة من إغراءات الشعارات الكبرى المتعلقة بالنظرية الثورية والحزب الثوري أو التنظيم الحديدي الثوري، وكانت تحمل إرهاصاً إيجابياً في مواجهة الأزمة المستعصية على الحل والتي ستتواصل إلى أمد طويل قادم. هذا وكان في جعبتهاً عشرات الأمثلة لتجارب عالمية توفرت لها تلك الشروط ولم تدخل أزمة خانقة فحسب وإنما أيضاً اجتثت من جذورها. فلم تكن كل التجارب هي فيتنام أو الصين أو ثورة أكتوبر. فتجارب الفشل أكثر عشرات المرات ابتداء من كومونة باريس إلى انتفاضات برلين ووارسو وشنغهاي إلى الحروب الأهلية في اليونان والملايو والفلبين وإلى الثورات في أمريكا اللاتينية وغيرها، ومن ثم يجب عدم الوقوع بإغراء الشعارات الكبرى التي تجتذب حديثي العهد بالماركسية والآتين من عالم الفتحاوية التبسيطية أو القومية الطوباوية.

‏هذا النقد الذي وجه إلى تلك التيارات ارتكز من ناحية إيجابية على البدء ببلورة مشروع مقابل انطلق من أن فتح غير قابلة للإصلاح بمعنى إعادة بناء تنظيمها على الأسس التي يتحدث عنها المصلحون ولطالما كان أبو حسن يردد " فالج لا تعالج ". فما من حركة يمكن أن تغيّر إلا من خلال قيادتها أو إزاحة قيادة وإحلال قيادة أخرى. وكان هذان الخياران غير واردين لا من ناحية واقعية أو نظرية ولا من ناحية الظروف العربية والدولية. كما أن بقاء القيادة كان يعني بقاء منهجها وعقليتها لا محالة. وهذا ما أثبتت صحته التجربة على الرغم مما يبدو عليه من مظهر قسوة وتشاؤم. والأخطر، أنه كان يعني إما القبول بواقع فتح من حيث الأساس وواقع قيادتها، وإما البحث عن بديل خارجها. ولكن محاولة تغيير الظاهرة بما يناقض تكوينها الأساسي نشأةً وقيادةً وتركيباً، سيؤدي إلى تعمق أزمتها الداخلية إن لم يؤد إلى التمزيق والانشقاق أو زيادة الشلل. كما أن عدم ملاحظة العلاقة بين فتح والوضع العربي في محصلته تمنع من رؤية علاقة مستقبل أي مشروع فلسطيني بالوضع العربي والمعادلة العربية والدولية. ومن ثم فإن الواقع الموضوعي والذاتي فلسطينياً وعربياً، وإلى أمد بعيد، سيبقي فتح على حالها من حيث الجوهر. وإذا كان هنالك من إمكان لتغيير هذا الوضع فمستقبله المنظور سيتوقف على مدى تعاظم النفوذ السوفياتي دولياً وعربياً وتمكنه من فتح. وهو الخيار الذي كان خيار إبقاء القيادة وفتح على حالهما، وعلى ما بهما، أفضل منه بالنسبة إلى الصراع ضد العدو، كما بالنسبة إلى تنامي حركة التغيير العربي، والحفاظ على منطلقات فتح ومبادئها.

- فتح تتقدم بقانون المحصلة

إذاً كان حال فتح غير قابل للتغيير النوعي وفقاً لما تريده الاتجاهات المختلفة "الإصلاحية ضمن منظور أو معطيات السبعينات، فإن فتح على الرغم مما كان يعتريها من نواقص من الناحية التنظيمية الداخلية أو من الناحية المسلكية بالنسبة إلى البعض أو من ناحية العقلية المسماة عشائرية كانت أفضل ما في الساحة في نظر تيار أبي حسن وسعد وإخوانهما، وما كان الوضع الموضوعي والذاتي قادر. على إفراز، في ذلك الوقت، ما هو أفضل. ففتح لم تحقق كل تلك الانجازات عبثاً أو بلا ايجابيات حقيقية في داخلها وفي قيادتها. ولم تتقدم كل الفصائل ‏الفلسطينية سواء أكان بخطها السياسي عموماً أم كان بممارستها أم في وضعها بمجموعه عبثاً وبلا وجود ايجابيات وأسباب موضوعية وذاتية. ومن ثم يمكن القول بينما كانت التيارات التي راحت تتشكل في تلك المرحلة تقدر الوضع من زاوية جزئية أحادية الجانب كان يتنامى تيار.....
‏وبدأ هنا أبو حسن يقتنع به ويتقدم صفوفه يسعى لتقويم الوضع تقويماً شمولياً يلحظ الايجابيات كما يلحظ السلبيات. ويميل إلى ترجيح الايجابيات على السلبيات. ففتح ومن ‏خلال قرارات قيادتها صنعت انطلاقة الثورة الفلسطينية، وهي التي أعادت المبادرة للكفاح المسلح والمقاومة بعد حرب حزيران (يونيو) 1967 ‏، وهي التي أخذت قرار الصمود والمواجهة في الكرامة، وهي التي حمت استمرارية البنادق وخط الكفاح المسلح حتى حينه، وهي التي وقفت في مقدمة الصدامات والعدو الصهيوني، وهي التي جمعت في صفوفها الحشد الأكبر من الكفاءات والقدرات الثورية، وهي التي قدمت أكبر التضحيات في الأرض المحتلة كما على خطوط التماس في الأردن ولبنان، فكيف ينسى كل ذلك ولا يحسب في رصيد قيادتها وتكوينها بمجموعه مقابل ما يوجه من النقد للعشائرية التنظيمية وللنيات الدفينة، وحماية بعض الفاسدين، وعدد لا يستهان به من نواقص هنا وهناك. وكان الحكم في نهاية التحليل أعلاه يؤدي إلى موقف إيجابي من وضع فتح إذا أخذ بكليته وشموليته. وهنا نشأت مقولة حملها أبو حسن وسعد وأبو محمود وحمدي وعلي أبو طوق ومروان وأبو خالد جورج والحاج حسن ومحمد علي وغيرهم، وقد أخذت تتحول إلى تيار، تقول: أن فتح تتقدم، منذ عام 1968 ‏، بعد الكرامة، على الأقل، وفقاً لقانون "المحصلة" "أي خروج محصلة عامة من خلال تصارع عدة قوى واتجاهات داخلها، ومثلها مؤثرة من الخارج فيها. فهي لا تعمل ضمن خط صارم ينتظم الجميع بلا استثناء كما هو الحال في الأحزاب الشيوعية أو أحزاب البعث التي تحرص على وحدة الموقف من القمة إلى القاعدة ووحدة المسلك ووحدة المظهر ووحدة الممارسة. ففتح تتقدم على أساس نظام محصلة القوى. ففي داخلها اجتهادات متعددة وأحياناً متضاربة في الأيديولوجية والسياسة والممارسة وثمة تنوع مشهود من جهة الأصول التي جاءت منها قياداتها وكوادرها وقواعدها. فقد كانت أحياناً تعكس في داخلها الوضع العربي كله رسمياً وشعبياً والوضع الفلسطيني بمختلف تياراته، فهي حالة معقدة مركبة. وكان الحكم عليها أولها يتجه دائماً إلى أحادية الجانب أي التركيز على جانب أو جوانب دون سواها. فعلى سبيل المثال كان تيار أبي حسن يرد على الذين يشيرون إلى بعض الفاسدين أو النفعيين داخل فتح بالقول لماذا لا ترون في داخلها ذلك الحشد الهائل من المستقيمين والصادقين والمناضلين. واذا كنتم تتهكمون على قانون "المحبة" في معالجة عدد من الإشكاليات الداخلية باعتباره قانوناً عشائرياً، فإنه قانون صحيح ويجب ألا يخلو منه تنظيم محترم، بل هو من إيجابيات فتح وإبداعاتها فلا تنظروا إلى بعض سلبياته حين يتسامح هو حالات فاسدة فقط، وإنما انظروا إلى شمول ايجابيته على المستوى العام. بكلمة إنه أفضل من قاعدة المركزية الديمقراطية في الأحزاب الشيوعية(ا).

‏وهكذا أخذ التيار المذكور يتكون على أساس تلك النظرة إلى فتح وراح يجدد القناعة التامة بصحة المنطلقات والأهداف وبصحة الإستراتيجية والتكتيك للوصول إلى تلك الأهداف. وإذا كان التطبيق العملي خلال السنوات السابقة قد أثبت إيجابيات كثيرة لفتح وإدارتها للصراع واتخاذها للقرارات المناسبة في الأوقات المناسبة عموماً من 1965 ‏حتى 1973. وإذا كانت بنيتها تعكس حالة شعبية معقدة ومركبة وكانت ذات ‏طابع شعبي وكانت الأقرب إلى خط الجماهير، وإذا كان الوضع الذاتي والموضوعي فلسطينيناً وعربياً ودولياً غير مهيأ لولادة بديل أفضل فإن الحكمة والموقف الصحيح يفرضان البقاء في هذا الموقع الثوري الذي يعمل بمحصلته. وإن محصلته حتى الآن (ما بين 72 ‏- 73) تسير بالاتجاه الصحيح ويتوقع لها الاستمرار على هذا المنوال حتى الأمد المنظور في الأقل.

‏بيد أن هذا الفهم لوضع فتح وما يحيطها من معادلات كان يفترض انتهاج خط داخلها يأتي، بصورة واعية، باتجاه المحصلة الصحيحة. ومن ثم فإن المطلوب إتباع سياسات وممارسات تدفع المحصلة العامة إلى أمام. فإذا كان من غير الممكن تغيير واقع فتح ومن غير الممكن إصلاحها بالجملة من قاعدتها حتى قمتها فإن من الممكن، وهو ما تسمح به تركيبة فتح، أن ينمو فيها تيار يدفع باتجاه العوامل الايجابية ويخفف موضوعياً من تأثير العوامل السلبية. فإذا كان التشكّي يمس إشكالية الاستمرار في القتال أو الحزم فيه ضد العدو فلينشأ تيار يدفع بهذا الاتجاه وينميه ويمارسه، ولا يعامله مجرد اقتراح وعلى الآخرين تنفيذه، أو يعارض تحت رايته "وكفى الله المؤمنين القتال". وإذا كان التشكّي من تدهور في القيم الثورية والأخلاق فلينشأ تيار يتحلى بأعلى القيم الثورية ويستمسك بالأخلاق الحميدة. وإذا كان التشكّي من سوء العلاقة بالجماهير وبضرورة الالتصاق بها وحفزها للمشاركة. فلينبر المعنيون إلى تنفيذ ذلك وتطبيقه عملياً بدلاً من استخدامه شعاراً لمعارضة القيادة، أو بعضها دون أن يقدم المثل الحي على ذلك.

‏هنا بدأ الخط يتبلور ضمن معادلة فتح نفسها وبما يتناسب وإياها واقعياً، وبما يتيح له الاندماج فيها أكثر، وبما يكون في خيرها وخير القضية والشعب الفلسطيني والأمة العربية. بينما راحت أغلب التيارات الأخرى تجنح إلى التعامل والوضع من خلال تشكيل نوع من المعارضة الداخلية الشبيهة بالمعارضة البرلمانية، وهي في ظروف ثورة والثورة لا تناسبها مثل هذه المعارضة، كما لا يجدي تآمر انقلابي يتجه إلى السيطرة على الوضع أو الانشقاق في ظروف شتات فلسطيني لا ينفع معه انقلاب ولا ينقذه الانشقاق، فكل انشقاق يحتاج بالضرورة إلى حاضن عربي وكان ذلك يكفي ليفقد الكثير من مصداقيته، والأهم يفرض عليه تحولاً غير الذي كان يريده في البدء.

‏وحدث في تلك المرحلة أن أخذ العدو يعد لانتخابات بلدية. وخشيت قيادة فتح من شبح القيادة البديلة. وهنا تحرك الشهيد كمال عدوان وكان عضواً في اللجنة المركزية. وأصبح مسؤولاً عن القطاع الغربي في فتح. وكان رحمه الله قائداً فذاً وذكياً جداً، وحيوياً، وقد أحس بالحاجة إلى ارسال عدة مجموعات مقاتلة إلى داخل الارض المحتلة من جنوبي لبنان. وذلك ليؤكد على قوة فتح ووجودها أمام الشائعات التي كانت تدعي انتهاءها بعد الخروج من الأردن وانحسار العمل المسلح. ومن ثم توجيه انذار غير مباشر لكل من قد ينقاد وراء "مؤامرة القيادة البديلة". وفوجئ الشهيد كمال عدوان بعد تجواله في القواعد في جنوبي لبنان بقلة عدد المستعدين للتطوع في هذه المهمة، فالمعنويات كانت مهتزة وفوجىء بتضاؤل عدد الأدلاء الذين يعرفون الحدود ومناطق الجليل معرفة جيدة. وعندما شاع خبر هذه الجولة ونتيجتها كثرت ملاحظات تلك التيارات في إبراز فشل القيادة، وسوء عملها الذي أدى إلى كل ذلك. ولكن السؤال الذي طرح في المقابل: إذا كان الأمر كذلك لماذا لا يتقدم أصحاب نظرية التنظيم الثوري الحديدي أو الحزب الثوري والنظرية الثورية، وتدعيم خط القتال فيتولون هم تشكيل مجموعات أو مجموعة أو اثنتان، على الأقل، بقيادة بعضهم لتنفيذ المهمة فيؤكدون على أرض الواقع صحة دعواهم ومصداقيتها. ويثبتون جدارة نقدهم للقيادة وواقعيته؟

أثار السؤال حنق أغلب تلك الاتجاهات وكان الجواب أن المسألة بحاجة إلى إمكانات وإعداد، أو بكلمة أخرى بحاجة، إلى أن يكونوا مكان القيادة حتى يمكن تنفيذ ذلك. ولكن مثل هذا السؤال ضرب عند أبي حسن على وتر حساس، لما كان يتسم به نظر ثاقب وعزيمة عملية استثنائية. فقد التقطه لينشىئ خطاً كاملاً على ضوئه وليزيد من الفراق بينه وبين مثل تلك المدارس في معالجة الأزمة في فتح. هنا أصبح منهج أبي حسن وسعد وأبي خالد جورج والحاج حسن يتجه نحو القول ولماذا لا نضع نحن كل ثقلنا لسد هذه الثغرة أو تلك في عمل فتح ‏والثورة ما دمنا مقتنعين بصحة ذلك بدلاً من البقاء في مواقع المعارضة في المكاتب واللقاءات الليلية هنا وهناك؟ من هنا بدأ يتبلور ذلك التيار أو الخط المتميز. وكان لا بد من أن يجتذب العناصر الأكثر رغبة في الممارسة والقتال وميلاً إلى ذلك. بل استطاع أن يستعيد عدداً من الكوادر إلى العمل من جديد في صفوف فتح بعد أن غادرتها، أو كانت في الطريق إلى ذلك، بسبب النقمة على الأوضاع أو القيادة.

‏فما دامت فتح تسمح بالمبادرات على اختلافها وأحيانا تشجعها فلماذا لا يجد مثل هذا الخط مكاناً له وذلك من خلال فرض نفسه وممارسته ‏على الواقع. وإذا كان لا بد من الانفصال بسبب اجتهاده وسياساته وعمله فليأت القرار من قيادة فتح لا منه. وكما كان يقول أبو حسن: "نحن نعلن ما نراه صحيحاً في السياسة والمواقف ونمارس ما نراه صحيحاً ولا نبالي أوجد ذلك قبولاً من القيادة أو لم يجد، ولنترك لهم أن يقرروا بقاءنا في فتح وتحمل هذا الخط المتميز أو عدم بقائنا. وإذا كنا راغبين في البقاء ونراه الخيار الأفضل فإننا لا نخشى من إلقائنا خارجاً".

- حول تقويم القيادة

‏وهكذا بدأ التيار المذكور يختلف مع التيارات الأخرى من الناحية النظرية أولاً ثم من ناحية اتجاه الممارسة ثانياً. وجاءت ثالثاً، إشكالية الموقف من القيادة لتعمق في الخلافية. فبينما غلب على بعض تلك التيارات التشكيك بالقيادة إلى حد الطعن بوطنيتها وإخلاصها وجد تيار أبي حسن وسعد وحمدي وإخوانهم نفسه في مواجهة هذا التشكيك. وهو ما فرق في ذلك الوقت، من بين مفرقات أخرى، فيما بين أصدقاء وإخوة ومتحابين. ولعل بعضهم لا يستطيع أن يمسك نفسه اليوم، لو أن أبا حسن بقي حياً، من أن يفاخر بعد اتفاقي أوسلو والقاهرة بالقول ألم أقل لك أنهم سيفعلونها. ولكن أبا حسن في ذلك الوقت كان يرى مغالاة في هذا الحكم، ويرى فيه خطأ سياسياً، ولا يخدم ممارسة القتال في مواجهة العدو. فالخط الذي تبناه أبو حسن وحمدي وسعد وعلي أبو طوق وأبو خالد جورج وآخرون وجميعهم شهداء الآن وإخوانهم كان ينطلق من تقويم قيادة فتح باعتبارها مجتمعة وأفراداً قيادة وطنية، ولا يصح التشكيك بإخلاصها. وإن كانت تتسم ببراغماتية عالية للغاية مما يجعلها في المستقبل قابلة للدخول في مسارات وخيارات متعددة بما في ذلك الخيارات التي تحمل التنازلات عن بعض المبادئ والمنطلقات. وكان مؤشر طرح مشروع السلطة الوطنية بارزاً في هذا الأمر كما كان مؤشر التقارب والسوفيات، والقرار إزاء مؤتمر جنيف الذي عقد بعد حرب تشرين 1973 ‏، والتقارب وخط السادات الذي أعلن بعد حرب تشرين أنه يأمل أن تكون آخر الحروب وبدأ يتجه بقوة نحو التسوية السياسية. ولكن السؤال الذي كان ملحاً حول منهجية تقويم القيادة، وهو نفسه كان يطبق على الكثير من القيادات العربية يتلخص في: هل نحكم على سياسة ما، أو قيادة ما، وفقاً لما ستؤول إليه أم وفقاً لما هي عليه؟ وهل يمكن أن نحبس احتمالات التغير مستقبلاً في احتمال حتمي وحيد؟

‏لا يستقيم العمل السياسي إذا ارتكز على محاكمة الحاضر على أساس احتمال مستقبلي حتى لو كان ذلك الاحتمال راجحاً من بين احتمالات أخرى. لأن ذلك يقعدك عن الفعل في الحاضر، ولا يفيدك كثيراً إن جاء المستقبل مؤيداً لتوقعاتك بعد خراب البصرة، كما يقولون. فالفعل السياسي يقتضي التحرك في الحاضر دائماً مستخدماً كل معطياته بهدف التأثير في المستقبل ونتائجه. وهذا ما يفرض بأن تحكم على الظاهرة في وضعهاً الراهن وتتعامل وإياها على أساسه بما يخدم رؤيتك واستراتيجيك مع إبقاء احتمال ما ينتظرها في المستقبل من تدهور سلبي حاضراً في حساباتك وفي رصدك لها. فكون الشاب سيتحول بعد سنين عدداً إلى شيخ ضعيف لا يعني أن تصارعه باعتباره شيخاً، أو تستهين بقوته لأنه يضمر الشيخوخة في شرايينه وعضلاته. فإذا فعلت فستجد نفسك في وضع صعب جداً وأنت تتلقى لكماته. وإذا تعلق الأمر في العمل السياسي التعبوي فالجماهير لا تحكم على النيات أو على ما يخبئ، المستقبل لاسيما بالنسبة إلى قيادات كسبت ثقتها عن جدارة وعبر تجارب ملموسة.

‏من هنا كانت الإجابة عن السؤال تحمل طابعاً منهجياً هاماً ولها علاقة بالممارسة وحسن إدارة الصراع حاضراً ومستقبلاً. ويمكن أن تدعم هذه المنهجية من ناحية علمية من خلال إدراك السنن التي تتحكم بالقيادات ذات الطبيعة البراغماتية الخالصة، وهي أن مسار اتجاهها يتوقف على معادلة تطورات موازين القوى والظروف بمجملها إقليمياً ودولياً. وهي تطورات لا يسهل ضبطها لأن الكثير منها هو خارج إرادة المعنيين أو الحالة الجزئية المعنية. فمن لا يستطيع أن يرى، على سبيل المثال، كيف تطور عسكري براغماتي مثل منغستو هايلي مريام من مغامر إلى حليف للسوفيات وحول أثيوبيا إلى قاعدة سوفياتية ثم مع إنهيار الاتحاد السوفياتي راح يبحث عن سيد أمريكي أو غربي أو إسرائيلي وكان مستعداً أن يتحول إلى أي شيء ويطبق أي خط، فإنه لا يعرف كيف يجب أن تفهم مثل هذه الحالات.

‏والسؤال هل كان من الحكمة، على سبيل المثال، أن يعامل منغستو هايلي مريام في أواخر السبعينات باعتباره عميلاً أمريكياً أو إسرائيلياً أي ‏باعتبار ما سيؤول إليه لا باعتباره كما كان عليه في حينه؟
‏وبالمناسبة ألا نرى في هذا الزمن عشرات الظواهر عربياً ودولياً وعالمياً كانت في ظروف معينة وضمن موازين قوى معينة في مقدمة القيادات المعادية للامبريالية والحاملة لواء الثورية والتقدمية وهي الآن تنقلب إلى التعلق بذيول الامبريالية الأمريكية وتطأطئ، رأسهاً أمام الصهيونية والعنصرية الإسرائيلية لتمثل أحط ألوان الاستسلام والعداء للأمة.

‏فالمنهجية التي جسدها أبو حسن وإخوانه منذ عام 1973 كانت تستند إلى التعامل وظاهرة القيادة الفلسطينية باعتبارها وطنية ومخلصة دون أن يمنع ذلك توقع انعطافات خطيرة من قبل بعضها وفقاً لتطورات ميزان القوى. فالتوقع الوحيد لم يكن، على أية حال، هو ما آلت إليه الآن لأن تغيراً باتجاه الإنحياز الشديد نحو السوفيات كان الأكثر احتمالاً في حينه، وذلك إذا ما حسبت معادلة ميزان القوى الدولي والمعادلة العربية، وهذا ما حدث فعلاً. وكان من الممكن أن يقع التغيير بهذا الاتجاه أكثر لو جاءت تطورات الوضع الدولي والعربي على هذه الصورة، ولم يكن بلا مغزاً حين أشاع بعض اليساريين التقدميين في فتح، فيما بعد، أنه يتوقع من ياسر عرفات أن يكرر تجربة هايلي مريم أو تجربة كاسترو في الثورة الفلسطينية.
‏لقد كان وراء هذه المنهجية في تقويم وضع القيادة الفلسطينية تلك الدروس القاسية التي تلقتها الأحزاب الشيوعية وعدداً من الأحزاب القومية حين كانت تخطيء في تقويم ظاهرة القيادات الوطنية، والتي كان يحلو لها أن تسميها القيادات البرجوازية الوطنية. وذلك حين قام التقويم لعبد الناصر في العام 1953 ‏و 1954 ‏باعتباره دكتاتوراً وعميلاً لأمريكا ثم انقلب بعد صفقة الأسلحة التشيكية وتأميم قناة السويس إلى قائد القومية العربية العظيم، والمعادي الأول للأحلاف العسكرية والامبريالية الأمريكية. ولكن ما أن دخل عام 1959 ‏وتأزمت علاقاته بعراق عبدالكريم قاسم والاتحاد السوفياتي وبدأ تقارباً وأمريكا، حتى أصبحت تهمته الانتقال إلى أحضانها وإلقاء أعلام القومية والتقدمية ومعاداة الإمبريالية بعيداً في البحر وتكرر الانقلاب في التقويم مع زيارة خروتشوف وبولغانين لمصر وافتتاح السد العالي عام 1963 ‏- 1964.
‏وإذا به يتعدى أن يكون قائداً وطنياً وقومياً كبيراً معادياً للامبريالية إلى أن يصبح قائداً تقدمياً اشتراكياً ثم عادوا وعدلوا هذا التقويم بعد سقوط خروتشوف.

‏المهم هنا أن التقويم كان في كل مرة يستند إلى الوجه السائد في سياسة عبد الناصر دون أن تلحظ أن موازين القوى تحمل في طياتها تأثيراً مباشراً في الاتجاهات التي تأخذها السياسة البراغماتية. أما في المقابل فكان هنالك من حكموا على ظاهرة عبد الناصر منذ اليوم الأول بأنه عميل لأمريكا وبقوا على ذلك، وانتهوا بعد موافقته على مشروع روجرز 1970 ‏إلى التأكيد بأنهم كانوا دائماً على صواب. ولكنهم لم يلحظوا أن السياسة حين تعامل على هذه الصورة لا تستطيع أن تفسر كل الحالات التي تمر بها الظاهرة. ولا تسمح بمعالجة كل حالة، فتترك صاحبها بلا فعل يومي ايجابي مع الأحداث فإما تدفعه إلى الجمود والعزلة العملية وإما إلى المغامرة والتطرف والبعد عن الجماهير. فإذا كانت القيادات الاجتماعية أو السياسية التي تنقلب من حال إلى حال، سلباً أو إيجاباً، بسبب اجتماع البراغماتية فيها وتغيرات موازين القوى هي كثيرة ومتكررة، فإن من الخطأ تثبيت حكم واحد عليها لا يتغير، أو الحكم عليها بأنها آيلة إلى مآل بعينه بغض النظر عن تغيرات موازين القوى والتي تحمل في الغالب، أكثر من احتمال لتغيرها، إلا إذا كان قد رأى على بعد عشرين سنة مسبقاً ما ستؤول إليه الأوضاع وموازين القوى محلياً وإقليمياً ودولياً وأخذ بحتمية تاريخية فجة.

ثم هناك الإشكالية الأخرى التي تبرز في هذا الصدد كذلك ألا وهي منهجية التعامل وظاهرة مركبة ومعقدة بسبب تشكلها من عدة أوجه وجوانب أو تكونها من عدة عناصر. فثمة منهجية الحكم عليها حكماً أحادي الجانب استناداً إلى جانب أو أكثر، أو عنصر أو أكثر فيها ومن ثم تجاهل، أو عدم إدخال، الجوانب والأوجه والعناصر الأخرى في الحساب أو في الحكم. بينما منهجية التعامل وإياها من خلال الاجتهاد بتوزين مختلف أوجهها وجوانبها وعناصرها المكونة وإقامة حكم عام يرجح الإيجابيات على السلبيات أو العكس وذلك من أجل أن يكون بمقدوره تدعيم الايجابيات ومقاومة السلبيات. ولكن مع ذلك ستظل ثمة صعوبة ‏كبرى في التعامل السياسي اليومي في أن يقبل منك الآخرون هذه المنهجية أو في عدم اتهامك بتأييد ما هو سلبي في الظاهرة أو إلصاقك به، وأنت حاول تأييد ما هو إيجابي فقط وتعارض ما هو سلبي.

- العلاقة بالقيادة:

‏أن الخط الذي قاده أبو حسن وحمدي وعدد من إخوانهما كانت له أسسه المنهجية في التعامل داخل فتح وفي تقويم وضع فتح وفي تقويم قياداتها. وهو ما كان يضعه باستمرار، تحت شبهة الدفاع عن القيادة في حين كانت تلك القيادة في ذلك الوقت، تحاربه حرب لا هوادة فيها، وتعطي كل الأضواء الخضر لأنصارها للتحريض ضده وتشويهه وتقليمه وتحجيمه والتضييق عليه. فقد كانت أغلب قيادة فتح تنظر إليه منذ أول يوم حتى آخر يوم نظرة ريبة وتشكيك وتمارس ضده الحرب، فهي لا تستطيع أن تتفهم موقف عدد من الكوادر يكونوا أصحاب اجتهاد غير منقادين لسياساتها وتعليماتها، أو وفقاً لتعبير خصومها في ذلك الوقت أنها لا تقبل كادراً لا يكون مستزلماً لها حتى لو كان فتحاوياً أصيلاً وشديد الإخلاص لفتح ومنطلقاتها وأهدافها. وحتى لو تسابق على تقديم دمه وجهده دفاعاً عن الثورة وتصعيداً لخط القتال ضد العدو ‏الصهيوني. ولهذا كانت تلاحقه دائماً تهمة بناء تنظيم داخل فتح وتهمة التحضير للانشقاق. وكانت التهمتان بالنسبة إلى هذا التيار غير واردتين. ومع ذلك استمرت هذه التهم قائمة كلما ذكر أبو حسن وحمدي وإخوانهما. فبالنسبة إلى موضوع التنظيم فقد سبق وأشير إلى المنهجية التي اتبعت في عمل هذا التيار. أما ‏التحضير للانشقاق فكان موقفاً مرفوضاً مبدئياً أما روحية التآمر، أو المؤامرة، أو العقلية الباطنية فكانت غريبة عن منهجية هذا التيار وبنائه الفكري والأخلاقي على أن الإشكالية الحقيقية التي كانت تزعج القيادة لم تكن الخوف من تنظيم أو انشقاق، ولعل البعض كان يتمنى ذلك، وإنما كانت استقلالية هذا التيار برأيه وعمله في كل القضايا وجهره بذلك مهما كان معارضاً للموقف الرسمي حتى لو كان الأخير بحجم مؤتمر فتح أو المجلس الوطني الفلسطيني. فكان يعلن ما يراه صواباً أو يراه الأنسب لفتح والثورة الفلسطينية والموقف العربي عموماً وليكن ما يكون.

وكان يمارس وفقاً لما يعلن، وما كان عنده ما يخفيه أو يبطنه سوى ما قد يعرض أمنه من ناحية النشاط العملي في مواجهة العدو الصهيوني. أما في الفكر والسياسة والمواقف والممارسة فقد سار كل شيء على المكشوف. وكان دائماً مستعداً لتحمل تبعات ذلك جهاراً، وبلا خوف من أحد. وقد ساعده على مثل هذا النهج عدم طلبه لرضا القيادة، أو لشيء مما عند القيادة موقعاً، أو جاهاً، أو مالاً، أو دعماً، أو حماية، فكانت الكُرة عندها باستمرار لتحكم له أو عليه، وتتخذ حياله المواقف. وكانت قيادة فتح، عموماً، حين توازن الوضع بمجموعه تميل إلى استبقاء هذا التيار في صفوفها وتحمله على ما هو عليه. فقد يكون في إخراجه مضرة أشد، وقد يكون في بقائه قدرة أعلى على مراقبته وقص أجنحته بينما هو من الجهة الأخرى، ومن خلال خطه يُعطي الدم والشهداء والأسرى والسجناء في أحرج الأزمات التي واجهت فتح والثورة الفلسطينية. أي كانت ثمة فائدة يمكن جنيها، ولو بصورة غير مباشرة، من هذا الخط الذي يركز على العدو الصهيوني، ويتجنب الدخول في الصراعات الداخلية ولا يشارك في جوقة الحملات ضد فتح وقيادتها وليس له أية ارتباطات بأية دولة عربية أو دولية.

‏وهكذا كان حساب أغلب قيادة فتح في محصلته دائماً في مصلحة بقاء هذا التيار داخل صفوفها بالرغم من امتعاضها الدائم منه وسعيها لتقليمه وتحجيمه وحتى تصفيته إن أمكن. بينما كان حساب أبي حسن وحمدي وإخوانهم، في المقابل، هو البقاء ما دامت فتح في مواقع المواجهة وكانت محصلتها العامة باتجاه فلسطين. وما دام البقاء فيها لا يؤثر من قريب أو بعيد في استقلالية الموقف الفكري والسياسي والعملي بما في ذلك محافظته على الاستقلالية في نسج العلاقات الشعبية خارجها. أما من جهة أخرى كان البقاء في الداخل يخدم أبا حسن وحمدي من موقعهما في القطاع الغربي من حيث تغطية مالية حاجة العمل في الداخل المحتل حتى لو كانت تلك التغطية شحيحة وإن حجبت تماماً أحياناً. فقد كان هنالك حذر دائم من أن يؤدي الخروج من فتح إلى الوقوع تحت رحمة المحاور العربية أو رحمة البحث عن تغطية للعاملين وللعمل في الأرض المحتلة. ولهذا كان ثمة حرص على عدم طلب الخروج من فتح، أو الدفع باتجاهه، وإن لم يكن ثمة خوف منه. بل كان هنالك استعداد دائم لاستقباله، لاسيماً بعد أن طرح مشروع الجهاد. وأصبح الوضع يختلف عما كان عليه في السبعينات اختلافاً جوهرياً، خصوصاً، وأن التنازل عن منطلقات ‏فتح ومبادئها من جانب المجالس الوطنية وقراراتها أصبح متسارعاً فلم تعد المنطلقات والمبادئ هي الجامع للفتحاويين وقد راح يحل محلها العصبوية الفتحاوية والطموح المشترك للوصول إلى السلطة في الأرض المحتلة، واقتسام بعض الغنائم، وضمان المستقبل الفردي والعائلي ضمن برنامج سياسي جديد يختلف بمستوى 180 ‏درجة عن برنامج فتح الأول الجامع.

‏في الواقع أخذت قيادة فتح بحجب الموازنة التي كانت مخصصة للجنة التنظيم في القطاع الغربي، والتي كان يشرف عليها أبى حسن وحمدي حجباً صارماً منذ أواخر العام 1984. مما يعني تجميد وضعهما في ‏الحركة دون قرار بالفصل. ولكن ذلك لم يمنعهما من مواصلة نشاطهما العملي دون أن يلتفتا إلى ما حدث، أو يترك فيهما أثراً مثبطاً أو سيئاً أو يدفعهما إلى العودة الصاغرة للقيادة. واستمر هذا الوضع حوالي الثلاث أو الأربع سنوات. وقد لجأ الشهيدان للتعويض الجزئي عن ذلك إلى التعاون مع عدد من الأفراد والشخصيات الذين يحترمونهما ويقدرون جهدهما وخطهما وراحوا يقدمون لهما ما يستطيعون، على شحه، وقد أسهم ذلك إسهاماً كبيراً في بقائهماً في الميدان. ويكفي أن يذكر أن عملية البراق وعملية عطاف عليان وعملية الشجاعية تمت في تلك المرحلة الضيقة من الناحية المادية، والفسيحة من ناحية الإيمان والعطاء والروح الجهادية.

‏لقد حاول الشهيد أبو جهاد، بعد اندلاع الانتفاضة، وبسببها، كما بسبب تصاعد العمليات الجهادية ورسوخها في الأرض، والبداية القوية لبروز حماس، وربما مع تفاقم خلافه مع ياسر عرفات. فضلاً عن الإدراك بأن حجب الموازنة عن أبي حسن وحمدي لم يجد شيئاً، أن يلطف الجو معهما. وقد طرح أن تعود المياه إلى مجاريها من حيث التعاون في مجال الانتفاضة والمقاومة ضد العدو إلا أن ذلك لم يتم فقد قتل الشهداء الثلاثة بعد ذلك بأسبوعين واستشهد أبو جهاد بعدهما ببضعة أسابيع.

فكان ذلك كأنه المحاولة اليائسة لاستعادة مرحلة كانت قد آذنت على الانتهاء بالنسبة إلى ما مثله الشهيد القائد أبو جهاد وما مثله أبو حسن وحمدي من جهة ثانية، لتبدأ في المقابل، مرحلة الانتفاضة وحماس من ناحية ومرحلة فتح مؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن واتفاق أوسلو من ناحية ثانية.
‏كانت منطلقات فتح ومبادئها بالنسبة إلى أبي حسن وحمدي وإخوانهما مرجعية أساسية في الإطلالة على الوضع الفلسطيني واللبناني والعربي. فكان لهم اجتهادهم المتميز بالنسبة إلى عدد من القضايا التي أصبحت محط صراع فكري وسياسي داخل فتح والساحة الفلسطينية والعربية. وكثيراً ما كان اجتهادهم يأتي متعارضاً والموقف الرسمي الذي تعلنه قيادة فتح، فكانوا يعتبرون أنفسهم في هذه الحالة هم الذين يعبرون عن الموقف الفتحاوي الأصيل والصحيح. وكانوا يخوضون من هذا الموقع، وعن قناعة تامة، مختلف الصراعات المتولدة عنه. وقد احتد هذا الأمر، بصورة خاصة، في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وقبلها بالنسبة إلى الموقف من التضامن العربي في حرب تشرين وما تلاها من مواقف مست الحظر النفطي الذي قادته السعودية. ولعل الدخول في التفصيل والتحديد حول ما خاضه هذا التيار من صراعات سياسية وفكرية ليعطي صورة واضحة عن خط حافظ على روح المنطلقات والمبادئ في كل مناسبة، وكان، من وجهة نظره، الأكثر دقة في التعبير السياسي والفكري عن الموقف الصحيح لفتح والثورة الفلسطينية ومصلحتهما. وذلك على الرغم من موقف قيادة فتح الذي كان كثيراً ما يحمل تأويلاً آخر. ومن ثم يتهم أبا حسن وحمدي وإخوانهما بالخروج على فتح. فالبعض كان يعتبر فتح هي ما تعبر عنه القيادة ويتعامل وإياها من خلال القيادة. أما أبو حسن وحمدي وإخوانهما فكانوا يجتهدون ويأخذون المواقف كأنهم هم قادة فتح والمسؤولون عنها. ومن هنا لم يتشكل منهجهم في المعارضة من خلال المزايدة أو طرح الشعارات الأكثر تطرفاً وإنما من خلال أن تضع نفسك مكان القيادة وتتصرف بهذا المستوى من المسؤولية، وبعد ذلك تقترح ما تراه مناسباً. وهو ما كان يجعل خط أبي حسن وحمدي وإخوانهم يبدو في كثير من الأحيان ‏كأنه يقف على "يمين القيادة"، كما كان يبدو للنظرة السطحية بل كان أكثر مرونة منها في التعاطي والأزمة اللبنانية أو الصراعات العربية - العربية. ولنقف عند بعض الأمثلة على ما تقدم.

‏وخلاصة، لم يكن تحليل وضع القيادة والعلاقة بفتح يقوم على إصدار حكم نهائي وإن انطلق من اعتبارها قيادة وطنية وثورية. ولكن دون اعتباره شهادة دائمة وأبدية. وبلا مراعاة لاحتمالات تطورات ميزان القوى والمعادلات. فالتقدير الذي قام على أساس معاملتها باعتبارها قيادة وطنية استند إلى تاريخها وحاضرها أما التوقع بالنسبة إلى المستقبل المنظور - لنقل عشر سنوات - فكان يرى استمرار التقدير نفسه. أما الدافع للتوقف طويلاً أمام هذه المسألة، فكان بسبب الصراعات التي دارت داخل الاتجاهات الإصلاحية، لاسيما أكثرها تطرفاً يسارياً وتقدمياً، وهي الاتجاهات التي قامت موضوعاتها على التشكيك إلى حد التخوين. وقد رفض أبو حسن وإخوانه في ذلك الوقت المساومة بأن يميز بين ما يعلن وما يقال "داخلياً" إذ أصروا أن يكون الموقف واحداً. فإذا كان من غير الضروري أن يقول الإنسان كل ما عنده إلا أن من الخطأ أن يقول شيئاً يخالف أو يناقض ما احتفظ به ولم يقله. وقد اعتبروا هذه مسألة منهجية من الدرجة الأولى، كما أنها مسألة أخلاقية ومسلكية. أما الاتجاه الداعي للتحالف والسوفيات فكان مزدوجاً في حكمه على قيادة ياسر عرفات. فأحياناً يميل إلى التشكيك الشديد، ويشجع الأطراف اليسارية على الضغط بهذا الاتجاه، وأحياناً يتملقها كلمً كان يريد موقعاً جديداً.أو مواقف محدودة.

‏في الواقع كان موقف أبي حسن وحمدي وإخوانهم من هذه المسألة واضحاً حتى بدا كأنه يدافع عن القيادة كلما دخل في حوار حاد مع الاتجاهات المشككة. وما كان له أن يماشيها بتحليلها، لا ظاهراً ولا باطناً، لأنه كان حريصاً دائماً، علي أن يكون متماسكاً ومنطقياً في موقفه ويبتعد عن لعبة النفاق أو الموقف المزدوج الذي يناقض ظاهره أو باطنه أو تناقض ممارسة نظريته. فلو قبل هؤلاء الأخوة ذلك التحليل لما قبلوا لأنفسهم أن يبقوا يوماً واحداً في فتح، لأنهم لا يقبلون أن يكون موقفهم النظري والعملي ذا وجهين في اللحظة الواحدة.

‏أما بالنسبة إلى ما يمكن أن يحمله المستقبل من تطورات في وضع القيادة وموقفها وتحالفاتها وسياساتها فأمر يقرر في حينه على ضوء الوقائع الملموسة. وليس على ضوء التكهنات، أو المظنة والشكوك لأن إقامة التحريض السياسي على التكهنات والمظنة والشكوك واعتبار ما سيكون ( ولو بعد عشرين سنة ) يضعف الموقف في أعين الجماهير التي تحكم على ضوء التجربة التاريخية على الراهن، بل تتأخر في تغيير هذا الحكم حتى تتراكم وقائع متتالية وملموسة.

من أصول اللعبة الداخلية

‏يجب أن يلاحظ هنا أن قيادة فتح اتسمت بروح عجيبة في احتمال النقد والتجريح، والتهجمات في حق بعضها بعضاً، أو من قبل بعض كوادرها ضدها، مجتمعة أو منفردة، أو من جانب بعضها بحق ناقديها من الكوادر. فقد كانت الاتهامات المتبادلة تصل إلى حدود من القسوة والعدائية لا يمكن أن تصدر إلا فيما بين أعداء لا يراعون إلاً ولا حرمة ‏في تجريح بعضهم بعضاً. وكان أبو حسن يصف جلودهم."المصفحة" لقدرتهم على التحمل، وعلى النسيان، وبعضهم كان البادئ في الظلم. لكن مع ذلك كانت هنالك دائماً وحدة على مستوى القيادة الأساسية، لا سيما ‏في مواجهة التحديات الكبرى، إذ كانت هنالك قدرة لعودة المياه إلى مجاريها كأن شيئاً لم يكن ودون أن يمنع ذلك أو يلغي العودة المستمرة لتفجر الخلافيات والصراعات والتهم المتبادلة وهكذا دواليك. وقد وصل الأمر بالبعض خارج فتح إلى التصور أن الخلافيات والصراعات هي مجرد لعبة وتوزيع أدوار بينما هي في الواقع غير ذلك ما دامت تركيبة فتح الداخلية، وابتداءً من مستوى القيادة، لا تقوم على أساس الوحدة المركزية والانضباط الحازم بمعنى وحدة الموقف والمسلك، بل تسمح بتعدد وجهات النظر ونزولها إلى الكوادر والقواعد وخروجها إلى العلن. إن الذي سمح بمس هذا النمط من العلاقات الداخلية يرجع، أولاً وقبل كل شيء، إلى طبيعة العلاقة على مستوى أفراد القيادة من جهة والى منهج قيادة فتح في محاولة احتواء كل التناقتضات والاتجاهات داخلها، ومنهجها في مراعاة ضغوط المحاور العربية والدولية. الأمر الذي كان يفترض التسامح إلى حد ما بالاختراقات، لكن ضمن حدود. وكان يفترض التسامح بالامتداد من الداخل إلى الخارج لكن بحدود كذلك. أي كانت هنالك سقوف أو خطوط حمراء لما يمكن أن تذهب إليه الصراعات والخلافيات الداخلية أو لما يمكن أن يذهب إليه هامش الاستقلالية التي يتمتع به الأفراد والتيارات الداخلية، أما إذا ما خرقت الخطوط الحمراء فكان من الضروري وقف ذلك فوراً وعدم التسامح معه، ولو باستخدام أية وسيلة .

‏لقد حلل أبو حسن وسعد وحمدي وإخوانهم الوضع في داخل فتح تحليلاً دقيقاً منذ البداية. وهذا ما سمح لهم أن يستمروا كل تلك الفترة وذلك على الرغم من خروجهم على واحد من الخطوط الحمراء ألا وهو الإفلات من سيطرة هذا القائد أو ذاك عليهم وانتهاجهم خطاً مستقلاً تماماً عن القيادة.

‏فقد كان التقليد في التيارات القاعدية داخل فتح أن تجد لها حماية أو رعاية من أحد من القيادات الأكثر نفوذاً، كما جرى التقليد أن يتشكل التيار الكادري والقاعدي نزولاً من أعلى إلى أسفل أي من قبل أحد القيادات الأكثر نفوذاً. ولكن من جهة أخرى فإن استقلالية التيار وعدم اتصاله بأي من المحاور والدول خارج فتح، وعدم تلقيه أية مساعدات مالية من هذه الدولة أو تلك خفف من ذلك الخروج على ذلك الخط الأحمر. كما أن منهجه في عدم التعرض للقيادة، بل عدم رده في كثير من الأحيان على قيادات تطاولت عليه من وراء ظهره بالشتائم والاتهامات الظالمة كان يخفف ذلك من الاحتكاك، ثم تأتي مواقفه السياسية والعملية ذات الاستقلالية العالية لتمنحه الحماية الأكبر بصورة مباشرة، وغير مباشرة.

‏ويمكن أن يلحظ هنا أن تلك السمة الخاصة بأخلاقيات القيادة في التعامل مع بعضها بعضاً، أو صراعات التيارات الأخرى الداخلية ضد هذا القائد أو ذاك كانا يؤججان تناقضات داخلية فيما بينها حادة جداً أين منها التناقض مع تيار أبي حسن وإخوانه. ويجب أن يضاف إلى هذا ‏العامل تتابع الأزمات التي كانت تواجههاً فتح. الأمر الذي كان يستبقي حاجة إلى هذا التيار لا سيما في لحظات المواجهات العسكرية.
‏وبالمناسبة لم تستطع الأطراف المعارضة عربياً لقيادة فتح أو التيارات الداخلية أن تبني علاقات ايجابية مع هذا التيار بالرغم من التقائه وإياها في كثير من المواقف السياسية أو بالرغم من معاداة القيادة له وإساءاتها المتكررة بحقه. فالإشكالية هنا، في الحقيقة، لم تنبع من رفض ذلك التيار التعاون وأياً من تلك الأطراف. بل كان مستعداً حتى للتعاون والمنشقين عام 1983 ‏ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وكان من الممكن أن تبنى معهم جسور التنسيق. ولكن الإشكالية كانت في سياسة التعاون والتنسيق، فتيار أبي حسن وإخوانه ما كان ليدخل في مواجهات أو تعاون أو تحالفات إلا في مجال مواجهة العدو الصهيوني. أي المحافظة على اتجاه البوصلة مؤشراً نحو فلسطين وضد العدو الصهيوني، بينما كانت الأطراف الأخرى تريد جبهات وتحالفات ضد القيادة أو ضد هذا الطرف أو ذاك من أطراف القيادة، وهو ما كان مرفوضاً. ولو تحلى بعضها بالخيال، أو الحسابات المركبة التي امتازت بها قيادة فتح، وقبل بمد خيوط التعاون، ولو محصوراً في دعم الصمود الداخلي تحت الاحتلال وفي مقاومة العدو الصهيوني، وهو أمر ما كان تيار أبي حسن وحمدي ليرفضه، وإلا ناقض نفسه واختل موقفه المتوازن، لأدى ذلك إلى تعميق الشكوك من قبل القيادة بنيات أبي حسن وإخوانه، ولرعرعت أوهاما حول طبيعة تلك العلاقات. الأمر الذي كان ‏سيدفعها إلى تعجل الخلاص منه.

‏الفصل الثالث

الصراع حول الاستقلالية

‏• الاستقلالية
‏. الموقف من السوفيات
‏. الموقف من التضامن العربي
• في موضوع عزل الكتائب
- حول الجبهة المتحدة
‏. من تجربة الجناح اللبناني
‏• حول الوجود في لبنان

- الاستقلالية
‏نشأت فتح على أساس مبدأ الاستقلالية بالنسبة إلى المحاور العربية - العربية، أو بالنسبة إلى الصراعات فيما بين الدول في العالم الثالث، أو بالنسبة إلى الاستقطاب الدولي في الحرب الباردة أو الصراع الصيني - السوفياتي. وإذا انتسبت فهي تنتسب للجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الانحياز. وقد عبرت قيادة فتح وأدبياتها عن كل ذلك ما بين 1965 ‏حتى 1971. ولكن النصف الأول من السبعينات بدأ يشهد نوء من التردد في التمسك الحازم بالاستقلالية في إدارة العلاقات العربية والدولية. فقد سادت فكرة منذ أول لقاء عقد بين ياسر عرفات وبريجينيف بعد الخروج من الأردن شدد عليها بريجينيف وهي "أنكم يا سيد ياسر عرفات خرجتم من الأردن بمعادلة دولية" وكان يشير في ذلك إلى أنكم كنتم بلا حماية دولية.

ا _ الموقف من السوفيات

‏وتلقف البعض هذا الرأي فراحوا يعزفون عليه ويدفعون باتجاه تغيير الموقف من الاتحاد السوفياتي لا باعتباره صديقاً على الرغم من الخلاف وإياه من القضية الفلسطينية فحسب، وإنما أيضاً الدعوة إلى اعتباره الحليف الاستراتيجي والضغط باتجاه الارتباط به. وقد انقسم الرأي داخل فتح حول هذه المسالة ضمن ثلاثة تيارات أساسية راح أحدها يطالب بالانحياز الكامل إلى المعسكر الاشتراكي (السوفياتي) والارتباط المصيري به. .

وراح تيار مقابل يعارض هذا التوجه بقوة ويدعو إلى بناء علاقات صداقة متوازنة بالاتحاد السوفياتي لكن مع المحافظة على الموقف الاستقلالي لاسيما بالاستناد إلى الموقف العربي العام وإلى حركة عدم الانحياز وعدم التفريط بصداقة الصين. أما التيار الثالث وهو الذي كانت له الغلبة في كثر الأحيان، فاتسم بالتمايل بين هذين الموقفين مع ميلان أكثر نحو الرأي الأول في كثير من المواقف. فمنذ 1974 بدأت مجلة "فلسطين الثورة" الناطقة الرسمية تتحدث عن الحليف الاستراتيجي، وتغمز من الصين أو تتجاهلها تماماً. وتؤول الموقف من حركة عدم الانحياز باعتباره انحيازاً للاتحاد السوفياتي وذلك تحت حجة استحالة وضع المعسكر الاشتراكي والمعسكر الاستعماري على قدم المساواة. وجاء رد أبي حسن وحمدي وإخوانهما: إذا كانت هنالك فروق بين الطرفين هنا وهناك فهذا لا يعني الانحياز، بالضرورة، فإشكالية عدم الانحياز تظل قائمة حتى عندما تصنف أمريكا عدواً والاتحاد السوفياتي صديقاً. فبدلاً من أن يدقق جيداً بهذه النقطة كان يلجأ إلى استخدامها استخداماً تبسيطياً من أجل الدفع باتجاه الانحياز إلى الاتحاد السوفياتي.

‏كان هذا التيار الداعي للتحالف والاتحاد السوفياتي قد راح يستمد قوة مضاعفة بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، ودعم م.ت.ف. لجبهة القوى والأحزاب التقدمية، والتي أصبحت بدورها قوة مسلحة في الشارع. فقد أخذ يستقوي بها على الداخل الفتحاوي نفسه. وهنا خلط ‏هذا الاتجاه الأوراق في المجال العربي كذلك وطفق يهاجم، بصور مباشرة أو غير مباشرة، السياسة الأصلية لفتح حول الاستقلالية عن المحاور العربية، ووضع القضية الفلسطينية فوق الخلافات العربية، أو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية أو في تبنيها لسياسة التضامن العربي وشعارها الأصيل "كل البنادق نحو العدو الصهيوني". وأخذ يدفع باتجاه تأزيم العلاقات بمصر والسعودية والمغرب والأردن ودول الخليج. وراح يروج الحديث عن الدول المسماة بالدول المرجعية العربية.

‏وأخذ يطالب بالفرز العربي على أساس تقدمي ورجعي بدلاً من الموقف الأصلي لفتح الذي يفرز على أساس من مع فلسطين ومن ضدها، من يدعم الثورة عسكرياً أو مادياً أو سياسياً أو معنوياً ومن ضدها.
‏وراح موقف التيار التقدمي داخل فتح لبنانياً يشن هجوماً شديداً على الإمام موسى الصدر رحمه الله والقيادة السياسية السنية التقليدية من رؤوساء الوزراء السابقين مروراً بالجماعة الإسلامية والعلماء وبعض الناصريين والشخصيات وانتهاءً بدار الإفتاء وبعض الممثلين السياسيين للشيعة. ولم ينج من الهجوم السيد محمد حسين فضل الله وعدد هام من العلماء النشطين لا سيما قيادة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

‏ووصلت الحملة إلى ‏داخل فتح إذ تركزت على من كانوا يتهمون ‏"باليمينية" أو "بجماعة الخليج" أو الفتحاويين "المتخلفين". وقد وجهت ضربة مبكرة لتنظيم فتح في لبنان، والذي كان مركز قوة ضمن حدود المنطلقات والمبادئ.

‏ أما على أرض الصراع فقد أصبح التيار الفتحاوي العريض الذي يريد أن يحافظ على المنطلقات والمبادئ الأساسية في الإطلالة على الوضع الدولي والعربي واللبناني والفلسطيني في حالة انحسار وارتباك وتراجع أمام ضخامة الهجمة التي أخذ يشنها "اليساريون والتقدميون" داخل فتح وخارجها. أما التيار السائد في القيادة أو الذي تراوح في مواقفه بين الموقفين فكان يتعرض بدوره إلى ضغوط متعاظمة للتخلي عن التيار الفتحاوي المسمى "باليميني" والتسليم للتيار التقدمي. فقد كان، وبسبب البراغماتية العالية، كثيراً ما ينحني أمام الضغط حتى لو كان ضده شخصياً، وكثيراً ما كان في المواقف المعلنة وعدد كبير من المواقف العملية يميل إلى تبني خطاب التيار" التقدمي" ومواقفه إلا أنه كان غير راض، عملياً، أن يصبح أسيراً أو مطوقاً، ولا يكون صاحب الكلمة المقررة. وكان يشعر بخطورة أن تضرب علاقاته بمصر أو بدول الخليج أو المغرب فكان يلجاأ إلى السياسة المزدوجة والمواقف المزدوجة. كما كان هذا حاله بالنسبة إلى الداخل اللبناني حيث كان يتسلل سراً لإبقاء بعض العلاقات بالاتجاهات اللبنانية المختلفة التي كانت جبهة الأحزاب والقوى التقدمية تريد استخدام فتح لتهميشها وضربها، وقد نجحت في ذلك، مؤقتاً طبعاً، إلى حد بعيد لاسيما بين 1975‏- 1982.

‏كانت منطلقات فتح ومبادئها وخطها الاستقلالي الضحايا الفعلية، الأولى والأخيرة، في قلب هذا الخضم. فقد ضاعت تماماً أمام ضجيج الشعارات "التقدمية" و"اليسارية" وتحت ضربات "فلسطين الثورة" ومنشورات الإعلام التابع لفتح وضاعت أكثر من خلال مواقف القيادة البراغماتية التي ما كانت لتقيم وزناً كبيراً لما يقال أو يطرح. لأن المهم بالنسبة إليها كان الإمساك بمفاتيح القوة و"التكتكة" السياسية والبقاء على الواجهة في كل المناسبات. أما الاتجاهات الفتحاوية التي كانت تحسب على "اليمينية أو الرجعية أو التخلف" وهي العبارات التي كانت الستار في الحقيقة للهجوم على المنطلقات والمبادئ الأساسية، فقد كانت في أغلبها مكبلة اليدين، أو مبعدة، أو مدافعة علناً دفاعاً خجولاً، وإن كانت وراء الكواليس أكثر صراحة وهجومية.

‏هنا يمكن القول أن أبا حسن وحمدي وإخوانهما حملوا عبئاً غير قليل في الاستمساك بالمنطلقات والمبادئ وخط الاستقلالية من الناحيتين ‏النظرية والسياسية في مواجهة تلك الهجمة القوية والمتنفذة والحازمة وذات الصوت العالي، والجريئة على الاتهام بلا حساب. وكانوا في المقدمة مع من اصطلوا بنارها، وتعرضوا للقمع على يديها بصورة ‏مباشرة أو غير مباشرة، ونالهم الكثير من التشهير والتهميش.

‏فعلى المستوى الدولي كان خط أبي حسن وحمدي وإخوانهما يمتلك مناعة مضاعفة من السقوط في فخ التيار السوفياتي إذ لم يكن موقفهم من الاتحاد السوفياتي، والنابع أساساً من الموقف الأصلي لفتح، قد اقتصر على نقد الموقف السوفياتي من القضية الفلسطينية فحسب وإنما ‏أيضاً لفت انتباههم بوقت مبكر ما كانت توجهه الحركة الماوية من اتهام للاتحاد السوفياتي بالامبريالية. وقد اقتنعوا فعلاً بهذه الحقيقة لأنه كان من المهم أن يفسر ما الذي كان وراء الموقف السوفياتي في دعم قيام الدولة الإسرائيلية وتسليحها، ولماذا تحول إلى موقف مبدئي لا يتزحزح. وقد بدأت موضوعة الامبريالية السوفياتية تعطي تفسيراً لهذا الموقف. كما كان هذا الموقف، بدوره، يشير إليها بإصبع الاتهام أي لم ينبع ذلك من مجرد خطأ أو خلل في تقدير يحمل كل النيات الثورية النقية!

‏ثم تحصّن هذا الفهم لطبيعة الدولة السوفياتية أكثر مع مراجعة الموقف الروسي من الجمهوريات الإسلامية ودول أوروبا الشرقية حيث بدأت تفوح رائحة بطرس الأكبر في مشروع الدولة السوفياتية نفسه، وفي معسكر حلف وارسو.

‏ولكن مع ذلك كان أبو حسن وحمدي وإخوانهم، (وعلى الضد من اتهام "تقدميي فتح" لهم بالعداء للاتحاد السوفياتي وبوضع الاتحاد السوفياتي وأمريكا على قدم المساواة، وبأنهم مجرد صدى للموقف الماوي)، جريصين على اعتبار رأيهم حول طبيعة الدولة السوفياتية مسألة لا علاقة لفتح فيها، وما ينبغي لفتح أن تتبناها مطلقاً، كما أنهم بدورهم، ومن موقعهم في فتح والساحة الفلسطينية والعربية لا يطالبون، أو يقترحون، أن يعامل الاتحاد السوفياتي عدواً، أو وضعه في سلة واحدة وأمريكا. فالموقف الذي صيغ استناداً إلى المنطلقات والمبادئ والى تقدير الموقف المعطى فلسطينياً ودولياً وعربياً، وإلى حسن ترتيب الأولويات والتمييز فيما بين التناقضات، كان يقتضي من فتح أن تعتبر الاتحاد السوفياتي صديقاً ولكن ليس حليفاً استراتيجياً، وإقامة علاقات تقوم على الاستقلالية والتوازن وإياه وتكون نقاط الاتفاق والاختلاف واضحة فيما يتعلق بالسياسات الفلسطينية والعربية والدولية. هذا مع التشديد على عدم تبني مواقفه في الساحة الدولية أو العربية أو في صراعه مع الصين لأن الصين يجب أن تبقى تعامل صديقاً كذلك. ويكون الموقف فيما يتعلق بصراعهما هو الحياد وعدم الانحياز لأي من الطرفين ضد الآخر. أما على مستوى أمريكا فكان لا بد من التمييز بينهما بقدر ما هي مميزة علاقة كل منهما بالعدو الصهيوني أو بالشعب الفلسطيني. وهذا ما يضع أمريكا في موقع العدو رقم 2 ‏بعد العدو الصهيوني (إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية) ولا ينبغي لها أن تساوى ضمن المعادلة السابقة والاتحاد السوفياتي، بل يجب أن نميز بينها وبين أوروبا عموماً في هذه المرحلة التاريخية كذلك. أما موضوع الامبريالية السوفياتية فقد كان في مجال الفهم النظري لطبيعة الدولة السوفياتية، مع إبقائه في موقع القناعة الخاصة، والمعلنة إذا ما اقتضى الأمر، والتي لا مكان لها في الأدبيات أو في الشعارات المطلوب تبنيها من قبل الثورة ولم يكن برأيهم من المناسب أن تتبنى فتح مثل هذه المقولة تماماً كما لا يجوز أن تتبنى مقولة الحليف الاستراتيجي.

‏على كل حال إن مثل هذا الموقف من الاتحاد السوفياتي كان يكلف في ذلك الوقت، غالياً في الساحة الفلسطينية واللبنانية. وكان لا يقوى عليه إلا من يضع دمه على كفه ويكون شديد المبدئية وغير مبال بمصالحه الضيقة.

‏وبالمناسبة، يجدر أن يلحظ هنا أصالة الموقف من هذا الموضوع وتمييزه ‏عن الموقف الماوي الذي كان يعتبر الاتحاد السوفياتي عدواً رقم 1 ‏للشعوب، أو في أحسن الحالات كان يضعه في مرتبة واحدة والامبريالية الأمريكية.

‏لعل التأمل في موقف أبي حسن وحمدي وإخوانهم من إشكالية الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت وضمن تلك الظروف من موازين القوى يستطيع أن يدرك عمق الاستقلالية في خطهم من جهة، وهي التي أخذت تصبح غريبة في فتح، وشدة الحساسية في خطهم للجهر بالحقيقة والموقف السياسي والفكري الصحيح الذي فيه مصلحة فتح والثورة والشعب والأمة العربية (وفقاً لمصطلحات تلك المرحلة). ولو كان ثمن ذلك وقوفاً في وجه التيار والتعرض للمخاسر والمخاطر.

‏وفي المقابل، كانت أعصاب تقدميي فتح مستثارة ومستفزة إلى أقصى حد بسبب هذا الخط الذي يواجهها جهاراً. وينشر أفكاره بكتب معلنة واسعة الانتشار. وقد راحت تشن حرباً شعواء لتجريد أصحاب هذا ‏التيار من كل موقع في فتح وللدفع باتجاه إخراجهم منها والتضييق عليهم بكل سبيل. أما قوة أهل هذا الخط فقد نبعت في ذلك الوقت من سمات ذاتية كانوا قد تحلوا بها ومن مستوى التضحيات التي كانوا يقدمونها في المعارك والمواجهات. كما ساعدهم على البقاء الرضا الداخلي ‏الذي كان يستشعره عدد من قيادة فتح وهم يشاهدون الاشتباك الحامي الوطيس بين الطرفين، ولعل البعض كان شعاره دعهم "فخار يكسر بعضه"، وقد أكسبه هذا بعض الحماية بصورة غير مباشرة. أو في الأقل جعل تيار "تقدميي فتح" يحسب أنه محمي داخلياً فينتقل للهجوم على من يظنهم يحمونه. وما كان ليقتنع أنه لا حماية له داخلياً بالرغم من هجوم القيادة المتواصل عليه. فكان متصور دائماً أن للقيادة موقفاً مزدوجاً. وهو بالفعل كان كذلك. ولكن لو وصل الأمر إلى بسط الحماية لاكتشف أن القيادة ما كانت تمنحه حماية أو دعماً، بل كانت مواظبة على ‏معاداته وتقليمه. ولعل تجنب تيار أبي حسن وحمدي وإخوانهم الدخول في جوقة التهجم على القيادة بالرغم من إساءاتها المباشرة لهم، قد ساعد علي أن يعمى تيار "تقدمي فتح" عن التقدير الصحيح للوضع. لقد كان أبو حسن رحمه الله يقول : "دعهم يتوهموا بوجود هذه الحماية، فهذا يخيفهم ويخفف عنا دون أن يكلفنا شيئأً". ومن ثم كانت تغذية هذا ‏الوهم وعدم إزالته مفيدة عملياً، وذلك بالرغم من بعض الضرر السياسي الذي كان ينجم عن ذلك إذ وقع بالوهم نفسه آخرون ما كان يجب أن يقعوا فيه.

‏ب _ الموقف من التضامن العربي
‏وتأتي المعركة السياسية حول الموقف من التضامن العربي. وهنا كان تيار "تقدميي فتح" حريصاً على قلب منطلقات فتح بالنسبة إلى سياساتها العربية رأساً على عقب كذلك. فأولاً كان المطلوب أن تقسم الوضع العربي إلى تقدمي ورجعي (كذلك دول عدم الانحياز). وكان ثمة تركيز خاص ضد مصر وإلى حد أقل نسبياً ضد سوريا حتى أن حرب تشرين هوجمت ولم ينظر إليها نظرة ايجابية، وذلك على الرغم من مشاركة فتح و م.ت.ف فيها أيضاً. طبعاً خلفية الموقف كان عدم رضا الاتحاد السوفياتي عنها وعن السادات، وقد أعطى السادات لهم فيما بعد كل الأسلحة الضرورية للهجوم عليه والطعن بحرب تشرين التي وقف أبو حسن وحمدي وإخوانهم إلى جانبها بكل قوة واعتبروها إنجازاً هاماً جداً. لأنها حققت إنجازاً عسكرياً لا يستهان به ضد جيش العدو. بل أذل جيش العدو، لأول مرة، في الميدان من قبل جيشين عربيين (مصر وسوريا) ولم ينقذه إلا التدخل الأمريكي عبر الجسر الجوي والضغط السياسي والتهديد. ولأن قرارها كان مستقلاً عن السوفيات والأمريكان وحمل تجرؤاً على القتال في ظروف عسكرية ودولية غير مؤاتية. ولكن سياسات السادات التي اتسمت بالتراجع تلو التراجع في الموقف من أمريكا وفي عملية التسوية مع الكيان الإسرائيلي بما في ذلك تخريب التضامن العربي وإنجازاته في تشرين وفي معركة حظر النفط، وتهديمه للتحالف المصري - السوري كانت كفيلة بتشويه صورة حرب تشرين. وهكذا كان خط أبي حسن وحمدي وسعد والحاج حسن ومحمد علي (أبو يعقوب) وإخوانهم مع التضامن العربي
الذي تجلى في حرب تشرين، وفي حظر النفط، ومع خط المواجهة والقتال كما شجبوا كل سياسة تخريبية لهذا التضامن أو متراجعة أمام العدو الصهيوني أو متواطئة مع ‏أي من الدول الكبرى على حساب خط الاستقلال وعدم الانحياز. وبهذا كان الموقف دائماً متوازناً ومتماسكاً. ويقوم على معايير ثابتة هي في أساسها منطلقات فتح، وعلى حسن تقدير الموقف في حينه.

‏كما راح التيار "التقدمي" في فتح وعل الساحة اللبنانية يعمق في التناقض الذي نشاً بين سورياً وفتح في لبنان لا سيما في العام 1976 ‏ويدعو إلى شن حرب لا هوادة فيها ضد دمشق وحتى إلى إسقاط النظام وكان يسقى ليدفع فتح بهذا الاتجاه.

هنا أيضاً أخذ أبو حسن وحمدي وسعد وأبو محمود وأبو خالد جورج ومروان كيالي والحاج نقولا عبود ونسيم سعيد وشوقي الظنط وعبدالوهاب الحسن (أبو طارق)، ووجدي العنداري وفؤاد تلمسان. وإخوانهم موقف معلناً وشجاعاً في معارضة هذا الخط المدمر. وطالبوا بموقف دفاعي محدود في المجال العسكري مع بذل المساعي لرأب الصدع وعودة التضامن ووقف التدمير الذاتي للقوى التي يفترض بها أن تكون في جبهة واحدة ضد العدو الصهيوني ولإنقاذ وحدة لبنان وأنهم الآن جميعاً في ذمة الله، رحمهم وأوسع لهم في رحمته.

‏فكان هذا الموقف النابع من منطلقات فتح ومن المصالح العليا لفتح والشعب الفلسطيني والثورة كما سوريا ولبنان والموقف العربي كله محط لهجوم شديد حتى وصل الأمر باتهام الخط بالتبعية لسوريا، كما اتهم من قبل بالساداتية. وتندر البعض على أبي حسن في تمركزه مع السرية الطلابية إلى جانب القوات الأخرى في بحمدون بأنه ذهب لا ليدافع وإنما ليستقبل الدبابات السورية بالورود.

‏إنه مجرد الجهر، في ذلك الوقت من عام 1976 ‏، بأن سوريا ليست عدواً وأن الحرب معها يجب أن توقف، وأن العلاقات يجب أن تصحح، وفقاً لشعار "كل البنادق نحو العدو الصهيوني"، كان يحتاج إلى درجة عالية من الفدائية والاستشهادية أمام كل تلك المغالاة التي كانت سائدة في صفوف القوى التقدمية اللبنانية والفلسطينية ضد سوريا.

‏وتواصلت حلقات هذه المواقف والمواقف المضادة عند تقويم قرار حظر النفط الذي تزعمه الملك فيصل رحمه الله، إذ ووجه بحملة شعواء ‏من قبل التيارات التقدمية دون أن يدرك مغزاه وأبعاده الحقيقية. ثم يدرك بعمق أكبر شعار التضامن العربي باعتباره ضرورة في المواجهة ضد العدو الصهيوني وفي الدفاع، على الأقل، عن الحد الأدنى من الحقوق والمصالح العربية. وقد وصل الأمر بإطلاق تسمية تهكمية على أبي حسن وحمدي وإخوانهم وهي "جماعة التضامن العربي". فيا لها من تهمة! ولكن مع ذلك كانت تهمة حقيقية وخطيرة حين توجه ضد أحد في تلك الظروف وتلك الأيام.

‏ولكن كان جواب أبي حسن وحمدي وإخوانهم، نعم نحن مع التضامن العربي، ومع عقد القمم العربية. لأن هذه القمم تقوم على أساس الحد الأدنى المشترك فيما بين الدول العربية المختلفة من يسار إلى يمين ولهذا كانت المحصلة في ذلك الوقت إيجابية بالضرورة. فهي بالضرورة لا تخرج أمريكية أو سوفياتية. ومن ثم تأتي أقرب إلى الاستقلالية. فكل دولة عربية وحدها لها حساباتها وظروفها وارتباطاتها ونقاط ضعفها تجاه الضغوط الخارجية وينطبق هذا، إلى حد ما، على المحاور كذلك. بينما حين كانت تجتمع المعادلة العربية في تلك الظروف كانت تخرج المحصلة بمجموعها أفضل نسبياً لأن الموقف الجماعي وإن عبّر عن نقاط الضعف المشتركة إلا أنه يعبر عن نقاط إيجابية نابعة من طبيعة التجمع. وإذا كانت التجربة قد أثبتت أن التضامن لم يحرر فلسطين. ولم يزل آثار العدوان إلا أن عكسه لم يفعل كذلك. ولكن التضامن حقق شيئاً ولو جزئياً في كل مرة. ويكفي أن نلحظ أن التضامن العربي حتى في ظروف ما بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفياتي وهي أسوأ من الظروف السابقة بالنسبة إلى معادلة الدول العربية، ما زال، مع ذلك، مقاوماً من قبل أمريكا والصهيونية. وما زال أفضل من أن تترك كل دولة وحدها ليستفرد بها.

‏المهم، أن يلحظ أن خط التضامن العربي كان هو الذي يمثل منطلقات فتح ومبادئها كما كان يجسد السياسة التقليدية الصحيحة لفتح في تلك الظروف والمعادلات. لكن مع ذلك كان الصوت الأعلى داخل فتح وم.ت.ف ضده، ودون أن يتورع بإدانة كل من دعا له، أو حتى لم يشجبه لأنه كان يعتبر خط السادات والسعودية والأردن.والمغرب.

‏وبالمناسبة، يجب أن يعاد التأكيد هنا أن أبا حسن وحمدي ومحمد علي وإخوانهم لم يكونوا وحدهم في كل ما مرّ من مواقف فقد تصدى في ذلك الوقت من داخل فتح عدد من القيادات والكوادر لكل هذه القضايا. وما كان موقفهم أقل فدائية وشجاعة، وما كان معرضاً أقل للهجمات والحملات الظالمة. فقد كانت الساحة على الرغم من سيطرة التيار التقدمي في ذلك الوقت وشدة غلوائه في محاربة خصومه، تعج بمثل تلك المواقف ولعل عذر كاتب هذه السطور في عدم ذكر الأسماء يستند من جهة إلى التركيز على الشهداء أبي حسن وحمدي ومروان وإخوانهم والحاجة إلى تبيان مواقفهم، كما يستند من جهة أخرى إلى ترك حق ذكر الأسماء لأصحابها وقد انطبق هذا عند الحديث عن مختلف التيارات. وذلك حتى لا يكون في الإشارة تعريضاً شخصياً بأحد عند النقد، أو إحراجاً شخصياً لأحد عند التقريظ والإشادة، أو إساءة في دقة نقل الموقف حين يشار إلى شخص بعينه.
‏ومن هنا، يتوجب التنويه، مرة أخرى، إلى أن هذا الكتيب يغطي جزءاً متواضعاً من صورة تلك المرحلة الغنية المترامية الأطراف، واللامتناهية في تعددها وتلاوينها.

- في موضوع عزل الكتاب

عندماً وقعت جريمة الباص في عين الرمانة في نيسان 1975 ‏، وبدت بوادر الحرب الأهلية والانقسام وانهيار الدولة، تميز موقف أبي حسن وسعد جرادات وإخوانهما بطرح خط يقول بضرورة الرد بضربة محدودة ثم العودة فوراً إلى المساومة لوقف تدهور الوضع وتجنيب لبنان خطر الانقسام الطائفي وانهيار الدولة. ولكن سرعان ما بدأت الأحداث تتفاقم وقد وصلت قمتها بالقرار الذي اتخذ على مستوى القيادة المشتركة الفلسطينية – اللبنانية" بعزل الكاتب".

‏لم يتردد أبو حسن وسعد ومروان وأبو خالد جورج وإخوانهم في تخطيء هذا القرار حتى عندها كان يُبعث في مراحله الأولى. ثم جهروا بمعارضته بعد أن وقّع عليه ياسر عرفات والمرحوم كمال جنبلاط. وكانوا في موقفهم هذا يطبقون المنهجية المشار إليها آنفاً، وهي تصور أنفسهم في موقع القيادة من جهة تقدير الظروف المعطاة بمجملها ومن ثم طرح السياسة التي ستكون الأفضل والأصح بالنسبة إلى مجموع الوضع. فقد كانوا حريصين على ألا تكون شعاراتهم ذات طابع فئوي خاص، أو من أجل مكاسب ضيقة، وإنما هي موجهة لتامين "الخير العام" ومن ثم كثيراً ما تكون في مصلحة معارضيها وهم لا يعلمون. ولهذا قامت معارضة قرار عزل الكتائب على حيثيات كان ينبغي للقيادة الفلسطينية أن تراعيها وكانت ستؤمن مصلحة عامة وتحقق خيراً عاماً لو أخذ بها المعنيون (فلسطينيون ولبنانيون).

‏فمن جهة كانوا يرون أن ليس من حق القيادة الفلسطينية التي وجدت في لبنان على أساس اتفاق القاهرة أن تأخذ مثل هذا القرار لأن في ذلك تجاوزاً واضحاً لحدودها، وتدخلاً خطيراً في الشأن اللبناني، ذلك بأن موقفها من عزل الكتائب إذا صح هنا فما يمنع أن يعمم على غير الكتائب وتبدأ عمليات العزل والتدخل؟ أفلا يشكل هذا خطراً حقيقياً، وغلطة واضحة، وابتعاداً ملموساً عن منطلقات فتح ومبادئها التي وضعتها لنفسها في علاقاتها العربية؟

‏هذا من الناحية المبدئية والموقف الأساسي ولكن يمكن أن نرى خطأ القرار من ناحية سياسية وعملية كذلك. فمن جهة يضع العزل الشارع الماروني كله إلى جانب الكتائب فوراً، كما يحرج الصف المسلم التقليدي السني - الشيعي - الدرزي .أي أن قرار العزل يعزز الجبهة المقابلة ويفسخ الجبهة في المناطق الإسلامية.

‏ثم أن العزل يضع الحرب في طريق مسدود أي يفرض التقسيم. لأن العزل لا يسمح بالمساومة وبالاتفاق حتى لو استعد ذلك الطرف لتقديم عدد من التنازلات المطلوبة منه.

‏وقد حدث ذلك فعلاً في مناسبتين، على الأقل، حيث أبدى الطرف الماروني استعداداً للاتفاق، ولكن قرار العزل كان يدين حتى أي اتصال أو مفاوضة. أي كان قراراً مكبلاً ليدي جنبلاط وعرفات من جني أية مكاسب أو الخروج من الأزمة وإعادة اللحمة للوضع على أساس اتفاق جديد. ولعل من تداعيات هذا القرار كان التدخل السوري والأزمة بين سوريا والقوات اللبنانية - الفلسطينية المشتركة، وصولاً إلى حرب حزيران 1982 ‏، طبعاً لا تفسر كل هذه التداعيات بسبب القرار لأن لها بدورها ظروفها وعواملها العربية والدولية، لكنه كان ممهداً لها ومساعداً عليها، ويجب أن يحسب حسابه عند تقويم مختلف أوجه الحرب الأهلية في لبنان.

‏كان الوقوف ضد قرار العزل وانتقاده يبدو ضرباً من الجنون في ظروف جريمة مجزرة عين الرمانة. وما صحبها من قعقعة للسلاح ‏وانتشار للميليشيات وانتقال الحزب الشيوعي اللبناني الداعي دائماً إلى الطريق السلمي إلى "حربجي" من الدرجة الأولى، وانتقال منظمة العمل الشيوعي صاحبة التحليل الطبقي للبنان و"دولة 4 ‏%" إلى الحديث عن ‏الانعزالية المارونية والدولة الطائفية. هذا دون الحديث عن المقاومة الفلسطينية التي وجدت نفسها فجأة في موقع المسيطر على الشارع اللبناني السني - الشيعي. وقد راحت بكل فصائلها تجند الميليشيات وتوزع السلاح. وقد وصف البعض هذا التطور للأحداث أن لبنان يتجه ليكون بمثابة فيتنام الشمالية التي شكت قاعدة تحرير فيتنام الجنوبية!!.

‏هذا دون الحديث عن غليان الشارع السني والشيعي والدرزي بذكريات الامتيازات التي تمتع بها الموارنة والحرمان في المناطق الشعبية لا سيما الشيعية.

‏من هنا كانت المجاهرة بموقف سياسي حازم ضد قرار العزل واعتباره خطا مبدئياً وسياسياً، والدعوة إلى أن يكون هدف كل مواجهة دفاعياً وفتح الباب للمفاوضة بل السعي لإعادة اللحمة ووقف الانقسام ومنع انهيار الدولة والوصول إلى درجة أعلى من العدالة والتفاهم اللبناني - اللبناني الداخلي يحد من الامتيازات ومن الحرمان سواءً بسواء، كان ذلك قد قوبل بحملة شعواء.

على أن هذا الطرح، أمام كثرة معارضيه، فرض فرزاً جديداً. ووضع تيار أبي حسن وسعد جرادات وأبي محمود (هلال رسلان) وأبي خالد (جورج عسل) وعلي أبي طوق ومروان كيالي، ومعهم بضع عشرات في موقع متميز، وخلصه من التداخل في المواقف الناجعة عن طبيعة العلاقات والصداقات المتشابكة داخل فتح. ويمكن القول أن هذه المناسبة شكلت نقطة الانطلاق الحقيقية لذلك التيار، وسمحت له من الآن ‏فصاعداً، بأن يتحمل وحده مسؤولية مواقفه وما سيطبعه من سمات.

‏لقد جاءت المبادرة في هذه المسالة ( أي في فرض التمايز والانطلاق على أسس جديدة) من قبل عدد من الإخوة ممن أصبحوا يتحملون على مضض، بسبب العلاقات المتداخلة، توجهات الخط في منهجية العمل وفي موضوع التضامن العربي وحرب تشرين والموقف من الاتحاد السوفياتي. وفي تقويم القيادة وفي غيرها من القضايا، فوجدوا في معارضة قرار العزل موقفاً غير صحيح وغير معقول. ويثير على صاحبه ‏الشبهة. فانبروا لحسم العلاقة على أساس: "من مع قرار العزل ومن ضده". ومن ثم كان على أبي حسن وإخوانه أن يبدؤوا مرحلة جديدة يبلورون فيها خطهم النظري والسياسي والعملي، بلورة متماسكة مميزة غير متداخلة بتوجهات وخطوط أخرى ومنهجياتها وسياساتها.

‏لقد حسب بعض المقربين أن مقاومة قرار العزل سينهي هذا التيار ويصفيه إذ كيف يعقل أن يرفع مثل هذا الشعار، بل كيف يعقل أن يكون هنالك صمود في مثل تلك الظروف التي تهب رياحها في مصلحة قرار العزل؟ على أن الوقائع أثبتت العكس تماماً فصحة الموقف والتحليل إزاء هذا الموضوع، كما إزاء المواضيع الأخرى اللاحقة كانت حاسمة في ‏مضاعفة قوى هذا الخط حتى ضمن تلك الظروف. فقد أصبح التيار قطب جذب لقوى شابة، أساساً، طلابية، فلسطينية ولبنانية تتسم بالذكاء والنضج والشجاعة والحيوية والاستعداد لدخول غمار القتال وعدم الخوف من التضحيات، ومهيأة للإمساك بهذا الخط إمساكا مبدئياً عالياً وخوض الصراع النظري والفكري والسياسي. فالذي لم يلحظ، في ذلك الوقت، أن معارضة عزل الكتائب ما جاء عرضاً، وإنما ‏كان جزءاً من منظومة متماسكة من المواقف والسياسات تبدأ من منطلقات فتح ومبادئها لتشمل مختلف القضايا من الوضع الدولي إلى الوضع العربي إلى الوضع اللبناني إلى الوضع الفلسطيني. وتتناول كل الإشكاليات الفلسفية والفكرية والأيديولوجية والمنهجية والتجارب الثورية التي تواجه العمل والتغيير.

‏ولهذا إذا كان لا بد من أن يؤرخ لليوم الذي خرج فيه هذا الخط من مرحلة الإرهاصات وتداخل الخطوط والاتجاهات والعلاقات المختلطة إلى مرحلة التبلور الذي أصبح معروفاً عليه فسيكون يوم تبنيه لخط معارضة قرار العزل، وما تلاه أساساً من تداعيات أنهت المرحلة الأولى. وهو اليوم الذي انتعلت فيه ثلة من الخيرة إلى مواقع القيادة والمسؤولية يقلّبون الأمور ويتخذون القرارات والمواقف وينفذون.

- حول الجبهة المتحدة والتحالفات

‏فهم أبو حسن وحمدي وسعد وأبو خالد وإخوانهم من منطلقات فتح أن معيارها في إقامة العلاقات هو تعبئة كل من تمكن تعبئتهم من أجل نصرة الثورة وقضية فلسطين، والعمل على تقليص الأعداء إلى أقصى حد. وإعطاء الأولوية للتركيز ضد العدو الصهيوني أما حلفاؤه ومؤيدوه فلا بد من العمل في صفوفهم من أجل كسب من يمكن كسبه وتحييد من يمكن تحييده، وحتى الذي يكون عداءه لقضية فلسطين وثورة شعبها وانحيازه للعدو الصهيوني متردداً، فينبغي التخفيف من عداوته. وكان يبرز هنا بصورة خاصة أمريكا والدول الأوروبية إذ كان لا بد من أن يميز فيما بين هذه القوى في تحديد سُلّم الأعداء ولكن في كل الأحوال كان يجب أن يبقى الكيان الإسرائيلي على رأس السُلّم ثم تليه الحركة الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية.

‏أما على مستوى المعسكر الاشتراكي والصين ودول عدم الانحياز فالمعيار يعتمد التحشيد السياسي والمعنوي والمادي إن أمكن، وراء قضية فلسطين والثورة. ولكي يكون ذلك ممكناً فعلى فتح ألا تنحاز لأي طرف ضد الطرف الآخر، فالانحياز يجب أن يكون لقضيتها وثورتها. فهي تقيم العلاقات بالآخرين لتأتي بهم إلى مواقعها لا لتذهب هي إلى مواقعهم، وتُستخدم في صراعاتهم. ولا ينبغي لها أن تدخل في مقايضات بمعنى أن تنحاز لسياسات طرف معين مقابل تأييده لها، أو وقوفه إلى جانبها. أما على المستوى العربي والإسلامي فالمطلوب تحشيد كل الأطراف الرسمية والشعبية من أجل نصرة القضية الفلسطينية ودعم كفاح شعبها. فاليد يجب أن تمد إلى الجميع بلا استثناء، وبغض النظر عن نوع الأنظمة أو نوع الأحزاب والأيديولوجيات، ويجب أن تكون القضية الفلسطينية فوق الصراعات العربية - العربية. وكان ينظر إلى كل انحياز لهذا الطرف أو ذاك، ومهما كان مسوغه، باعتباره خسارة في عملية التحشيد ولا يخدم القضية الفلسطينية في مرحلتها الراهنة آنذاك.

‏طبعاً تعرضت هذه المنطلقات إلى سلسلة طويلة من الانتقادات ومن مختلف الأطراف. والكل يذكر الحملات التي شنت على شعار "قضية فلسطين فوق الصراعات العربية – العربية"، أو شعار "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية"، أو شعار "كل البنادق نحو العدو الصهيوني"، أو شعار "تكوين الجبهات لمساندة فتح والثورة الفلسطينية". فكان رأي فتح الأصلي أنهاً تطل على الثورة العربية والثورة العالمية أو على إشكالية التغيير العربي والنضال العالمي ضد الامبريالية من خلال تركيزها على الصراع ضد العدو الصهيوني، أي من فوق أرضها وليس من خلال الانتقال إلى خنادق أخرى، والدخول في تكتلات وجبهات ذات غايات الأخرى. لقد فهم شعار، أو منطلق، فلسطين طريق الوحدة العربية، أو طريق التغيير العربي، بأنه جزء لا يتجزأ من علاقة تبادلية وتكاملية بين فلسطين والوحدة والتغيير. فما ينبغي للسعي لتحرير فلسطين أن يلغي، أو يغيب السعي للوحدة أو التحرر أو التغيير العربي، بل عليه أن يكون العامل المساعد على ذلك. وهذا من أهم مسوغات العمل على الساحة الفلسطينية. كذلك كان الحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية ينبع، من وجهة نظر أبي حسن وحمدي وإخوانهما من حرص على إطلاق طاقات التغيير العربي بصورة مستقلة ومتوازنة ومتكاملة دون وصاية أو إلحاق من قبل الثورة الفلسطينية. وفي المقابل أن الحرص على استمرارية الثورة الفلسطينية يتطب الحرص على استقلاليتها ورفض الاحتواء والإلحاق. أي كان المطلوب طرح سياسات حكيمة وصحيحة لضبط العلاقة التبادلية التأثير بين التحرير والتغيير، أو التحرير والوحدة العربية وكان الشعار "أن على فتح ألا تترك خنادقها وتذهب إلى خنادق أخرى مهما تعاطفت وإياها".

‏وكان أبو حسن وسعد وحمدي وإخوانهم يرون أن هذا الخط هو الأكثر ثورية والأكثر صحة من حيث نتائجه لا على مستوى مصلحة قضية فلسطين أو الثورة الفلسطينية وإنما على مستوى التغيير العربي وتحشيد الموقف العربي الرسمي من أجل قضية فلسطين، كما على النضال العالمي من أجل تحرير الشعوب من الهيمنة الامبريالية والصهيونية العالمية. ولهذا فإن كل موقف سياسي حمل خروجاً على ‏هذه المنطلقات كان يصطدم بالنقد ويواجه بسياسة بديلة من قبلهم حتى لو كان ذلك قد صدر، عن قيادة فتح وم.ت.ف.
‏وجدت هذه الإشكالية أشد حالاتها تأزماً منذ 1973 ‏في لبنان لاسيما في السنتين الأوليين من اندلاع الحرب الأهلية.

‏كان من الواضح أن ثمة تركيزاً من جانب التيار "التقدمي" (بما في ذلك اليساري) في داخل فتح والثورة الفلسطينية يرمي إلى تقديم مفهوم للجبهة والعلاقات داخل لبنان مناقضة لمنطلقات فتح ومفهومها الأساسي حول الموضوع أو مناقضة لما كان معمولاً به في لبنان خلال المراحل الأولى من وجود فتح قبيل اتفاق القاهرة وبعده، كما كان معمولاً به، بصورة مركزة، منذ 1965 ‏، لاسيما بعد حزيران 1967 ‏حتى أواسط السبعينات.

‏فبدلاً من أن تفتح فتح ذراعيها وتتعاون وكل القوى اللبنانية المستعدة لدعمها والوقوف إلى جانب قضيتها، وبغض النظر عن هويتها الطائفية أو السياسية أو الحزبية، صار مطلوب أن تضم ذراعيها على القوى التقدمية واليسارية وبعض القوى القومية فقط، وتغلق الباب في وجه الآخرين كلهم إن لم تسهم في إضعافهم.

‏إن نظرة سريعة إلى حجم القوى الفعلي على الأرض والمطلوب نبذها أو تلك المطلوب التحالف وإياها من خلال ذلك النهج تدل على خلل كبير في السياسة والمنطق وعلى تفريط في المصلحة العليا، واستخدام لفتح في غير مقاصدها.

‏فإذا كان الخط التقليدي لفتح مفتوحاً في السابق على الجميع في لبنان، بما في ذلك الموارنة، فإن الخط الجديد، لاسيما، في ظروف اندلاع الحرب الأهلية قام على عزل الكتائب والموارنة، أولاً ثم اتجه ثانياً، وبقوة أكبر إلى عزل قيادات الشيعة بكل فئاتهم عدا قلة من الأفراد المنتمين للأحزاب اليسارية والتقدمية، كما اتجه إلى عزل أغلب الأطراف السنية من القيادات السياسية التقليدية إلى الحركات الشعبية الإسلامية إلى دار الإفتاء إلى الاتجاهات الناصرية عدا بعض فئاتها المنضمة إلى جبهة القوى والأحزاب التقدمية.

‏وكانت حركة المحرومين التي أطلقها الإمام موسى الصدر قد لقيت في المراحل الأولى بعض التجاوب من قيادة فتح ثم أخذت العلاقة بها بعد اندلاع الحرب الأهلية تتدهور وإن لم تنقطع بالسر من البعض لأن العلنية كانت تُعرض صاحبها إلى التشهير به من قبل تقدميي فتح وجبهة الأحزاب والقوى التقدمية اللبنانية. وكانت هنالك قلة، من بين كوادر فتح وقياداتها حافظت على علاقات حسنة بها، ورفضت مقاطعتها أو التهجم عليها ورأت أن ذلك مخالف لمبادئ فتح ومخالف لمصلحتها لاسيما وجود قواتها في الجنوب. وكان تيار أبو حسن وحمدي وسعد وإخوانهم حاسماً في التحدي في هذا الموضوع ودخل في صراعات داخلية شديدة دفاعاً عن موقفهم ونقداً للموقف الآخر. وقدموا جسور التعاون علنا، وحركة المحرومين. والتي أصبحت "أمل" وكان الشهيد أبو حسن قد أرسل الشهيد مجاهد الضامن ليدرب بعض شباب حركة المحرومين من أجل تدعيم المقاومة ضد العدو الصهيوني وقد انفجرت به قنبلة فاستشهد جنباً إلى جنب مع أحد القيادات العسكرية لحركة المحرومين. وقد أعلنت حركة "أمل" أثر تلك الحادثة وهو اختصار لاسم "أفواج المقاومة اللبنانية". ووصل الأمر أن أخذ القرار في قيادة فتح لتشكيل لجنة تحقيق مع بعض الكوادر القيادية ن فتح و م. ت. في بسبب علاقاتهم بحركة أمل أو بالتيارات الإسلامية الأخرى التقليدية والشعبية. وإذا كانت اللجنة قد تشكلت بضغط التيار التقدمي داخل فتح إلا إنها انفجرت على قاعدتها مع أول لحظات التحقيق لأنها ما كانت تستطيع أن تناقش من مواقع فتحاوية مثل هذه السياسة لأن موقفها كان ضعيفاً من هذه الزاوية وليس لديه من سلاح غير الإرهاب الفكري والتشكيك وإلقاء الشُبه جزافاً. ولكن ما كان أخطر، فقد تمثل في الصراعات التي خاضها تيار أبي حسن وحمدي ومروان وعلي أبي طوق وإخوانهم في الجنوب، لاسيما، بعد نزول السرية الطلابية التي أسسها وقادها الشهيد سعد وغادرها مبكراً. وقد تحولت إلى كتيبة الجرمق في الجنوب. وكانت المرحلة التالية لـ 1977 ‏مرحلة هجوم شديد من قبل ‏جبهة الأحزاب والقوى التقدمية للسيطرة على قرى الجنوب التي ليس لهم فيها من، مرتكزات أو قواعد تذكر، وكان يراد أن تستخدم قوات ‏الثورة الفلسطينية ومعها القوات اللبنانية التقدمية لهذه الغاية.

فكان على كتيبة الجرمق إلى جانب مهمتها الأولى في مواجهة العدو الصهيوني على خط التماس، أن تدافع عن القرى الشيعية وحركة أمل في الجنوب. وقد وصل الأمر أحياناً إلى أن يرتفع سلاح فتح في مواجهة بعضه بعضاً. ولولا حكمة قيادة كتيبة الجرمق وحزمها لحدثت اشتباكات. كما حدث حين تصدى مروان وعلي أبي طوق مع قوات من كتيبة الجرمق لوقف هجوم القوات المشتركة حين دكت الأخيرة بالمدفعية دير قانون عام 1978. لان الكتيبة كانت مصممة لا على طرح موقف سياسي مقابل فحسب وإنما أيضاً، على تنفيذه، وهي مقتنعة كل القناعة أن في خطها مصلحة عليا لفتح والثورة الفلسطينية كما لأهل الجنوب ولبنان كله في حين كان خط تسليط جبهة القوى والأحزاب التقدمية على قرى الجنوب يحمل تدميراً لمعادلة الصراع داخل لبنان وتدميراً لفتح نفسهاً فيه. ويجب أن يذكر هنا الشهيدان مروان الكيالي وعلي أبو طوق اللذان شكلا من خلال موقعهما القيادي في كتيبة الجرمق، إلى جانب دفاعهما عن الخط الصحيح ضميراً لفتح ومنطلقاتها في وقت كانت الرياح تهب في الاتجاه الآخر.

‏ولم يكن الوضع مختلفاً بالنسبة إلى الدفاع عن علاقات فتح بالإسلام السني السياسي والشعبي لأن المناطق السنية في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع كانت أول ما استهدف من خلال سياسات العزل قبل أن تنتقل النار إلى الجنوب. هنا أيضاً كان الإصرار من جانب أبي حسن وسعد وحمدي وأبي خالد وإخوانهم على تركيز العلاقات مع كل القوى الاجتماعية الأساسية التي يراد استبعادها، وأصبحت في حالة الاستضعاف وهي التي كانت قد شكلت سنداً لفتح من 1968 ‏إلى أواسط السبعينات. ولشد ما كانت بعض القيادات العليا في فتح تلقى من هجمات عليها بمجرد محافظتها على علاقات خجولة بالقيادات السنية السياسية التقليدية مثل رؤساء الوزراء السابقين ودار الإفتاء أو الحركات الشعبية مثل الجماعة الإسلامية وعدد من العلماء والتجمعات المحلية وبعض الناصريين والعروبيين، أو بعلماء المجلس الشيعي الأعلى أو السيد حسين فضل الله، وغيرهم وغيرهم، فكانت تمارس تلك العلاقات بالسر قدر الإمكان، وتعطي وعوداً بلا أفعال، بينما كان الموقف الرسمي والساعد الضاربة الفعلية أسيرين لجبهة القوى والأحزاب التقدمية.

هنا كان خط أبي حسن وحمدي وسعد وإخوانهم قد بلور سياسة للجبهة المطلوب تشكيلها والعمل من خلالها لإخراج لبنان من أزمته تتألف من دار الإفتاء والمجلس الشيعي الأعلى ومن القيادات السنية والشيعية السياسية التقليدية ومن العلماء ومن القوى الشعبية الإسلامية والعروبية ومن جبهة القوى والأحزاب التقدمية والقومية ومن الشخصيات ورجال الدين المسيحيين ممن يمكن حشدهم من أجل الضغط باتجاه وقف الحرب الأهلية ومنع التقسيم وإعادة بناء المعادلة اللبنانية مع فتح باب الحوار مع البطريركية المارونية وحزب الكتائب وحزب الأحرار والكسليك وكل من يقبل الحوار ولا يعزل غير المتواطئين مع العدو الصهيوني. وذلك لتكون المحصلة في مصلحة إعادة اللحمة إلى الوضع اللبناني على شكل يحقق عدالة أكبر وتماسكاً أشد فيما بين مختلف طوائفه وقواه السياسية، هذا من جهة وأما من جهة أخرى فمن أجل تحقيق أكبر إجماع لبناني وراء وجود الثورة في لبنان ووراء القضية الفلسطينية.

‏ويجدر أن يشار هنا إلى أن هذا التيار نتهج سياسة مشابهة بالنسبة إلى القوى السياسية العربية والإسلامية والأوروبية التي أخذت توصد ‏في وجهها أبواب فتح بسبب صراعاتهاً مع التيار السوفياتي. إما من مواقع إسلامية أو قومية أو ماوية أو يسارية أوروبية. فبالموازاة ‏وبعض الفتحاويين، بقيادة الشهيد أبي جهاد رحمه الله، استمر هذا التيار من جانبه، وباستقلالية، يسعى لفتح الجبهة العريضة على مصراعيها عربياً وإسلامياً ودولياً، وذلك بالرغم من السياسة الرسمية المعلنة التي راحت تحصر أو تحاصر في حدود التيارات التقدمية واليسارية (لا سيما المؤيدة للسوفيات).

‏كان هذا هو التوجه المعلن والمطبق، رضي من رضي، وغضب من غضب. وهو الذي تحول إلى سمة مميزة لخط أبي حسن وحمدي ومروان وإخوانهم فلسطينيين ولبنانيين، وكان اللبنانيون في هذا التيار يشكلون شطراً مساوياً للشطر الفلسطيني عدداً ودوراً وقيادياً وعملاً ‏وتضحيات، وكانوا من كل الطوائف والمناطق اللبنانية تقريباً، وقد استطاعوا أن ينسجوا أمتن العلاقات، في المناطق الإسلامية من لبنان، بالقوى المقهورة التي تتخطفها ميليشيات القوات المشتركة الفلسطينية - اللبنانية التي كانت تحت سيطرة جبهة القوى والأحزاب التقدمية.

‏قد يبدو أن تيار أبي حسن وسعد وحمدي وإخوانهم كان معادياً لجبهة القوى والأحزاب التقدمية، وكان يريد من فتح أن تعزلها، ولكن هذا غير صحيح ولم يكن يوماً كذلك. فقد كانوا يحملون احتراماً خاصاً للمرحوم كمال جنبلاط وكانوا ينظرون إليه بأنه الوحيد في تلك الجبهة الذي كان يمثل شطراً حقيقياً في مكونات المعادلة اللبنانية، وما كانوا يحملون بالنسبة إلى الأطراف الأخرى نيات عدائية أو سياسات اقصائية. بل أن عدداً مهماً من الشباب اللبناني في قلب هذا التيار كان قد انحدر من منظمة العمل الشيوعي وقد حافظ على صداقاته وسعى دائماً لاستمرار الحوار والتعاون. وإن كان باب منظمة العمل هو الذي أوصد بعد الإنخراط في جبهة الأحزاب والقوى التقدمية. فالموقف الفتحاوي كان يقتضي أن تكون الأذرع مفتوحة إلى جميع أولئك كذلك. فالصراع كان ضد الخط السياسي والعملي الخاطئ الذي تبنته جبهة القوى والأحزاب التقدمية في إدارة الصراع في الأزمة اللبنانية. فموقف تيار أبي حسن كان متماسكًا، مستنداً إلى المنطلقات ومن تقدير للمصلحة العليا ولحسن إدارة الصراع ولم يكن وجهاً آخر لعملة التيار التقدمي واليساري داخل فتح الذي كان أحادي الجانب ومتجهاً لطرف واحد بعينه في لبنان وضارباً عرض الحائط بالأطراف الأخرى جميعاً. أي كان خط أبي حسن وحمدي وسعد وأبي خالد وأبي محمود ومحمود الحسنية وإخوانهم يريد من فتح أن تتعاون وجبهة الأحزاب والقوى التقدمية، بما في ذلك الحزب الشيوعي، ولكن ليس على حساب التعاون مع القوى الأخرى أو عزلها أو ضربها.

‏ولعل من المآسي المبكيات أن فتح في حرب حزيران 1982 ‏ومي تواجه الضغوط السياسية والعسكرية للخروج من لبنان، كما من طرابلس عام 1983 ‏، لم تنل من جبهة الأحزاب والقوى التقدمية عشر معشار ما كانت تتوقعه منها أ. والأنكى أن مؤتمر الكوادر الذي عقد في بنزرت في أثناه الحصار على طرابلس والتعرض للهجوم العسكري أرسل التحية للقوى والأحزاب التقدمية اللبنانية التي كانت في معظمها في الطرف المقابل، بينما شق عليه أن يوجه إلى حركة التوحيد الإسلامية مثل تلك التحية مع العلم أنها كانت حليفاً لفتح في طرابلس. إن هذه الواقعة تشير إلى أي مدى أخذت فيه الهوة تتسع بين فتح ومنطلقاتها.

- ‏من تجربة الجناح اللبناني

‏كان اللبنانيون في هذا التيار يشكلون شطراً مساوياً للشطر الفلسطيني عدداً ودوراً قيادياً وعملاً وتضحيات. وذلك من أول يوم حتى آخر يوم. وكانوا من كل الطوائف والمناطق اللبنانية تقريباً. وقد شارك في التيار كذلك عدد آخر من أخوة عرب لعب بعضهم دوراً أساسياً، هذا إلى جانب علاقات حوار وتعاون مع عدد من الأطراف العربية وغير العربية فكان ما يطرح من خط موضع اهتمام واسع، بل كان نتاج حوار مستمر مع مختلف الأفراد والتجمعات المذكورة.

على أن الميزة التي انفرد بها اللبنانيون في هذا التيار كونهم انخرطوا فيه لا من أجل دعم نشاطهم المحلي اللبناني، أو من أجل تأمين الدعم له بين الجماهير اللبنانية، كما كان حال أغلب المشاركات اللبنانية في ذلك ‏الوقت، وإنما من أجل أن يشاركوا في المشروع الفلسطيني نفسه، باعتباره القضية الأولى للأمة كلها. أي كانوا أقرب إلى الاهتداء بنموذج الشهيد عزالدين القسام (السوري المنشأ) أو المرحوم القاوقجي (اللبناني الجنسية). وإن كان هذا الخط قد واجه باستمرار من داخله اللبناني اتجاهات للتحول إلى حركة لبنانية أو إلى النشاط اللبناني والإفادة من الحالة الفلسطينية في دعم متبادل.

‏وقد عرفت التجربة هنا عدة محاولات في مجال إيجاد أطر لبنانية وكانت ناجحة نسبياً، كما عرفت انخراطاً كاملاً من قبل الأخوة اللبنانيين في مشروع السرية الطلابية وكتيبة الجرمق وكان لهم دور في ذلك يكاد يفوق الدور الفلسطيني. أما على مستوى تلك المحاولات أو التي لم تبعد كثيراً عن هذا التوجه العام فقد عرفت النور قبل 1975 ‏تجربة الجبهة الوطنية على مستوى الحركة الطلابية في الجامعة اللبنانية، وكان من روادها مروان الكيالي والمرحوم نذير الاوبرى، وتجربة الثانويات التي كان من قادتها الشهيد علي أبو طوق، ثم تشكلت تجارب اللجان الوطنية وتجربة حركة لبنان العربي وكان على رأسها الشهيد الدكتور عصمت مراد .

‏وبالمناسبة واجه السياق اللبناني داخل هذا التيار تغيراً أساسياً بعد الانتقال إلى رض الإسلام. فقد واجه بعد أن حسم هذا الموضوع إشكالية في استمراره بمعنى هل يستمر تياراً داخل الساحة الإسلامية، أم لا؟.

‏وقد اتجه النقاش منذ ذلك الوقت إلى الإجابة - "لا" حاسمة عن السؤال. ومن ثم كان على أفراد هذا التيار أن يبحثوا كل حسب اجتهاده وضميره في الساحة الإسلامية عن علماء يأخذون عليهم دينهم وحركات وجماعات ينخرطون فيها عملاً وجهاداً. ولكن كان ثمة إصرار على الاحتفاظ بما هو قائم على الساحة الفلسطينية بالنسبة إلى كتيبة الجرمق ‏أو العمل في الأرض المحتلة. لأن التخلي عن ذلك وحلّه قبل أن تتوفر بدائل، وفي مستواه، قد يشكل خطأً كبيراً يفيد منه العدو الصهيوني، أو قد يجعل حال التيار "جبارين في الجاهلية خوارين في الإسلام" إذا ما تخلوا عن مواقع القتال على خط التماس أو الجهاد والمقاومة المسلحة في فلسطين.

‏وقد أدى ذلك إلى توزع أغلب اللبنانيين، لا سيما بعد 1982 ‏، على مواقع جديدة من خلال اجتهاد فردي مستقل، وقد أصبحت لبعضهم خطوط مختلفة تماماً، ولم تحافظ حتى على التشاور وتبادل الرأي. لكن بقى، في المقابل، بعض اللبنانيين الذين أصروا على الانخراط في المشروع الفلسطيني الجهادي ضمن حالته الجديدة، وضمن الرؤية السابقة نفسها حول علاقة القضية الفلسطينية والجهاد الفلسطيني بالتغيير والوحدة والنهوض في الأمة وكان في مقدمة هذا التوجه الشهيد سمير الشيخ . فالتحول إلى الطريق الإسلامي لم يغير في جوهر المعادلة السابقة وإنما وسعها لتشمل الأمة العربية والإسلامية ولربما كانت ‏هنالك ضرورة مستقبلاً لوقفة تقويمية بالنسبة إلى ما حدث بعد 1980. خصوصاً، بعد 1982 ‏بالنسبة إلى أفراد هذا التيار من لبنانيين وعرب عندما تركوه ليخوضوا في الساحة الإسلامية تجارب أخرى من منطلقات ومواقع أخرى وضمن منهجية مختلفة، فبعضها كان ناجحاً وايجابياً وبعضها كان سلبياً.

- حول الوجود في لبنان

رأى أبو حسن وحمدي وإخوانهما أن مرحلة وجود فتح في لبنان قد انتهت، على صورتها السابقة، منذ الخروج من بيروت. وكان تقدير الموقف عندهم يتوقع انتهاءها قبل ذلك التاريخ. لأن خروج مصر من المعادلة العربية بعد ذهاب السادات إلى القدس، وعقد المعاهدة المصرية-‏الإسرائيلية، أفقد م.ت.ف. مرتكزها الأول في البقاء في لبنان. فعلى الرغم من أن كثيرين من الفتحاويين يعزون وجودهم في لبنان لعوامل ذاتية إلا أنهم يخطئون حين لا يلمسون أن وجودهم تم بمعادلة مصرية - سورية، ولذلك سمي الاتفاق الفلسطيني - اللبناني اتفاق القاهرة. فمصر عبد الناصر كانت لها منذ 1959 ‏حصة كبيرة في معادلة الوضع الداخلي ‏اللبناني. ولكن بعد حرب حزيران 1967 ‏وتغير معادلة ميزان القوى في المنطقة كان لا بد من أن تنحسر هذه الحصة بحجم انحسار النفوذ الناصري في تلك المعادلة. وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد راح ينتهج سياسة مصالحة عربية من أجل تركيز الجهود على هدف إزالة آثار العدوان، وهو لذلك أحال ما بقي له من حصة، في لبنان، إلى المقاومة الفلسطينية التي كان يرى بوجودها واستمرارها كتفاً، ولو متواضعاً، يساعد في حمل الثقل إلى جانب كتفه وكتف سوريا والأردن وبقية الدول العربية.

‏وبقي الدور المصري الداعم لوجود م.ت.ف. في لبنان قائماً طوال السبعينات حتى زيارة السادات إلى القدس. ومن ثم كان لا بد من أن تتغير المعادلة على ضوء هذا المتغير في وقت سريع لولا بروز عامل جديد وهو انهيار دولة الشاه.في إيران. مما أحدث خللاً مقابلاً في معادلة المنطقة. وقد أتاح ذلك للعراق لاسيما بين 1978 ‏- 1981 ‏أن يتحرر من ثقل الضغط الذي كان يمارسه عليه شاه إيران. وأصبح يطمح بلعب دور قيادي عربي أكبر، وهو طموح ملازم للعراق منذ القديم، ولكنه أصبح الآن ممكناً أكثر مع غياب مصر وانهيار نظام الشاه ودخول الوضع في إيران مرحلة تغير داخلي كبير.

ومن هنا لم يكن بلا مغزى أن يسمى مؤتمر القمة العربي الذي عقد عام1979 بمؤتمر بغداد. ولم يكن بلا مغزى أن تحتدم الأزمة العراقية -السورية في تلك المرحلة وينتقل فيها العراق إلى الهجوم، كما لم يكن بلا مغزى أن يبدأ العراق بالمزاحمة في لبنان من خلال فتح أساساً. فهذا كله هو الذي شكل معادلة جديدة سمحت لفتح أن تبقى في لبنان تلك السنوات الإضافية. ولكن استمرار مضي مصر في طريق المعاهدة المصرية-الإسرائيلية، ودخول العراق في حرب ضد إيران سرعان ما جعله يغرق فيها حتى أذنيه. وقد ظنها نزهة لبضعة أسابيع أو أشهر أو عملية جراحية سريعة. الأمر الذي أعاد الخلل للمعادلة من جديد مما سمح للعدو الإسرائيلي وضمن غطاء أمريكي أن يشن الحرب في لبنان وقد وصل فيها إلى بيروت لتجد م.ت.ف. نفسها في السفن التي حملتها إلى تونس واليمن، ولم يبق لها إلا بعض الجيوب والمواقع في منطقة بعلبك، ولم يبق من عمق لها في المعادلة العربية غير سورية. ولكنها كانت قد ربطت تحالفاً مع العراق، وعينها على إعادة العلاقات بمصر. وكان التوجه العراقي أن يسعى لاستعادة مصر إلى المعادلة العربية بعد أن شعر بتورطه في الحرب، وعدم قدرته على أن يخرج منها سالماً بقوته وحده. كان انضمام قيادة فتح إلى محور العراق وتطعلها لعودة علاقاتها بمصر يتناقضان والمحافظة على علاقاتها بسوريا. الأمر الذي أطلق رصاصة الرحمة على رأس المعادلة التي سمحت لها أن تبقى في لبنان.

‏كان أبو حسن وحمدي وإخوانهما استندوا إلى تقدير الموقف هذا فاعتبروا أن الخط الأسلم هو تركيز كل الجهود على الأرض المحتلة. وقرر أبو حسن وحمدي أن ينتقلا إلى عمّان علماً أنهما في السابق كانا يتناوبان الوجود فيها، ولو سراً، بسبب تركيزهما الدائم على الأرض المحتلة، وإن كانا في المنتصف الثاني من السبعينات قد توزعا بين الأردن ولبنان. أما كتيبة الجرمق فقد أعادت تنظيم قواتها في البقاع إثر حرب حزيران 1982ً من أجل تحويلها إلى قوات ضاربة خلف قوات العدو الصهيوني الذي كان يحتل أغلب لبنان، لقد واجهت قيادة كتيبة الجرمق بعد أن وقع الانشقاق داخل فتح في ربيع 1983 ‏أزمة وحرجاً فعلى الرغم من خلافياتها السابقة مع أطرافه وأغلبهم كانوا من التيار التقدمي واليساري في فتح، وعلى الرغم من رفضها للانشقاق من حيث المبدأ، إلا أنها حاولت تحييد نفسها وتجنب الدخول في اقتتال وصراع عسكري ليبقى هدفها الوحيد من الوجود في البقاع هو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ولكن قادة الانشقاق كان ينقصهم الخيال في التعامل وهذه الظاهرة. وقد أصروا عليها أن تحدد موقفاً وتنحاز، وهذا ما فرض على كتيبة الجرمق الانسحاب إلى طرابلس، والدخول في صراع لا تريده حتى الخروج منها.

لقد كان التوجه الأساسي للخط هو التركيز الكلي على الأرض المحتلة بعد 1982، أما البقاء في لبنان فيجب أن يكون ثانوياً مقتصراً على مقاومة العدو الصهيوني. ولكن ما كان لقيادة فتح أن تسلم بالحقائق والوقائع الجديدة، والتي تقتضي منها أما أن تتفاهم مع وسوريا، وأما أن تنسحب من لبنان وتتجنب الصراع مع سوريا. ومن ثم تركز على تصعيد المقاومة في الأرض المحتلة. وكان هذان الخياران غير واردين في نهج أغلب قيادة فتح التي سيطر على عقلها حلم العودة إلى لبنان وراح يغذيه دخولها المحور العراقي – المصري في حرب الخليج الأولى. وهي السياسة التي أصبحت رسمية وسائدة طوال الثمانينات.

كان توجه الخط عند أبي حسن وحمدي أن يترك لبنان ولا يُعاد بناء كتيبة الجرمق فيه، وأن تركز كل الجهود على الأرض المحتلة، وكان مشروع إطلاق الجهاد الإسلامي في فلسطين هو شغلهما الشاغل في هذه المرحلة. أما من ناحية أخرى فقد اعتبر تحالف م.ت.ف مع العراق والدخول في معاداة إيران مخالفاً للمنطلقات وخطأ أساسياً، لأن بوصلة م.ت.ف يجب أن تبقى متجهة إلى فلسطين، ودور فتح يجب أن يكون وسيط خير بين العراق وإيران، واعتبر موقف م.ت.ف المؤيد للاحتلال السوفياتي لأفغانستان خطأ فادحاً كذلك، ولا يمكن تسويغه بأي شكل من الأشكال، كما أن الإصرار على العودة إلى لبنان بكل سبيل والتأزيم مع سوريا يشكلان خطأين آخرين مهما قيل عن الموقف السوري لتسويغ ذلك. ومن هنا يلحظ أن الهوة في الخلاف في الموقف السياسي والعملي ووضع الأولويات وفهم روحية منطلقات فتح قد راحت تتسع ‏خلال الثمانينات. ولكن بالرغم من كل ما تقدم فقد بقيت نقطتا تقاطع:

- الأولى، العمل في الأرض المحتلة وضرورة الإفادة من ذلك لإطلاق الجهاد الإسلامي، ومن ثم تصعيد المقاومة عموماً.

‏- الثانية، بقاء مكان لإبداء الرأي الصحيح كاملاً من داخل فتح بما في ذلك الجهر في نقد السياسات المذكورة، وفي الإعلان عن الموقف الإسلامي، بلا مواربة. .

‏ونما إلى جانب هذا الخط العام توجه داخله يدعو إلى العودة إلى لبنان بهدف مقاومة العدو الصهيوني في جنوبي لبنان وكان الشهيد علي أبو طوق ومروان كيالي وبعض إخوانهما في الكتيبة من المبادرين إلى العودة إلى لبنان من أجل هذه الغاية. وهي غير الغاية الأخرى التي أرادتها قيادة فتح من العودة إلى لبنان وقد ارتكزوا على حسن علاقاتهم ومتانتها بحركة أمل وحزب الله ومختلف القوى الشعبية في لبنان. وبالفعل وجدوا من كل أولئك ترحيب فكانوا يميزون بينهم وبين سياسة القيادة وذلك انطلاقاً من تجربة السبعينات.

‏على أن خللاً حدث في معادلة الوضع الجديد في لبنان مع أواخر عام 1984 وأوائل عام 1985 جعل قبضة إغلاق الأبواب في وجه فتح الرسمية تتراخى قصداً. فبدأ مطار بيروت يستقبل الوافدين زرافات ووحداناً وبدأ السلاح يباع أو يهرب لمخيمات بيروت. ولم تمض بضعة أسابيع حتى بدا كما لو كانت المخيمات في بيروت ستعيد سيرتها الأولى. وهنا سرعان ما عادت تلك المعادلة لتنقلب مرة أخرى فتفتح حرب المخيمات في أواسط 1985 وتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الجهنمي فيما بين من كان يفترض بهم أن يكونوا في جبهة واحدة. وقد جاءت التطورات اللاحقة وما حل في المخيمات من كوارث لتؤكد صحة التحليل الأساسي الذي كان يدعو إلى تناول جديد للوضع في لبنان يختلف كلياً عما كان عليه في السابق.

‏لقد استشهد في حرب المخيمات علي أبو طوق شريك الشهداء سعد وأبي حسن ومروان في تشكل السرية الطلابية والقائد الميداني البارز في كتيبة الجرمق، والذي لعب دوراً ريادياً كبيراً في إطلاق أولى العمليات ‏الموجعة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان، انطلاقاً من البقاع. وجاء ‏استشهاده في المكان الذي ما أحب أن يستشهد فيه وعلى أيدي من لم يعتبرهم يوماً أعداءه. واضطر إلى الدخول في حرب المخيمات اضطراراً. فبينما توجه إلى لبنان ليسهم في المقاومة ضد العدو الصهيوني في جنوبه وجد نفسه واقعاً في الشرك ولم يعد له من مسوغ في البقاء غير الدفاع عن الناس البسطاء في المخيم والعمل على وقف هذا الاقتتال فيما بين الأخوة.

‏كان أبو حسن وحمدي وإخوانهم يرون إشكالية كبرى في كل ما يجري في الداخل اللبناني من صراعات ابتداء بالحرب الأهلية وانتهاء بحرب المخيمات. فقد كانت أغلب تلك الحروب تشبه الحروب بالوكالة. ‏فلبنان منذ تركبت معادلته الطائفية، هذا دون الرجوع إلى تاريخ أطول، كان ولم يزل شديد التأثر بالمعادلة العربية والدولية من حوله. وهو تأثر يأخذ شكلاً مباشراً وسريعاً. ولا يبالغ المرء إذا ربط كل تطور في ميزان قواه الداخلي بتطور موازٍ في ميزان القوى من حوله. لأن طبيعة المعادلة الحساسة فيما بين طوائفه تشكلت عبر معادلة عربية ودولية محددة. وأخذت شكل اتفاق داخلي. ولهذا ما كانت المعادلة من حوله تتغير حتى كان يواجه أزمة بحجم التغيير المطلوب منه أن يحدثه. فعندما تراجع النفوذ الفرنسي الذي أشرف على معادلة 1943. وأخذ النفوذ البريطاني ومن خلال حلف الشرق الأوسط ثم حلف بغداد يتعاظم مع أوائل الخمسينات حتى حدثت أزمة كبرى أطاحت بالشيخ بشارة الخوري وجاءت بكميل شمعون حليف نوري السعيد إلى سدة الرئاسة. ولكن ما أن بدأت معادلة النفوذ البريطاني تتراجع لحساب المد الناصري من جهة والنفوذ الأمريكي من جهة أخرى حتى واجه لبنان حرباً أهلية عام 1958 ‏أودت بكميل شمعون، وجاءت بالشهابية. وجاءت هذه الأخيرة لتعكس معادلة الوضع في المنطقة في أواخر الخمسينات لاسيما فيما بين مصر الناصرية والولايات المتحدة الأمريكية. وما أن اهتزت المعادلة ‏المذكورة اهتزازاً. جوهرياً بعد حرب 1967 حتى سقطت الشهابية لحساب الحلف الثلاثي. وبدأت معادلة ميزان القوى داخل لبنان تتشكل على أساس المعادلة العربية- الدولية الجديدة. وهي المعادلة التي ‏سمحت بدخول م.ت.ف. إلى لبنان وعقد اتفاق القاهرة. وفي المقابل كان النفوذ الأمريكي من جهة والخليجي والعراقي من جهة أخرى يتعاظم فيه، على حساب مصر وسوريا. ولكن ما أن اندلعت حرب تشرين وما تحقق فيها من إنجاز ازداد موقع كل من مصر وفتح وسورياً في معادلة ميزان القوى، كما أن الاتحاد السوفياتي، راح يضغط لتعزيز موقعه أو ‏قوته في المشرق العربي بعد أن أخذ موقعه يضعف في مصر. الأمر الذي أدخل لبنان في حرب أهلية طويلة الأمد. وكان السبب في طول أمدها أن التوازن الرجراج في معادلة ميزان القوى العربي والدولي ( والإسرائيلي طبعاً) ما بين نيسان 1975 إلى اتفاق الطائف 1990 ‏ما كان ليتيح أن تبنى تركيبة داخلية جديدة لدولة لبنان وإنما كانت تدفع باتجاه استمرار الحروب الداخلية فيه. فقد كانت تلك المعادلة تسمح لكل طرف رئيس أن يقول، لا، ويخرّب أي اتفاق لإعادة تركيبه. وما كانت الأطراف الرئيسة أو بعضها في وضع القادر على فرض معادلة جديدة للدولة. وهذا ما بدأ يتغير مع معادلة اتفاق الطائف ثم معادلة حرب الخليج الثانية ومن ثم هذا ما سمح ببناء دولة موحدة في لبنان وأقام معادلة جديدة. وأن هذا القانون هو ما يجعل لبنان معرضاً للاهتزاز مرة أخرى إذا ما اهتزت معادلة ميزان القوى المذكورة.

‏بكلمة أخرى، أن كل من يعمل في لبنان عليه أن يدرس الوضع من خلال معادلة الخارج، إذ أن كل ما ينشأ في داخله، من صراعات واشتباكات وحروب، واغتيالات أو أزمات سياسية وتظاهرات وإضرابات، أو سقوط حكومات أو تغيير للرئاسة، يمر من خلال معادلة الخارج، ومن ثم لا بد للمتعاطي والشأن اللبناني من أن يجتهد في التقاط الدوافع أو العوامل الخارجية الدافعة إلى ذلك.

‏من هنا كان خط أبي حسن وسعد وحمدي وإخوانهم، يميل باستمرار إلى أن يتجنب قدر الإمكان التورط في صراعات لا يكون هدفها محاربة العدو، وإنما صراعات عربية - عربية أو داخلية قطرية. وكان هدفهم من أية مشاركة في الصراعات داخل اللبنان أن تكون بهدف التوجه إلى مقاتلة العدو، أو التهيئة إلى ذلك أو رفع العقبات التي تحول دونه. ‏فقد شاركوا في الحرب الأهلية بعد حادثة عين الرمانة مكرهين.
وما كانوا يريدون المشاركة أكثر من أن تكون دفاعية ومؤقتة وسريعة وألا تصبح تورطاً ومن ثم تضعف التركيز على العدو الصهيوني. وما كان من مسوغ يسمح بتلك المشاركة غير حماية الوضع الذي يسمح بإبقاء المواجهة والمقاومة ضد العدو الصهيوني، وغير ردع التوجهات المستجيبة لضغوط أمريكا أو الجيش الإسرائيلي في ضرب المقاومة وتصفيتها.

‏ويجب أن يلاحظ هنا أن سياسة عدم التورط في الصراعات اللبنانية - اللبنانية أو الصراعات العربية - العربية أو صراعات الحرب الباردة بين السوفيات والأمريكان كان يمثل خطاً أساسياً لأبي حسن وحمدي وسعد وأبي خالد وإخوانهم. وكان التورط لهذا الحد أو ذاك محصوراً بالدفاع عن وجود الثورة الفلسطينية. وكان المسوغ لهذا التورط حيثما وقع هو استخدامه لاستمرار مقاومة العدو الصهيوني. هذا إلى جانب الدفاع عن الجماهير الفلسطينية واللبنانية حيثماً كانت تتعرض لهجمات الإبادة الطائفية، أو الاعتداء عليها، ولكن في كل الأحوال كان الهدف فلسطين وكان خط التعبئة هو باتجاه فلسطين.

أماً من جهة أخرى، فقد كان الإدراك المعمق للوضع اللبناني يسمح لأبي حسن وحمدي ومروان وسعد وأبي خالد جورج وإخوانهم أن يمسكوا بالقوانين التي تحكم لعبة الصراع فيه. ومن ثم أدركوا سلفاً أن كل شي ء يبنى هناك يبنى على رمال فهو يقوم في ظل ميزان قوى محدد ‏خارجه. ويذهب وفقاً لميزان قوى محدد ترسم ملامحه الأساسية خارجه كذلك.

‏ومن ثم فإن من الحكمة أن تدار السياسة في لبنان وفقاً لميزان القوى الذي تتشكل من حوله، فتحسب حساباً دقيقاً جدا، والتي يجب ألا يقع خطأ فيها وإلا كان الثمن غال. لأن الدم تسهل إراقته فيه، والرؤوس "يطيب" قطافها هناك.

الفصل الرابع

‏في ‏المنهج والفكر والممارسة

‏• منهجية العمل
- في فهم التيار لنفسه
- حول كتب "أفكار ثورية في ممارسة القتال"
‏- الموقف من قضية المرأة
‏- خط الجماهير ونظرية الثورة
- الحصوة التي تسند الجرة
- التركيز على الأرض المحتلة
- السباحة ضد التيار

- منهجية العمل

‏في فهم التيار لنفسه ودوره ‏لم ينشأ هذا التيار، في منطلقه الأساسي، ليكون تنظيماً مستقلاً، ولا ليتحول مستقبلاً إلى تنظيم مستقل، ومن هنا حدد التيار دوره وموقعه داخل فتح. فقد بنى حساباته، ضمن تقدير للأوضاع في المدى المنظور. وكان همّه الأول أن يحقق الأهداف المتواضعة التي طرحها على نفسه، بدلاً من أن يضع أهدافاً كبيرة لا تناسب إمكاناته الذاتية، وليس لها مستقبل من ناحية المعطيات الموضوعية المنظورة أو المتوقعة، في حينه، فلسطينياً وعربياً ودولياً. بينما توهم الكثيرون في ذلك الوقت أن باستطاعتهم بناء التنظيم الطليعي القائد، والذي سيقود الساحة الفلسطينية، إن لم يكن الأمة العربية كلها، بمجرد طرح "برنامج ثوري علمي جذري مقاتل"، الخ أو لمجرد إعادة إنتاج منطلقات فتح بعقلية "علمية ثورية جذرية وبناء التنظيم الماركسي اللينيني الحقيقي". لكنهم جميعاً سرعان ما انفجروا على قواعدهم، حين اكتشفوا أن مشاريعهم غير قابلة للتحقيق، بل حتى للبقاء.

‏بكلمة، لم يكن التيار منذ بداياته يرى إمكاناً لقيام تنظيم مستقل خارج فتح، أو إمكاناً لتغيير فتح من الداخل. ولم يكن يرى في ظروف فتح عام 1973 ‏تتقدم باتجاه المنطلقات وإنما راحت تبتعد عنها على مختلف المستويات السياسية والفكرية والتنظيمية والمسلكية. ولكنه كان يرى أن ثمة حالة ثورية هامة تتمثل بالكفاح المسلح الفلسطيني لعبت فتح فيها دوراً مركزياً، وما زالت، وستبقى إلى المدى المنظور ( 5 - 15 ‏سنة مثلاً) كذلك. وهي حالة تسهم في انضاج المناخ الثوري العام عربياً وإقليمياً ودوليا. وذلك بالرغم من كل قائمة السلبيات. وكان طموحه الأساسي المساعدة على إنضاج ذلك المناخ والتعبير عن المنطلقات والمبادئ والأهداف والدفاع عنها وترجمتها واقعياً، وفقاً لأسلوبه ومنهجيته واجتهاده. وقد قام فهمه لفتح على نظرية "فالج لا تعالج" كما كان يقول أبو حسن. أي استحالة إحداث تغيير لطبيعتها وتركيبتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، أو حتى إعادتها إلى ما كانت عليه في ‏مرحلة سابقة. لأن الذي يستطيع أن يغيّر فيها هو قيادتها وتغييرهم لأنفسهم بهذا الاتجاه أو ذاك. وهو أمر لا يتحقق من القاعدة بالضغط والصراع الداخلي. فالقيادة لم تعد مستعدة، أو حتى قادرة، أن ترجع إلى المنطلقات والى ما كان عليه الوضع في المرحلة الأولى، وإذا كان ثمة من احتمال لتغيير فهو باتجاه الابتعاد أكثر عن المنطلقات والمبادئ والغرق أكثر في خط البرنامج المرحلي والفوضى التنظيمية الداخلية، والتخلي، أكثر عما كان يعتبر من قيم فتح وأخلاقياتها.

‏ولهذا ما كان متاحاً فعله عمل هو الإسهام في محصلة الكفاح ضد العدو أولاً، أما داخلياً، ثانياً، فإنقاذ الكوادر الذين يمكن إنقاذهم من اليأس والخروج من الثورة أو إنقاذهم من التخلي عن القيم الثورية والأخلاق الحميدة، ومن ثم وضعهم في اتجاه محصلة الكفاع ضد العدو، أما ثالث، فكان أقصى ما يرجى هو المساهمة في وقف التدهور أو تبطيئه، والعمل، قدر الإمكان، على إبقاء شعلة المقاومة مستمرة أطول مدة ممكنة، عسى تنشأ ظروف أو تحدث تطورات، أساساً، فلسطينياً وعربياً أو إقليمياً أو دولياً تسمح بالإنقاذ ووقف التدهور والتراجع، أو تسمح بولادة بديل ممكن الوجود وقابل للحياة.

‏هنا، في أواسط السبعينات، بدأت تتبلور موضوعات أصبحت جزءاً هاماً من منهجية التيار وفهمه لدوره ونفسه. فكان من بين تلك الموضوعات، الموضوعة القائلة "يجب أن يكون دورنا دور العامل المساعد" في المعادلات الكيمائية أي ألا نكون طرفاً في المعادلة وإنما "طرف" في المساعدة لبناء معادلة ايجابية أو الحفز عليها. أي العمل مع الأطراف المختلفة ذات النزعات أو السياسات التي تعتبر إيجابية من أجل تشجيعها ودفعها إلى أمام فتحاوياً وفلسطينياً ولبنانياً أولاً، وعربياً ثانياً وإقليمياً ودولياً ثالثاً. فالمطلوب أن يكون التيار داخل فتح عاملاً مساعداً. على الوحدة، وفي المحافظة على المنطلقات والمبادئ، وفي دفع محصلة الكفاح ضد العدو، وفي تشجيع الاستقلالية والقيم الفتحاوية الثورية والمناقبية الأخلاقية الحميدة. وفي طرح سياسات بديلة حيثما كان ثمة ‏خلل في السياسات الرسمية، أي تقديم كل من يعمل بهذا أو ذاك من هذه الجوانب إلى أمام، ولو على حساب الأخوة ومواقعهم ونضالهم وتضحياتهم.

‏كانت هذه المنهجية فعّالة جداً في تحشيد قوى كثيرة بالاتجاه الصحيح وكانت فعّالة في تحقيق ما يوضع من أهداف جزئية. ولكنها كانت قليلة المردود على نفوذ التيار أو أفراده أو شهرته أو دوره الخاص لأن الذين كانوا يدفعون إلى أمام كثيراً ما كان أغلبهم يجيّر المردود لنفسه أو جماعته. وكان البعض بعد حين يدير ظهره، إن لم ينقلب على الأخوة المعنيين في التيار. لقد حدث هذا في الساحة اللبنانية والساحة الفلسطينية وفي ساحات أخرى. وقد حدث خلال السبعينات كما حدث مع تجربة العمل مع بعض القوى الجهادية الإسلامية فيما بعد.

‏كانت المقولات التي كانت تدعم هذه المنهجية تقول: المهم المبادئ، المهم الأهداف والثورة والشعب، المهم النتائج الإيجابية على الأرض في تحقق الأهداف وانجاز المهمات المحددة، وليس مهماً من يقطف ثمرات الثورة أو السمعة أو النفوذ، أو المكاسب المادية. وليكن ديدننا، "أن نكون الجنود المجهولين"، وقد أصبحت هذه المقولات بعد الوقوف على أرض الإسلام ذات معنى عندما أصبح التيار يتأمل مفهوم "العمل في سبيل الله" أو "العمل لوجه الله" وأبعاده. وقد أصبح هذا المفهوم يعطي راحة للأخوة من ذلك القلق الذي كان يساورهم في السابق من منهجية التمسك بالمثل والقيم والمبادئ ومفاهيم التجرد عن المصلحة الخاصة من أجل الثورة والشعب والأهداف. ثم يرون غيرهم يقطفون الثمار بينما هم كانوا أكثر من أعطى وجاهد وتفانى في العمل ودفع الدم، وبلا مردود على المستوى الذاتي. أما الآن فقد أصبح هذا التفاني له الجزاء الأكبر عند رب العالمين ولو لم ينل صاحبه نصيباً من الدنيا.

‏لقد أسهمت هذه المنهجية حين وجدت أرضها الخصبة في القرآن والسُنة دوراً فعالاً عند التعامل في الساحة الإسلامية من أجل إطلاق الجهاد الإسلامي في فلسطين، فهي من جهة أشعرت الآخرين بالاطمئنان أن وراء أبي جسن وحمدي. وإخوانهما مشروعاً في سبيل الله فعلاً، وليس مشروعاً خاصاً بهم ليصبحوا طرفاً أو تنظيماً مقابلاً ينافس على الزعامة والقيادة أو ركوب الموجة. فقد كان يهمهم أن تُجمّع القوى والإمكانات. وأن يتقدم كل من يستطيع أن يتقدم مدعوماً مشجعاً. وراحت التعبئة الفكرية تشدد على الابتعاد عن لعبة الفصائل الفلسطينية العلمانية التي وقعت بالفئوية الضيقة، واستخدمت العمليات المسلحة سلماً لتقوية التنظيم والفئة.

‏ولكن كان هنالك دائماً في الساحة الإسلامية كما في الساحة الفتحاوية والقومية من ذاتيته أو فئويته، أو سعيه للمكاسب المادية الضيقة، أو الثورة أو السلطة أو النفوذ، هو المتغلب على الهدف والمبادئ، والقيم، أو على مبدأ "العمل في سبيل الله أو لوجه الله". الأمر الذي عرّض أبا حسن وحمدي وإخوانهما مرة، فمرة، إلى ما كابدوه دائماً من إغماط لدورهم وانتهاباً لجهدهم (حتى بعد استشهادهما). وهو ما كان يضعهم عند كل تجربة من هذا النوع أمام خيار إما الانكفاء عن هذا النهج الناجح من ناحية العمل وتحقيق الأهداف، والفاشل من ناحية المكاسب الذاتية وإما الاستمرار فيه، وهو ما كان يحتاج إلى قوة روحية هائلة، وبعد نظر ثاقب، حتى يكون مستعداً مرة أخرى لمصير مماثل: اغماطاً لدوره، وانتهاباً. لعمله.

‏ولهذا عندما كانت ترتفع بعض الأصوات تجأر بالاحتجاج على هذا الجانب من جوانب الخط كان جواب أبي حسن وحمدي دائماً. :المهم ‏ماذا تحقق على الأرض، وفي الواقع، فإذا كان الهدف المنشود، على صغره أو كبره، قد تحقق فذلكم هو المطوب، أما ما عدا ذلك فهو حطام لا تعبأوا به، مهما كان مجحفاً. فواصلوا العمل بهذه الروحية، ولا تبحثوا عن مكاسب كما يبحث البعض.

‏في الحقيقة كان هذا النهج يشكل جوهراً في بنية ذلك التيار وعقليته، وما كان من الممكن ان يتغير، مهما تكررت خيبات الأمل، وعلا الاحتجاج ولو شمل الأغلبية. لأن تغييره يعني القيام ببناء شيء آخر مختلف تماماً له سماته المختلفة.

‏وبالمناسبة تأثر التيار منذ بداياته بالنظرية الأولى التي كانت وراء تجربة المرابطين في المغرب، أي فكرة سد الثغور. فأينما وُجد ثغر ‏معرض للهجوم أو السقوط من جانب العدو وكان ينقصه من يذهب للوقوف عليه أو لتدعيم الواقفين عليه، يجب أن يصار إلى التوجه هناك. لقد كانت الروح المثالية في بداية تشكل حركة المرابطين في المغرب ونهجيتهم في الهجرة إلى الثغور قد أثرت تأثيراً خاصاً في التيار وطبعت جانباً هاماً من منهجيته. وهو مثل آخر على المنهجية الأصيلة الاستقلالية التي تعاطى بها التيار والتاريخ العربي والنظرية الماركسية في ذلك الحين.

- حول كتاب "أفكار ثورية في ممارسة القتال"

إن مراجعة. ‏للكتيب الذي صدر باسم سعد وأبو خالد (سعد جرادات، وجورج شفيق عسل) تحت عنوان "أفكار ثورية في ممارسة القتال" ليعطي صورة معمقة للمنهجية العملية والأخلاقية التي حكمت هذا التيار ‏فقد كُتبت هذه الموضوعات على مدى سنتين تقريباً وكانت تصدر فرادى بعد كل مناسبة موجبة، وبعد أن تكون قد نوقشت على نطاق واسع، لتصبح بعد كتابتها جزءاً. من منهجية الخط وأيديولوجيته وسلوكيته.

ولعل نقلاً سريعاً للعناوين التي حملتها موضوعات الكتاب ليعطي صورة عن جانب هام من سمات هذا التيار المنهجية والأخلاقية التي تشكل على أساسها. وكانت سبب هاماً من الأسباب التي سمحت له بان يدخل الأرض الإسلامية كأنه يدخل على أرض أليفة، وقد وجد فيها، فيما وجد، الأرض الحقيقية التي يجب أن تقف عليها تلك الموضوعات.

‏لأنها هنا، أي فوق الأرض الإسلامية، ستصبح، في أغلبها، بمثابة التعاليم الربّانية بعد أن كانت شيماً وقيماً ثورية تستند إلى مصلحة الثورة والشعب فقط. علماً أن قيماً مثل اتباع الصدق والاستقامة وعدم الخوف من الموت في سبيل القضية والتزام الأخلاق الحميدة ستظل من الناحية العملية تجسّد مصلحة الثورة والأمة وذلك من خلال الأخذ بها طاعة لله وطلباً لرضوانه، وعملاً في سبيله. بل أن هذا لينطبق أيضاً على القضية ‏الفلسطينية نفسها إذ ستصبح، فوق تلك الأرض جزءاً من العقيدة، وليس فقط، قضية وطنية وعروبية وإنسانية.

‏حمل الفصل الأول من كتاب "أفكار ثورية في ممارسة القتال" عنواناً يقول: "إعادة صياغة الذات". وقد عالج الموضوعات التالية:

1- ما هي أفكارنا الحقيقية؟ وكان الجواب هي ما نعبر عنه في ممارستنا ومسلكنا الفعلي وليس ما نقوله وندعيه الأمر الذي يتطلب أن يقوم الانسجام بين فكر الإنسان وممارسته، ويجب أن يحكم على المرء من خلال ممارسته أساساً، لا من خلال ما يعلن من أفكار.
2- هل يجب أن نغير أنفسنا ونعيد صياغتها؟ "والجواب بالحرف ‏الواحد: "الخط السياسي الصحيح والخط الفكري الصحيح يضعان مسألة تغيير أنفسنا وإعادة صياغتها باتجاه الثورة في المقدمة، أي التخلص من القشور والأنانية والخوف من الموت والخوف من التضحيات والتحلي بالقيم التي تدمجنا بالثورة وتقربنا من الشعب".
3‏- تكريس حياتنا من أجل الشعب والثورة "فالمطلوب التفاني ونكران الذات وعدم الاهتمام بالمصالح الشخصية والمكاسب الذاتية، أو الالتفات إلى ما يبعدنا عن هذا التكريس".
4‏- الموقف الأخلاقي: "محاربة الاتجاهات التي تحتقر الأخلاق وتعتبرها قيماً رجعية، فالثورة لا تقوم بلا تحلٍ بالأخلاق الحميدة وجعلها جزءاً من الصراع ضد العدو".
5‏- الجرأة على النضال ضد الأخطاء والنواقص "ضرورة تكريس الجرأة على النضال ضد أنفسنا، وضد أخطائنا، وضد نواقصنا".
6‏- نقد النواقص والسلبيات والأخطاء "ضرورة إنماء روحية تقويم العمل والتجارب والتشجيع على روح النقد بأخوية ونزاهة وحرية وتعميق البحث عن الحقيقة".
7- التخلص من العادات السيئة: "محاربة الاتجاه الذي يعتبر أن عاداته يجب ألا تتغير ومن ثم علينا أن نسعى لامتلاك القدرة على الحساب العادات الأفضل في كل المجالات".
8‏- لنقض على نزعة التذمر: "هنالك نزعة واسعة الانتشار تتسم بالتذمر المستمر من كل شيء ،وهدم الرضا بما عندك أو بما أنت عليه، وتجعلك تظهر التأفف من الشعب والناس البسطاء وإلى غير ذلك، الأمر الذي يقضي بضرورة التخلص من نزعة التذمر فينا". أو في الأصح "وإما بنعمة ربك فحدث".
9‏- نزعة الأستذة والوصاية: "أبعد عنه نزعة الأستذة والوصاية فيما بين صفوف الأخوة أو مع الآخرين، فلا بد من التواضع مهما امتلكنا من معرفة وتفوق نظري أو فكري أو عملي".
10‏- البحث عن الانسجام المزاجي: "هنالك أخوة يميزون فيما بينهم ‏وفي علاقاتهم ببعضهم بعضاً أو بالآخرين وفقاً للمزاج، بدلاً من تغليب روح العمل والتعاون والانفتاح والصبر".
11- لنقض على نزعة ‏الانفلات والاستخفاف بالنظام والانضباط:"إ‏ن الخط الفكري الصحيح ينطلق من إعطاء الديمقراطية محتوى يقوم على أساس التمسك بالديمقراطية التي يجب أن تتحلى، إلى جانب تحليها بحرية الفكر والنقد، بقيم الاتحاد والانضباط والنظام والعمل الموحد".
12‏- خطان في مواجهة المسؤولية: "خط يراه موقعاً يعطي صاحبه سطوة ونفوذاً ومنافع خاصة وامتيازات ومكاسب، وآخر وهو الصحيح يعاملها باعتبارها موقعاً يتيح للمرء أن يقدم خدمة أكبر ويضحي أكثر فلا يتسلط ولا يتجبر ولا يتكبر".
13‏- التعلم من الأشياء البسيطة وممن هم دوننا في المسؤولية.
14‏- الصدق والصراحة في التعامل فيما بين الأخوة (المهم التطبيق والترجمة الصحيحة ولكن يجب أن يشحن الصدق والصراحة بالأخوة الدافئة والمحبة).
15- رفع مستوى التحمل والصبر ومعالجة مشكلة تأخر البديل (البديل المقصود هنا هو الذي يجيء ليقوم مقام مقاتل آخر في الموقع ).
16- مراعاة الإصابة والمرض. وقد كتبت هذه الموضوعة بحق الشهيدين حمدي وعلي أبي طوق اللذين غادرا الفراش قبل أن تشفى ‏إصابتهما، الأول في صدره والثاني في ساقه، ليعودا إلى الموقع. ( فكان المطلوب محاربة نزعة الاستهتار بفترة العلاج الضرورية ولو كان الدافع هو العمل والعطاء). وبالمناسبة لم يتخلص الشهيدان حمدي وعلي أبو طوق وغيرهما، من هذه النزعة، على الرغم من تسليمهما بها. الأمر الذي كان يتطلب تشديداً أكبر عليها.
17- نقل الحدث كما هو دون مبالغة (وقد كتبت من أجل محاربة المبالغة في نقل الأخبار والأحداث من أجل تعلم الدقة المتنافية لكي يحسن اتخاذ القرارات ).
18- السلاح لقتال العدو ( كتبت ضد نزعة التباهي، في الشوارع أو ‏أمام الأهل والأصحاب، بحمل السلاح وقد سادت هذه النزعة بعد نيسان 1975 ‏في لبنان، كما سبق وسادت قبل أيلول 1970 ‏في الأردن).
19- ‏المحافظة على ما في أيدينا ( كتبت ضد نزعة الاستهتار في استخدام ما هو أملاك عامة مثل السيارات أو الكتب والأثاث..والسعي الدائم للصيانة والرعاية).
20- التغلب على الصعوبات. أي التشرب بروحية مواجهة الصعوبات مهما كبرت، وإذكاء روحية اقتحامها وتذليلها.
21- نذهب حيث المهمات أصعب: "إن الأعمال داخل الوضع الواحد متفاوتة من جهة سهولتها وصعوبتها، فالموقف الأفضل هو أن تختار لنفسك الأصعب والأخطر بدلاً من أن تختار ما هو أسهل وتترك لأخيك الأصعب أو الأخطر".
22- نقتل ونتحرك بما هو في أيدينا ( كان الأخوة يعانون دائماً من نقص بالأسلحة والآليات والإمكانات وكانت هنالك محاربة لهم إلى حد جعلهم يستخدمون، في الغالب، أنواعاً قديمة أو تعبة. الأمر الذي كان يثير تذمراً من قبل البعض، وأحيانا يؤدي إلى انسحابهم بسبب ذلك، ولهذا رفع شعار يجب علينا أن نستخدم ما هو متوفر في أيدينا على أحسن وجه، وعدم اشتراط الأفضل لكي ننخرط في العمل أو نتقنه".
23- مواجهة سقوط الشهداء كتبت أثر سقوط عدد من الشهداء الذين ساهموا في تأسيس الخط وقيادته وعلى فترات متقاربة مما ولّد إحساساً عند البعض بالتشاؤم واقتراب نهايته، بينما حثت الموضوعة على أن الموقف الصحيح لا يكون بالتشاؤم وإنما بأخذ مكانهم ومواصلة طريقهم.

‏أما الفصل الثاني من الكتاب فقد تناول المنهاج والسياسة مركزاً على:

1- الخط السياسي والتماسك: أكد على أهمية الخط السياسي الصحيح المتماسك وأهمية التحليل الصحيح للوضع العام ولميزان القوى مع موقف مبدئي يحمل أكبر درجة من الثبات : "إ‏ن المبادئ ليست شيئاً مؤجلاً، كما أن الإستراتيجية ليست مسألة بعيدة قائمة بذاتها لا علاقة لها بالتكتيك اليومي. فالمبادئ والإستراتيجية يجب أن تظلا حاضرتين في التكتيك دائماً وفي كل المراحل وفي كل يوم "ويترجم هذا من خلال ‏الخط السياسي الصحيح والخط الفكري الصحيح".
‏2- ليس السلاح هو العامل الحاسم: جاءت رداً على الرأي الذي يعطي الأولوية لتوفر السلاح والمال لكسب الأنصار بينما الأولوية "يجب أن تبقي، على أهمية السلاح والإمكانات والعدد، للخط السياسي الصحيح والخط الفكري الصحيح".
3- لا تستهتر بالعدو تكتيكياً: "إذا كان الانتصار سيكون في النهاية من نصيب الأمة فلا يجب اعتبار نفسك في حالة انتصار الآن فتستهتر بالعدو وقوته".
4- ضد سياسة هجوم - هجوم، وتقدم - تقدم: وهي رد على نزعة مزايدة تقدس الهجوم والتقدم وتريدهما أن يبقيا مستمرين حتى حين تكون هناك ضرورة للتوقف والتقاط الأنفاس أو التخلي حتى عن بعض المواقع، "الهجوم والدفاع يشكلان وحدة الضدين اللذين يتحول الواحد منهما إلى الآخر".
5- لتنطبق أفكارنا على الواقع: "وهي ضرورة أن نمسك بالحقيقة كما هي، وندرك الواقع كما هو،ونجعل ممارستنا واقعية ،وخطنا السياسي منطبقاً على إمكانات الواقع، لاسيما، في معالجة المعضلات والمشاكل والتحديات، أي اكتشاف القوانين الأدق في ممارسة المواجهة والعمل".
6- حول المساومة: "وهي موضوعة ترد على الاتجاه اليسراوي الذي يرفض سلفاً كل مساومة مع القوى التقليدية أو على مستوى الأزمة اللبنانية، بينما يفترض الخط الصحيح أن نعرف متى تُرفض المساومة ومتى يُقبل بها".
7- كل صراع متعرج: وهي موضوعة ترد على الذين لا يحتملون التراجعات أو الانتكاسات ويريدون التقدم دائماً علماً أن ما من تقدم يمكن أن يمضي إلا عبر خط متعرج يمر عبر النجاح والإخفاق، مرة بعد مرة، كما عبر الظروف المؤاتية والظروف غير المؤاتية.
8- الظروف المؤاتية، والظروف غير المؤاتية. إن كلاً من الظروف المؤاتية وغير المؤاتية تتطلبان تقديراً صحيحاً للموقف وحسن إدارة للصراع.
9- لكل عمل وجه رئيسي: "إذا كانت كل ظاهرة وكل عمل يتشكل من عدة أوجه وجوانب فإن من الخطأ معاملة الجوانب جميعاً كأنها متساوية وعدم إدراك الرئيس والثانوي فيها وأن وضع كل الأوجه والعوامل على قدم المساواة أو محاولة إعطاء كل منها قدراً مساوياً للآخر في المعالجة، يشكل نظرة تسطيحية ويؤدي إلى ممارسة تبسيطية متخبطة".
10‏- الحرب لها قوانينها والسياسة لها قوانينها:"ضرورة التعامل والحرب وفقاً لقوانينها والسياسة ووفقاً لقوانينها. أما الخلط، وإن تشابهت بعض القوانين بينهما، فيؤدي إلى ارتكاب الأخطاء الفادحة".
‏أما الفصل الثالث والأخير فيتناول أساليب العمل والتنظيم مركزاً على:
1- العمل الأفقي والتركيز: وهو دعوة للاهتمام المركّز في العمق، بالفرد وإعطائه الوقت الكافي وتجنب أسلوب التعبئة العامة السطحية، وهذا ينطبق على عدة مجالات كذلك أي ضرورة التركيز وعدم "الشلفقة"؟ أو الألشقة.
2 ‏- حول الاجتماع التنظيمي في فتح: "وهو ضد نزعة الرتابة والتعامل والموضوع بحرفية وشكلية أو كأنه غاية، بينما الأصح أن يركن في كل لقاء باعتباره الجسر الذي تعبر النظرية من خلاله إلى الممارسة ثم تعبر الممارسة من خلاله بعد تقويمها، إلى النظرية. أي يجب أن يكون بحثاً حياً في السياسة والنظرية والعمل.
3- المتابعة وعدم الإهمال: "إن المتابعة وعدم الإهمال هما جوهر كل عمل جاد ومنظم "وضرورة عدم التقليل من أهمية القيام بالأعمال الصغيرة والبسيطة".
4- الركض وراء الكسب السريع: وهي موضوعة ضد الذين يسارعون للارتقاء أو الكسب السريع وجني الثمرات. "فالخط الفكري الصحيح يتطلب أن يحمله المقاتلون الحقيقيون الذين لا يدعون ولا ‏يبالغون ولا يسعون إلى الكسب الرخيص وإنما يلتزمون بقول الصدق و الحقيقة ويزدادون تواضعاً كلما ازدادت مآثرهم ولايدخلون المنافسة مع خط الكذب والمبالغة أي بالترويج للنفس والمبالغة والادعاء، وإنما عليهم أن يستمروا في العمل الحقيقي الجاد بكل تواضع ودون ضجيج، وينتظروا في صبر انكشاف الحقيقة حتى ولو استغرق ذلك بعض الوقت، ولو عضوا على الجرح طويلاً. فهم على كل حال لا يرجون غير خدمة الشعب وانتصار ثورة الشعب. الشعب الذي هو وحده البطل الحقيقي".
5‏- لكل جواد كبوة : هي موضوعة لتكريس المحبة بين الأخوة ومقاومة روح "الاستشفاء" أو روح الشماتة بالأخ الذي يضعف أو يرتكب خطأ أو يتقاعس. فالمطلوب اعتبار ذلك مثل الكبوة واعتبار المخطئ، مثل الجواد الذي يجب أن يساعد على النهوض من الكبوة.
6- لنهتم بالدراسة : تتناول هذه الموضوعة أن يبقى الاهتمام بالسياسة والدراسات النظرية والفكرية مستمراً في ظل الفرق في الممارسة. وعدم جعل الممارسة سبباً لإهمال التعلم المستمر والدراسة والاطلاع.
7- برامج التثقيف : وهي موضوعة تتطلب أن ترتبط برامج التربية والتثقيف بحاجة الممارسة والمهمات التي يطلع بها الأخوة في كل مرحلة إلى جانب برامج التثقيف العامة.
8‏- ضرورة إجراء التحقيقات: أي ضرورة التعلم ألا يؤخذ شيء بلا تدقيق وتأكد، سواء أجاء ذلك من خصوم أصدقاء، أم من قبل من تحب وتحترم وتثق به. كما يجب ألا يحكم على ظاهرة أو تعالج قبل جمع المعلومات وإجراء التحقيقات اللازمة من أجل الخروج بالرأي الصحيح لمعالجة صحيحة.
9- كيف نجري التقويم : إذا كان الجميع متفقاً على موضوعة ضرورة إجراء التقويم فإن الإشكالية تبقى كيف يجري التقويم؟ وبأية منهجية نصل إلى تقويم صحيح. أي ضرورة الدراسة الدقيقة للواقع والمعطيات أولاً ثم يقوم العمل ثانياً. فالتقويم بلا منهجية صحيحة ينتهي إلى نتائج مخطئة ومضرّة.
10‏- توضيح المهمة : "لقد تعلمنا من تجربتنا في هذه الحرب الأهلية إن من الخطأ تحريك المناضلين والمقاتلين بأسلوب الالتزام وإصدار الأوامر، أو بأسلوب التخجيل والإحراج كذلك. إنه من الخطأ تكليفهم بمهمة من المهمات دون أن تشرح لهم أهميتها من الناحيتين السياسية والعسكرية أو دون توضيح طبيعتها وما ينتظرهم في أثناء تنفيذها".

‏هذه خلاصة سريعة خاطفة لواحد من النتاج الفكري والنظري الذي أسهم أبو حسن وسعد وأبو خالد جورج وحمدي وأبو محمود وعلي أبو طوق ومروان نسيم أبو سعيد فايز وعشرات الشهداء في صياغتها ومعايشة أحداثها ومناقشاتها حرفاً حرفاً والإشراف على التعبئة وفقاً لها. ولعل من يتأمل في هذا النص وعلى الرغم مما في متنه الأصلي من منهجية طبقية ماركسية يستطيع أن يلمس عمق انغراس منطلقات فتح وتجربتها الثورية فيه كما عمّق انغراس قيم أخلاقية دينية فيه كذلك. الأمر الذي يعطي تفسيراً للمسار الذي آل بأهل هذا التيار في نهاية المطاف إلى التخلي عن الماركسية والوقوف على الأرض الإسلامية. فالمنهجية الماركسية كانت هنا تحت تصرف التيار خاضعة للتجربة الواقعية ولروح الشعب والثورة والقيم الأخلاقية والسلوكيات الحميدة ومنهجية البحث الموضوعي العلمي ولم يكن خاضعاً لها ناقلاً لمسلماتها. وكانت هنالك أسس من الثوابت القيمية والأخلاقية في هذا النص تلتقي وما يقول الإسلام في موضوعاتها وإن لم ترتكز إلى الإسلام عند كتابتها. فكان هذا أيضاً من العوامل التي جعلت الوقوف، فيما بعد، على الأرض الإسلامية سهلاً ميسوراً لا يحتاج إلى معاناة للتخلص من مسلكيات وأخلاقيات مرذولة حتى يكون بالإمكان التحلي بالأخلاقيات والمسلكيات الإسلامية. فلم يكن هذا التيار غريباً عن قيم الصدق والمبدئية والاستقامة والإخلاص للحقيقة، والوفاء بالعهد، والشجاعة في قول الحق، وفي البحث عن الحقيقة. فقد كان هذا التيار بعيداً عن الانتهازية السياسية، أو الركض وراء المكاسب الشخصية، أو تعاطي الخمر والزنا والميسر أو عدم البر بالوالدين، أو احترام الأكبر سناً أو رعاية الأهل، أو التحلي بالتواضع والكرم وحب التعلم، والغيرة على الشعب والأوطان. أما الإشكال الحقيقي في تلك التجربة بالنسبة إلى ‏المعيار الإسلامي فكان يتمثل بالجوانب العقدية والفلسفية والنظرية والفكرية وكل ما له علاقة بالمادية التاريخية والمادية الديالكتيكية، والاشتراكية العلمية، والنظرة إلى الغرب والثورة الصناعية وحركات التحرر القومي، والثورة العالمية. وهي ولا شك خطيرة، ولا يمكن الاستهانة بها أو التقليل من شأنها. وأن أمثالها تمنع الكثيرين حتى هذه اللحظة من الاقتراب من الإسلام. ولكن سبق أن أشير إلى أهمية الجانب المنهجي عند أبي حسن وحمدي وإخوانهما ودوره في عملية هذا التحول الكبير. فقد اتبع ومنذ البدء، منهجاً وضع الماركسية على محك التجربة والمساءلة على مستوى التجربة العالمية والتاريخية، لاسيما بالنسبة إلى بلدان أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخصوصاً التجربة العربية التاريخية. وهو الذي مهد الطريق إلى النقد وإلى التخلص خطوة فخطوة من مختلف مرتكزات النظرية الماركسية. ولم يبدأ أبو حسن وحمدي وإخوانهما، كما سبقت الإشارة إليه، يطرقون باب الإسلام ليفتح لهم إلا بعد أن كانوا متحررين تماماً أو يكادون من ذلك الإرث. وكانوا في طريقهم إلى توليد مرتكزات نظرية وفكرية من اجتهادهم.

- " الحصوة التي تسند الجرّة"

‏وجدت الموضوعة النظرية، سالفة الذكر، في منهج التيار حول "العامل المساعد" الذي يدخل التفاعل ويكون شرطاً أساسياً لحدوثه لكنه لا يصبح طرفاً فيه، تدعيه - موازياً لها ومتكاملاً وإياها، من خلال مقولة أخرى تقول "يمكن للحصوة أن تسند الخابية" أي يمكن للحصوة على صغرها، إذا وضعت في النقطة المناسبة أن تحمي الجرة على كبرها من التدحرج والتحطم. فلماذا لا يكون دور التيار دور الحصوة دون أن يكون هو الجرة، أو يطمح أن يكونها، فالجرة (الثورة -عملية التغيير-حركة الإصلاح-مسيرة النهضة) موجودة ضمن المعادلة على الساحة، أو ضمن محصلة المعادلة؟ وكان هذا يشترط بسبب المحدودية في حجمه والكبر في فعله أن يحسن اختيار النقطة المناسبة أو الموقع المناسب الذي تضع الحصوة فيه نفسها. وهنا كانت إشكالية حسن تقدير الموقف وتحديد مركز الثقل في المواجهة والتجرؤ على الوجود فيه يشكل الشرط الأساسي بالنسبة إلى نجاح هذا المنهاج وفعاليته. ولهذا فإن من يراجع سيرة هذا التيار فسيجده قد سعى دائماَ إلى أن يكون حصوة في الموقع المناسب، ففي أيار1973 كان أبو حسن يقود في موقع الجامعة العربية أو "دوار الكولا" حيث تصدى هو وزميل أخر له (غيفارا ) لأول دبابة تقدمت من دوار الكولا باتجاه الجامعة العربية وكان من ورائها رتل من الدبابات يتبعها.

‏وقد أوقف الهجوم مع تحطمها. فكانت تلك النقطة، إلى جانب غيرها من الجهود في تلك الأزمة، حاسمة في إنهائها وفي المساهمة في حماية الثورة. وكان موقع أبي حسن وسعد في البرجاوي في المنتصف الثاني من عام 1975 عاملاً هاماً إلى جانب مواقع أخرى في تماسك جبهة بيروت وصمودها، لاسيما أمام شبح ما حدث في منطقة عين الرمانة وفي منطقة النبعة والكرنتينا. وكان الصعود بعد ذلك إلى الجبل فصنين يهدف إلى حماية تل الزعتر من التصفية. وهنا يجب أن تذكر دماء ‏الشهداء سعد وأبي خالد (جورج عسل) وحسن ومحمود الحسنية ونسيم أبو سعيد وزهير العنداري ومحمد شبارو وطوني النمس وأحمد وجمال القرى وحماد حيدر وأيمن أبو عبدالله، وحسنين، وحرب جمجوم الذين ما استشهدوا إلا بهدف وقف المجازر والتصفية والتطهير الطائفي للمناطق، وكان الهدف فتح جبهة أو ممارسة الضغط لإنقاذ مخيم تل الزعتر من الإبادة كما حدث في الكارنتينا والنبعة ومخيم ضبية فكان هذا ‏هو الهدف بالنسبة إلى موقف التيار من الوجود في الجبل وصنين وقد نجح هذا الضغط جزئياً في تدعيم صمود تل الزعتر، ولكن كان الأفق السياسي المكمل مسدوداً أو محبطاً بسبب قرار العزل والتأزيم غير المتوازن مع سوريا ويجدر أن يذكر هنا الدور الاستثنائي الذي لعبه أبو وجيه أمين العنداري في اختراق الحصار ليلياً عبر طريق في الجبل والوادي من العبادية إلى تل الزعتر.، كان يتسم بصعوبة ما كان لأحد أن يجتازها إلا تحت قيادته الفذة، وقد استشهد بعد ذلك بسنتين في حرب 1978 ‏في معركة مارون الراس ببنت جبيل، وقد أبلى بها خير بلاء.
‏وبالمناسبة لا بد من أن يشار هنا إلى واقعة كادت تحدث أزمة عميقة داخل فتح وذلك حين كان قائد المجموعة التي أفرزتها السرية الطلابية للمساهمة مع القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة لفتح طريق الدامور، وذلك لأهميته الحاسمة في ربط بيروت بخطوط التماس في الجنوب. وهو الشهيد أبو الراتب (اسماعيل خضر) الذي انسحب من القتال بمجموعته التي كانت من أوائل مقتحمي الخط الأمامي، احتجاجاً على قتل الأسرى، بما في ذلك الأطفال والنساء، وأبلغ القيادة الميدانية أنه سينسحب إذا لم تعط أوامر صارمة بوقف قتل الأسرى لا سيما من النساء والأطفال والمسنين والعزل من السلاح. فعاد بمجموعته إلى بيروت على الرغم من تهديده بتقديمه ومجموعته لمحاكمة عسكرية ميدانية. فاتخذ الشهيد سعد ‏جرادات موقفاً حاسماً في دعمه، وفي الاحتجاج على انتهاج سياسة شبيهة بسياسة القوات اللبنانية المارونية في التطهير وقتل المدنيين والأسرى. وكان التيار في ذلك مستعداً للمضي في هذا الصراع الداخلي إلى أبعد مدى ومهما كلف الأمر. ولكن الموضوع لفلف. وعلق الشهيد أبو أياد لسعد "إنكم بالرغم من خلافي معكم وربما كرهي لكم أقول أنكم تعبرون بهذا عن ضمير فتح".

‏كان أبو حسن ومروان كيالي وعلي أبو طوق وبقية شباب السرية من لبنانيين وفلسطينيين على مشارف عالية بعد أربعة أيام من القتال في منطقة بحمدون حين أعلن عن اتفاق الرياض بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية. فما كان منهم إلا أن تنفسوا الصعداء خلاصاً من ورطة هذا الصراع الجانبي الذي ألحق ابلغ الأضرار السياسية والمعنوية ناهيك عن المادية والبشرية، بأطرافه كافة. كما رحبوا أشد ترحيب منذ اللحظة الأولى بالاتفاق بينما تعالت أصوات تقدميي فتح ونظرائهم اللبنانيين بإدانته، والبعض راح يهاجم مبادرة السرية الطلابية بالتحرك فوراً بعد إعلان اتفاق الرياض، نحو الجنوب. وكان الجنوب في ذلك الوقت يتساقط أمام قوات لحد - سعد حداد المدعوم من العدو الإسرائيلي. وبالفعل لقد تحركت السرية الطلابية حتى قبل أن يصار إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين السوريين والقوات الفلسطينية - اللبنانية باتجاه بنت جبيل التي كانت قد تلقت إنذاراً باحتلالها من قبل قوات لحد - سعد حداد وقد أثار ذلك لغطاً حول تركهم للمواقع في تلك الفترة الحرجة بل اتهمهم البعض بأن ثمة مؤامرة على الشباب الجيد والثوري في السرية الطلابية لقتلهم "بين مطرقة الإسرائيليين وسندان السوريين" بالحرف الواحد. ولكنهم كانوا بتقديرهم للموقف وحسابهم للمعادلة في تلك اللحظة الحرجة قد حسموا بأن تلك مرحلة انتهت وبدأت مرحلة المواجهة في الجنوب. هذا فضلاً عن أن خيار المواجهة في الجنوب أمام زحف القوات الإسرائيلية كان دائماً صحيحاً بل الأصح.

‏ولكن تلك الزوبعة سرعان ما تبخرت من داخل فتح وخارجها ضد أبي حسن وإخوانه بعد أن ثبت فعلاً أن تلك المرحلة من الحرب قد انتهت وبدأت مرحلة جديدة، لاسيما بعد أن تكرست اتفاقات الرياض باتفاق القاهرة الذي جاء ضمن الخطوط نفسها.

‏كان استقرار السرية في بنت جبيل وتلة شلعبون في ذلك الوقت قد لبى عدة حاجات. الأول كان الوقوف في الموقع الصحيح والمنسجم مع الخط من أساساته. والثاني، الحاجة التي أصبحت ملحة إلى وقف زحف قوات لحد - سعد حداد. والثالث تطور وضع السرية، على الرغم من نزيفها المستمر، والذي أسقط درراً من تاجها، إلى كتيبة فكأنما كان الله يبارك لها ويزيدها قوة وعدداً، والأهم رسخت في أرض الجنوب، وأصبحت جزءاً من تاريخه حتى حرب حزيران 1982.

‏كان الوجود في ذلك الموقع المناسب والمستند إلى خط سياسي صحيح قد سمح للسرية الطلابية بأن تتحول إلى هيبة محترفة ضمت إلى قوات العاصفة، وكانت في الواقع، شأنها شأن تكوين هذا التيار من بداياته، لبنانية - فلسطينية في كوادرها القائدة وقواعدها. هذا دون ذكر عشرات ومئات من المتطوعين العرب وغير العرب الذين كانوا قد شاركوا إخوانهم من خلالها شرف القتال ضد العدو الصهيوني.

‏ويجب أن يسجل هنا أن هذا التيار أضاف إلى قوات العاصفة في الجنوب كتيبة انحدرت من الطلاب وخريجي الجامعات أساساً، في الوقت الذي كانت تلك القوات تعاني من نزيف معاكس في ترك المواقع القتالية في الجنوب. وبدلاً من أن يرى هذا الخط إيجابياً يعطي ولا يأخذ. ويزيد من قوى فتح ولا ينقص منها أو يخذلها ظل ملاحقاً بالتشكيك والتضييق عليه. وكثيراً ما واجهت كتيبة الجرمق تقتيراً بالإمكانات المادية وأحياناً حتى بالخبز والتموين. ويجب أن يذكر بهذه المناسبة للشهيد جواد أبي الشعر الذي كان قائد الأوسط في الجنوب ثم كان قائد الميليشيا في بيروت أنه تعاطف والسرية الطلابية وهرب لها الكثير من قطع السلاح. وقد كان يمثل بدوره اتجاهاً فتحاوياً آخر سليم الطوية فعالاً.

‏ولعل أول مواجهة ثبتت أركان الكتيبة في بنت جبيل كانت معركة تلة شلعبون ضد قوات الجيب العميل ثم معركة مارون الراس ضد العدو الصهيوني فقد سطرت في هاتين المعركتين مآثر مشهوداً لها من أهل المنطقة ومن بعض تعليقات صحف العدو. وأصبحت تلك "الحصوة" بعد ‏هاتين المعركتين مهابة سواء أكان ذلك من قوات الجيب العميل أم القوات ‏الإسرائيلية. ولعل السياسات والمسلكية التي مارستها الكتيبة مع الأهالي من حولها، في بنت جبيل نفسها جعلتها تحاط بالحب والاحترام حتى من أوساط كانت دائماً ناقمة على المقاومة الفلسطينية أو كانت متألمة منها. فالكتيبة وهي تتبنى في نهجها خط احترام الجماهير، والدفاع عنها ومساعدتها، وعدم التحول إلى ثقل عليها، نمت في صفوفها روح احترام الصلاة والصيام في رمضان، واحترام تقاليد الناس فيما يتعلق بالأخلاق والنظرة إلى المرأة والرجال المسنين. ويكفي شهادة على ذلك أن البعض في الجنوب سمى كوادرها "بالحسينيين"، وكانت التسمية لافتة للنظر بالنسبة إلى فكر كان يتشرب من الماركسية والتجارب العالمية أكثر من التجربة الإسلامية التاريخية. ولم تفهم هذه الشهادة بعمقها وأبعادها إلا فيما بعد، وبأنها فعلاً تستحق من كتيبة الجرمق أن تعتز
‏بها.
‏كان التحرك السريع من الجبل وأخذ المواقع في منطقة بنت جبيل (في أقل من 12 ‏ساعة) قد أربك خطة سعد حداد وأوقف امتداد الشريط الحدودي، لا سيما بعد أن تلقى هزيمة قاسية في معركة تلة شلعبون. الأمر الذي أبقى الجيب العميل مشطوراً إلى قسمين : رقعة مرجعيون من جهة وعين ابل ورميش من جهة ثانية. وأدى لحاق قوات الثورة الفلسطينية بعد ذلك من الجبل وبيروت إلى الجنوب بعد اتفاق شتورة إلى نشوء وضع جديد تمثل بوجود رقعتين تحت سيطرة قوات سعد حداد (الجيب العميل) ويقابلها مناطق واسعة تموضعت فيها قوات الثورة الفلسطينية، (كانت هنالك مشاركة لبنانية بدأت تتسع بعد إغلاق ملف الجبل).

‏وقد نشأ إلى جانب خطي المواجهة، حالة رمادية تمثلت بوجود مجموعة من القرى الحدودية، في وضع حيادي "أرض حرام" لا تتمركز فيها قوات الثورة، ولا قوات سعد حداد، أو القوات الإسرائيلية وقد اشتهرت من بينها قرى مارون الراس وميس الجبل وحولا وعيترون وغيرها.

‏لقد أصبحت هذه القرى الحدودية - الحيادية "الأرض الحرام"، في تلك المرحلة، نقطة الصراع المركزية في محاولة كل طرف لاجتذاب أهلها إليه. الأمر الذي ولد صراعاً حاداً بين خطين داخل الثورة الفلسطينية (القوات. المشتركة الفلسطينية - اللبنانية). إزاء التعامل وهذه الحالة ‏الجديدة والمعقدة.

‏تجسد الخط الأول بالسياسات التي اتبعتها السرية الطلابية والتي أصبحت الآن كتيبة الجرمق. وقد رمى إلى العمل على تعزيز وحدة الأهالي داخل هذه القرى - وحدة العائلات والقوى المتنفذة إلى جانب الشباب المسيس، ومن ثم التصدي لمحاولات سعد حداد لدخولها تصدياً يعتمد على النضال الجماهيري الواسع المستند إلى إجماع داخلي. وقد افترض هذا ‏الخط أن تعمل قوات الثورة من الناحية السياسية والاجتماعية والتعبوية على تشجيع هذا التوجه ودعمه، في حين يجب أن يكثف الاستعداد العسكري لمواجهة قوات سعد حداد أو قوات العدو الصهيوني إذا ما حاولت احتلالها بالقوة. وسيكون الموقف الجماهيري العام، في هذه الحالة، إلى جانب قوات الثورة ضد الطرف المعتدي الذي خرق حيادها وأمنها. وقد شهدت بالفعل، قرى الجنوب إشكالا هامة من المقاومة الشعبية اللاعنفية تمثل في اعتصام الأهالي بمنازلهم أو في مساجدهم وحسينياتهم حين كانت القوات الإسرائيلية أو قوات سعد حداد تدخل تلك القرى. فتواجه برفض التعاون وإياها بل حتى رفض الحديث معهم. وقد فقد العدو نتيجة ذلك ورقة هامة، وهي الإفادة من تقسيم الصفوف الداخلية، كما سمح لقوات الجرمق، بفضل صحة الخط السياسي وحسن المسلك والتصرف بأن تحقق في منطقتها تفوقاً سياسياً ملموساً عليه. الأمر الذي اضطره في نهاية المطاف إلى احتلال مارون الراس عسكرياً، وهي قرية مرتفعة ذات موقع استراتيجي بالنسبة إلى كل من جنوبي لبنان وشمالي فلسطين، وكان يشرف على بنت جبيل ويمسك بخناقها.

‏وقد فوجئ العدو بتسلل وحدات من الجرمق وراء خطوطه في القرية مع بدء هجوم على عدة نقاط في الواجهة. الأمر الذي أوقعه في ارتباك فمن جهة لم يتوقع الهجوم ومن جهة لم يتوقع التسلل الذي راح يشتبك من الداخل وراء الخط الأمامي، فاضطر إلى الانسحاب وقد ترك وراءه أسلحة وآليات وجثثاً. وازداد إرباكه حين اكتشف أن قوات الجرمق انسحبت من القرية فوراً للمحافظة على حيادها كما كان يرغب أهلوها ‏الذين أسدوا لها في تلك المعركة عدة خدمات أساسية، والبعض شارك كذلك. فقد كانت إعادة احتلالها من قبل قوات العدو تشكل إحراجاً سياسياً شديداً وتبطل كل التعبئة التي كانت تنشر في الجنوب لتحريض الأهالي على قوات الثورة الفلسطينية، أما الخط الثاني، والذي حوصر سياسياً من قبل كتيبة الجرمق في منطقة بنت جبيل والمنطقة الرمادية حولها، فكان يتبع سياسات في تلك القرى ترمي إلى سيطرة الشباب الحزبي من جبهة الأحزاب والقوى التقدمية على القرى والاصطدام بالقيادات التقليدية والوجهاء والعلماء. ولم يكن بعيداً عن استخدام عضلاته في تحقيق ذلك من خلال التسلل بالسلاح إلى تلك القرى. مما كان يولد استفزازاً واحتكاكاً داخلياً باستثارة بعض الحزازات القديمة أو إلقاء التهم جزافاً على هذا وذاك من الوجهاء، وكانت هذه التصرفات غير حكيمة حتى لو كان في التهمة بعض الصحة. لأن طرح خط صحيح يحرج حتى المتواطئين أما الاتهامات فقد تستفز عائلاتهم للدفاع عنهم.

‏لقد كانت حجة هذا الخط تستند إلى ضرورة سيطرة القوات المشتركة عسكرياً على تلك القرى وعدم تركها لقمة سائغة للعدو. وقد تصدت كتيبة الجرمق لهذا الخط واعتبرته فقيراً أو سطحياً في تقدير الموقف العسكري والسياسي وفي جس نبض الناس. الأمر الذي يضع الحب في طاحونة العدو من حيث يظن أنه الأشد ثورية في مواجهته.

‏أما من جهة أخرى فقد كان الخط السياسي والمسلكي الذي طبق بالنسبة إلى المناطق الرمادية جزءاً من خط أشمل طبقته كتيبة الجرمق في الجنوب عموماً، فها هنا، أيضا، تدعّم المسلك الحسن مع الجماهير بالموقف السياسي الذي انحاز إلى جانب الأهالي والعلماء وحركة أمل أمام محاولة سيطرة القوات اللبنانية - الفلسطينية المشتركة التقدمية على قرى الجنوب. فكانت الكتيبة ملجأ ومصدر حماية ضد التسلط. وكانت رادعاً، إن لم تكن شاهداً على سياسة مخطئة كان يراد لها أن تمرر بصمت. وهكذا، تجمّع في الكتيبة أربع مزايا في آن واحد خط سياسي صحيح، وقوة شكيمة وذكاء في القتال ضد العدو، وحسن مسلك ومعاملة في العلاقة بالناس، ووقوف شجاع ضد سياسة بعض الاتجاهات اللبنانية والفلسطينية التي حاولت السيطرة بالقوة على الجنوب دون سند شعبي.

‏لقد اعتبرت معركة مارون الراس في 2 ‏آذار (مارس) 1978 ‏واحدة من الأسباب التي دفعت العدو لارتكاب مغامرة حرب 1978 لتلعب الكتيبة دوراً ملموساً امتد عبر تكتيك قتالي تراجعي من مارون الراس حتى نهر الليطاني. وقد استطاعت أن تحافظ على مجموعات استمرت في القتال وراء صفوف العدو، وتمكنت أن تعود وتلام صفوفها، بسرعة، لتأخذ موقعها في الجنوب هذه المرة في قلعة الشقيف وما حولها. وإذا كانت قد قامت ما يزيد على أربعين شهيداً ما بين خريف 1976 ‏وخريف 1978 ‏فلا بد من أن يذكر، بصورة خاصة، استشهاد أبي خالد الشحيمي وأبي وجيه العنداري في معارك تلة شلعبون ومارون الراس وذلك للدور الهام الذي لعباه.

‏إذا كان التموضع في بنت جبيل ومحيطها مركزاً ونقطة ثقل في المواجهة ضد العدو والجيب العميل في المرحلة ما قبل اجتياح الجنوب من قبل جيش العدو عام 1978 ‏، فقد أصبحت النبطية ومحيطها مركز ثقل هام بعد ذلك، حتى معركة الاجتياح الثاني في حزيران 1982 ‏، حيث دارت فيها معارك مشهورة كانت أخرها وأهمها معركة الشقيف التي استشهد قائدها الشهيد راسم وزميله الشجاع عبد القادر "اليمني" وعدد آخر من الخيرة. وبالمناسبة كان علي أبو طوق في الحقيقة هو بطل تحصين قلعة الشقيف وقد جعلها قادرة على استقبال حرب 1982 ‏بكل تلك الجدارة. فقد كان الشهيد على أبو طوق عالي الهمة في أمور التحصين والتدريب وكل ما له علاقة بالعمل الشاق والمضني، فضلاً عن علو همته في رعاية إخوانه وخدمتهم ليل نهار، إلى جانب شجاعته الفائقة وذكائه الحاد وتصميمه الحازم في القتال.

‏لقد تجمع في كتيبة الجرمق ثلة من الكوادر السياسية والمتمكنة نظرياً ومنهجياً، وقد اكتسبت، عبر القتال والدراسة وتقويم التجارب، المهارة التكتيكية والقدرة على التحصين والتخطيط والتمويه وامتلاك روح المبادرة ومفاجأة العدو، وقد أضافت كل ذلك إلى ما تحلت به من سمات الذكاء والشجاعة والمبدئية ونكران الذات وحب الجماهير.

‏ويكفي أن ترى واحدة من ثمرات ذلك في معركة الشقيف التي، وبشهادة عدد من القيادات العسكرية في لواء الغولاني، كانت من أقسى المواجهات التي مني بها المهاجمون بأكثر من محاولة فاشلة، وعل الرغم من قصفها بالطيران قصفاً عنيفاً يفقد الدفاع توازنه أو يزعزع وذلك بفضل ما بذل من جهد في التحصين والتمويه. ولم يتحقق احتلالها إلا بعد خسائر جسيمة في مقدمتها مقتل قائد الهجوم نفسه الرائد غيورا هيرمك المشهور (بغوني) وقد اقتحمها بالمشاة من قوات الصاعقة المميزة من لواء غولاني بعد أن فشل اقتحامها بالآليات مرة فمرة .

‏يلحظ، مرة أخرى، من كل هذا المسار أهمية الدور الذي لعبه هذا التيار حين طبق منهجية "العامل المساعد"، "ونظرية" الحصوة التي تسند الخابية تطبيقاً سليماً كان شرطه الأول، بعد سمة نكران الذات، القدرة على التحرك على هدي تقدير صحيح للموقف وفقاً لكل وضع وحالة.


- التركيز على الأرض المحتلة

‏يجب أن يلحظ أن متابعة العمل في الأرض المحتلة طوال فترة النصف الثاني من السبعينات بقي متناوباً. عليه بين أبي حسن وحمدي كما كانا يتناوبان الوجود في لبنان إلى جانب السرية الطلابية ثم الكتيبة. فالبوصلة كانت تؤشر دائماً إلى فلسطين وإلى، قتال العدو الصهيوني.

‏ولعل سجل العمليات في ملفات العدو الإسرائيلي، والتي قام بها القطاع الغربي في فتح خلال تلك الفترة يحمك نصيباً مرموقاً يحسب على أبي حسن وحمدي أول ما اشتهر بلجنة 77. أما العملية الكبرى التي كانا على رأسها وكانت نتاج، توجه جديد في العمل وهو إدخال كوادر إلى الداخل لا للقيام بعملية محددة على الشريط الحدودي وإنما للتمركز في الجبال، وبدء العمل من خلال الوجود المتمركز ذاك.

‏كان الدافع وراء هذا التفكير الجديد هو الانحسار الذي شل العمل العسكري في الداخل في النصف الثاني من السبعينات. وكان لهذا الانحسار أسباب كثيرة، منها إعطاء قيادة الثورة الأولوية للوجود في لبنان. وقد وصل الأمر في بعض المراحل، أن يستخدم القطاع الغربي ‏بأغلبيته، للمشاركة في الحرب الأهلية. كما أن البرنامج المرحلي راح يعطي أهمية متزايدة للعمل السياسي والوجود السياسي في الداخل. ويجب أن يضاف إلى ذلك الافتقار إلى كوادر قيادية مجربة في الداخل لاستقطاب ‏العناصر الشابة وتدريبها والتخطيط لعمليات كبيرة، فقد كان العمر النضالي للكادر العسكري في الأرض المحتلة قصيراً نسبياً ليودع بعده في ‏السجن المؤبد أو لأمد طويل من السنين. ومن هنا وصل أبو حسن وحمدي إلى رأي يقول لا يمكن أن يصعّد العمل العسكري أو يرتفع إلى مستوى أرقى ما لم تزرع في الجبال كوادر قيادية مجربة. ويعطى تنظيم الداخل أهمية مركزية لا تسمح للوضع في لبنان بأن يطغى عليه. كما أن النجاح في زرع تلك الأنوية في الجبال، أو في المدن إن أمكن فيما بعد، يحتاج إلى خلايا تنظيمية قادرة على تأمين سلسلة من الخدمات لها إلى ‏جانب مشاركتها المباشرة. وكان ذلك يتطلب منهما تعبئة خاصة صبورة للكوادر فضلاً عن تجاوز صعوبات لا حد لها في العبور من الأردن إلى الداخل عبر النهر الذي أصبح اجتيازه صعباً جداً لاسيما تخطي منطقة "كشف الأثر" المحاذية للسلك الشائك، والتي تقع تحت مراقبة الدوريات ‏العسكرية الإسرائيلية المستمرة ليلاً نهاراً. وقد استطاعا خلال العام 1978 / 1979 ‏أن يدفعا بمجموعتين إحداهما نجحت نجاحاً باهراً إذ استمرت حوالي السنة في جبال الخليل وأنتجت عملية الدبويا الكبيرة التي عاش عليها المؤتمر الرابع لفتح 1980 ‏وهو يعاني التضييق والحصار، والتي تركت أثراً إيجابياً بعيداً في المعنويات الفلسطينية لا سيما التجرؤ على تصعيد الكفاح المسلح في وقت كانت الظروف العامة والعوامل الذاتية تتجه إلى حرف توجه البوصلة عن الداخل.

‏أما المجموعة الثانية فقد توجهت بعد بضعة أشهر من دخول الأولى، إلى منطقة جبال رام الله - نابلس، واستطاعت أن تنجح كذلك في المكوث في الجبال حوالي الستة أشهر وقد استشهد قائدها الفذ أبو خلدون (خالد صابر الديك) بعد معركة دامت عدة ساعات مع قوات العدو. وقد أحدث ذلك، بدوره، أثرا إيجابياً في الوضع الفلسطيني العام. وقد كان من الممكن لهاتين التجربتين أن تحدثا نقلة كبيرة أو تصبحا نهجاً في العمل لولا أنهما جاءتا سباحة ضد التيار الذي أخذ يعتبر الداخل مرتبة ثانية بعد لبنان ويتعامل والمقاومة المسلحة باعتبارها مرتبة ثانية بعد الاهتمام بالعمل السياسي النقابي والعلني لخدمة برنامج النقاط العشر. ولكن يجب أن يسجل أن باب العمل العسكري في الداخل كان مفتوحاً ومشجعاً لمن أراد.

‏كان أبو حسن وحمدي حريصين على تركيز الجهود خلال تلك المرحلة في نقطتين، الأولى من خلال العمل داخل الأرض المحتلة والثانية من خلال جنوبي لبنان. وبهذا يكون أهل هذا الخط الأكثر انسجاماً مع منطلقات فتح وإستراتيجيتها الأساسية بعيداً قدر الإمكان عن المعارك الجانبية.

‏عندما شن الجيش الإسرائيلي حرب حزيران (يونيو) 1982 ‏كان حمدي على رأس عدد من المجموعات من كتيبة الجرمق والشباب اللبناني ‏يخوض قتالاً متواصلاً من الجبل حتى البقاع. وكانت لهذه المجموعات عدة إنجازات في عرقلة تقدم قوات العدو شأنها شأن سائر مجموعات كتيبة الجرمق التي قاتلت من موقع إلى موقع خلال تلك الحرب ابتداءً من قلعة الشقيف وصولاً إلى البقاع.

‏أما أبو حسن فأصبح، كعادته في الأزمات، قائداً ميدانياً يقود واجهة المدينة الرياضية في أثناء هجوم الجيش الإسرائيلي على بيروت وحصارها. وقد قصفها أكثر من ثلاثة وثمانين يوماً قصفاً تندك لهوله الجبال.
‏لعل من الأهمية بمكان أن تجد مآثر كتيبة الجرمق ومن قبلها السرية الطلابية، كما تجد إنجازات أبي الحسن وحمدي على مستوى العمليات العسكرية في الأرض المحتلة في مستوى حربي 1978 ‏و 1982 ‏في لبنان ‏من يؤرخ لها تفصيلاً ويسجل لكل شهيد من شهدائها بطولاته وإنجازاته. وذلك من أجل سد النواقص التي حملها هذا الكتيب الذي غطى الاتجاه العام وقصر في وصف الوقائع وتفصيلها.

‏وثمة عمليات نوعية عدة قام بها إخوان أبي حسن وحمدي ومروان إما مباشرة وإما بالتعاون مع مناضلين آخرين، كانت بارزة في مدلولاتها وفي الروح المعنوية العالية التي اتصف بها هذا التيار. منها على سبيل المثال لا الحصر العملية البطولية في رويسة البلوط حيث تم أسر ثمانية ‏من أفراد جيش العدو الإسرائيلي ونقلهم إلى الخطوط الخلفية وقد جرى تبادلهم بعد وقت بالإفراج عن المئات من المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وكذلك عمليات العاقبية وعالية وعرمون وعيناب ويتسامون ‏والسمقانية وعين الحلزون وغيرها وقد استشهد خلالها عدد من أخوة أبي حسن وحمدي وأبي محمود هلال رسلان وأبي فايز محمود الحسينة. ويمكن أن يذكر ممن كان لهم دور هام في التصدي لقوات الاحتلال الشهداء نبيل مكارم وأسعد فياض وغيرهما. وأسهم الشباب اللبنانيون في الفرار الذي حصل في سجن أنصار في جنوب لبنان.

على أن الانتهاء من حرب حزيران (يونيو) 1982 ‏والخروج من لبنان بعد ذلك بحوالي ثلاثة أشهر جعل المسار يتواصل، بأعلى درجات الزخم، في الجهد الكثيف الذي بذله أبو حسن وحمدي، خصوصاً، وإخوانهم عموماً، لإطلاق شعلة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

‏لقد كانت المرحلة الممتدة من أوائل عام 1983 حتى تاريخ استشهاد أبي حسن وحمدي ومروان الكيالي وإخوانهم هي مرحلة العمل الدؤوب لحشد القوى من أجل إطلاق الجهاد الإسلامي والتحضير لسلسلة من العمليات الكبيرة، والتي أرادوها أن تكون مدوية حتى تليق بحمل اسم الجهاد.

‏وعلى الرغم من النقص الفادح بالإمكانات المالية، استطاعت أنوية سرايا الجهاد الإسلامي، وبفضل الكثيرين ممن شاركوا فيها (جماعات وأفراداً) أن تجد لنفسها موقعاً مرموقاً على الخريطة العسكرية في الأرض المحتلة . ويمكن أن يذكر هنا، بصورة خاصة. عملية البراق الناجحة والكبيرة التي أثخنت بالجراح أكثر من سبعين جندياً من قوات غولاني وكانت العملية التي أعلنت، بمناسبتها، سرايا الجهاد الإسلامي ‏أول بيان حمل اسمها. وكان أبو حسن وحمدي قد سهرا عليها سهراً متواصلاً حتى كتب لها ذلك النجاح المدوي واتبعاها بالتحضير لعملية استشهادية كبرى خطط لها أن تتوجه إلى مجمع رئاسة الوزراء الإسرائيلية وتنفذ من خلال سيارة حملت كميات كبيرة من المتفجرات تزيد على المائتي كيلو غرام وكانت المجاهدة عطاف عليان قد تهيأت للشهادة في سبيل الله. فصممت على اقتحام الموقع وبنفسها حتى لا تترك فرصة للفشل. وشاء القدر أن تكشف العملية قبل تنفيذها. ولكن على الرغم من ذلك فقد تركت أثراً إيجابياً كبيراً حين عرفت أبعاد العملية وما حملته السيارة من متفجرات، وشاع خبر الفتاة الاستشهادية. ولكن الشهيد حمدي مر بعذاب نفسي شديد بسبب فشل العملية وراح يحمّل نفسه مسؤولية الخطأ إلى حد كاد يعتزل معه العمل القيادي الذي كان يقوم به. ولولا تاثير أبي حسن عليه وعزيمته على لأم الجراح والتعلم من الأخطاء، وهو الذي كان يتألم مثل حمدي وكان بحاجة إلى حمدي وللسبب نفسه، لما استطاع هذان الفارسان الفذان أن يعودا ليواصلا دورهما القيادي في سرايا الجهاد ويمدا شهداء عملية الشجاعية بالسلاح والدعم بعد أن فروا من السجن وقد جاء استشهادهم بعد معركة بطولية تمهيداً مباركاً، من بين عوامل أخرى، لانطلاقة الانتفاضة.

‏يجب أن يذكر هنا أن الانخراط في مشروع إطلاق الجهاد الإسلامي جاء استمراراً لذلك الالتقاط الذكي والمناسب للموقع الذي يكون فيه أبو حسن وحمدي وإخوانهما، أفضل ما يكون الالتقاط. لقد تكثّف تركيزهما على إطلاق الجهاد الإسلامي في فلسطين، والذي أصبح يشكل، موضوعياً، مركز الثقل في مرحلة الثمانينات. وقد أتى أكله المرجوة على أفضل وجه، وكان له إلى جانب عوامل أخرى إسهامه الملحوظ في اندلاعة الانتفاضة المباركة. وإذا كان أبو حسن وحمدي ومروان قد كحّلوا عيونهم برؤية هذه الانتفاضة في الأشهر الثلاثة الأولى من اندلاعتها، ورأوا فيها الشكل الأرقى في مواجهة العدو وذلك بسبب طابعها الجماهيري الواسع، واستقبلوا براحة كبرى انخراط حركة حماس في الانتفاضة واندفاعها للتصدي لمهماتها ولعب دور قيادي رائد فيها. وقد رأوا في ذلك انتصاراً كبيراً للأمام كما كان انتصاراً للمقاومة بمجموعها ضد العدو. فقد كانوا يرون ضرورة أن تفتح فتح ذراعيها لاستقبال الظاهرة الإسلامية المجاهدة في فلسطين بدلاً من أن تتنامى فيها اتجاهات العداء للإخوان المسلمين ولفصائل الجهاد الإسلامي. وقد ذكروا بعضاً من كوادر فتح في إحدى نقاشاتهم قبيل استشهادهم، قائلين إذا كنتم قد وجهتم النقد للإسلاميين عموما. وللإخوان المسلمين

‏خصوصاً لأنهم لم ينخرطوا بالكفاح المسلح في فلسطين فأين منطقكم حين تزدادون نقداً وتهجماً حين ينخرطون في الجهاد والانتفاضة وينفخون روحاً عظيمة في المقاومة ضد العدو الصهيوني؟
‏في الحقيقة لو أراد المرء أن يتابع النهج الذي اختطه أبو حسن وحمدي قبل استشهادهما، سواء أكان من حيث وضع الأولوية للهدف والمبدأ وللمواجهة ضد العدو، أم كان من ناحية انتهاج منهجية لعب دور العامل المساعد أو الحصوة التي تسند الجرة، أو الوقوف على الثغر الذي يحتاجك أكثر، لكانا الآن في الخندق الأمامي إلى جانب حماس وقوات عز الدين القسام ولاعتبرا ذلك هو الترجمة المستمرة للوجود في الموقع الذي يكون فيه المرء أكثر فعالية وأكثر انسجاماً مع المبادئ والأهداف والمقاومة وتحرير فلسطين وإنهاض الأمة. بل لاعتبرا ذلكم هو التواصل وجهاد شعب فلسطين منذ العشرينات حتى اليوم مروراً بانطلاقة 1 ‏/ 1 ‏/ 1965.

- ‏الموقف من قضية المرأة

‏ثارت مناقشات حادة حول قضية المرأة ودورها فيما بين التيارات المختلفة في الثورة الفلسطينية، لا سيما، في المرحلة التي تلت جريمة عين الرمانة (نيسان 1975 ‏). وكان من الطبيعي أن تنعكس تلك المناقشات بشكل، أو بآخر، داخل تيار أبي حسن وحمدي وإخوانهما الذي أصبح الآن أكثر تمايزاً في مواقفه عن المواقف الأخرى بما في ذلك، تلك التي كانت أقرب ما تكون منه. وقد عرف التيار مشاركة نشطة للعنصر النسائي داخله منذ مراحله الأولى. وجاء ذلك منسجماً مع النشأة الطلابية الجامعية لغالبية من كوادره.

‏ويجب أن يلحظ هنا أن تقبل الخط الذي طرحه هذا التيار حول قضية المرأة لم يكن سهلاً بالنسبة لعدد من كوادره شبيبة وشابات فقد ووجه بنقاش حاد من قبل من تعلموا في الغرب كما من قبل عدد من الأخوات اللواتي جئن من فئات اجتماعية مدنية مرفهة نسبياً ومتغربة، وبعضهن انحدرن من طوائف مسيحية وكن درسن في المدارس والجامعات التبشيرية والأجنبية. لكن على الرغم من ذلك فإن غالبية من بينهن كن يتمتهن بحرص شديد على المشاركة والعطاء ويتسمن بوعي سياسي. الأمر الذي جعلهن يستوعبن أو يتقبلن، إلى حد بعيد، الموضوعات التي تبناها التيار حول المرأة حتى مرحلة الانتقال إلى ارض المرجعية الإسلامية. وقد لعبن دوراً فاعلاً مشهوداً لهن فيه خلال المرحلة الأولى إلا أن ذلك بدأ بالانحسار تدريجاً بالنسبة للكثيرات في المرحلة الإسلامية التالية. ولعل الظروف الجديدة التي دخلتها الثورة والعمل عموماً بعد الخروج من بيروت لعبت دوراً ملموساً، إلى جانب عامل التقدم في السن اقتراباً من الثلاثين أو تجاوزاً لها في هذا الانحسار.

‏لقد استندت النظرية التي طرحت حول قضية المرأة ونضالها إلى التاريخ العربي والتجربة الجماهيرية. فقد لوحظ، بادئ ذي بدء، أن موضوع المرأة يطفو على السطح ويصبح أكثر حدة مع ارتفاع المد الثوري التغييري. وذلك لأهميته، سلباً وإيجاباً على مجرى التغيير. لقد ‏جاء في نص عبّر عن رأي التيار عوداً بالموضوع إلى التجربة الإسلامية: "ولهذا فإن ثورة الإسلام في التاريخ العربي عالجت موضوع دور المرأة، فأشركها الإسلام، بشكل أو بآخر، في الجهاد وحثها على اعتناق الإسلام والدعوة له وقد نجح الإسلام في الارتقاء بدورها فنقلها من وضع إلى وضع أرقى. أو ما عرف في تاريخنا بالانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ولم تكن المرأة بعيدة عن المساهمة في عملية هذا الانتقال التاريخي العظيم" ولوحظ أن مشاركة المرأة في تاريخنا تعاظمت في مرحلة الكفاح ضد التتار والصليبيين ثم ضد الاستعمار القديم الذي غزا بلادنا منذ أوائل القرن التاسع عشر فقد عرفت كل البلاد العربية مشاركة المرأة في النضال. ‏في كل الثورات والانتفاضات الشعبية منذ ذلك الوقت حتى الآن. فالمرأة كانت تتصرف باعتبارها جزءاً من الأمة وتتقدم إلى المواجهة.

فالنساء لم يحملن قضية خاصة بهن، وإنما كن يحملن دائماً قضية الشعب كله ومع الشعب كله. فذلك هو الذي شغل بالهن وراح يدفعهن إلى النضال. ولهذا فإن محاولة البعض إعطاء أولوية لقضية ما يسمى بتحرير المرأة أو مساواتها بالرجل، لا ينسجم والمجرى التاريخي أو خط الجماهير، والأهم يشكل محاولة لإعطاء أولوية، عملياً إن لم يكن نظرياً، فوق أولوية القضية المركزية. ومن ثم فإنه يدفع"بالتناقضات الثانوية لتطغى على التناقض الرئيسي" وتكون النتيجة الغرق في صراعات لا طائل من ورائها ولا مكان لها. وتؤدي إلى العزلة عن الجماهير. بل لا تشجع على مشاركة القسم الأعظم من نساء الشعب في العمل حين يراد لتلك المشاركة أن تتم تحت عنوان كبير هو "الصراع ضد الرجل".

‏وهنا طرح التيار خطا نقد من خلاله الاتجاهات المحافظة التي تعارض كل مشاركة للمرأة في الثورة الفلسطينية أو التغيير في الأمة من جهة. كما وجه نقداً أشد إلى شعارات اليسارية الطفولية، بسبب كونها في ذلك الوقت الأعلى صوتاً، وذلك لرفعها إشكالية المساواة، بصورة تجريدية ومنفرة، أو طرحها لقضية المرأة باعتبارها معركة رئيسية "ضد ‏التقاليد أو ضد الدين أو ضد المؤمنين ومن يحملون هذه التقاليد. أي ضد غالبية الشعب" .ومن ثم فالاتجاه الأخير يزيد على الاتجاه الأول في إقصائه لأوسع جماهير النساء عن المشاركة الفعلية، وسلخت "الطليعة النسائية والرجالية نفسها عن جماهير الشعب نساء ورجالاً". وذلك بضربها أسوأ مثل للجماهير في معالجة "موضوع المرأة" إذ حولت "القضية عملياً إلى صراع من اجل الحرية الفردية والانفلات من قيود الروابط العائلية واتهام نساء الشعب ورجاله بالتخلف والتأخر والعقل الرجعي. فالبعض قلد الاتجاهات المنحرفة لدى اليسار الأوروبي والبعض قلد العصرية الأوروبية وغرق في الفسق والفجور والتهتك أو بالمظاهر السطحية لمدنية برجوازية استعمارية زائفة" .

‏يجب أن يلحظ هنا أيضاً المنهجية الأصيلة التي تحلى بها تيار أبي حسن وحمدي ومروان وإخوانهم، والمرتكز إلى الماركسية في ذلك الوقت، في معالجة موضوع المرأة لا سيما في تقويم الإسلام والتجربة الإسلامية من موضوع المرأة لحظنا أعلاه، وهو منهج غريب تماماً عن كل التيارات الماركسية المعروفة. ولهذا لم يكن بلا مغزى أن يتهم من قبل الكثيرين من اليساريين ومنذ أولى توجهاته "بعدم العلاقة بالماركسية". وهي تهمة كانت تستفزه في ذلك الوقت وكان يرد عليها بأن موضوعاته هي الماركسية الحقيقية لأنها الأكثر قرباً من الواقع الموضوعي والذاتي لبلادنا وشعبنا، والأكثر دفعاً للعملية التغيرية الكبرى.

‏وعودة إلى موضوع المرأة فقد شدد الخط في ذلك الوقت على ضرورة إشراك النساء في النشاط العملي مشاركة فعالة. وذلك بربط تلك المشاركة بالقضية العامة تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى الرجال (وهذا يتضمن برأيه أعلى درجات المساواة)، وبجعل الهدف العملي، بل مقياس النجاح، هو إشراك أوسع جماهير النساء الشعبيات واللواتي يشكلن الغالبية الساحقة من نساء الأمة، في الثورة وفي العمل السياسي عموماً. وهذا يختلف عن منهج النساء اللواتي يعتبرن أنفسهن "متقدمات" في الوعي والعمل فيطرحن الإشكالية على مقاسهن ووفقاً لحاجاتهن، بدلاً من أن يطرحنها على مقاس جماهير النساء الشعبيات وحاجاتهن.

أما من جهة أخرى، فيما يتعلق بالتقاليد والقيم والأفكار السائدة حول المرأة أو حول علاقة ‏الرجل بها "فإن بعض تلك التقاليد والقيم والأفكار يحمل طابعاً شديد السلبية في هو موا‏جهة عملية استنهاض جماهير النساء للمشاركة في نضال الشعب. وقد جاء هذا البعض من عصور الانحطاط ومن الغزاة والمستعمرين كاحتقار المرأة ومعاملتها بمهانة وهو غريب عن التقاليد والقيم والأفكار التي طرحها الإسلام. ولهذا يجب أن نفرق بين ما هو غريب مستورد وسلبي وبين ما هو إيجابي في تقاليدنا وقيمنا وأفكارنا. كما أن احترام تقاليد الشعب وقيمه وأفكاره مسألة أساسية في النجاح بمهمة استنهاض جماهير النساء للنضال. لأن من غير الممكن أن يفرض على الشعب شي ء أو أن يعامل الشعب بتحد وتعال، فالشعب هو الذي إذا اقتنع غيّر، لأنه هو الذي يصنع الثورة وهو الذي يحقق الانتصارات" .

‏وعلى الرغم من أن الإحاطة بكل الموضوعات التي طرحت في حينه لمعالجة قضية المرأة والإجابة عن مختلف التساؤلات يضيق بها هذا المكان. فقد طرحت اثنتا عشرة نقطة في كيفية معالجة الموضوع ثم ركز بعد ذلك على ضرورة أن يرتكز التوجه لجماهير النساء من خلال القضية السياسية أي القضية أو القضايا التي تهم الأمة كلها. ومن ثم نقد الاتجاهات التي تتصور أن المسائل السياسية الكبرى المطروحة على الشعب كله هي فوق مستوى استيعاب جماهير النساء وأن استيعابها يحتاج إلى مستوى من "التعليم" و"الثقافة" عالٍ مثل الذي يتمتع به أصحاب تلك الاتجاهات. إنها نزعة الأستذة على الشعب والنظرة العليائية إلى جماهير الشعب. إنها نظرة البرجوازية إلى الجماهير الكادحة فالتجارب التاريخية القديمة والمعاصرة أثبتت أن استنهاض جماهير النساء كان يرتبط بالقضايا الكبرى التي تحرك جماهير الشعب للقيام بالثورة والانتفاضات.

‏وقد شن التيار حملة في الوقت نفسه ضد ظاهرة "الطليعة" النسائية "المتحررة" إذ راحت بعض الطليعيات وبتشجيع من زملائهن "الطيعيين" بتحرير أنفسهن كأفراد وتحقيق مساواتهن هن بالرجال. وذهبن بهذا ‏السبيل إلى حد الاقتداء بكل ما يعمله زملاؤهن، وبصورة خاصة، العادات السيئة والسلبيات على أنواعها. وبهذا تحولت قضية المرأة إلى قضية ضيقة خاصة جداً تتعلق ببضع عشرات أو مئات من النساء أما الملايين فلا علاقة لهن بموضوع "ا‏لتحرر" .

‏وصاحب ذلك نقد اتجاهات الاهتمام بالمساواة الشكلية والمظاهر، والاهتمام بالجزئيات لا بالجوهر مع رفض التقاليد وتحديها تحدياً استفزازياً للناس.

‏أما من جهة أخرى فقد وجه تيار أبي حسن وحمدي نقداً ضد النزعة الخدماتية والاقتصادية في التوجه لجماهير النساء وذلك حين لا يكون ذلك ضمن الاهتمام بالقضايا الكبرى والعمل السياسي، وإنما على حسابهما أو بتجاهلهما. كما نقد نزعة رفض العمل المنزلي والتأفف من تربية الأطفال تحت حجة الاهتمام بالعمل العام بدلاً من حسن التوفيق والموازنة بين هذين الجانبين الأساسيين. ومن ثم كان هنالك تشديد خاص بالنسبة إلى فتيات التيار ونسائه لإعادة صياغة أفكارهن وممارستهن وفقاً لهذه الخطوط فيتخلصن مما هو مخطئ أو منحرف أو مضر من الأفكار والعادات والممارسات ويتحلين بأسمى القيم وأفضل السمات الثورية، فلا تغريهن بهارج الحياة ولا تخيفهن التضحية، ولا تقعدهن المشاق والصعوبات وبهذا "يصبحن جديرات باسم الطليعة وبشعبهن ووطنهن ويصبحن جديرات بأن يكن حفيدات أم حبيب ونسيبة بنت حارث وأم سلمة وخولة الكندية" .

- ‏السباحة ضد التيار

‏كان أبو حسن (محمد محمد بحيص) رحمه الله في الموقع الأمامي دائماً حين كان يستعر القتال ويحمى الوطيس. فقد كان القائد المقدام الفذ في كل الأوقات العصيبة. فكان يمتلك العزيمة الفولاذية في مواجهة أشد اللحظات التي تهتز فيها شجاعة الرجال. وكان يمتلك الذكاء النفّاذ لتقدير الموقف تقديراً صحيحاً، كما كان يلهم من حوله بالشجاعة وروح الصمود والعمل الدؤوب. فقد كان الميدان يخلو لقيادة أبي حسن ليجول ويصول فيه عندما يكون الوطيس حامياً والنار مشتعلة، والموت الزؤام يحوم من كل جانب. أما عندما كانت تعود الحياة إلى طبيعتها فكان أبو حسن يعود، وتعيده القيادة، إلى عنصر عادي كأنه غير موجود حين تشكل اللجان القيادية وتوزع المواقع. أما هو فكان في كل ذلك راضياً مبتسماً يحتقر المتهافتين على الوجاهة في السلم والهاربين في الحرب. لقد كان يشبه حجر المحك بالنسبة إلى معادن الرجال. فمن ‏كان فيه العيب ظاهراً أو خافياً في المسلك أو الأخلاق أو في الشجاعة والإقدام، أو في الصدق والاستقامة أو في فساد المعدن ما كان يحمل لأبي حسن غير الحقد ويهرب منه أو يبعده عنه. ومن كان فيه ولو بعض من رهافة الحس وصدق الطوية وسلامة المقصد، ونقاء المعدن إلا كان يحترم أبا حسن ويقدره ويتقرب منه.

‏فالرجل عاش في الثورة مظلوماً، لم ينل من المواقع التي يستحقها، بل لقي الكثير من الإبعاد والإهمال ونكران الجميل، وكان رحمه الله يجهد ليجد بعض الوقت لعائلته وكم عانى وعانت عائلته ‏بسبب ضيق يده وتواصل عمله ليلاً ونهاراً.. وكانت مسؤولياته في قيادة الخط ورعايته والسهر عليه مما تنوء الجبال عن تحمل بعضها لاسيما في الظروف الصعبة غير المؤاتية التي مرت بهم في أغلب الأحيان. وإذا كان له من نصيب شخص في كل هذا الجهاد فقد جاء من عشرات ومئات الشباب والرجالات الذين عرفوه عن قرب وإذا بهم يمحضونه من الحب والتقدير ما لا يمحض إلا للنادر القليل من الرجال المجاهدين حملة المبدأ والرسالة وأصحاب الفكر وأمل العزيمة في العمل والممارسة.

أما حمدي رحمه الله فقد كان، أيضاً، من الرجال المجاهدين حملة المبدأ والرسالة وأصحاب الفكر وأهل العزيمة في العمل وفي اللحظات التي تمتحن فيها معادن الرجال. وقد أجهد أعصابه وأتعب جسده هو الآخر وقد راح يعمل ليل نهار من أجل القضية التي حملها وقد لاقى ربه وهو يتضور ألماً من مرض كان يفترض منه بأن يكون على فراش المستشفى بدلاً من أن يكون في ليماسول. وكان حاد الذكاء. متعدد المواهب كثير الأصدقاء، بما في ذلك خارج المحيط الذي عمل فيه يداً بيد مع أـبي حسن. فقد تميز بقلب يشعر محدثه أنه يلفه بالود والحب والإخلاص. ومن هنا كان شديد التأثير في الرجال مقنعاً حتى لمخالفيه بالرأي، وما أسرعه في أن يكسب احترام خصمه لو قدر للأخير أن يناقشه ويتحدث إليه. بكلمة كان دافئاً ودوداً وهو متمسك برأيه وموقفه المبدئي دون أن ‏يدلس، أو ينافق، أو يُمالئ.

‏لقد كان اجتماع أبي حسن وحمدي كأنه قدر الله ليتكاملا في وحدة رائعة من المزايا الاستثنائية التي جعلتهما بجدارة يربيان جيلاً من الرجال والنساء. ويشقان طريقاً سيظل في قلب الشعب الفلسطيني وذاكرته ما ذكرت ثورة فلسطين وما ذكرت المقاومة، وما ذكر الجهاد في فلسطين. وأحسب أن أثرهما، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، سيتعدى حدود فلسطين ولبنان حين يدرس ما أسهما به من نتاج فكري ومنهجي، وتجربة وطنية وعروبية وإسلامية فذة.

‏إذا كان أبو حسن وحمدي ومروان وإخوانهم قد انتهجوا نهجاً بعيداً. عن الطموح بالتحول إلى تنظيم مستقل أو طرف يطمح إلى القيادة فقد زاد هذا التوجه عمقاً بعد الوقوف على أرض الإسلام. فقد ازداد، هاهنا، الاتجاه نحو لعب دور "العامل المساعد"، ودور الحصوة التي تسند الخابية (الجرة) ودور الوقوف على الثغر المهجور أو الذي بحاجة إلى تدعيم وتعزيز. وقد أصلح ذلك هو ترجمتهم لكيفية فهمهم العمل لوجه الله أو الجهاد في سبيل الله أي دون أن يكونوا مثقلين بالتصور أن العمل لوجهه أو في سبيله تبارك وتعالى يعني تعزيز ذاتهم أو جماعتهم أو لا يمر إلا من خلالهم. هذا من جهة أما من الجهة الأخرى فما كان يحزنهم"أن يخرجوا من المولد بلا حمص" أو كما كان يتندر البعض بالمثل"احرث وادري لبطرس".

‏على أنهم إلى جانب هذه المنهجية، أو العقلية في العمل رفضوا كما ذكر سابقاً التعامل وقيادة الثورة من خلال النقد المستمر أو التحول إلى ما يشبه المعارضة البرلمانية، وإنما كان منهجهم أمام أية مشكلة أو ‏قضية أو سياسة تواجه الثورة بمجموعها يبدأ بسؤال أنفسهم لو كنا نحن القيادة، أو لنتصور إننا في مكان القيادة، فما هي السياسة أو الخط الأصح الذي يجب أن نتبناه على ضوء الظروف المعطاة وموازين القوى القائمة. ولهذا كان الخط يبلور موافقة التكتيكية من موقع المشاركة بالمسؤولية. والشعور بها حتى لو كانت القيادة تكيد له كيداً، ولم يكن له موقع في صنع القرار أو المسؤولية ومن هنا تميز تاريخهم في معظمه بالوقوف ضد التيار، كما لو كانوا طرفاً يطرح نفسه لقيادة الوضع. فقد راحوا يحملون السلّم بالعرض كما يقال في مواجهة أعباء القتال ضد العدو، أو في الدفاع عن منطلقات فتح ومبادئها أو الدفاع عن الثورة، أو الوقوف إلى جانب الجماهير الإسلامية المقهورة في لبنان وضد التقسيم والحرب الطائفية أو الحرب بالوكالة. أو في الصمود إلى جانب الخط السياسي والفكري الصحيح في مواجهة السوفيات وأنصارهم، أو في مواجهة خط التخلي عن منطلقات فتح والسير على طريق التسوية والتنازلات، أو في التركيز على تدعيم الصحوة الإسلامية في مواجهة التغريب، والحملات الظالمة، أو تعزيز الجهاد والانتفاضة ومختلف أشكال المقاومة في فلسطين. إنه تاريخ مميز حقاً، فهو مؤثر فيما حدث من غير إعلان مدوّ، وهو موجود وغير موجود، يعمل عمل الجندي المجهول، ولا يعرف إلا حين يرتطم به التيار المسيطر ليضطهده أو يشهر به.

‏أما من ناحية الجوهر فكان تاريخ هذا التيار سلسلة متواصلة من الوقوف إلى جانب الحركات الجماهيرية والتغيير الأصيل والولاء للمبادئ والقيم والمثل العليا... والبحث عن الحقيقة. وكان في معارضة دائمة لاتجاهات الطفولية اليسارية، والاتجاهات المتطرفة التي تلجأ إلى العنف الخارجي أو الاغتيال الفردي أو الاعتماد على عضلات النخبة بدلاً ‏من العمل السياسي الصبور بين الجماهير والرأي العام. وقد كان يميل دائماً إلى الابتعاد عن الغلو والمغالاة.

‏لقد لعب هذا النهج دوراً مرموقاً، وأحيانا مفصلياً، في مرحلة السبعينات وقد زاده الإسلام رسوخاً وتبلوراً ووضوحاً وتألقاً في مرحلة الثمانينات. وكان من الممكن أن يكون العطاء كبيراً كذلك في مرحلة التسعينات لو لم يشأ قدر الله تبارك وتعالى أن يُقتل الشهداء الثلاثة أبو حسن وحمدي ومروان قبل ست سنوات في ليماسول عبر قنبلة فجرها الموساد الإسرائيلي في السيارة التي كانت تقلهم ليختم بهذا تاريخ خمسة عشر عاماً. وإننا لندعو الله تبارك وتعالى أن يحتسب لهم ولبقية الشهداء فيه استشهادهم وما فعلوه من خير وما كان في مرضاته ويغفر لهم ما كان في غير مرضاته.

‏أما جنازة أبي حسن وحمدي في عمّان وجنازة مروان الكيالي في بيروت، فقد جاءتا من حيث الحشود كماً ونوعاً خير ما يجازى به شهداء قتلوا ونيتهم وعملهم أن يكونا في سبيل الله، وأمضوا حياتهم عملاً وجهاداً من أجل تحرير فلسطين وتوحيد أمة العرب والمسلمين. فقد سار وراء نعوشهم وصورهم المكللة بالسواد كبار العلماء والقادة الإسلاميين وكبار المفكرين والصحفيين والشخصيات الوطنية والقومية واليسارية من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية. وكان ذلك كله شهادة لخطهم وتاريخهم وما عبّروا عنه ومثلوه. بل أن الوحدة الواسعة التي تحققت في تلك اللحظات وهم يوارون فيها التراب مثلت الجبهة التي كانوا يحلمون أن تتشكل من أجل فلسطين وفي الرد على التحديات التي تواجه الأمة. رحمهم الله وأسكنهم فسيح جنانه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

- ‏خط الجماهير ونظرية الثورة

‏لقد لعبت كل من فكرة "خط الجماهير" وفكرة البحث عن "نظرية الثورة في بلادنا" دوراً هاماً في عملية الانتقال إلى أرض الإسلام بالنسبة إلى أغلب أفراد تيار أبي حسن وحمدي وإخوانهما.
‏ كان المقصود بمفهوم أو منهجية خط الجماهير هو القيام بالتحقيقات الضرورية لاكتشاف الاتجاه الأساسي والجوهري في أفكار الجماهير ومواقفها وتوجهاتها وأمانيها، فالمعلومات التي تأتي بها تلك التحقيقات تتحول إلى نظرية أي تشتق النظرية هنا من الممارسات الجماهيرية ومن أفكار الجماهير، ثم تحول إلى شعارات يعاد من خلالها إلى الممارسة بين الجماهير. وقد وجد التيار في هذه الفكرة التي بلورها ماوتسي تونغ، أسلوبا مهماً في محاولة اكتشاف النظرية الثورية في بلادنا. وهي عملية قد تبتعد بنتائجها تماماً عن النتائج المماثلة التي عبّر عنها فكر ماوتسي تونغ حين استخدم ذلك الأسلوب في اكتشاف الحقائق المتعلقة بطبيعة الثورة ونظريتها في الصين. ولعل من الدوافع وراء الإعجاب بهذه المنهجية، على الرغم مما قد تكشفه من حقائق، وإن كانت غير صالحة لكشف كل الحقائق، كان ما تعنيه من روح استقلالية ومن ‏ابتعاد عن ابتلاع الشعارات والنظريات الجاهزة حول الثورة والآتية من موسكو، أو العواصم الغربية أو من بكين أو هانوي أو بيونغ يانغ أو تيرانا. فقد كانت مدخلاً للتعاطي والواقع الفلسطيني والعربي بصورة متحررة من النظريات والشعارات الجاهزة والجامدة. أي كانت مدخلاً ‏لإخضاع الماركسية لنتائج دراسة الواقع الفلسطيني والعربي لا إخضاع هذا الواقع لمقولات الماركسية اللينيينة..

‏بكلمة أخرى عمقت فكرة، أو نظرية، خط الجماهير، على تلك الصورة، من روح الأصالة المتحررة من أي قيد نظري جاهز في البحث، لا سيما في محاولة اكتشاف سمات الثورة في بلادنا، أو نظرية الثورة وكيف يمكن أن تنجز. هنا أصبحت ثمة مسؤولية لكسب معرفة أعمق وأدق بالنسبة إلى تاريخنا وإلى التجارب السابقة لشعوبنا وإلى التجارب الواقعية الراهنة لجماهير الأمة وأفكارها وتوجهاتها. وقد راحت نتائج ذلك تبتعد أكثر فأكثر عن المنظومات السوفياتية أو الغربية الماركسية أو الصينية أو الفيتنامية حول الثورة ونظريتها في بلادنا أو حول فهم تاريخ الأمة العربية والإسلامية وتقويم تجاربها الثورية. وهذا ما أسس التيار منذ بدايته على احترام تقاليد الجماهير وأخلاقها والتعامل وإياها بشفافية عالية، بل تجنب إتباع أية أخلاق أو مسلكية تتصادم وتلك التقاليد والأخلاق. وكان هذا يعني منذ اليوم الأول التحلي بروح احترام الإسلام والدين عموماً، وتقويم التجربة الإسلامية العربية تقويماً إيجابياً. فكان المطلوب الاقتراب أكثر فأكثر من نبض الجماهير وخطها. ولكن مع ذلك بقي التيار أسيرا لمفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية ثم الثورة الاشتراكية، فالمفهوم الأول لم يخضع، بصورة مبكرة، إلى المراجعة والتقويم، فقد كان منسجماً واعتبار فتح لنفسها حركة تحرير وطني ورفعها لشعار الدولة الديمقراطية في فلسطين، وارتبط الثاني بالخلفية العروبية القومية للتيار وبالمرجعية الماركسية.

‏كان لاندلاع التظاهرات الشعبية العريضة في إيران، كما ذكر سابقاً، ورفعها لشعارات الله أكبر، ولا إله إلا الله، وتحولها إلى ثورة تغييرية أطاحت بالنظام الشاهنشاهي وإلى جانبها، وربما بأهمية أكبر، كان للتجاوب الجماهيري الفلسطيني والعربي غير المعتاد مع تلك الشعارات، أثرا مهماً في تطبيق نظرية خط الجماهير تطبيقاً خلاقاً. هنا برز رأي داخل التيار يقول "منذ سنوات ونحن نبحث عن خط الجماهير وهو أمام أعيننا ولكن ما كنا نراه. أنظروا أليس الإسلام هو خط الجماهير في بلادنا؟ فبأي منطق نبحث عن سمات الثورة بالقول أنها وطنية ديمقراطية (بمعنى برجوازية من النمط الغربي والمعدل ماوياً) أو أنها اشتراكية بينما هي هنا إسلامية أردنا أو لم نرد. فإن هذه الأحشاء التي ستلد الثورة في بلادنا.. أي هذه المجتمعات، هي مجتمعات إسلامية تحمل المخزون التاريخي الإسلامي، وتحمل الأماني والتطلعات ذات الطبيعة الإسلامية. وسواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا يجب أن نقر بهذه الحقيقة إذا ما كنا نريد أن نمسك بخط الجماهير، أو نكتشف سمة الثورة في بلادنا.

وبالمناسبة كان لماركس رأي يصف فيه الطيعة بأنها مثل ‏القابلة القانونية التي تقوم بمساعدة الطبقة على الولادة أي ولادة الثورة. فهي لا تخترع هذه الثورة ولا تأتي بها ‏من عندها وإنما هي تقوم بتوليدها لأن سمات الثورة تتشكل في أحشاء المجتمع المعطى والطبقة المعنية. أي كان ماركس ينظر إلى الثورة باعتبارها مسألة موضوعية أساساً.

‏أما الدور الذاتي فهو مساعد على الولادة وقد يعطي بعض التلاوين الخارجية لها. ولكنها من حيث الجوهر مستقلة عنه. هنا أيضا خرج رأي من داخل التيار يقول إذا كانت الطليعة مثل القابلة القانونية التي تساعد على إخراج الوليد ولكنها لا تستطيع أن تغير شيئاً من سماته التكونية الأساسية. فلماذا نجعل تطبيقنا مناقضاً؟ ولهذا فثورتكم ستحمل التكوين الإسلامي والمولود هنا سيخرج إلى الحياة وهو يقول لا إله ألا الله، والله أكبر.. فإذا لم يعجبكم ذلك فابحثوا عن المشاركة في عملية ولادة أخرى في غير هذه البلاد العربية والإسلامية.
.
‏ففي البلاد العربية لن تخرج الثورة بشعر أشقر وعينين زرقاوين أو بوجه أصفر وعينين مشقوقتين فمن أراد الخيار الذي في عقله الماركسي ‏فليذهب إلى السويد أو إلى الصين أو فيتنام.

‏كانت الموضوعة على بساطتها الظاهرية، ومن قبلها المقولة التي تعتبر أن خط الجماهير في بلادنا وكذلك طبيعة الثورة يتسمان بالإسلامية أولاً وقبل كل شيء، ثم بعد ذلك يمكن أن تعطي سمات أكثر خصوصية في كل حالة من حالات البلاد العربية والإسلامية قد سهلا الانفتاح على الموضوع الإسلامي والقبول به من الزاوية السياسية والحضارية والثقافية، كما الانفتاح على تقويم أكثر إيجابية للإسلام والتجربة الإسلامية الأولى.

‏في الواقع، لقد ساعد رسوخ فكرة خط الجماهير وموضوعية الثورة لدى أكثرية أفراد هذا التيار، على عملية الانتقال سواء أكان بالتجرؤ على ارتياد أكثر تفتحاً وتحرراً وموضوعية للتاريخ العربي أم للواقع العربي. ومن ثم على صياغة موضوعات نظرية حلت محل كثير من الموضوعات الماركسية النظرية السابقة والتي كان أكثر ما قد تم الانتهاء منه قبل ‏ذلك. ثم ساعد على تقبل موضوعة إسلامية خط الجماهير وإسلامية الثورة حتى لو كان المرء لا يعجبه ذلك بسبب استمرار التعارض ‏والمنهجية "العلمية" أو "الديالكتكية"، أو بسبب التعارض وعدد من النظرات الراسخة لدى البعض حول حرية المرأة ومساواتها بالرجل أو حرية الفرد. فقد كان عدد من المشاركين في النقاشات قد درسوا في الغرب وفتحت أعينهم على الماركسية في الغرب، وكان عدد آخر قد انحدر من خلفيات دينية غير الإسلام وبعضهم كان راسخاً في الإلحاد. ومن ثم كان لدى هؤلاء عوائق فكرية ونفسية كثيرة إزاء قبول ما هو أكثر من التسليم من ناحية موضوعية بأن خط الجماهير في بلادنا إسلامي وكذلك طبيعة الثورة.. إلا أن هذا التسليم حتى ضمن هذه الحدود شكّل لدى البعض من أولئك خطوة إلى أمام باتجاه تجاوز تلك العوائق فيما بعد والاقتراب أكثر من المفاهيم الإسلامية بما في ذلك الجانب العقدي.

- ‏بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

‏كتب هذا النص كرسالة أريد منها أن تجيب عن أسئلة أو تساؤلات كان قد أرسلها عدد من السجناء السياسيين في سجون العدو الصهيوني إلى الشهيدين محمد محمد بحيص (أبو حسن قاسم) ومحمد باسم ‏سلطان (حمدي). وقد يعجب القارئ من المستوى النظري الذي طرحت فيه التساؤلات وكتبت فيه الرسالة، ولا سيما حين يعلم أن التساؤلات صدرت عن فدائيين فلسطينيين قضوا في السجون بسبب قيامهم بعمليات عسكرية مدداً تتراوح بين 10 ‏سنوات و 15 سنة، أو حين يعلم أن الإجابة جاءت من قبل قائدين ميدانيين عرفا بانجازاتهما القتالية والميدانية والتنظيمية خصوصاً، والعملية عموماً، أي نحن أمام نص لم ‏يصدر عن مثقفين محترفين. كما أن التساؤلات لم تصدر عن مثقفين محترفين كذلك.

‏ويبقى جانب إيضاحي آخر لابد من الإحاطة به كخلفية كمنت وراء التساؤلات والإجابة؛ إلا وهو طبيعة العلاقة بين السائلين والمجيبين. فقد كانت علاقة أخوة وزمالة وعمل ضمن خط واحد ردحاً طويلاً من الزمان وكان الشهيدان يمثلان قيادة له. وكان هذا الخط يستند في أساسه إلى منطلقات فتح في النظر إلى القضية الفلسطينية والثورة الفلسطينية وما نشأ عنهما، ومن حولهما، من مسائل وقضايا لها علاقة بالوضعين العربي والعالمي. أما الخلفية النظرية فكانت تنتسب للماركسية اللينينية ضمن مفهوم استقلالي عن المحاور الدولية أو‏الحزبية، وفي ظل سعي دائب للوصول إلى فهم للخصوصية الفلسطينية والعربية. فالعلاقة بالماركسية كانت بالنسبة إلى هذا الخط، ومنذ البداية، ‏ذات طابع مميز يختلف عن طابعها بالنسبة إلى مختلف الاتجاهات الماركسية - اللينينية. ولعل أهم سمات ذلك الطابع كانت سمة إخضاع ‏الموضوعات الماركسية، باستمرار، إلى حكم الواقع والوقائع والتاريخ، على مستوى العالم عموماً، وعلى المستوى العربي خصوصاً.

ومن هنا كانت تلك الموضوعات في" قفص الاتهام" باستمرار. ويا ويل الموضوعة التي لا تقوى على إثبات مصداقيتها، في مواجهة الواقع والتاريخ والوقائع. فقد كانت تنفل من أساسها، وبلا رحمة، وتحل ‏محلها، إن أمكن موضوعة أو موضوعات أخرى حتى لو كانت غريبة عن الماركسية، وغير مقبولة من الماركسيين. وهكذا اتسم مسار هذا الخط من الناحية النظرية بعملية صراع مستمرة بين ما يحمل من أفكار وموضوعات وبين الاحتكام إلى الوقائع، أو هو صراع يحكمه البحث عن الحقيقة بحثاً لا ينقذ ولا يكل أو بكلمة أخرى كانت ماركسية هذا الخط صراعاً ضد الماركسية نفسها.. فما كانت هنالك من موضوعة واحدة في الماركسية غير قابلة للنقد، أو كانت تعامل كحقيقة يمكن التسليم بها ولها تماماً. وإنما كانت تعامل كموضوعة تبدو صحيحة حتى إشعار آخر. فثمة شك مستمر في احتمال عدم صحتها في حقيقة الأمر. ولهذا كانت الماركسية - اللينينية في حقيقتها وجوهرها وبنيتها الأساسية مهتزة غارقة بالنظرات المغالطة، والموضوعات غير العملية، والأفكار السطحية أحادية الجانب، فقد راحت موضوعاتها تتهاوى الواحدة بعد الأخرى، وعلى مدى عدة سنوات في نظر أصحاب ذلك الخط، وفي مقدمتهم أبو حسن وحمدي. وهذا ما جعل الهوة تتسع باستمرار بين الشهيدين وبين عدد من زملائهما، ولا سيما أولئك الذين كانوا بعيدين عنهم وراء القضبان لا يواكبون ما يجري من نقاش يومي وتغيرات نظرية مستمرة، أو كانوا يتسمون بالجمود والعصبية الإيديولوجية. وبلغ الأمر مداه عندما انتهت مسيرة ذلك الخط، بأغلبية إلى نقد الماركسية - اللينينية، بل نقضها من أساسها النظري. أي من المادية الديالكتيكية إلى المادية التاريخية إلى الاقتصاد السياسي والاشتراكية العملية، وليس فقط نقد التجارب العملية للحركات والدول التي قامت على ذلك الأساس. وهو أمر أدى إلى مفاصلة مع عدد من الذين كانوا مستعدين للتخلي عن كثير من موضوعات الماركسية عدا المنهج على الأقل. ثم تفاقم الوضع حين توجت تلك المسيرة من موضوعات بتبني الإسلام عقيدة ومنهاجاً ونظاماً، أو بعبارة أدق تبني الإسلام قرآناً وسنة.
‏ويمكن بعد هذا الإيضاح للخلفية التي حكمت التساؤلات والإجابات ‏أن يدخل القارئ إلى هذا النص دخولاً مريحاً أو في الأصح وهو ملم بالظروف التي أحاطت بكتابته. أما من جهة أخرى فلابد من أر يدرك المتأمل في هذا النص، ممن أعجب بالشهيدين محمد بحيص (أبو حسن قاسم) وباسم سلطان التميمي (حمدي) باعتبارهما قائدين فذين في الممارسة العملية، إنه أمام مناضلين شديدي الاهتمام بالمسائل الفكرية والنظرية والسياسية. ولهما باع في كل ذلك يسند باعهما في الممارسة العملية. فقد كان اهتمام الشهيدين شديداً بتلك المسائل إذ كانا يدركان تماماً أن الممارسة بلا عقيدة سليمة، ومفاهيم نظرية صحيحة، وخط ‏فكري وسياسي سليم قد تضل ضلالاً بعيداً، تؤدي بصاحبها إلى ارتكاب الأخطاء الفادحة وربما إلى الانحراف والسقوط. ومن هنا يخطئ من تعود أن يراهما غارقين في الممارسة العملية، ليل نهار، حين لا يلحظ تركيزهما المكثف قبل ذلك، وفي أثنائه وبعده على العقيدة والنظرية والمنهج والفكر والسياسة والقيم الأخلاقية (ولا سيما القيم الأخلاقية التي يجب أن تتسم بها الممارسة عملاً لا قولاً فقط).

‏وأخيراً لا بد من أن يلحظ أن التطورات الراهنة على المستويين العالمي والعربي، ولا سيما، في المعسكر الاشتراكي جاءت تؤكد الموضوعات التي طرحها هذا النص الذي كتب عام 1984. ولعل الذين وجه إليهم في ذلك الوقت ولم يستوعبوا كل أبعاده، يمكنهم اليوم أن يعودوا إلى قراءته بعقول أكثر تفتحاً بعد أن فك أسر أغلبهم، وبعد أن أجمعت جماهير كل البلدان التي حكمت بأنظمة اشتراكية على رفضها من أساسها ووصل الأمر ببعضها إلى المطالبة بتحريم الأحزاب التي حكمتها. وما زال في جعبة المستقبل الكثير مما لم يقله بحق تلك الأنظمة التي هي ثمرات طبيعية ومحتومة للنظرية الماركسية والمنهج الماركسي ولا مهرب من ذلك، لأنه من الهزل أن تعزى مسؤولية تلك الأنظمة والأحزاب إلى التطبيق لا إلى النظرية.

فالفشل في التطبيق حين يكون عاماً وشاملاً، بلا استثناء، يفرض أن تراجع النظرية التي اهتدى بها واتخذها دليلاً. وهناً أمامه خيارات لا مفر منها: فإما أن تكون النظرية مستعصية على التطبيق وفوق عقول البشر وإمكاناتهم وقدراتهم، وإذا كانت كذلك فما الحاجة إليها وما قيمتها، وإما أن يكون الخلل قد جاء ابتداءً من النظرية نفسها ‏وهو الأمر المحتم بدليل أنهم يصرون على القول أن النظرية في جوهرها صحيحة ولكن الخطأ جاء من كل هؤلاء الذين تبنوها وحملوها إلى الواقع، ومن ثم فهي بانتظار عباقرة من طراز استثنائي ليحسنوا إدراكها أو التقاطها وتطبيقها خيراً مما فعل لينين وستالين وخروتشوف وبريجينف وغورباتشوف أو ماوتسي تونغ وشوان لاي وتينغ تشاو بينغ أو كاسترو وجيفكوف وهونيكر، وانتهاءً بذلك الحشد الذي لا ينتهي من الأمناء العامين في سائر بلدان العالم، وبالمناسبة يمكن الإثبات أيضا أن ماركس وإنجلز غرقا في الأخطاء والفشل في ممارستها العملية كذلك. ومن ثم لا يمكن أن يعزى ذلك إلى سوء التطبيق، وعدم فهم جوهر النظرية الماركسية في عرف القائلين أن الخلل في الممارسة لا في النظرية. وهنا لا بد من أن يهنأ كل من يعجب بذكائه إلى حد يحسب معه لأنه قادر اليوم أن يخرج من النظرية الماركسية أفضل مما أخرج كل أولئك من الذين يمكن أن يوصفوا بالجهابذة من ناحية قدراتهم العقلية وعزائمهم ومثابرتهم. وإن كان فيهم من نقض فهو فيما حملوا من عقيدة ونظرية ومنهج. ولا يمكن أن تكون علتهم في الذكاء والقدرة على الفهم. وذلك في الأقل من ناحية استيعابهم للنظرية ومهارتهم التطبيقية. فالمشكل في النظرية وفي ارتباطهم الحضاري ولعل إصرار أغلب الماركسيين، لا سيما في بلادنا العربية على تبني الماركسية وعدم الاقتراب من الإسلام، وبالرغم من كل العواصف التي هبت وهي تحمل البراهين على بطلان ذلك الإصرار وخلطه يشكل دليلاً جديداً، ولو بالمعاكسة، على عظمة تلك السمات التي تحلى بها الشهيدان أبو حسن وحمدي في احترام عقليهما، وفي احترام الحقيقة واحترام الوقائع والدافع والتاريخ والنظرة العملية، كما في امتلاك الصدق مع النفس والناس، وأخيراً لا آخراً، في امتلاك الشجاعة في الخروج من الظلمات إلى النور. من الماركسية إلى الإسلام فسلام عليهما.
‏والله من وراء القصد.
(ملحق)

أسئلة حول الإسلام والماركسية من وراء القضبان

بقلم:
‏محمد محمد بخبص (أ‏بو حسن)
محمد باسم سلطان (حمدي)

- الفصل الأول

من أين يستمد أي منهج مشروعيته

‏أيها الأخوة في سجن...
‏لنبدأ بالإجابة عن القسم الأول من أسئلتكم: "من أين يستمد أي منهج مشروعيته؟ هل من مدى استجابته لاحتياجات المرحلة المعاصرة ومتطلبات الواقع؟ أم لامتلاكه "شهادة منشأ تاريخية" تشير بأنه نبت وانبثق عن هذه المنطقة أو تلك؟ فإذا كان الإسلام قد امتزج بتاريخنا وتراثنا كعرب فأين موقعه في التراث الفكري، لشعوب أمريكا اللاتينية مثلاً، فالإسلام لا يشكل جزءاً من تراثها ووعيها"؟.

‏حقاً أيها الإخوة لا يستمد أي منهج مشروعيته من مجرد استصدار شهادة منشأ تاريخية لا في بلادنا ولا في بلاد غيرنا، ولم نقل أن المنهج مجرد تراث تاريخي لأمتنا أو لأية أمة أخرى.

‏فلو كان الأمر عند حدود هذا السؤال كما يفهم من ظاهر كلماته فلا خلاف بيننا، دون أن نكون قد تركنا موقعنا من فوق أرض الإسلام أو نكون قد تراجعنا عن تبنينا للإسلام ومنهجه. وكذلك إذا قلتم أن "مشروعية المنهج"، ولعلكم تقصدون صحته، تتقرر من مدى استجابته لاحتياجات المرحلة المعاصرة ومتطلبات الواقع، فسوف نتفق أيضاً على حدود هذا السياق دون أن نكون قد تركنا موقعنا من فوق أرض الإسلام. أو نكون قد تراجعنا عن تبنينا للإسلام ومنهجه، لأن الإسلام أو منهجه برأينا يجيبان أيضاً عن احتياجات المرحلة المعاصرة ومتطلباتها وهذا ما يمكن أن نثبته وندافع عنه، كما ويمكننا أن نثبت عدم صلاحية المنهج الماركسي عموماً، أو بالنسبة إلى الإجابة عن احتياجات المرحلة المعاصرة ومتطلباتها، أما الجزء الأخير من تساؤلكم فلا خلاف حين تقولون "إذا كان الإسلام قد امتزج بتاريخنا وتراثنا كعرب فليس له من موقع في التراث الفكري لشعوب أمريكا اللاتينية كما أنه لا يشكل جزءاً من تراثها ووعيها". ولكن هل يفهم من هذا استبعاد موضوع الإسلام بالنسبة إلينا ما دام ليس جزءاً من التراث الفكري لشعوب أمريكا اللاتينية؟ وهذا ينطبق على تراث الكثير من الشعوب بما يوحي بالقمل، كما يريد التساؤلى ان تراث كل شعب من الشعوب يجب استبعاده لأنه لا يحمل سمة عامة مشتركة لكل الشعوب، ومن ثم يجب إتباع طريق عالمي يتخطى خصوصيات الشعوب، أو منهج يحلق فوق الخصوصيات وهي نظرة ماركسية كوزموبوليتيكية (لا وطنية) وتتنكر لخصوصيات الوطنية، ويبدو من روحية هذه التساؤلات أنكم فهمتم من طرحنا لموضوع الإسلام، أو طرحنا لموضوع علاقتنا بتاريخنا وتراثنا ‏وحضارتنا، إن حجتنا الوحيدة أو الرئيسية في الصراع تستند إلى مجرد نظرة تراثية، أو نظرة تعتبر أن ما هو تراث هو صحيح، وهو المناسب ومن ثم دارت أسئلتكم حول هذه النقطة لإثبات خطئها أو سطحيتها أو عدم حيويتها، وهو أمر نوافقكم عليه لو كانت حجتنا تقوم على هذا الأساس، أو كان بعض حجتنا يقوم عليه وتذكروا أن القرآن الكريم يقطع بفساد حجة الذين احتجوا بآبائهم وأجدادهم لإثبات صحة طريقهم ومنهجهم بقوله تعالى: "إنا وجدنا آبائنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون" (الزخرف 23). "وقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباؤنا"(المائدة 104‏)، "قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا"(يونس 78). "قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون"(الشعراء 74‏) ومن هنا نتفق أيضاً على أنه ليس كل ما جاء عن الآباء والأجداد أو كان من التراث هو صحيح ومناسب تلقائياً والأهم أننا نتفق على أنها ليست الحجة المنطقية التي يرد بها على حجة أخرى. ولكن ليتنا نتفق أيضاً أنه ليس كل ما يورثه الآباء مرفوض ولا يحمل حجة أو يجب أن يترك باعتباره قديم ‏ورجعي وسلفي. لأن السؤال من هم آباؤك وما كانوا يفعلون؟. فعلى الأقل يجب أن نتذكر أن ما من علم أو فكرة أو رأي أو نظرية تولد اليوم إلا وتصبح ويجب أن ننهج على نهجه.

1- ليس كل ما هو تراث علم وصحيح ويجب أن ننهج على نهجه.

2 ‏_ ليس كل ما هو تراث مرفوض باعتباره ماضياً وسلفياً.

3 ‏_ دائماً هنالك ما هو صحيح عقيدة ومنهجاً ونظرية بينما هو في الوقت نفسه تراث وقد حمله الآباء والأجداد. وهذا لا ينطبق على كل الحالات بالنسبة لكل الشعوب، ولا ينطبق على الشعب المحدد بالنسبة إلى كل ما توارثه وإنما بالنسبة إلى بعض ما توارثه. وفي هذا الصدد نرى أن الإسلام بالنسبة إلينا يشكل تراثنا الرئيسي وتاريخنا، ويحدد السمات الخاصة بشعبنا وحضارتنا. هذه حقيقة بعضكم غير موافق عليها للأسف. وهو في الوقت نفسه صحيح أصلاً عقيدة وشريعة ومنهاجاً سواء أكان تراثاً لنا أو لم يكن، وهو كذلك بالنسبة إلى من ليس تراثاً لهم. أما من جهة شعبنا فثمة تطابق بين الأمرين في حالتنا الخاصة، أما إذا أريد الخوض في الحجج التي نستند إليها في إثبات هذه الصحة فهو ما سنتناوله لاحقاً عند تناولنا موضوع المنهج الذي كما يبدو تضعون له أهمية خاصة.

- ‏حول كسب الجماهير

‏ثانياً: في القسم الثاني من أسئلتكم تريدون الاستيضاح حول "إلى أي مدى عمل الشعور بسهولة كسب الجماهير من خلال هذا المنهج على إنتاجكم له". ثم تتساءلون "ماذا نحن فاعلون إذا اكتشفنا بعد عشر سنوات أن هذا المنهج لم يستقطب الجماهير ثم تتساءلون عن رأينا بتجربة اليمن الديمقراطي وعن سبب ضعف انتشار الماركسية لدينا..... الخ.

‏أيها الأخوة على الرغم من بعض القسوة في السؤال إلا أننا نجد لكم العذر في طرحه، خصوصاً لما تعرفونه عنا من حب للجماهير وبحث دائم عن خط الجماهير. وأخيراً المقولة التي كنا نتبناها عن استحالة نجاح الثورة ما لم تكن مؤيدة من الجماهير، ومتبناة من الجماهير، ومعبرة عن أماني الجماهير وصالحها. ولعل هذه الجوانب في تكويننا السابق سهلت علينا الاقتراب من الإسلام وتفهمه لا من ناحية البحث عن سهولة لكسب الجماهير واستقطابها. فهذه لم تكن من همومنا لأننا ما طمعنا يوماً بقيادة الجماهير ولا تطلعنا إلى ذلك، فقد نشأنا في حركة تقود ‏الجماهير وعملنا بروح الجندي في صفوف الثورة وبروح من يضع كتفه للمساعدة في تحمل أعباء الثورة، أو كما تذكرون كنا نقول "لنكن الحصوة التي تلقي الخابية" أما من جهة أخرى فثقوا أننا لا نحمل أوهاماً بأن الوقوف على أرض الإسلام سوف يجعل الجماهير أو كسبها أسهل تلقائياً، فعلى الأقل هنالك عشرات التنظيمات الإسلامية التي بقيت معزولة، ولم تستقطب الجماهير. بل إن تجربة عدد من الأحزاب الإسلامية المعاصرة في فلسطين وغيرها تؤكد أنها لم تكسب الجماهير بالرغم من كونها أحزاباً إسلامية، أما من جهتنا فالأمر هو أكثر صعوبة حين نقف على أرض الإسلام، بالنسبة إلى كسب الجماهير واستقطابها، ولهذا أسبابه المفهومة والمشروعة، ومن ثم لن تصدمنا هذه الحقيقة لا الآن، ولا بعد عشر سنوات، وإذا قدر لا سمح الله أن نجد أنفسنا بعد عشر سنوات في موضع مراجعة بعض مواقفنا الراهنة فلن يكون ذلك بسبب اكتشاف عدم سهولة كسب الجماهير من خلال طريق الإسلام، ولن يكون مراجعة للإسلام عقيدة ومنهاجاً، وإنما قطعاً سيكون ضمن البحث عن أنجع أساليب إحداث التغيير في الأمة، وفي تحرير فلسطين، سيكون بحثنا عن الثورة، عن إنقاذ الأمة، عن أفضل الطرق الموصلة إلى حل مشاكل الإنسان والإنسانية، لشعبنا والشعوب الأخرى. هذه طبعاً ‏نقطة عارضة واعذرونا إذا شممتم به بعض الادعاء.

‏بالنسبة إلى موضوع كسب الجماهير أو دعوة الناس إلى سلوك طريق الإسلام فإن له شروطاً أخرى. وإن كان الأخذ بالإسلام قد يساعد، أحياناً وفي بعض الحالات على ذلك. فالإسلام نؤمن به أولاً وقبل كل شيء لذاته، ومن ثم نتحدث عن أن الأخذ بالإسلام يساعد على اكتشاف نظرية الثورة والقدرة على تقديم إجابات صحيحة عن التحديات التي تواجه لشعبنا وأمتنا والعالم ككل، وهي إجابات ليست جاهزة، وإنماً تمر عبر فهم البشر المعاصرين للإسلام ولقضايا عصرهم. فالوقوف على أرض الإسلام، بنظرنا، هو مجرد الخطوة الأولى الضرورية للاتجاه الصحيح، ولكن بعد ذلك ثمة معضلات ومشكلات كثيرة. وانتكاسات وتعرجات وصعوبات، ودموع ودماء، وفشل ونجاح، وربما إخفاقات ‏متتالية، بل يمكن القول أن الانتقال إلى أرض الإسلام بالنسبة إلينا ليس انتقالاً إلى الموقع الأسهل أو الطريق الأسهل، أو الشعبية السريعة الرخيصة، بل بالعكس انه انتقال إلى الموقع الأصعب، والجهاد الأكثر تضحيات، والشعبية الأكثر تعقيداً، والأبعد منالاً.

‏أما بالنسبة إلى اليمن الديمقراطي فيمكن أن يقال كل شيء في تلك التجربة عدا النجاح، سواء من الناحية الشعبية للحكم أو من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الاستقلالية، فيا لقسوة تلك التقديرات التي تقول أن حوالي ثلثي سكان اليمن الجنوبي هاجروا شمالاً وانتشروا في الخارج، أما الباقون فلا أظن أن أحداً عاد يتحدث بحماسة عن الثورة ومنجزاتها بعد إعدام سالمين ونفي عبد الفتاح إسماعيل كما لا أحد يتحدث عن انجازات اقتصادية فالشعب أصبح يأكل أقل كثيراً، ولم يعد يسمع بالسمك إلا نادراً، أما الاستقلالية فاليمن أصبحت كأنها في وضع المحمية السوفياتية، وانتظروا سماع أزمات فالأزمات هناك بلا نهاية إلا بانتهاء النظام فمن أين جاء تصوركم حول نجاح اليمن الجنوبي فهذا تصور لا علاقة له بالواقع .
‏العلة في النظرة الماركسية وليس في التطبيق .

‏أما موضوع الأحزاب والتنظيمات الماركسية والعربية والفلسطينية وعزلتها الجماهيرية فهذا أمر نراه لا يرجع أساساً لموضوع أخطائها، وإنما ترجع أخطاؤها إلى أساس جوهري في النظرية نفسها، وإلا "كيف لا يخطئون مرة بالصواب" كما قال أحد الشعراء لو كان الأساس صحيحاً والثمرات فاسدة فقط. أفلا يحق أن تتساءلوا حين ترون فساد الثمرات وجفاف الأغصان وذبول الأوراق عن علة، أو علل في الساق والجذور. في الواقع إن موضوع الماركسية أخذ هنا معاناة كبيرة جداً وتعقيدات كثيرة وحوارات طويلة حين توصلنا إلى قناعات بالتخلي عن أرضها، ومنهجها. وهذا أمر حصل من مناقشة نظرتها الفلسفية المادية إلى منهاجها (المادية الديالكتيكية) إلى فهمها للتاريخ (المادية التاريخية)

‏وأخيراً إلى موضوعاتها الاقتصادية المتعلقة بالاشتراكية العلمية، ناهيك عن خيبة الأمل المتكررة التي منينا بها ونحن ندقق في نتائج تطبيقاتهما على الشعوب المختلفة، خصوصاً تجربة الاتحاد السوفياتي، وأوروبا الشرقية، ثم الدول الإفريقية، ثم فيتنام وكوريا وأخيراً الصين، الأمر الذي أدى بنا إلى إجراء نقد جوهري إلى أساسات المنظومة الماركسية. وبالمناسبة إننا متأكدون بأن الأحزاب والتنظيمات الماركسية في بلادنا لو قدر لأحدها أن تراعي موضوع الإسلام على أفضل صورة، وتتبنى خطاً كفاحياً منذ البداية ضد الاستعمار الصهيوني، ولم تتخذ طريق التبعية للاتحاد السوفياتي، كما كنا نأمل في السابق، وكنا نعمل باتجاهه، فإن كل ذلك لن ينقذها من مشكلتها الجوهرية مع الناس وتنظيم الاقتصاد والمجتمع. أي لو قدر لها أن تتلافى ما تسجلونه عليها من أخطاء وتحظى على تأييد الجماهير وتقودها في معركة التحرير والاستقلال، فإنها سرعان ما تتحول إلى دولة بيروقراطية طاغية معزولة، هي والحزب الطليعي، عن الناس. بل ستصبح قمعية، مصادرة لأدنى أشكال الحريات الفكرية، والسياسية، ويصبح عليها حراسة حدودها لئلا تفرغ بلادها من شعبها الذي سيسعى للهرب زرافات ووحدانا، لأن المشكلة تكمن في فهمها الخاطئ للتاريخ والإنسان ولمفهوم العدالة وللملكية وللدولة، فضلاً عن فساد فلسفتها ومنهجها، إنه لا يكفي أن تنال شهادة النجاح حين نثبت الوجه البشع للرأسمالية واستغلالها وموبقاتها. لأن عليها أن تقدم بديلاً، لا يأتي وجهاً آخر للعملة نفسها. وهذا ما خدع الكثيرين حين قامت على نقد الرأسمالية وهي أسوأ منها. فهي بدلاً من معالجة الموضوع المذكور انطلاقاً من نظرة ومنهجية متوازنة تشكل بديلاً حقاً نقلت الملكية الفردية الرأسمالية الطاغية إلى ملكية الدولة البيروقراطية، أو نقلت الطغيان السياسي للسياسيين الفاسدين الرأسماليين إلى طغيان قلة في قيادة الحزب الذين لا يسمحون بنقد أو مناقشة، وتجري كل أمورهم وصراعاتهم في غرف مغلقة وراء الكواليس، فترى أهم تطور يحرزه بلد اشتراكي يكمن في تطور الجيش وأجهزة القمع والأسلحة والدولة، أما الشعب فتتبخر من أمامه تدريجياً أحلام "الاشتراكية" والعدالة والحياة الأفضل، "والديمقراطية الأفضل من ديمقراطية الرأسمالية" (لأنها، كما ادعوا تصبح ديمقراطية اقتصادية واجتماعية). وهكذا يبدأ الشعب يفقد حماسه، خصوصاً جماهير الفلاحين والعمال والبسطاء، إن حدث وكانت هناك حماسة، وبهذا تدخل البلاد في دورة جهنمية تصل في كثير من الأحيان بالناس إلى أن يتمنوا العودة إلى العهود السابقة أو إلى الرأسمالية، فأمريكا مكروهة في كل مكان إلا في أوروبا الشرقية والشعب الذي قاتل الأمريكيين بقيادة الحزب الشيوعي في فيتنام، بكل بسالة، أصبح في وضع سيء جداً الآن بعد عشر سنوات من نجاح الثورة، فدعك مما يجري وجرى من انتهاكات كانت لمبادئ "الاخوة" في العدوان على كمبوديا ولاوس، فالشعب في فيتنام نفسها أصبح يهرب بالآلاف ولا يردعه إلا رصاص حرس الحدود أو الأمواج العالية التي التهمت وتلتهم العشرات من الذين يهربون بقوارب من صنع أيديهم، وهؤلاء ليسوا الرأسماليين أو البرجوازية الصغيرة لأن الأخوين لهم وسائلهم الأخرى في الهرب. ثم الدور السوفياتي في أرتيريا وأفغانستان الآن، وقبل ذلك الكثير في الماضي كي يشكل فضيحة كبرى للماركسية ولا يجعل المسألة مجرد أخطاء أو نزوات طاغية اسمه "ستالين" أو خروتشوف أو بريجينيف فالحكومات الماركسية صادرت كل الحقوق الخاصة بالإنسان والشعب تحت دعوى أنها ممثلة الشعب وتقرر له ما هي مصلحته وقامت إمبراطوريات ظالمة تحت شعار "الأممية" ولهذا نرى أن البديل الحقيقي للماركسية، في المقابل ليس الرأسمالية أو العكس. وإنما منظومة عقدية منهجية نظرية تجمع بين الجوانب الروحية والأخلاقية والتوازن والالتزام بالمثل العليا وهي تعالج الجوانب المتعلقة بالحياة المادية وعمليات الإنتاج، والصراع السياسي. ولا بد من الجمع بين الملكية الفردية المحدودة والملكيات الاجتماعية "جمعيات ومؤسسات شعبية، بلديات، ملكيات عائلية وجهوية وأرض مشاع "على مستوى القرية مع عدم اللجوء إلى ملكية الدولة إلا في الحالات التي لا يمكن أن تقوم بها إلا الدولة، وذلك من أجل بناء المجتمع قوياً في مواجهة الدولة ليمنع طغيانها، وإبقاء الدولة ناصراً للعدل ومتدخلة ضد الطغيان إذا وقع في المجتمع.
‏أما إذا أصبحت الدولة كل شيء تصبح هي الخصم والحكم. ثم هنالك المسألة التي يجب عدم الاستهتار بها وهي المتعلقة بحقوق الناس وكرامتهم. بما في ذلك حق المعارضة السياسية المنظمة والعلنية، وحق ‏التنافس الشريف في انتخابات حرة، وسائر حقوق الإنسان فيما يتعلق بالمعتقد وحرية الرأي وعدم تعريض الناس وكراماتهم لعسف رجال المخابرات والشرطة أو التعرض للتعذيب، أو مصادرة حرياتهم بدعوى ‏الشبهة وهكذا، وإننا نرى أن كل هذه يضمنها الإسلام ويمكن أن تؤسس على أرضه وهي نابعة من جوهر نظريته التي لا تضع المسألة إما ملكية فردية أو ملكية الدولة وإما ليبرالية رأسمالية أو دكتاتورية دولة البروليتاريا، أما التخلي عن الحياة المادية وإما الولوغ فيها بلا رادع أو وازع. وكذلك لا تفسر التاريخ من وجهة نظر أحادية الجانب قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج أو صراع الطبقات أو حصر التاريخ بالمراحل الخمسة، فالظواهر التاريخية يجب أن ترى بصورة شمولية تجمع فيها مختلف الجوانب والعوامل. ولا يوجد عامل يلعب العامل الحاسم في كل الحالات والمراحل فأنت لا تستطيع أن تفسر مثلاً ثورة الإسلام الأولى وبناءه المعنوي، الفكري، الاقتصادي، في البحث عن أدوات الإنتاج وترى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وما حدث فيها من تطور في الجزيرة العربية، حتى الذين يضعون أهمية لتحول طريق التجارة إلى الحجاز يكونون قد ادخلوا عاملاً غير عامل أدوات الإنتاج وقوى الإنتاج. ولا يدخل ضمن نظرية صراع الطبقات النابعة من الموقع في العملية الإنتاجية القاعدية. إذا كان الإسلام وتجربته انعكاساً لواقع المجتمع المكي والقبلي المتخلف، فكيف يكونان على هذا المستوى من العمق والشمول إلى حد يبز أرقى الأفكار والنظريات التي مادتها الحضارة المعاصرة. ولو عدتم إلى منطوق النظرية الماركسية بالنسبة إليها لوجدتم أن هذه الأفكار مجرد انعكاس لوضع معين، وتعبر عن أفكار طبقة التجار. ومن ثم لم تعد في سجل التاريخ إلا شيئاً من الماضي. وإذا كانت لها من استمرارية فهي استمرارية قوة التقاليد بالمعنى السلبي للكلمة. ولكن هل الأمر كذلك أم فوق ذلك بكثير؟ في الواقع إن تطبيق المنهج الماركسي في تفسير التاريخ يؤدي إلى الاضطراب والأخطاء في كل المجالات تقريباً، فالماركسيون كم تخبطوا خبط الشعراء وهم يفسرون تاريخ المسلمين، أو هم يفسرون تاريخ آسيا وإفريقيا بل أوروبا نفسها. مما يدل على أن المنهج المذكور ليس تلك العصا السحرية التي تمسك بناصية التاريخ وقوانينه. بل أثبتت من مظاهر الضعف أكثر بكثير ما أثبتت من مظاهر القوة. وكم ‏سنكون سعداء لو دلنا أحد على كتاب تاريخ لماركسي واحد عاش خمس سنوات صامداً حتى في نظر الماركسيين أنفسهم. تصورا أن تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي تعاد كتابته مع كل موت لأمين عام بما في ذلك الأحداث التي وقعت سنة 1902 ‏مثلاً. أظن آن الأوان لنتخلص من ذلك الوهم الكبير (الإرهاب الفكري) بأن الماركسية هي "المنهجية العلمية الموضوعية وبيدها أسرار الحقيقة والمعرفة". فهذا ادعاء لم يثبته الواقع لا من خلال الماركسيين الفلسطينيين والعرب الذين تعرفون مدى علميتهم وموضوعيتهم - ولا من خلال غيرهم، انظروا إلى اتهامات السوفييت للصينيين و الشيوعيين الإيطاليين واليوغسلاف - وانظروا الاتهامات الموجهة للسوفييت من ماركسيين كثيرين.. تجدوا أن كل طرف يؤكد أن الآخر أحادي الجانب ومتافيزيقي، وغير علمي، وغير موضوعي هذا دون التعرض للاتهامات المتعلقة باتهامه بالبرجوازي والبرجوازية الصغيرة أو الشوفينية أو التوسعية والاستبداد والفساد.. الخ. أظن أن هذه الظواهر ليس لها تفسير في النظرية وإنما لها تبريرات، بينما ترون في الإسلام تفسيراً لكل حالة انحراف تحدث من قبل المسلمين، ولا مجال لتبرير جرائم أو قتل بلا حق أو مفاسد أو مظالم. فنصوص القرآن والسنة هي التي تشكل المعيار الفاصل بين الحلال والحرام، والهدى والضلال، والعدل والظلم، وهي التي تكشف حقيقة عن أهم سنن الله في الناس والآفاق.

‏لا تنسوا أيها الإخوة أننا واجهنا كل هذه المسائل في الماضي بالتبريرات مثلكم اليوم. وكنا نظن أن المشكلة في الأفراد وفي سوء التطبيق. ولكن عندما تكون الأخطاء هي الظاهرة العامة لكل الحالات ومع كل الأفراد أفلا يحق أن نبحث عن الخلل في جوهر النظرية والفكر. وإلى متى يبقى هنالك ذلك الماركسي المغرور الذي يتصور أنه الوحيد الذي يفهم، أو سيفهم، جوهر الماركسية وتطبيقها بينما الجميع قد أساؤوا فهمها وتطبيقها ابتداءً من ستالين وخروتشرف ومروراً بماوتسي تونغ وكيم ايل سونغ وكاسترو وانتهاءً ببرجينف. بكلمة أخرى على الماركسيين أن يقروا بأن هذه هي الماركسية وهذه تجلياتها وثمارها، ولن يخرج منها أفضل ما خرج منها، هذا إذا لم يكن المسار التقهقري أكثر فأكثر وهو ‏كذلك على كل حال، فرجالها المعاصرون الآن "أقزام" بالمقارنة لمن سبقهم والآتون سيكونون أصغر، لأن الماركسية دخلت منذ زمن طويل الطريق المسدود حتى بمقاييسها الكلاسيكية، ولا بد لها من رصاصة الرحمة.

- الفصل الثاني

الإسلام في معركة الحضارة

‏القسم الثاني من أسئلتكم يقول: "ألا ترون أن التركيز الحضاري في كتاب "الإسلام في معركة الحضارة"، للأخ منير شفيق، على تقسيم المناهج والإيديولوجيات وفقاً للأنماط الحضارية سيقود إلى بعض النتائج المضللة وأهمها أننا سنجد أن إيديولوجيات مختلفة في الحضارة الغربية بل ومتناقضة قد وضعت في سلة واحدة وحوكمت من منظار واحد. وهو استناداً إلى أنها جميعاً نتاج حضارة الغرب وهي بعيدة عنا وليست حضارتنا لذا فإن الفلسفات والمناهج التي نمت فيها لا تناسبنا".

‏يلاحظ أيها الإخوة من طريقة طرح السؤال أعلاه لم يجر تدقيق كافً فيما طرح في كتاب "الإسلام في معركة الحضارة" حول الموضوع الحضاري واقتصر الرد علي أن هذا طرح يقود إلى نتائج مضللة، منها وضع الإيديولوجيات المختلفة والمتناقضة في الغرب في سلة واحدة ورفض إفرازات الحضارات الأخرى لمجرد أنها غير حضارتنا ولا تناسبنا وغريبة عنا.

‏لذلك لنوضح وجهة نظرنا حول الموضع:

1) إن وضع خارطة الأنماط الحضارية على مستوى العالم يعكس واقعاً موضوعياً تاريخياً، ولا علاقة له بما يثار من مخاوف من نتائج مضللة. إن هذا الخوف لا يجوز له أن يطمس حقيقة كبرى في تاريخ البشرية قد يؤدي طمسها إلى نتائج تشكل خطراً كبيراً ولا يجوز أن تطمس حقيقة خوفاً من النتائج المترتبة عن كشفها. فمخاوفكم لا تشكل برهاناً نظرياً على صحة رأيكم، ولنسأل هل عرف العالم أنماطا حضارية متغايرة أم لا؟

الحقيقة تقوا أن الحضارة الصينية والحضارة الهندية، وحضارة الهنود الحمر والحضارة الإسلامية والحضارة الأوروبية ليست مجرد أوهام أو تسميات بلا محتوى ومعنى، وبلا نتائج. ثم إن المسارات التاريخية التي أخذها التطور الحضاري الأوروبي من العبودية والإقطاع والرأسمالية لم تعرفه الحضارة الأخرى وإنما عرفت أنماطاً أخرى في بنيتها التحتية والفوقية، ويكفي أن نلاحظ أن هذه الحقيقة اصطدم بها ماركس حين أشار إلى نمط الإنتاج الآسيوي. واصدم بها ماركسيون عديدون حين سموا نمط الإنتاج الإسلامي بالنمط الخراجي، أو الإقطاع العسكري.. الخ.

‏خذوا مثلاً، إن الذي يدقق بأصول القانون الروماني الذي هو أساس التشريع في الحضارة الغربية تراه يختلف في الجوهر عن أصول التشريع الإسلامي. والتشريع يعني البناء القانوني والحقوقي، يعني تكوين اجتماعي مختلف حين يختلف مع نظيره.

2‏) الحديث عن أنماط حضارية مختلفة لا يعني وضع مفرزات كل حضارة في سلة واحدة، فالتفريق فيما بينها ضروري وأساسي حين يتعلق الأمر بدراسة التفاصيل ولكن في الوقت نفسه من أصول العلم أن ترى الأصول المشتركة إن كانت هناك أصول مشتركة - فماركس لم يخجل من أن يعتبر الماركسية ابنة الفلسفة الألمانية الاشتراكية الفرنسية والاقتصاد السياسي الانجليزي. وهل يمكن لأحد أن يفهم ماركس دون الرجوع إلى الفلسفة الإغريقية حتى هرقليطس. ولكن لن تروا في طريقكم وأنتم تتبعونه أية صلة بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا حتى بابن رشد وابن سينا وابن خلدون، فهؤلاء أصلاً ليسوا في قاموسه، ناهيك عن علاقته بالأصول الحضارية الأخرى. إن عدم رؤية الطابع الأوروبي لماركس وأنجلز ولينين بما في ذلك تأثرهم باليهودية والمسيحية بإطارهما الأوروبي، يظلمهم ويبسط الأمور كثيراً. ففي علم الأحياء يبدأ العالم بتقسيمها إلى الأجناس ثم الآرومات وفصال حتى تصل إلى التفريق بين كل فرد، ولكن إذا أخطأت في التقسيم الأول سيظل الخطأً وراءك وأنت تدخل في الأكثر تحديداً وتفصيلاً. فمن يخطيء في التمييز بين الحضارات في عمومها، يخطيء وهو ينتقل إلى الأكثر تفصيلاً وتحديداً. أما إذا كان ‏هذا التقسيم الواسع قد يقود البعض إلى نتائج مضللة، كالفشل في التمييز بين الحالات المختلفة المتناقضة فهذا ذنب ذلك البعض وليس ذنب التقيد الصارم بحقائق الواقع والتاريخ والعلم. وبالمناسبة وفي كل الحالات يجب الانتباه دائماً عند معالجة حالات، أو إيديولوجيات مختلفة ومتناقضة، التمييز بين التناقض الناشئ بين طبيعة مختلفة والتناقض الناجم عن اختلاف بين وجهي عملة واحدة.

3) إن طمس حقيقة تعدد الأنماط الحضارية ومحاولة اعتبار مسار النمط الحضاري الأوروبي باعتباره القانون العالمي أدى بماركس إلى القول:"إن أمام بريطانيا مهمة تاريخية مزدوجة تؤديها في الهند، الأولى تحطيم البنى القديمة، والثانية زرع الحضارة الأوروبية". ولو قبلنا بحسن النيات التي كانت تتصور أن تحطيم البنية الحضارية الثقافية والنمط الاجتماعي التقليدي للشعوب الأخرى وإحلال الحضارة الأوروبية مكانها يعني التقدم وولادة الرأسمالية، قد أثبتت الوقائع أن نتائج هذه العملية كانت تعني، وأدت بالفعل إلى خلق الأنماط المتغربة التابعة للمركز الرأسمالي والإمبريالي، ولم تؤد لا إلى نهضة برجوازية ولا إلى استقلال حقيقي. إن تحطيم البنى الحضارية والثقافية الاجتماعية التقليدية للشعوب الأخرى كان الشرط لتحطيم استقلالها وهذا خلق حالة التبعية الدائمة التي استمرت بعد الاستقلال بل زادت بعد الاستقلال، والى جانبها حالة تبعية البلدان التي سارت على "الطريق اللا رأسمالي- للاتحاد السوفياتي - بغض النظر عن التبعية التي تعاني منها غالبية بلدان العالم الثالث. ومن ثم، إن ارتباط الاستقلال الحقيقي بمسائل الهوية والنمط الثقافي والحضاري أصبح الآن حقيقة يعترف بها حتى كثير من الماركسيين، وما الندوة التي نشرتها مجلة الحرية لعلماء سوفيات تحت عنوان "الهوية والنمط الثقافي والحضاري" إلا اتجاهاً محرجاً للماركسية والماركسيين. أنهم راحوا يعترفون الآن بحقيقة كثيراً ما لفوا وداروا حولها وعملوا على تجاهلها ولكنها أصبحت اليوم تصدمهم في عقر دارهم، فضلاً عن تجلياتها في البلاد الإسلامية والهند والصين وإفريقيا.
‏لهذا فإن ملاحظتكم حول الموضوع الحضاري تحتاج إلى إعادة تدقيق ‏من جانبكم وإلا فاتكم القطار حتى غلاة الماركسيين الذين يسعون الآن الخروج من مآزقهم النظري الخطير. خصوصاً بعد الضوء الأخضر الذي أطلقته لهم الندوة المذكورة "من حيث الاهتمام بالتقليدي ومحاولة المزاوجة بينه وبين المعاصر"، طبعاً سيزيدون تخبطاً لأنهم ما زالوا يدورون في الفلك نفسه.

4 ‏_ إن محاولة فرض النمط الحضاري الأوروبي بوجهه الرأسمالي أو الاشتراكي على الشعوب الأخرى من الخارج، أو من خلال النخبة المتسلطة في الدولة، أثبت فشله في التجربتين الرأسمالية والاشتراكية لأن التغير (التطور أو الثورة) إذا لم يكن ناتجاً من الأعماق وتتمسك به الجماهير، سينتهي إلى التبعية والفشل والقمع وأبشع أشكال الدكتاتورية. وبالمناسبة في مرحلة من مراحل تفكيرنا ونحن نناقش هذه المسائل كنا نستند إلى مقولة ماركسية تقول "أن النظام الجديد - الثورة يخرج من أحشاء الطبقة - المجتمع المعني" فالعملية تتكون هناك وتنضج هناك لأنها مسألة موضوعية" ومن هنا كنا نسأل: أي نوع من الثورة تحملها أحشاء الأمة العربية أي نظام جديد، أي تغيير؟ وما هي سماتها بغض النظر عن رغباتنا وأفكارنا ولهذا منذ البدء لم يكن في منهجنا اختراع ثورة من الكتب الماركسية أو من عقولنا، لأنها ستكون محاولة ‏فرض رغباتنا وتصوراتنا على الواقع وتسميتها ثورة. إن هذه المسألة عمل بعكسها في الفكر الماركسي من ماركس وإنجلز ولينين حتى ماوتسي تونغ واستبدلت بوضع برامج للثورة غير نابعة من أعماق الأمة، أما ‏المجالات التي نجح بها بعض الماركسيين، كماوتسي تونغ وهوتشي منه، بتوليد ثورة فقد واجهوا كثيراً من العنت وهم يحاولون تطبيع أفكارهم الماركسية مع تراثهم وتاريخهم وحضارتهم وروح شعبهم. وقد أثبت الواقع عبث هذه المحاولات في ظل تبني الماركسية. ومع ذلك لعلكم ترددون عبارة "التطبيق الخلاق على الظروف الخاصة". اذهبوا حتى النهاية في فهم هذه الظروف الخاصة، واذهبوا حتى النهاية في مسألة التطبيق الخلّاق، تجدوا أنفسكم، في ظروف بلادكم الإسلامية في مواجهة مع الإسلام . فيكف يمكن أن يكون هناك تطبيق خلاق وأنتم تحملون الماركسية المتصادمة مع الإسلام.

‏بكلمة أخرى، إذا بحثنا في سمات الثورة في بلادنا سنجد أنها سمات إسلامية فلا نظاماً جديداً في أحشاء مجتمعنا غير النظام الإسلامي. هذه حقيقة توصلنا إليها ونحن غير راغبين فيها، في البداية، ولم تكن تلتقي مع رغباتنا وهوانا وأفكارنا ونظرياتنا، فكان علينا أن نبذل الجهد لدراسة الإسلام. وكان علينا أن نضحي بكثير مما بنيناه في المجال الفكري والسياسي من أجل مواصلة التقدم في اكتشاف الحقيقة، فاغلبنا اقتنع بهذه الحقيقة دون أن يكون قد اقتنع بالثورة الإسلامية، أو كان متعاطفا مع الجانب السياسي، والحضاري في الإسلام فقط. والبعض وجد أنه غير مستعد للمساعدة على ولادة ثورة تنزل من أحشاء المجتمع، وهي تهتف "الله اكبر"، فآثر الابتعاد والاهتمام بأموره الخاصة بعد أن اقتنع بعدم وجود ثورة أخرى في تلك الأحشاء. ومن هنا بدأت المسيرة الجديدة عبر حوار طويل حتى انتهت بعدد لا بأس به من الإخوة إلى الاقتناع الضميري الذاتي بالعقيدة أيضاً. فأصبح الموضوع بالنسبة إليهم يقوم على أسس غير المقولات آنفة الذكر حول الحضارة والتغريب وفشل التجارب الماركسية في البلدان الإسلامية على وجه الخصوص وحول الثورة وسماتها الخاص، لذلك يمكن القول أن البعض يقف على أرض الإسلام وقوفاً خالصاً إيماناً بعقيدته وانطلاقاً من قناعة بصحته. وبغض النظر عن سائر الاعتبارات. ولا يبالي هذا البعض، ونحن منهم، بكل تلك الحجج التي أوردناها، وهناك بعض آخر حسم قناعته بأن "لا ثورة في بلادنا إلا ثورة إسلامية" وهو يتعامل مع الموضوع تعاملاً سياسياً وحضارياً فقط. وهنالك بعض ما زالوا يناقشون ويجادلون ويطرحون التساؤلات الشبيهة بتساؤلاتكم. وكل ذلك أمر طبيعي وصحي، ما دام العمل الجهادي ضد العدو الصهيوني مستمراً والرجال الأشداء في الميدان ليسوا فقط عضلات قوية، وإنما هم أيضاً عقول متفتحة تفكر وتناقش وتتسائل وتتعذب في البحث عن الحقيقة.

‏إن الخط الصحيح في معالجة هذا الوضع يقضي أولاً: - مواصلة النضال وعدم الخوف من التضحيات وتصعيد العمل والجهود، ثانياً: المحافظة على روح الأخوة والوحدة والتعاون والثقة فيما بيننا لمواصلة الكفاح، والجهاد على أحسن وجه، ولخوض الحوار الجاد على أحسن وجه، ثالثاً: فتح النوافذ والأبواب في عقولنا ونفوسنا ونحن نناقش أفكارنا من ‏حولنا، وتجاربنا وتجارب من حولنا ونحن نختلف ونتفق، وبهذا الصدد علينا ألا نخاف من الاختلاف، وإنما من الجمود، وألا نخاف من تعدد الآراء وإنما من مصادرة الآراء وكبتها، علينا أن نتعلم بناء وحدة ضمن التعدد والاختلاف والصراع لا وحدة الطوب الذي يصنع على قالب واحد ويكدس فوق بعضه بالإسمنت والحديد ويصبح بيتاً قابلاً لأن يكون خمارة أو إسطبلاً أو يكون مدرسة أو مستشفى، على ضوء ما يرى ذلك من بيده المفاتيح. وفي هذه الحالة لا تعجبكم ‏قوة الجدران وإنما انظروا إلى ما أصبحت تخدمه. أو الأهداف التي تسعى إليها وفي المقابل، المطلوب بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً، ولكنه ليس من طوب وإنما من بشر أخوة مؤمنين مسلمين يتكافلون ويتعاونون ويجتهدون ويختلفون. فلا يجب أن يسمح للوحدة أن تصادر الفكر ولا يجب أن يسمح لحرية الفكر أن تصادر الوحدة.

- معيار التقدم والتأخر

‏القسم الرابع: من تساؤلاتكم. "ألا ترون أنه لو بقى الإسلام كنهج ومراتب حياة سائداً في منطقتنا مدى قرون الانقطاع الحضاري لاعترته ‏تطورات جذرية ربما شملت أموراً جوهرية فيه ؟" السؤال كما تلحظون افتراضي، الإجابة عليه تتوقف على النظرة التي يحملها المرء بالنسبة إلى التاريخ، فهناك التصور الماركسي الذي يرى المراحل التاريخية التي عرفتها أوروبا حتمية، ومن ثم يتصور أن الطريق الإسلامي كان سيصل إلى الرأسمالية والاشتراكية أو إلى ما نشاهده اليوم من سمات في الحضارة الأوروبية المعاصرة، لكن تجربة ثلاثة عشر قرناً عاشتها بلادنا في ظلال الحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي والتطور العام باعتماد الإسلام العقيدة والمنهج أساساً لتشريع وتنظيم الحياة لم تشهد صورة شبيهة لما حدث في أوروبا من نظام عبودي وإقطاعي ورأسمالي، فقد عملت هنا قوانين أخرى في ضبط الحركة الداخلية للتغير وللفكر الإسلامي في البلاد الإسلامية في مختلف النواحي. وكانت أطراف الصراع ‏تحمل سمات مختلفة.. فعندما قام "الملك العضوض" أو قامت حكومات الغلب "سيطرة قادة العسكر مثلا" أو عندما دارت صراعات فكرية حتى ‏على مستوى الإلحاد والزندقة، وفي المقابل عندما كانت تندلع المقاومة والثورات من أجل إعادة حكم الإسلام بما هو قريب من صورته الأصلية، أو عندما كانت تشن حروب المقاومة ضد الغزاة بما في ذلك التجارب الثورية المعاصرة العظيمة مثل الثورة المهدية والثورة السنوسية وثورة عبد القادر الجزائري، وعبد الكريم الخطابي وعز الدين القسّام، فإن كل ذلك كان يتم ضمن قوانين وسمات تختلف جوهرياً عما كان يحدث في إطار الحضارة الأوروبية في القديم والحديث، هذه بادئ ذي بدء، حقائق تاريخية يجب أن يسلم بها الماركسي والليبرالي، ناهيك عن الفكر الإسلامي، فإذا كان الأمر كذلك فالجواب عن السؤال يجب ألا يتصور تكراراً للطريق الرأسمالي أو الاشتراكي السوفياتي، أو تكراراً للحضارة الأوروبية المعاصرة. طبعاً إن هذا المدخل إلى الإجابة عن السؤال تغطي جانباً منه ويجب ألا يفهم منها أن استمرار الطريق الإسلامي كان سيبقي الأمور حيث بقيت منذ مائة سنة، فقد كان من الممكن أن تحدث عدة تطورات. مثلاً كان من الممكن أن تقوم أنظمة استبدادية تحاول التلاعب بالشرع لتعطي صيغة احتيالية للربا وللاستغلال الفاحش أو الملكيات الكبيرة. وقد جرت مثل هذه المحاولات في السابق ولكن كانت تواجه ولو بعد حين بمقاومة للعودة إلى الشرع وكان هذا دائماً خط كبار العلماء والثورة وخط الجماهير المسحوقة فيما كان خط الطغاة والاستغلاليين والعساكر والجباة إقطاعي ضمن قانون الإرث الإسلامي. ومن هنا كان يجب تعطيل الشرع حتى يقوم مثل هذا النظام ويستقر وتتوارث، ولم يكن من الممكن أن يقام حتى نظام إقطاعي جبائي، لا ملكية إقطاعية في أسوأ الحالات، دون تغيير في الشرع. ولكن من كان يجرؤ قبل السيطرة الاستعمارية على الجهر بتعطيل الشرع أو التخلي عنه؟ لذلك كان الشرع قادراً دائماً على استعادة صفائه كلما طغى عليه بعض الركام. وقد أثبت التاريخ الطويل للأمة الإسلامية، أن ثمة دورة لكل حوالي مائة عام تشهد ثورة شعبية للعودة إلى تطبيق الشرع والإطاحة بالظلم والترف الفاسق والاستغلال وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن الله يبعث كل مائة عام لأمتي من يجدد دينها". ولاحظ هذا الأمر حتى "انجلز" في معرض تعقبيه على ثورة المهدي في السودان وسماه المودة إلى الشرع من قبل ‏الفقراء كل مائة عام.

‏ومن ثم نرى أن مسار التطور التاريخي عند الضرورة ما كان سيأخذ المسار الذي اتخذته أوروبا. وقد أثبت الواقع الحديث أن فرض الحضارة الأوروبية جاء من الخارج وبالعنف أساساً فالاستعمار لا ‏يؤدي إلى قيام مراكز عالية موازية وذات سيطرة وإنما يؤدي إلى تكريس التبعية لمراكزه هو. وفي المقابل يترك للمستعمرات التبعية الحضارية في ذل مقيم للغرب.

‏ولهذا لابد من مشروع عالمي ثوري وجذري يتضمن فعلاً عملية انفلات من هذه المراكز الرأسمالية الاحتكارية (أمريكا والغرب)، ورأسمالية الدولة الاحتكارية ودكاتورية الحزب الواحد (الاتحاد السوفياتي). وهنا يصبح موضوع إعادة الصياغة النظرية لتاريخ العالم بعيداً عن التفسيرات الغربية الليبرالية والماركسية أمراً ملحاً، بحيث تنزع النظارات الغربية عن الأعين ليرى التاريخ الموضعي الحقيقي للشعوب، ولرؤية مسارات التغير وتحقيق الاستقلال للشعوب المقهورة. هنا ستقولون ولكن كيف تضعان المدرستين الماركسية والليبرالية في سلة واحدة بالرغم مما بينهما من اختلاف.

‏جوابنا إن كلاً من المدرستين، بالرغم مما بينهما من خلاف، وتناقض تتسمان بالمركزية الأوروبية (أي النظرة المضخمة للذات الأوروبية والمتمحورة حولها). ولهما جذور مشتركة، على الأقل في رؤية كل منهما لنموذجه الأوروبي والتاريخ الأوروبي باعتباره المعيار والنموذج للقياس العالمي، ولكن إذ نسأل هل يمكن أن يوضع في سلة واحدة طماطم وبصل وتفاح وفجل أم لا؟ ونقول فعلاً تستطيعون أن تضعوها كلها على بسطة خضار واحدة ويمكنكم أن تضعوا قواطع بينها ولكن من على تلك البسطة (الحضارة نفسها) فكل بسطة حضارية فيها هذا النوع المتناقض مع بقاء التفريق بين البصل والفجل والتفاح، وبهذه المناسبة ثمة قواسم مشتركة كثيرة فيما بين الحضارات المختلفة ولكنها ليست تلك التي ترسمها الماركسية بصورة سطحية رأسمالية وعمال أو قطاع وفلاحين. أو فكر برجوازي وفكر بروليتاري.

‏فمثلاً مسألة الفطرة وتعبيراتها المختلفة في كل الحضارات، ومسألة الانحراف عن الفطرة وتعبيراتها المختلفة، ولو جئنا للتطبيق العملي، ‏تنطلق الماركسية في تقويم الاستغلال واستعباد الإنسان للإنسان من نظرية اقتصادية مرتبطة بتطور قوى الإنتاج، فالنظام العبودي تراه تقدمياً ومشروعاً في مرحلة تاريخية وتسوغ ما ارتكبه من جرائم جماعية حتى يمكن وضع النير في رقاب العبيد ويقول "أنجلز"" "كان لابد من أساليب وحشية للخلاص من الوحشية"، وكذلك بالنظرة إلى الاستغلال الإقطاعي والرأسمالي والاستعماري فثمة مرحلة تقدمية مع كل عهد ثم يصبح رجعياً ويجب الخلاص منه. وهذا ما يسمح الآن كما سمح في السابق، أن تداس إرادة الشعوب الإسلامية وغيرها، لتقع تحت نير الحكم السوفياتي. وإلا كيف يفسر ما يجري في أفغانستان ويسوغونه؟ أما النظرة الإسلامية فهي ترى الاستغلال والاستعباد والإقطاع والاستعمار وكل ظلم مناقضاً للفطرة الأصلية للإنسان، وترفضه من حيث المبدأ والأساس وإن كان المنهج الإسلامي قد عالج بعض تلك الانحرافات بطريق تدرجي مثل الخلاص من حالة الاسترقاق والعبيد بعد أن كانت قد استفحلت قبل مجيئه، كما يرى الإسلام على سبيل المثال أن عدم إقامة توازن بين مختلف حاجات الإنسان الروحية والمادية والغريزية وترك الحبل على الغارب للركض وراء الشهوات المادية ومنازع الهوى والأنانيات يشكل انحرافاً عن النظرة الإنسانية. مما يسمح للإنسان أن يخاطب أبناء الحضارات الأخرى بلغة إقامة نظام التوازن في حياة الفرد والمجتمع والشعوب، وعدم الانسياق وراء النظرة المادية،أو إطلاق الغرائز. والانغماس بالملذات، وجعلها غاية. وتكفي نظرة إلى ما يجري من انسياق وراء هذه الجوانب في ‏الحضارة الغربية والجرائم والانحرافات والشذوذ والعري والإباحة، وتفكك أواصر العائلة والعلاقات الإنسانية، وما ينجم عن ذلك من قلق وخوف، والشعور بالوحدة والعزلة.وانقطاع التواصل الإنساني (بالمناسبة ثمة كتابات أخذت تظهر تشير إلى بروز آيات لهذه الظواهر في المجتمع السوفياتي وقد لمحت إلى ذلك حتى البرافدا) ولكن الأخطر في الاتحاد السوفياتي نفسه في انتشار السكر والتسكع والانحلال العائلي فضلاً عن المظالم الاجتماعية وفقدان حرية الفكر واستعباد الشعوب. ومن هنا كان لدى الإسلام ما يواجه به تلك الشعوب وكان لديه مشروعه للإسهام في صلاح كثير من الأوضاع وهذا يفسر بعض الظواهر المذهلة في الغرب من ‏اندفاع عدد من كبار المثقفين نحو اعتناق الإسلام إلى جانب أعداد ملفتة للنظر من تحول الشاب نحو الإسلام، بهذا فنكون قد اقتربنا من إعطاء جواب أكثر تحديداً حول السؤال. لا يرى الإسلام، كما تفعل الماركسية طريق التطور والتقدم والرقي محكوماً بتطور أدوات الإنتاج وقوى الإنتاج. ومن ثم لا ‏يرى أن هذه الأخيرة هي التي تحكم سائر الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية وكأنها الخيول التي تجر العربة، وهي خيول تتحكم أيضاً بسائسها الذي‏عليه أن يوجه رأسه بالاتجاه الذي تركض نحوه. طبعاً إن تقدم أدوات الإنتاج وقوى الإنتاج والعلوم والتكنولوجيا لها دور رئيسي في تطور الحياة المادية للإنسان كوسائل حصوله على حاجاته معاشه أو تأمين مواصلاته أو ‏مواجهة الأمراض والمصاعب الطبيعية ولكنها ليست معيار العدل والظلم ولا ما هو حلال وما هو حرام، ولا يحق لها أن تتحكم بمختلف جوانب الحياة الأخرى.

‏بل إن الانسياق من ورائها كما حدث في الرأسمالية والاشتراكية دون ضوابط أخرى أدى إلى انتكاسة الوضع العام للإنسان من النواحي الإنسانية والعدالية والإسلامية والروحية والأخلاقية والنفسية، فضلاً عن استفحال المظالم تجاه الشعوب الضعيفة واستفحال التنافس على السيطرة العالمية في ظل إطلاق العنان للجشع والنوازع القومية والأنانية وسباق التسلح مما أصبح يهدد العالم بالدمار الشامل.
‏إن الإسلام يهتم بالإنسان ويجعله معياراً للتقدم والتأخر، وهو أمر يختلف جوهرياً عن اعتبار الإنسان تابعاً لتطور القوى المادية للإنتاج. فهذا القانون الإسلامي ينطلق من القانون الذي يحدد الثوابت والمتغيرات في الإنسان والثوابت هذه لا تعترف بها الماركسية، وإن أقرت بها، لا تعطيها ما تستحق من أهمية، هذه الثوابت هي ثوابت الفطرة والغرائز والنوازع الطبيعية الأساسية، وهي ما يصحب الإنسان طوال وجوده التاريخي إلى أبد الدهر وهي مشتركة في كل بنى الإنسان بغض النظر عن ألسنتهم وانحدارهم الحضاري. وإن كانت تتجلى بإشكال ونسب مختلفة من وضع إلى وضع ومن نمط عقدي حضاري إلى نمط عقدي ‏حضاري.وهي موجودة في كل مستويات تطور أدوات الإنتاج وقوى ‏الإنتاج والأنظمة والعمل. أما المتغيرات فهي تلك التجليات المختلفة التي تتخذها وهي تنجم عن أسباب كثيرة من بينها التطورات المادية والعلمية، أو ما يمكن أن يحل من نمط سياسي ثقافي، أو ينشأ من صراعات على أسس العصبيات الإقليمية أو الطبقات، أو الكوارث أو الاكتشافات الجغرافية وغيرها.

‏ومن هنا وضع الإسلام منهجاً لتنظيم هذه الثوابت وضبطها على أفضل وجه، آخذاً بعين الاعتبار ما يحدث من تغيرات ورقي في حياة الإنسان وتجربته على مختلف المستويات المادية والسياسية والفكرية والاجتماعية. وفي هذا يكون الإنسان نقطة البداية وغاية المعالجة ووسيلتها وهو القادر على التحكم والضبط وإحداث التوازن وفق التصور الصحيح، كما هو قابل إلى أن ينساق وراء الهوى والنوازع بسبب المطامع وحب السيطرة انسياقاً بلا عقل أو ضبط ليحيل العالم إلى غابة من الوحوش بالرغم مما يكون قد فعله من رقي مذهل في مضمار العلوم والتقنيات كما يشهد عالمنا اليوم. ومن هنا كان المعيار الأول ‏للتقدم والرقي يعتمد على النظرة الشاملة إليه، فينطلق من وضع الإنسان في موضوع التقدم. وهذا يتحقق بمقياس ذلك التوازن العادل الذي يجب أن يسود بين مختلف الجوانب، فإذا حوصرت النوازع السلبية كالجشع والطمع والتراكض على الشهوات.. الخ. وإذا أشبعت الغرائز الطبيعية، والحاجات الأساسية بصورة سليمة ودقيقة، ولم يسمح لها بالفجور والتحكم بالجوانب الأخرى، وإذا قام نظام العدل بين الناس وفيما بين الشعوب، بما ينسجم مع الفطرة وخير الناس كافة وإذا دارت حركة ‏العمل والنشاط لتطور الحياة المادية والعلوم ووسائل الإنتاج ضمن إطار المنفعة الإنسانية والارتفاع بالإنسان والرقي بوضعه الكلي فإننا نكون حيال تقدم ورقي حقيقيين وفق المنظور الإسلامي. وهو أمر ينطبق على كل الحالات الإنسانية إن كان الإنسان في الصحراء أو في سيبيريا أو وهو وراء المحراث أو التراكتور أو المصنع الالكتروني وهو يحمل الخنجر ‏والسيف أو وهو يحمل الار. بي. جي. أو عندما كان يركب الحمار والجمل وأصبح يركب الصاروخ والنفاثة والغواصة والقطار. إن كل هذه الحالات يحمل الإنسان فيها نظرته التي فطره الله عليها، ويحمل ‏طبيعته المتعددة النوازع والحاجات والغرائز والشهوات والتي وضعها الله في تكوينه ويحمل فيها عقلاً الذي وهبه الله وحاجاته الروحية والنفسية كما أنه في كل الحالات ضعيف "خلق الإنسان ضعيفا"، أشد ما يكون الضعف، وقوي (وهبه الله كل أسباب امتلاك القوة) أشد ما تكون القوة.. الخ.

‏تشكل هذه الثوابت وعلاقتها بالمتغيرات أساساً لفهم الإنسان والتاريخ واكتشاف المنهج السليم الصحيح في معالجتها ومواجهتها واقتراح الحلول لها. أما حصر التاريخ في متابعة المتغيرات، أو حصر التاريخ في رؤية تغير واحد (الاقتصاد مثلاً) وتجاهل تلك الثوابت الأساسية وعدم الربط بين الثوابت والتغيرات ورؤية قوانين العلاقة بينهما، سيؤدي إلى نظريات خاطئة فلسفياً وعملياً وسياسياً وفكرياً.....الخ.

‏لنضرب مثلاً: يعتبر ماركس أن إزالة الملكية الفردية يزيل نوازع الاستغلال على مستوى الأمة الواحدة وعل مستوى الأمم (راجع البيان الشيوعي) ويزيل البغضاء والصراعات والعداوات، ويكون أساساً لعالم جديد. عندما أزيلت الملكية الفردية في الاتحاد السوفياتي بقيت كل ظواهر الجشع والطمع والبحث عن السطوة والقوة والنفوذ والاستغلال كما لم تزل عن الدولة في علاقتها مع الأمم الأخرى نوازع السيطرة والتحكم والنهب. فكان لابد من تبرير، فقيل أن إزالة الملكية ما زال في أول العهد، ثم هناك ما زالت ملكية الكولخوزات. ولكن تفاقم الوضع مع مجيء الجيل الثاني الذي ولد في العهد الجديد. وتفاقم أكثر مع مجيء الجيل الثالث والرابع. مما جعل تلك الموضوعة حول اعتبار الملكية الفردية والطبقات أو التخلف الإنتاجي أساس كل الشرور، موضوعة تبسيطية مسطحة لا أساس لها من العلم والحقيقة، وثقوا أن محاولة الركض وراء الشهوات والطمع والجشع وظواهر الحسد والبغضاء والتنافس والصراعات فيما بين البشر لن تزول حتى أبد الدهر لأن منابعها في الإنسان نفسه في ثوابت خلقه ووجوده. وكل من يتجاهلها أو يعزيها لعوامل خارجية يجانب الحقيقة الموضوعية، كذلك يجب أن نلاحظ أن ‏تفوق الإنسان وتطلعه إلى التوحيد والعدل والحق وضبط تلك النوازع ‏وتطلعه للحرية والإخاء والمقومات الإنسانية السليمة، هي أيضاً ثوابت في فطرة الإنسان ومن ثم هو في صراع ونزال مع تلك الثوابت المقابلة. وهذه معركة الصراع الأبدية أو الحرب الأبدية.
‏لهذا جاء الإسلام ليقدم منهجاً يدل الإنسان على الموقف الصحيح في هذه المعركة، ويعطيه أسلحة إدارة الصراع وطرق خوضه، فقدر له بداية على أن يقف إلى جانب الفطرة، ويقيم التوازن السليم والعادل ويشن الحرب الضروس ضد مظاهر الظلم والاستغلال والجوع.. الخ. ولم يقل له أنك إن دخلت الإسلام كفرد أصبحت في مأمن من نوازع الشهوات والانحراف وإنما عليك أن تواصل جهاد نفسك وتنقيتها بالإيمان واتباع مرضاة الله ولم يقل له أنك ستصبح السوبرمان. بل قال له خلقت على عجل ووهن وضعف.

‏ولهذا لابد من الانتباه المستمر والصراع الدائم لبلوغ الحالة الإنسانية الحقة التي يعبر عنها الإسلام. وهذا ينطبق أيضاً على إقامة النظام الإسلامي والحكم الإسلامي حيث تظل في المجتمع الإسلامي كل نوازع الخروج على العدل والحق والتوحيد وسيظل السعي لإعادة سيطرة العصبيات والطبقات الظالمة الاستغلالية والمنافع التي تتبع هواها وشهواتها وتعبد القوة والسيطرة والثروة والشهوة، ولهذا لابد من الانتباه لخوض الصراع المستمر.. وهكذا فهي معركة لا تنتهي إلى أبد الدهر.

‏انظروا يا إخوتنا الفرق بين النظرة العلمية الواقعية إلى الإنسان والمجتمع والتاريخ والتي تؤكدها كل الوقائع وتلك النظرات التي بنيت على نظرية أحادية الجانب وقد قادها فسادها إلى استنتاج خيالي، أو وعد كاذب بإقامة المدينة الفاضلة أو العالم الفاضل. حيث تنتهي الشرور حين تنتهي الملكية وتنتهي الطبقات (بالمناسبة الاتحاد السوفياتي بعد 67 ‏سنة عاد يشجع الملكية الفردية في إدارة المصانع والمزارع ويدعو إلى عودة التنافس في السوق أو إعادة تشجيع المنافع الفردية على مستوى المنتجين. أما في البلدان الاشتراكية الأخرى فإن ذلك الصراع أخذ شكل إرساء تنظيمات اقتصادية جديدة راحت تقترب أكثر فأكثر من المسوق شبه الحرة والتوسع بالإنتاج القائم على الملكية الفردية والمنافسة بين ‏الأفراد وغير ذلك)، انظروا أنهم يحاولون أن يتوازنوا بين ما هو عام وما هو خاص، وبين الملكية العامة والمنافع الخاصة، والفردية والتنافس والجوائز.. الخ. وذلك بعد الفشل الذريع الذي منيت به الزراعة والمرافق الصناعية بسبب انتزاع الدولة للملكية واحتكارها. بينما راعى الإسلام نوازع الفرد نحو الملكية والعمل بنفسه ولمنفعته وتحقيق مطامعه الخاصة فلم يقل بإلغاء الملكية الفردية من حيث أتى. وإنما أبقاها وعمل على ضبطها وتنظيمها، وكذلك راعى ضرورة إقامة ملكيات عامة، ولكن لم يسمح للدولة باحتكارها والتحكم بها فترك بعضها شائعاً للناس وترك بعضها ملكيات على مستوى مجموعات من المنتجين (عائلات، قرى، جمعيات، مؤسسات) وترك بعضها أوقافاً وترك بعضها للدولة، كما لم يلغ السوق والتجارة الحرة وإنما أقام لكل ذلك ضوابط وروادع وأصولاً، وباعتقادنا أن كل تباهي الماركسيين في علم الاقتصاد، أثبتت الوقائع أن الإسلام تفوق عليهم ولم يستطيعوا اللحاق بذيوله. ولعل من أسباب ذلك، جهلهم أولاً وقبل كل شيء، بالإنسان وخلقه ومكوناته ومن يجهل هذا يسحب جهله إلى عالم الاقتصاد.

‏إن لفت الانتباه لأهمية فهم الإسلام في معالجة الإنسان وموضوع الثوابت والمتغيرات يساعد على تلافي السلبيات التي يمكن أن تنجم عن رقي العلوم والتقيات وتطور الإنتاج والمواصلات، أفسح المجال رحباً لرقي التجربة الإنسانية في مجال التنظيم الاجتماعي والسياسي.. الخ. فالإسلام قدم مبادئ عامة ولم يدخل في التفصيلات تاركاً للاجتهاد أن يجيب على ما يستجد من متغيرات، ويرقى بتنظيم حياة الناس ضمن ما يبلغه الإنسان من رقي وتطور مادي، فعلى سبيل المثال أقر الإسلام مبدأ الشورى ولكنه لم يضع نظاماً ثابتاً في كيفية تحديد أهل الشورى أو كيفية إجرائها. فأهل الحل والعقد يمكن أن يكونوا على الشكل الذي طبق زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ويمكن أن يشكلوا من خلال انتخابات ومجلس شورى أو من خلال شكل يجمع بين الانتخابات وبين أهل العلم والاجتهاد والخبرة والاختصاص.. الخ. أو مثلاً وضع الإسلام مبدأ مراعاة المنفعة العامة ‏أو دفع الضرر وهذه أيضاً ترك تحديدها وتطبيقها للمتغيرات ومراعاة ‏ظروف الزمان والمكان وكذلك موضوع تنظيم الملكية في المجتمع وإدارة الإنتاج ومراقبة السوق وتحقيق التكافل الاجتماعي، فقد وضع المبادئ والمنهج وترك التفصيلات للمتغيرات واجتهاد أهل الإسلام.

‏ومن هنا أيها الأخوة حين يعود الإسلام بعد ذلك الانقطاع سينشئ مجتمعاً أو مجتمعات إسلامية ليست صورة طبق الأصل وتفصيلية من المجتمعات الإسلامية الأولى بل ستكون هنالك متغيرات كثيرة. ولكن سيبقى الجوهر واحداً فإن كانت إسلامية حقاً فلا بد من أن تجدوا فيها عدل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وستجدون فيها الإنسان المسلم المتوازن على المنهج الذي كان يزن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن ستجدون أيضاً مؤسسات وجمعيات شعبية لإدارة الإنتاج، والسياسة، والتعليم وأجهزة تختلف عما كان يجري في الزمن السابق من إشكال اجتماعية في إدارة الإنتاج والسياسة والتعليم، وستجدون دوراً للجامع يربط بين العبادة والسياسة وإقامة العدل والتنمية والدفاع عن الحق والإسلام.. ربما من طراز جديد أيضاً، يشكل استمراراً وتعميقاً وتطويراً لدوره الذي عرفه التاريخ الإسلامي السابق، وبالمناسبة أنه لمن البديهي القول أو المسلم به من أغلب المفكرين الإسلاميين أن أمام الإسلام اليوم عشرات المستجدات والقضايا التي يجب على الفقهاء والعلماء والقادة أن يقولوا كلمتهم فيها بما يناسب العصر وما طرأ من متغيرات.

‏فالذي يجب أن تدركوه أن الانتقال إلى أرض الإسلام في معالجة قضايا الأمة لا يشكل غير الخطوة الأولى الصحيحة والضرورية التي تضعنا ضمن الاتجاه الصحيح، ولكن لا يعني ذلك أن أمامنا حلولاً جاهزة لمختلف القضايا والمعضلات ولا يعني أن تقديم تلك الحلول بصورة سليمة مسألة مضمونة من قبل من في يدهم أمر الفتوى والاجتهاد، فالعملية أعقد من ذلك بكثير، ولا يجب أن يحمل المرء أوهاماً بامتلاك مفتاح سحري.. فلو كان الأمر كذلك لكان الأمر محلولاً، فهذه ليست التجربة الأولى في محاولة اعتماد الإسلام لمواجهة التحديات المعاصرة فثمة قبلها عشرات المحاولات بعضها حقق نجاحاً جزئياً، وبعضها غلب ‏على أمره، وبعضنا لم يوفق بما ذهب إليه. ولا تنسوا أن ما يمكن ‏اقتراحه هو محاولة لتطبيق منهج الإسلام من خلال البشر، والبشر خطاؤون. ولا عصمة لأي من القادة والمجتهدين، ولهذا إن ما بين أيديكم محاولة لوضع الأمر على أول السكة الصحيحة ليس أكثر، ثم بعد ذلك لابد من البحث والعمل والتعلم والمحاولة. ولكن في كل الأحوال احتمال النجاح من خلال الإسلام أكيد في النهاية، أما المناهج والطرق الأخرى ففشلها أكيد من البداية إلى النهاية.

‏ لنعد مرة أخرى إلى مواصلة التأكيد على صحة المنهج الإسلامي الشمولي في معالجة الثوابت والمتغيرات ولنضع ذلك ضمن قاعدته الأساسية وهي مسألة الإيمان بالله وبالعقيدة وأهمية الضوابط والروادع الإيمانية والأخلاقية في إنجاح المعالجة الشمولية للإنسان. إن الشمولية الإسلامية في معالجتها لقضية الإنسان والحياة والمجتمع والإنسانية تتمركز حول محور الإيمان بالله إذ بدون هذا المحور تفقد تماسكها وحياتها الداخلية وقوتها المحركة، فالإيمان بوحدانية الله وبأن الله تعالى أكبر من كل خلق، تعطي الإنسان قوة في مواجهة نفسه وهواه وضعفه بل في مواجهة كل ما من شأنه أن يتحول إلى معبود يعبده الإنسان أو يخضع له أو يصبح عبداً له سواء أكان ذلك بشراً قائداً، أو حاكماً أو كان طبقة أو حزباً أو كان مالاً، أو بنين، أو فساداً، أو شهوات، أو هوى، فالعبودية لله وحده تسمح بإسقاط، أو تقضي في جوهرها بإسقاط، أية عبودية أخرى، والإيمان بأن لا اله إلا الله لا تسمح بتسلط ‏بشر على بشر، أو بعبادة بشر لبشر، أو أن يقيم أحد نفسه "إله" على الناس إذ أن هذا الإيمان بالله الواحد الأحد ورفض أي شرك بهذا الإيمان أو بديل له هو الذي يسمح بإقامة نظام العدل والتوازن فيما بين مختلف الجوانب التي تتعلق بحياة الإنسان، وهو الذي يسمح بألا يطغي جانب على الجوانب الأخرى. فالتوحيد هو الذي يضبط وينظم الثوابت في الإنسان ويقيم التوازن فيما بين مختلف المتغيرات. فهذا التوحيد وما يصحبه من إيمان باليوم الأخر والتزام بمرضاة الله، واتباع أوامره ونواهيه يشكل الشروط الضرورية للتحرك في الحياة على صراط مستقيم، فلا يترك عقل الإنسان ليبرر هواه أو ليسوغ الأنظمة الطاغوتية والوحشية كما نشهد في عصر العقل الأوروبي. بينما يطلق العقل إلى ‏أقصى مداه بعد أن يقوده التوحيد والإيمان والالتزام بمرضاة الله فيمتلك البوصلة التي تحدد له الاتجاه الذي يجعله يبدع ويخترع وينظم بعيداً عن الهوى والأنانية والشهوات. وهذا عماده الفطرة وعززه الوحي الذي وصل خاتمته بنزول القرآن وتمام رسالة محمد وسنته صلى الله عليه وسلم، أما هذا المحور، أي الإيمان بالله وما أنزل من كتب وبعث من رسل وأنبياء والإيمان باليوم الآخر كل ذلك يسمح بتنظيم هذا الشمول ويجعد له معنى ومغزى فيصبح سير الإنسان بمنهج التوازن والعدل ليس مجرد قناعة بمنهجية علمية فحسب، ولا يصبح مجرد خيار أفضل من بين المناهج أحادية الجانب فحسب وإنما أيضاً يكون خضوعاً لله فلا يكفي ألا تعتدي على غيرك حتى تكون مقتنعاً بضرر ذلك من ناحية إنسانية وإنما يجب بالإضافة إلى ذلك أن يكون أمراً إلهياً لا خيار لك فيه حتى لا تترك الحبل على الغارب للمعتدين أو حتى عندما يحدث اعتداء تكون الأبواب مغلقة في وجهه، على الأقل، من الناحية النظرية والفكرية ولهذا كان من أصعب الأمور على الظالمين والفاسقين والمعتدين في التاريخ الإسلامي أن يجعلوا ما يفعلونه قانوناً. فالإقطاعي أو السيد أو الرأسمالي أو الدولة الاشتراكية، جعل هو وضعه شرعياً دستورياً قانونياً. وأصبح كل خروج عليه هو خروج على القانون، أما في التاريخ الإسلامي لم يستطع الذين خرجوا على الشرع من خلفاء وسلاطين وحولوا الحكم إلى ملك عضوض، أن يبطلوا الشرع أو يعطوا الشرعية لقانونهم. فكان بإمكانهم أن يحكموا بالغلبة والسيف، وان يكبتوا الأنفاس، ويرهبوا العلماء والناس، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكرسوا ذلك بالدستور والقانون. لأن الشرع كان لهم بالمرصاد. وكان بقاؤهم يتعلق بميزان القوى حتى يأتي من يعلن اعتبارهم خارجين على الشرع، أي هم الذين خرجوا على قانون الله، وبهذا كانت الثورة تحمل شرعيتها دون استئذان.

‏ثم ما الذي يقنعك ألا تطغى، أو لا تترك لشهواتك العنان إذا لم يكن لك مرجع يحرم الطغيان واتباع الشهوات. ولهذا تراهم الآن في الغرب ضعيفي الحجة أمام الذين يطالبون بجعل اللواط قانونياً. إن الاستناد إلى المصلحة العامة، أو الإنسانية تظل مسألة خلافية بالرغم من أهميتها، ولا ‏قدرة لها إن لم تكن هنالك قوة تسندها. تذكرون أن المراحل الأولى في حياة الاشتراكيين والشيوعيين والثوريين والعلمانيين حملت قناعات عندهم بأخلاق إنسانية ومثل إنسانية (أو بروليتارية) واسماها البعض الأخلاق الثورية، فبدلاً من أن يكون الصدق بمنزلة الأمر الإلهي، حولوه إلى مبدأ ثوري، ولكن سرعان ما تبخرت هذه المبادئ لأنها فقدت مرتكزاتها. وأصبح من يتمسك بها يسمى"شاعراً وخيالياً"، وحل محلها فن النفعية وما يحقق المصالح السياسية والحزبية أو الفردية ولم يعد من ضوابط العلاقات بين المرأة والرجل إلا ما يضعه كل لنفسه من ضوابط، عدا الحالات التي تنجم عنها فضائح، فتقاوم لا لذاتها وإنما لما تلحقه من أضرار بسبب الفضائح.

‏لاحظوا أيها الإخوة قوله تعالى: "إ‏ن الإنسان ليطغى" وهذا ينطبق حتى على الذين يؤمنون بالله وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالمنع من الطغيان يحتاج إلى إيمان ولا يترك الأمر للاجتهاد. ويحتاج إلى روادع أخرى كالخوف من جهنم والخوف من إقامة الحد، ويحتاج إلى وضع القوانين الرادعة والمانعة فإذا كان الإيمان لا يكفي لوحده لضبط المجتمع والأفراد فكيف بدونه؟ إن معالجة الإنسان كما يلحظ المنهج الإسلامي مسألة على غاية من التعقيد وبحاجة إلى تناول كل مشكلة من عدة زوايا حتى يتوفر إمكان لضبطها، لا نهائياً ولا كلياً، وإنما نسبياً، الإيمان أولاً والخوف من جهنم ثانياً، ثم الحدود والقوانين ثم توفير الشروط الإيجابية لإقامة العدل العام والتوسع بتأسيس الحاجات الضرورية للإنسان.. الخ. كل ذلك يحقق من النتائج لخير الإنسان والإنسانية أفضل من أي منهج آخر يقتصر على معالجة لهذه المشكلة أو تلك من زاوية أو زاويتين فقط كالودع القانوني أو الإغراء المادي أو تأمين شروط اقتصادية أفضل.

‏أيها الإخوة، إن كل هذه الملحوظات تستحق منكم أن تتأملوها وتحاولوا فهمها من كل جوانبها قبل أن تردوا عليها، ولا بد أن تلحظوا أنكم، كما كنا نحن إلى حين، تحملون أفكاراً مسبقة ومفاهيم تظنونها من العلم اليقين. ومن ثم تسرعون إلى محاكمة الإسلام على ضوئها. ولكن ثقوا أنها قابلة للهز هزاً قوياً لأنها ليست من العلم اليقين، وتذكروا أن ‏أجيالنا منذ سبعين عاماً في الأقل، لا تتعلم في مدارسنا ولا تقرأ أو تسمع أو تشاهد في إعلامنا، ولا تسمع ممن في يدهم السلطة، غير أفكار الحضارة الغربية المسيطرة علينا. ولا تظنوا أن معركتنا مع الغرب الاستعماري كانت فقط معركة عسكرية، أو أن الاستعمار هو فقط نهب الثروات والاحتكار وتقسيم العالم (أو إذا شئتم السمات الخمسة التي وضعها لينين للاستعمار) إنه أكثر من ذلك، أنه أيضاً سحق للشخصية والهوية والثقافة والحضارة المقابلة الأخرى، ليفرض حضارته على الشعوب حتى تجعله قبلتها في كل شيء. ومن ثم يصبح عليها، حتى وهي تعارضه، أن تختار أدوات المعارضة من بعض بضاعته، طبعاً قد تقولون أن الغرب ليس فقط الاستعمار والرأسمالية وإنما الغرب هم البروليتارية أيضاً. ولكن ألم يحن الوقت الذي تنتهي فيه هذه الأكذوبة لكي ترى البروليتارية شريكاً وجزءاً من عملية الاستعمار. وإلا لما كان من الممكن أن يتحقق الاستعمار، أو يبقى حتى اليوم وبالمناسبة لاحظوا أن النظرة الماركسية الماوية تقول: "أن مركز الثورة العالمية انتقل إلى العالم الثالث" تمثل اعترافاً بصورة غير مباشرة بانهيار مقولة البروليتارية في البلدان الرأسمالية المتقدمة.

حقاً هنالك صراعات بين الطبقات والاتجاهات السياسية الإيديولوجية في الغرب (نستثني الاتجاهات النابعة من دوافع الفطرة، والتي لا يعبر عنها الآن إلا تعبيراً ضعيفاً جدا.). فنقابات العمال والأحزاب المختلفة تتصارع في الداخل لاقتسام المكاسب ولكنها في شراكة بالنسبة إلى العالم الثالث الآخر، ولنجعل من قضية فلسطين مثلاً كشافاً، أفلا تلحظون أن جميع تلك القوى الرأسمالية والبروليتارية في الغرب والشرق والسوفياتي، متفقة على بناء دولة إسرائيل وشاركوا في إقامتها ولو بنسب متفاوتة، وما زالوا شركاء في رفض كل تصفية لها. ثم هم يختلفون بعد ذلك حول الحدود التي يمكن أن تكون عليه دولتها، ويختلفون حول حقوق الشعب الفلسطيني. ويختلفون في السياسة، لمن تتبع إسرائيل. انظروا وتأملوا جيداً في المواقف بالنسبة إلى هذه القضية تستطيعوا أن ترفعوا الغشاوة عن بعض العيون فترون لماذا يجب أن نضع أولئك الجميع في سلة واحدة ونحن نفرق بين تفاصيل مواقفهم.

وقد نفيد تكتيكاً، بعض الشيء من هذا التفريق. ولكن لا يمكن أن تكون جزءاً ‏من إحدى الجبهتين هناك، وإنما نبحن طرف ثالث بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذا كان مثال فلسطين أكثر وضوحاً بالنسبة إلينا لكي نفهم الوضع فيمكن أن نجد هذا الأمر نفسه يطبق على الموقف من الإسلام.. وعلى الموقف من المعركة الحضارية،. أليسوا متفقين علي أن حضارتنا يجب أن تحطم.. أليسوا متفقين على أننا يجب أن نتبع المركز العالمي للحضارة الذي هو هم، أم علينا أن نخدع حيث يختلفون أشد الاختلاف على من يأكلنا منهم، وعلى من يتبعنا إليه. إن مثل هذا الاختلاف يجعلكم تقولون لا تضعوهم في سلة واحدة، فهذا كله مفهوم ويمكن ملاحظته جيداً.

‏أيها الأخوة فسروا لنا هذا الموقف الإجماعي من "إسرائيل" وقبل،ذلك فسروا لنا لماذا مصطفى أتاتورك ورضا بهلوي والد شاه إيران السابق اللذان افتتحا المعركة ضد الإسلام واندفعا نحو العصرية الغربية، أيدا من قبل لينين كما مجدا من الفكر الغربي الليبرالي والماركسي إجمالاً؟ ‏وفي الوقت نفسه لماذا تحمس ماركس للمهمة المزدوجة للاستعمار البريطاني في الهند لتحطيم المجتمع التقليدي الأسيوي وزرع الحضارة الأوروبية، وهو تعبيره المباشر بينما كان "بالمرستون" ينفذ ذلك بحد السيف، ويوغل بدماء المسلمين الهنود؟ وبالمناسبة هل تعلمون ما هو التفسير الماركسي لشراكة البروليتاريا رأسمالييها بالنسبة إلى العالم الثالث، يقولون أن الرأسماليين رشوا فئاتها العليا، ثم قالوا بل الرشوة كانت أشمل من خلال ما تم التنازل عنه للبروليتاريا الغربية من ضمانات ومكاسب، ولكن الذي يقبل بالرشوة القليلة فهل سيعف عن أكل الحصة الأخرى حين تتاح له، أي القيام بالنهب المباشر هو نفسه حين يصبح بالسلطة (الاشتراكية).

‏ومن هنا فإن التأمل العميق في الموضوعات أعلاه المتعلقة بانطلاق الإسلام من الإنسان وما يتسم به من ثوابت وتغيرات، وما قدمه من منهجية شمولية في معالجة مختلف الجوانب وإقامة التوازن على أساس العدل والمساواة فيما بينها، ندرك جوهر عالمية النظرة القرآنية، وهي عالمية لا تقوم على أساس ظرف تاريخي محدد كالعالمية الرأسمالية أو ‏البروليتارية مثلاً. لأنها عالمية تتعامل مع الإنسان في جوهره لا مع جانب من جوانب المتغيرات في تاريخه، وإن كانت قادرة على احتواء المتغيرات وضبطها ضمن العالمية الإسلامية. ويجب أن نتذكر هنا أن الإسلام قدم نموذجاً على مستوى تطبيقي ناجح من خلال ثورته الأولى ودولته الأولى بقيادة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم. ونماذج الحكم التي قدمها عهد الخلفاء الراشدين وعدد من الحالات المشابهة التي كانت ثمرات ثورات بقيادة علماء أو فقهاء أو نماذج للمقاومة المستمرة طوال الأربعة عشر قرناً الماضية كان بمثابة قطب الجذب والمنارة العالمية للإسلام، حيث كان النموذج مصدر جذب عالمي. وما الفتوحات الإسلامية التي انطلقت من ذلك النموذج أو على هديه كانت تحريراً للشعوب التي افتتحت أراضيها كما جاءت تجاوباً مع فطرتها عندما أقيم حكم الإسلام. وهذا يفسر لماذا أسلمت وعربت كل هذه المناطق التي تغطي الآن البلاد العربية ولماذا انتشر الإسلام وانغرس في إيران وتركيا ومناطق آسيا وأعماق إفريقيا.

‏لقد ذهبت قوة الفاتحين وبقي الإسلام في كل تلك البلاد ليس كدين عبادة فحسب وإنما كنموذج للعدل الاجتماعي وللعالمية والإنسانية ولمعالجة قضايا الإنسان، ولهذا ترى اليوم مئات من الشعوب الإسلامية تتحرك في صحوة عارمة من أجل خلع أنظمة التغريب عنها وإقامة نظام الإسلام والدعوة إلى الأخوة الإسلامية والوحدة الإسلامية والعالمية الإسلامية. ولكن يجب الوقوف هنا لتأمل تجربة الفتح. فالإسلام يقدم نموذجاً للعالمية الإسلامية فيما بين شعوب منتشرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا لم تنشأ بعدها أية عالمية تضاهيها أو تقارن بها منذ أربعة عشر قرناً. وذلك بالرغم مما بلغته الإنسانية اليوم من تقدم في العلوم والتقنيات ووسائل المواصلات والإنتاج، فهذا يفرض التفكير جيداً بهذه الحقيقة من جهة، كما يجعل من المشروع القول أن العالم الذي يركض إلى دماره اليوم وبأيدي مراكز الحضارة الغربية هو أشد ما يكون حاجة إلى إعادة إحياء العالمية الإسلامية، بداية عن طريق استعادة الإسلام لنموذجه فوق الديار الإسلامية. ثانياً من خلال الإسهام المباشر مع جميع مستضعفي العالم لوقف الدمار المسمى بالحضارة الغربية ‏المعاصرة إنها أسباب تلف الإنسان روحياً، وجسدياً، وعلاقات دولية، دون الحديث عما تحمله من مظالم أو فساد.ومن هنا فثمة مسؤولية أمام العلماء والمفكرين والقادة الإسلاميين لمواجهة مسؤولية إعادة صياغة شروط الحياة المعاصرة المطبوعة بالرؤيا الحربية وذلك من خلال إعادة بناء النموذج الإسلامي في الديار الإسلامية، كما بالنسبة إلى سمات توليد العالمية الإسلامية الجديدة.

- الفصل الثالث

‏ملحوظة عامة:

‏أيها الإخوة، ثمة عدد من النقاط أثرتموها ما زالت بحاجة إلى الرد عليها:

‏ أ- مسألة المنهج وعلاقته بالإجابة عن قضايا العصر،"وشهادة المنشأ التاريخية" يمكن أن يلاحظ الآن أننا لم نأخذ بالإسلام لأنه تراث وإنما لقناعة بصحة عقيدته أولاً، وصحة منهجه في الإجابة عن قضايا الإنسان الإنسانية ثانياً، وقدرته على الإجابة عن قضايا العصر وحاجاته ثالثاً. كما يمكن أن تلاحظوا ما لدينا من قناعة بخطأ المناهج الأخرى المعاصرة وضلالها. (بالمناسبة إن تعبير المنهج لا يغطي ما يجب أن يناقش وإنما الأصح البدء بالعقيدة وما يتبعها من منهجية فكرية ومفاهيم تتصدى لمواجهة مسائل الكون والطبيعة والمجتمع والإنسان والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي عموماً وقد حدث التجاوب مع هذا التعبير تجنباً لنقاش في "التعريفات" ‏وإن كنا نرغب في معرفة تعريفكم له أو قصدكم منه.

‏ب- إن المناقشة التي دارت حول البعد الحضاري في الصراع مع الغرب الاستعماري، تحظى على أهمية خاصة في ظروف هيمنة الحضارة الغربية على العالم بالنسبة إلى قضية الفهم العميق لمسائل الاستعمار والصهيونية والامبريالية والتبعية. ومن ثم من غير الممكن خوض نضال حقيقي ضد الامبريالية والصهيونية وبناء استقلال حقيقي ما لم تتم صياغة نظرية صحيحة حول المسألة الحضارية. لأننا هنا حيال حضارة تريد الهيمنة على شعوب العالم الأخرى وإلحاقها بها بعد نزع كل مقومات استقلالها وتنميتها. وهنا يدخل العنصر الحضاري في المركز من هذه العملية، وإن التمعن في الموضوعات التي تناولت مسائل المنهج ‏والحضارة في كتاب "الإسلام في معركة الحضارة"، لا يلحظ أنها قامت ‏على أساس تناولها من زاوية شهادة المنشأ التاريخي.. وإن كان لكل ‏حقيقة ونظرية ونهج وفكرة ونظام منشأ وتاريخ، ولا مفر من دراسة تاريخ الظاهرة ومنشأها كشرط أساسي لفهمها وتحديدها. وهذا جزء من المنهج العلمي في دراسة حتى الظواهر الطبيعية أما الصواب والخطأ فلم يستند فيهما لا إلى جغرافيا القارات ولا إلى الأجناس والألوان ولا إلى التراث بمعنى قومي أو عصبوي؛ تراثنا صحيح وتراث غيرنا خطأ، لماذا لأنه يخصنا ولا يخص غيرنا، إن المسالة الجوهرية في تلك الموضوعات أنها أثارت الإشكاليات التالية.

‏إن القول أن المنهج الماركسي عالمي مسألة مردود عليها، وهذا ما حاولت تبيانه تلك الموضوعات التي أثبتت أنه مشحون بالخصومة ضد تجربة الحضارة الإسلامية. ولم يكن تلخيصاً علمياً لمجموع الخصوصيات الحضارية العالمية فعندما نزعت العلمية عن ذلك المنهج، في كتاب "الإسلام في معركة الحضارة" فقد استند، فيما استند إليه، أن المنهج الماركسي وليد تراث فكري وفلسفي محدود، وتجربة حضارية نابعة من بقعة صغيرة من العالم ومن ثم كان من الخطأ تعميم خصوصية جزئية واعتبارها قانوناً علمياً عاماً وعالمياً. كما حاول كتاب "الإسلام في معركة الحضارة" أن ينبه إلى علاقة منهج بمجموعة محددة من النظريات والنظرات والمفاهيم والنماذج الخاصة التي يحملها ويعتبرها مرتكزاته، وهذه غير ما يمكن أن يعتبر القوانين العامة في النهج، مثلاً لو درسنا منهجية ابن خلدون العلمية نراها مشحونة بصورة ‏صراع العصبيات بينما نرى نهج ماركس مشحون بصورة طبقات العبيد والأسياد في أثينا وروما وإقطاع أوروبا وأقنانها وبرجوازيتها وعمالها. إن المنهج الذي لا فكرة لديه عن صراع العصبيات القبلية في مرحلة من تاريخنا مثلاً أو صراع البادية والمدينة أو صراع الجهويات والقبائل الإسلامية في إسبانيا حيث عمت تجربة حضارية عالمية في ظروف انعزل فيها الفاتحون المسلمون عن بقية جسم الدولة الإسلامية منذ العباسي. لكن مع ذلك استطاعت أن تتعايش فع السكان الأصليين وأن تنغرس في الأرض الإسبانية وتولد حضارة أثارها مشهودة حتى اليوم.

وبالمناسبة لم تهزم الدولة الإسلامية في إسبانيا بعد مئات السنين إلا في ظروف انحلال الحكام وانقسامهم إلى دويلات ثم اشتداد الدعم الخارجي لفئة صغيرة من الإسبان. لكن الأهم من ذلك فإن الإسلام انتزع عبر عمليات الإبادة والاجتثاث من الجذور التي أصابت مئات الألوف من المسلمين العرب والإسبان، ولولا ذلك لبقي الإسلام منغرساً في الأرض حتى بعد أن فقد سلطته السياسية وقدرته العسكرية.

‏ثم إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة تلك التأثيرات السلبية على العالمية الإسلامية، والمتمثلة ببعض القيود الظالمة والمظاهر الفاسدة في ظل الحكومات التي تلت العهد الراشدي، فسوف ندرك أهمية النموذج الإسلامي الراشدي الأصلي، وأهمية العمل الإسلامي القاعدي الذي يمارسه العلماء والمجاهدون والأتقياء دون اعتماد على سلطة الدولة لكي يكرسوا العالمية الإسلامية، بينما لا تستطيع العالمية المعاصرة أن تبقى إلا من خلال سلطة الدولة، فماذا سيحدث للاشتراكية لو رفعت سلطة الدولة وعلى التحديد سلطة الجيش؟ فهل ستبقى تلك المجتمعات متمسكة بالنمط الاجتماعي السائد، إزاء الماركسية الرسمية السائدة أم سينتهي أمر هذا النموذج بسبب تناقضه مع الإنسان، مع فطرته وجوهره. ومن ثم مع العديد من جوانب حياته الروحية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

‏هذا كله يؤكد لا علمية المنهج الماركسي وعدم قدرته على الديمومة والبقاء عشر معشار بقاء الإسلام. ومن هنا لم تحسنوا التقاط موضوعات كتاب "الإسلام في معركة الحضارة" ولهذا لا يجوز بالاستناد إلى لا علمية الماركسية ولا عالميتها من جهة ولا عالمية الماركسية، أو الليبرالية الأوروبية من جهة أخرى، بسبب محدوديتهما وخصوصيتهما التاريخية إلى نقل تهمتها نفسها إلى تلك الموضوعات بالقول "أنها تعتبر العلمية تنبع من الخصوصية الحضارية وشهادة المنشأ". إن الجواب كان سيكون مقبولاً لو دحضتم تلك الموضوعات من خلال إثبات عالمية الماركسية وعلميتها. فتلك الموضوعات أثبتت أحادية النظرة في المنهج الماركسي والمناهج الأوروبية الأخرى بسبب قيامها على أساس التجربة الخاصة التاريخية لحضارة واحدة محددة، هي ‏الحضارة الأوروبية، وإنها لم تشق من دراسة التجربة التاريخية للعالم أو أغلبيته، هذا ويمكن البرهنة أن معلومات تلك المناهج حول الحضارات الأخرى وتجاربها التاريخية وبنائها الفكري ومعلومات إما خاطئة أو مجاملة أو سطحية فماركس وإنجلز، مثلا، حيث يعتبران الثورة الإسلامية الأولى، ردة فعل بدوية، لا يكونان يعبران عن نظرة علمية وإنما ينطلقان من نظرة المركزية الأوروبية الضيقة. وهذا في أحسن حالات التفسير لسبب مثل هذه الأحكام التي هي من منهجهما المسمى العلمي والعالمي والذي يدعي أنه فوق الحدود الحضارية أو التاريخية المحددة لقارة معينة. ولهذا فإن إغناء الحوار بيننا يحتاج من جانبكم إلى التدقيق في تلك الموضوعات الواردة في كتاب "الإسلام في معركة الحضارة" ثم مناقشتها حتى نختلف أو نتفق على ما جاء فيها فعلاً لا على ما لم يكن فيها.

‏ح- إن مشروعية المنهج الموضوعي أو علميته يجب أن تأتي من قدرته على أن يكون تقييماً حقيقياً صحيحاً للتجربة التاريخية العالمية ‏للإنسانية أو على الأقل لحضاراتها الرئيسية، وليس أن يقيم تجربة جزئية محدودة (التجربة الأوروبية) ويعتبرها قانوناً عاماً. أما مشروعية المنهج الإسلامي وعلميته فقد وصلنا في البداية لهما من خلال الأسس نفسها التي تعاملون بها المنهج الماركسي ولكن الإسلام جاء في أصوله عن طريق ألوحي، من هنا تأتي مشروعيته وعلميته بالنسبة لمن امن بالله، ‏وأن محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم ونحن اليوم من هؤلاء المؤمنين والحمد لله. أما بالنسبة لمن لا يستند إلى هذا البرهان فنحن يمكن أن نقنعه كما اقتنعنا نحن بادئ ذي بدء من خلال إثبات صحة النظرة الإسلامية والمنهجية الإسلامية وعالميتها، وقد حاولنا إثبات ذلك أعلاه، بل كان ذلك هو طريقنا إلى الإيمان والعقيدة، فعندما ثبت لنا بالبرهان صحة الإسلام ومنهجه وعالميته تساءلنا:كيف يكون الإسلام على هذا ‏القدر من الصحة والعالمية ويكون قادراً على مواجهة الفكر الأوروبي المعاصر. ويكون في الوقت نفسه من صنع بشر أبناء تجربة تاريخية محدودة ومتواضعة كما كان الحال في القرن الثامن في الجزيرة العربية. أي لابد من أن يكون مصدر هذه الصحة والمنهجية العلمية والعالمية وحي يتعدى الزمان والمكان المحدودين.

‏د- الآن سنأتي إلى موضوعة التراث والتاريخ والحضارة وتأثيرها كقانون عام على الشعوب كافة ويمكن هنا، أن نلاحظ ما يلي.

‏1- القسم الأعظم من بلدان العالم الثالث إن لم يكن جميعها زادت تبعية بعد الاستقلال من ناحية الاعتماد على الخارج حتى في مجال القمح والغذاء وهناك اليوم إجماع على أن مشاريع التنمية لم تحقق الأهداف المرجوة وقد زادت الديون حتى بلغت حداً أشرفت الدول على رهن نفسها، أو إعلان الإفلاس.

2- أثبتت التجربة أيضاً أن البلدان التي تبنت الاشتراكية أو سارت على ما يسميه السوفييت "الطريق اللا رأسمالي"، واجهت المصير نفسه ولم تحقق التنمية الموعودة وتدهورت أكثر من غيرها من ناحية الغذاء والزراعة والصناعة والتجارة الداخلية والخدمات والديون الخارجية.

3- أجمع أغلب الذين عالجوا هذه الظاهرة على القول أن السبب يرجع إلى عزلة مشاريع التنمية عن الجماهير، خصوصاً جماهير الفلاحين والعمال المسحوقين وقد أقرت لجنة العلماء السوفييت في ندوتها المشار إليها أعلاه بهذه الحقيقية أيضاً وفسرتها بأن النخبة الطليعية سرعان ما تجد نفسها في عزلة وتناقض مع "التقليدي" فالتقدم يأخذ شكل النزول من الأعلى إلى الأسفل. أي من النخبة والدولة من فوق بينما لا تكون "القاعدة التقليدية" مهيأة له، وهذا ما حداهم إلى التأكيد بعد فوات الأوان طبعاً على ضرورة الانتباه إلى المواءمة بين العصرنة و"التقليدي". وهي المعضلة التي لم يجد العلمانيون حلاً لها في البلدان التي استطاعت فيها الأحزاب ألماركسية أن تقود الشعب (التقليدي) في معركة التحرير الوطني كالصين وفيتنام وكمبوديا، وإن كانت هذه التجارب أفضل نسبياً من هذه الناحية.

4- إن الحقيقة العلمية التي أصبحت الآن مقبولة حتى من قبل بعض كبار الماركسيين والليبراليين تقول أن تكريس الاستقلال بعد كسب معركته ضد المستعمر وتحقيق تنمية حقيقية مستقلة (ناهيك عن العدل والحرية والديمقراطية) لا يمكن أن يتم بمعزل عن تبني الجماهير لهما. وهذا غير ممكن ضمن البرامج العلمانية المتغربة التي أثبتت أنها بالضرورة متعادية مع الجماهير ولا تخدم غير فئة النخبة من كبار الاحتكاريين من قادة الحزب والدولة في البلدان التي توسعت في التأميم. ولنذكرها هنا، أن الجماهير المستعاض عنها بعبارة "التقليدي" في ندوة العلماء السوفييت هي التي تختزن التاريخ والتراث والتقاليد للأمة، ومن ثم إذا لم تنبع مشاريع التنمية من قلب هذا الخزان ولم تلمس عقيدة الجماهير وقناعتها وقلوبها فعبثاً يصار إلى دفعها لتجعل من قضية الاستقلال والتقدم والتنمية قضيتها. أما إذا كانت قضية الاستقلال ‏والتقدم والتنمية قضية ذات محتوى تغريبي علماني (ليبرالي أو اشتراكي) فالجماهير ستنظر إليها بحذر وستفقد حماسها رويداً رويدا، حتى يقع الانفصال النهائي. وهذا ما حدث حتى بالنسبة إلى القيادات التي كانت في المعارك الوطنية ضد الاستعمار تحظى على تأييد الجماهير ودعمها. وإذا بها تفقد ذلك التأييد وتتحول إلى معادية للناس بعد الوصول إلى الحكم وتطبيق برنامجها العلماني.

5- من هنا يمكن أن تفهم المسالة الحضارية باعتبارها قضية مركزية يتوقف على فهمها ومعالجتها مستقبل الثورات في العالم الثالث، عموماً وأن من يستطيع أن يفهمها في بلادنا فهماً عميقاً، ويلحظ مركزية العقيدة الإسلامية بالنسبة إلى حضارتنا فيمتلك النهج الذي يستطيع أن يجيب على قضايا العصر وحاجاته، قضايا استقلال الشعوب وتقدمها وتنميتها وخلاصها من التبعية، قضية تحطيم مراكز السيطرة العالمية تفرض هيمنتها على الشعوب وتريدها أن تبقى في نير العبودية، والتي تهدد العالم بالدمار إذا ما تحركت أزرارها النووية. لذا كان شرط البرنامج القادر على تحقيق الاستقلال والتنمية والحرية أن يكون قادراً على مس شغاف قلوب الأمة حتى تتبناه لتنهض من أجل تحقيقه، وإذا كان هذا الشرط لا يتحقق في بلادنا إلا من خلال الإسلام، فهل يكون تجاهل هذين الشرطين موقفاً علمياً أو منهجاً علمياً وعالمياً، أم يكون ‏عكس ذلك تماماً، فالنهج العلمي الحقيقي هو الذي يوفي هذين الشرطين. ومن ثم إن تناول هذا الموضوع لا علاقة له بكسب الشعبية ولا بالضرب ‏على الوتر العاطفي للجماهير. وإنما يجب أن يتعامل معه بصورة أكثر جدية باعتباره حقيقة قائمة بذاتها بغض النظر عما يسمى بكسب ‏الجماهير أو عدم كسبها. المسألة هنا ليست مسألة نجاح في انتخابات، وإنما هي مسألة نجاح الأمة في تحقيق نهضتها في كل المجالات. إنها مسالة تقرر نجاح أمتنا في الحفاظ على استقلالها وتحقيق وحدتها وإنزال الهزيمة بعدوها الصهيوني وتحقيق نهضتها الحضارية والتنموية والثقافية إنها المسألة التي تقرر قيام نظام عادل شوري يصون حقوق العباد وحرياتهم ويطلق طاقاتهم الخيرة، ويكرس كرامتهم الإنسانية ويحقق التوازن في حياتهم ويسمح لهم بمواجهة العالم بمشروع حضاري متميز حقاً.

6- إذا كانت هذه الموضوعات تنطبق بصورة صارخة على الشعوب الإسلامية فهي تنطبق كذلك على بقية الشعوب بما في ذلك شعوب أمريكا اللاتينية، أما إذا كان الإسلام غير مطروح بالنسبة إليها فإن من المؤكد أن مشاريع التغريب لم تلق عندما الحماسة المطلوبة ولهذا كان لابد من إيجاد برنامج هناك يراعي تراثها وتقاليدها وحضارتها. هذه قاعدة عامة صحيحة بالنسبة إلى أغلب الحالات ولعل من أبرز أمثلتها الناجحة التجربة اليابانية التي صنعت كل تقدمها ضمن المحافظة على تراثها وضمن المحافظة على الكثير من جوانبه الأساسية، ولهذا ما يجري من علاقة بين العمال في المصانع في اليابان أو فيما بينهم وبين الرأسمالية يختلف اختلافاً نوعياً عن نظيره في أوروبا أو أمريكا. أما التجربة الثانية فهي نجاح الثورة الإسلامية في إيران ببلوغ الاكتفاء الذاتي، كما أعلن في القمح والكثير من المواد الغذائية منذ سنواتها الخمس الأولى، بينما كانت في زمن شاه إيران تستورد حاجة ‏عشرة أشهر في السنة من القمح والكثير من المواد الغذائية. وكان المسجد في القرية هو الذي قاد عملية إحياء الإنتاج.

7- أما القول: لاحظوا تعاظم دور رجال الدين الكاثوليك في ثورات أمريكا اللاتينية أو بولندا أو عدد من بلدان آسيا وإفريقيا وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يحق لكم ألا تلحظوا دور الإسلامي في الثورة عندنا؟ وكيف يحق لكم الاستنتاج بالمقابل أن موضوع الإسلام ليس وارداً بالنسبة إلى أمتنا ما دام ليس بوارد بالنسبة لكاثوليك أمريكا اللاتينية. طبعاً إن هذا لا يتناقض مع طموح الإسلام بأن يطرح رسالته على الناس كافة ولهم ‏أن يقبلوا أو يرفضوها، وكل سيجني ثمار ما زرعت يداه.

8- وبهذا ترون أن من حق الشعوب الأخرى كما هو من حق أمتنا أن ترفض انسحاق شخصيتها وهويتها أمام الحضارة الغربية ومن حقها رفض التغريب ومن حقها أن ينبثق برنامجها من تراثها وتاريخها وظرفها الخاصة بل يمكن القول أنها إذا لم تفعل ذلك لن تكسب معركة الاستقلال والحرية والتنمية أما من جهة أخرى، إن فعلت ذلك، خصوصاً، إذا نقبت عن ومضات الفطرة في تاريخها وحضارتها، فسوف يصبح الحوار بينها وبين الإسلام في العمق على مستوى أرقى من التعاون بين الشعوب المظلومة ضد الاستكبار الدولي فقط.

‏وأخيراً أيها الإخوة اسمحوا لنا بكلمة أخيرة وهي أن لا تنسوا وحدتكم ضد عدوكم وأنتم تناقشون هذه القضايا أي وأنتم تتفقون وتختلفون حولها. ولا تنسوا المحافظة على روح الأخوة والتحلي بالحلم والحكمة والصبر بينما كل هنا يناقش من يخالفه الرأي. ولا تنسوا أن ‏الإنسان يموت وهو يتعلم، وعليه أن لا يكل في تحصيل العلم والبحث عن الحقيقة وألا يخشى أن يغير رأيه حين يبين له خطأه، ولو كان قبل حين مستعداً للموت في سبيل ما كان يعتقده صحيحاً أو في الدفاع عنه.

‏وفقكم الله إلى ما يرضيه وأبقاكم لشعبنا رمزاً في الصمود والتضحية والنقاء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 280 / 159396

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع اصدارات   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010