السبت 6 حزيران (يونيو) 2015

نظرات في الثورة العربية المعاصرة

السبت 6 حزيران (يونيو) 2015

لقد كان الوجود العربي قبل الإسلام وجودا قبليا، وكانت القبائل بالرغم من افتراقها سياسيا اجتماعيا ملتقية ثقافيا تتحدث لهجات متقاربة وتدين بقيم متشابهة وتضمها حضارة إنسانية قبلية واحدة وكانت اللغة العربية هي وسيلة الترابط والتوحيد في تلك الحضارات.
لقد قامت في البلاد العربية ممالك تجاوزت الكيان القبلي سياسيا واجتماعيا مثل البتراء، وعامورية، ومملكة الغساسنة، ومملكة لحم، وممالك اليمن، ومملكة كندة.
وعندما أطلت هداية الإسلام صار العرب رواد دعوة كونية وقفزت اللغة العربية من كونها لغة المخاطبة بين القبائل العربية إلى أن صارت لغة الثقافة والتخاطب لكل الشرق الأوسط وللساحل الجنوبي من بحر الروم(الأبيض المتوسط) وعلى امتداد الساحل الشمالي والشرقي لأفريقيا إلى داخل القارة السمراء. وصارت اللغة العربية مصدرا أساسيا لعدد من اللغات العريقة مثل: التركية، والفارسية، والهندية، الإندونيسية، والسواحلية، والهوسوية، والصومالية.
إن صحوة العرب ودورهم التاريخي الأول هو الذي تحقق في ظل الإسلام، ولذلك صارت العلاقة بين الإسلام والعروبة علاقة خاصة لا تشبهها أي علاقة أخرى ما بين ديانة وقومية. كان الرسول (ص)الأمين عربيا، ولغة القرآن عربية، والدور الرائد في الإسلام عربيا. لذلك صار مستحيلا تعريف العروبة دون إشارة لروابطها الإسلامية- العروبة هي لغة مشتركة، وأصول تاريخية، واعتزاز بفترة تكوينية معينة في تاريخ العالم هي فترة مولد الإسلام.
لم يكن عدد العرب كبيرا في صدر الإسلام.. فقد قيل أن النبي في أوج قوته يستطيع أن يحشد جيشا قوامه خمسون ألفا. أي أن سكان الجزيرة العربية يومئذ لا يتجاوز نصف مليون نفس. هذه القلة نشرت هداية الإسلام واستعربت أثناء ذلك عن طريق اللغة العربية الشعوب المتحدثة بالقبطية في مصر، واستعربت جزئيا الشعوب الفارسية والتركية. واستمر هذا الاستعراب قرنا حتى شمل جزءا كبيرا من آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وإذا نحن قسنا أعداد الجيوش العربية التي حققت الفتوحات لوجدناها قليلة جدا بالنسبة للقوات الضاربة الموجودة في أغنى وأقوى محافظات الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. وإن نحن قسنا كمية الدماء العربية التي حققت استعراب الشعوب الكثيفة الآهلة لوادي النيل، ووادي دجلة والفرات، ومربع الهلال الخصيب، والشعوب المتحدثة باللغات الحامية في شمال أفريقيا لأدهشنا أن نجد قلة تعرب كثرة بالغة الأعداد.
لا يمكن أن يتحقق ما تحقق من انتشار الإسلام بالقوة العسكرية، ولا يمكن أن يتحقق ما تحقق من استعراب بالغلبة العددية، إنها عوامل معنوية كامنة في الإسلام الوعد الحق جعلته يشق عنان السماء كالشهاب وعوامل ظلم وانحلال في الإمبراطوريات العريقة جعلتها تتمزق كبيوت العنكبوت.
وثمة عوامل معنوية في المزاج العربي وعبقرية في اللغة العربية جعلتها تضم وتهضم ثقافات وأقواما عريقين في الحضارة والعمران.
إن الإسلام دعوة عالمية وفي خدمة الإسلام صار الكيان العربي في ظل الدولة الأموية وجزء من الدولة العباسية كيانا عالميا، وصارت اللغة العربية لغة عالمية.
إن الشعوب التي انخرطت في الإسلام وأقبلت على هدايته لم تنس أصولها الحضارية تماما وتحت شعارات الشعوبية نشأ تنافس قومي ونشأ تباين في تفسير الإسلام نفسه. ونتيجة للتفوق في فهم الإسلام وفي قواه السياسية والصراعات القومية بين الشعوب المسلمة انزوى الدور العربي شيئا فشيئا فتقلص دورهم السياسي في الدولة الإسلامية ثم انكمش دور اللغة العربية في الإمبراطوريات الثلاث التي اقتسمت العالم الإسلامي في القرن السادس عشر الميلادي وهي :العثمانية، والفارسية، والمغولية. ففي ثلاثتها صارت اللغة الرسمية لغة غير عربية واحتفظت اللغة العربية بدورها الديني وحده وبقيت لغة التخاطب في المنطقة العربية وحدها.
لقد كانت الدولة العثمانية حريصة على طابعها الإسلامي وعلى تربعها فوق كرسي الخلافة وكان هذا يحفف على الشعوب الإسلامية غير الطورانية قبول السيادة العثمانية. ولكن على أثر الاتصال العثماني بأوروبا نشأت حركات في الدولة العثمانية تقلل من دور الإسلام شيئا فشيئا وتتخذ القدوة من الوعي القومي الأوروبي وتميل لجعل رابطة الدولة قومية عثمانية ثم قومية طورانية ميلا بلغ أقصاه أو ذروته بعد ثورة 1913م في تركيا.
إن ذكرى الدور العربي في التاريخ، والانفعال ضد التطورات التركية التي جعلت السيادة التركية تنتقل من كونها خلافة إسلامية إلى كونها استعمارا تركيا، والتأثر بالفكر الأوروبي الحديث وصحوة الحركة الوطنية العربية هي العوامل التي أيقظت الوعي القومي الحديث.
لقد اتخذ الوعي السياسي في العالم العربي في البداية عددا من الأشكال.

- الوعي الوطني الإقليمي:

لقد نشأ هذا في جميع البلدان العربية وكان من أهدافه تركيز الولاء للوطن والمطالبة بالحرية والسيادة لسكانه. كان هذا الشعور قويا خاصة في مصر ولبنان وتونس والسودان. ففي مصر استطاع محمد على باشا أن يخلق كيانا قطريا مستقلا عن الخلافة العثمانية وعندما نشأت الحركة الوطنية المصرية المتمثلة في الحركة العرابية في 1881 وفي حركة الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل في 1907م ثم حركة الوفد المصري بقيادة سعد زغلول في 1918م فإنها اتجهت اتجاها وطنيا مصريا وكانت أهدافها هي تحقيق استقلال مصر وسيادة الشعب المصري في ظل نظام سياسي ليبرالي مقتبس من نظم الحكم الأوروبية الغربية. وكان ما كتبه طه حسين في كتابه عن مستقبل الثقافة في مصر يعبر عن فلسفة الوطنية المصرية يومئذ. لقد كتب أن مصر لها تراثها الفرعوني العريق المستمر من آلاف السنين وأن ذلك التراث يجعل مصر جزءا لا يتجزأ من حضارة البحر الأبيض المتوسط المشدودة شمالا نحو أوروبا. وقال إن أوروبا اليوم هي العصر الحديث وعلى مصر أن تقتدي بأوروبا في حضارتها ونظامها السياسي والاجتماعي.
هذه النزعة التي تخاطب تاريخا قديما سابقا للإسلام طبعت الاتجاه الوطني القطري في سوريا ولبنان حيث الإشادة بالصلة التاريخية بالتراث الفينيقي والاتجاه عبر البحر شمالا نحو أوربا.
وفيما بين الحربين دعا الحزب القومي السوري بهذه الدعوة وكان متأثرا بالفكر الأوروبي عامة وبالفكر النازي خاصة. ونشأ هذا الحزب بقيادة أنطون سعادة في عام 1932م .
لقد كانت الحركة الوطنية المصرية، كما رأينا متجهة نحو الماضي الفرعوني والحاضر الأوروبي مما جعلها تعتبر الانتصارات التي حققتها جيوش محمد على في وادي النيل ملكا لمصر وهذا الاتجاه خلق نفورا في السودان وصار قاعدة استندت إليها الحركة الوطنية الاستقلالية في السودان.
هذا كله أدى لتدعيم الشعور الوطني الإقليمي في السودان بالرغم من أن السودان كان قبل نصف قرن من الزمان مسرح أقوى وانجح وأعنف حركات التحرير والاتحاد الإسلامية: الحركة المهدية- وهي حركة كانت تهدف لإسقاط السلطة العثمانية. ولتحرير العالم الإسلامي كله من الغزاة الأوروبيين الإنجليز والفرنسيين والبلجيك والإيطاليين، ولتوحيد العالم الإسلامي وبعث الشريعة فيه متخذة الجهاد وسيلة لهذه الغايات.

- الوعي القومي العربي:

نادى بعض المفكرين العرب بالتخلي عن الوطنية القطرية والتوجه نحو القومية العربية. وكان رائد هذا الفكر عبد الرحمن الكواكبي(المتوفى 1903) وساطع الحصري الذي كان يرى أن الأمة تقوم على وحدة اللغة وحيثما تكلم الناس بالعربية لغة أصيلة فهم عرب وتضمهم أمة واحدة.
وكانت سوريا هي أكثر البقاع العربية مجالا لدعوات وحركات الوعي القومي العربي وذلك للأسباب الآتية:
أولا: لأن الضغط العثماني كان أكبر وقعا على سوريا وكانت سوريا حلقة مهمة في بناء السلطان العثماني.
ثانيا: لأن الانفعال بأوروبا سلبا وإيجابا كان قويا في سوريا فمنذ القرن الثامن عشر عقد اتفاق ينظم العلاقة بين روما والمارونيين وانتشر التعليم المسيحي تحت رعاية فرنسا. وعندما احترب المارونيون والدروز في عام 1860م وانتصر الدروز تدخلت فرنسا بقواتها ففرضت وضعا خاصا يصير بموجبه الحاكم مارونيا يعينه الباب العالي ومساعده مجلس استشاري أعضاؤه من الملل الأخرى. هذا أعطى فرنسا موقف رعاية لشئون لبنان.
ثالثا: لأن المؤامرة الكبرى على الحقوق العربية تمت في جنوب سوريا: فلسطين. هذا الإحساس العربي الموحد الذي بدأ أولى بداياته في سوريا والذي بدأ ضعيفا في غيرها من البلدان العربية أخذ ينمو متصاعدا بينما ينحسر أمامه الاتجاه الوطني القطري شيئا فشيئا.
الاتجاه العلماني
كان الشعور الوطني القطري والقومي يأخذ أحيانا طابعا علمانيا وأحيانا طابعا إسلاميا. فلدى كثير من المفكرين المسيحيين العرب أمثال فرح أنطون (المتوفى في1922) وشبلي شمبل (المتوفى في 1917) كان التوجه الوطني والقومي علمانيا وفي هذا الاتجاه سار بعض المفكرين المسلمين أمثال لطفي السيد، على عبد الرازق- الذي أصدر كتابا عن الإسلام وأصول الحكم في عام 1925م جاء فيه: إن رسالة الإسلام روحية كالمسيحية وأن الدولة التي أسسها النبي والخلفاء من بعده كانت ملكا عربيا لا يجبرنا الدين أن نقيم مثلها ولا أن نقتدي بها، قال: "الدين لم ينكر ولم يأمر بالخلافة وإقامة الدولة بل تركها لنا لنراجع أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة في أمرها".
الاتجاه الإسلامي:
لقد كانت مدرسة جمال الدين الأفغاني تتجه نحو بعث إسلامي ووحدة إسلامية. وكان من آثار ذلك أن كتب محمد عبده ومحمد رشيد رضا وهما مفكران خاضا غمار الفكر والسياسة العربية عن النهضة السياسية في العالم العربي القطرية والقومية موضحين أهمية النمو الإسلامي للعرب.
ومن هذه المدرسة انبثق اتجاهان: اتجاه نما في اتجاه الجانب الإسلامي وأدى لقيام حركة الأخوان المسلمين بقيادة حسن البنا اتجاه أفرغ نفسه من الطابع الإسلامي تماما واتجه قطريا أو قوميا في اتجاه علماني يمثله لطفي السيد.
إن فكرة اللقاء بين الإسلام والقومية العربية ترددت على أقلام كثير من الكتاب. فكان عبد الرحمن البزاز (مثلا) يرى فيما كتب عام 1954م أن مضمون الفكر الإسلامي والعروبة واحد، وأن الإسلام هو دين العرب القومي.
في هذا الاتجاه سار بعض المفكرين العرب غير المسلمين مثل قسطنطين زريق فيما كتب في عام 1954م حيث قال: " إن الأديان كلها متطابقة في عقائدها ومبادئها الخلقية وإن الاختلافات المشاهدة فيها راجعة للبيئات المختلفة وللثقافات التي أحاطت بها والإسلام نشأ في بيئة عربية لذلك فهو تراث مشترك بين العرب أجمعين".

- الحركة العربية بعد الحرب العالمية الثانية:

في الثلاثين عاما الماضية ضعفت قبضة النفوذ الأجنبي الأوروبي والأمريكي على العالم العربي، وتقلص دور القوى الاجتماعية التقليدية في عدد من البلدان، وبرز وزن قوى اجتماعية حديثة قوامها المثقفون ثقافة عصرية، والمهنيون والفناون والعمال وسكان الحواضر العامرة وصحبت هذه التطورات الظواهر الآتية:
1. انحسار النظرة القطرية في الأوساط الرائدة العربية وانتشار الإيمان برابطة عربية قوامها وحدة اللغة والثقافة.
2. إنزواء النظم الليبرالية وقيام نظم ثورية في عدد من البلدان.
3. تتميز الحركات الثورية العربية بظواهر أهمها:
‌أ. المناداة بالاشتراكية وسيلة للتنمية المتوثبة العادلة.
‌ب. رفع شعارات الحرية والديمقراطية.
‌ج. الرفض الحاسم للاستعمار وأسباب النفوذ الأجنبي.
‌د. عدم وضوح الموقف من دور الإسلام مع الاعتراف بأن للإسلام دورا في التكوين العربي. وفي كتاب "في سبيل البعث" كتب ميشيل عفلق الآتي: "البعث العربي حركة قومية تتوجه إلى العرب كافة على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وتقدس حرية الاعتقاد وتنظر إلى الأديان نظرة مساواة في التقديس والاحترام ولكنها ترى إلى جانب ذلك في الإسلام ناحية قومية لها مكانتها الخطيرة في تكوين التاريخ العربي والقومية العربية. وتعتبر هذه النظرة ذات صلة وثيقة بتراث العرب الروحي وبمميزات عبقرية".
وبالرغم من هذا الاتجاه النظري فإن ذلك لم يظهر معها في اتجاهات البعث الفكرية ولا في برامجه بل انحصر الاهتمام في شعارات ثلاثة: الوحدة، الحرية، الاشتراكية.
كذلك كتب الرئيس جمال عبد الناصر في فلسفة الثورة عن الانتماء للحلقات الثلاثة: العربية والإسلامية والأفريقية. وكان دور الحلقة الإسلامية مهتزا حتى أن مشروع الميثاق الوطني الذي عرض على المؤتمر لم ينص فيه على بيان الصلة الإسلامية ولكن بعد المداولات التي جرت في المؤتمر أضيف إلى نص الميثاق الصادر في 30/6/1962م ما مفاده أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي.
‌ه. وظاهرة رابعة هي قلة دور الحركة الشعبية في الحركة الثورية.

- الحركة الثورية العربية

لقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي أول تعبير عن الفكر الثوري العربي وارتكزت مبادئ البعث حول نداءات: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. وكان مفكرو البعث يرون أن للإسلام دورا خاصا في البعث العربي ولكن هذا الجانب من فكرهم تلاشى. وحتى المبادئ الأخرى لم تحظ ببرمجة مفصلة فأحيانا يركز الاهتمام على مبدأ الحرية وقد حدث هذا عندما كان الحزب في طور التكوين وقبل أن يصل إلى السلطة. وقد كان التمسك بمبدأ الحرية أحد الأسباب التي ارتكز عليها الحزب في انتقاد النظام السياسي في الجمهورية العربية المتحدة: لقد قرر مجلس الحزب قبل الانفصال بأسبوعين رفض النظام الناصري لما رماه به من بيروقراطية وأساليب بوليسية. وعندما تحقق الانفصال فعلا تحالف الجناح القطري في حزب البعث في سوريا مع فئة من الضباط ونتيجة لهذا التحالف تضاءل الدور الشعبي والديمقراطي في نشاط الحزب. وهذا التحالف أسرع بالحزب إلى السلطة. ويحكي منيف الرزاز الأمين العام لحزب البعث سابقا (1966م) في كتابه " التجربة المرة" إن الحزب وهو في السلطة اعتمد تماما على الجناح العسكري وصار تابعا له لأن عدد العسكريين في المجلس القيادي بلغ 7 من 15 وكان هؤلاء السبعة يبحثون الأمور ويتفقون عليها ويلزمون أنفسهم بالدفاع عن القرارات التي اتخذوها قبل انعقاد المجلس العام.
والبعث في السلطة وجد نفسه يمارس جميع الأساليب التي رمى بها النظام الناصري والتي اعتبرها من الأسباب الرئيسية للانفصال.
أما شعار الاشتراكية فقد تحقق منه الكثير. إذ أجرى الحزب إصلاحا زراعيا وأمم المصانع والشركات التجارية وارتفعت إجراءات التأميم أثناء امتداد النزاع بين القيادة القطرية والقيادة القومية في عام 1964م.
ويمكن أن نذكر في هذا المجال أن حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي أتبع سياسة خاصة قبل وبعد حرب رمضان 1973م فأمم الشركات الأجنبية المنتجة للنفط.
هدف الوحدة
لقد رفع البعث لأول مرة فكرة تنظيم قومي واحد ودعا بعمق وتنظيم لفكرة الوحدة العربية مقرونة بمبدأ اجتماعي تقدمي ولكنه لم يوفق عمليا في إقامة أي بناء وحدوي إذ انقسم الحزب على نفسه في القطرين اللذين حكمهما وهما العراق وسوريا. فسميت القيادة التي تحكم سوريا قطرية والتي تحكم العراق قومية. وتسمية قطرية أطلقت عليهم لأنهم كانوا يرون إدانة القيادة القومية على دخولها في الجمهورية العربية المتحدة.
كما انقسم البعث بين قطرية وقومية انقسم على نفسه داخل كل قطر، وهذا التشرذم أودى عمليا بمبدأ الوحدة.

- الناصرية

الثورة المصرية لم تبدأ عربية اشتراكية.. بل كانت إصلاحية في نظرتها الداخلية تحريرية في نظرتها الخارجية. ولكنها عبر التصدي للقضايا الداخلية والخارجية اكتسبت الصفة الثورية وحققت الإصلاح الزراعي وتصفية الإقطاع وأممت المصالح الأجنبية وأجرت تأميمات شاملة للأعمال التجارية والصناعية وكسرت طوق السلاح، وواجهت الاستعمار مواجهة شاملة وصدت العدوان الثلاثي. وتبنت الحركة الفدائية الفلسطينية. ووجهت الحركة الوطنية المصرية وجهة عربية عريضة.
ومع تعدد المحاولات لم يستطع النظام الناصري أن يحقق الانفعال الشعبي المنظم بالثورة والمشاركة الشعبية النشطة في الثورة. لقد بدأ النظام بالدعوة لإصلاح الأحزاب المصرية. ثم إلى تكوين هيئة التحرير. ثم الاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي العربي.
وعندما لمس برودا في الاتحاد الاشتراكي العربي حاول علاجه بإقامة التنظيم الطلائعي ليكون منشطا للتنظيم الشعبي. وهذا التنظيم الطلائعي حل نتيجة الإجراءات التي تمت بعد تنحية السيد على صبري ثم اتخذت الإجراءات الآتية: إعادة تكوين الاتحاد الاشتراكي تحت شعار التصحيح ثم حركة تطوير الاتحاد الاشتراكي على أساس أن تكوين العضوية اختيارية وأن يسمح بتعدد المنابر.. الخ.
العلة التي اتجهت لعلاجها كل هذه الإجراءات هي قصور الاتحاد الاشتراكي عن القيام بدور التنظيم الشعبي الحي ودخوله في جمود الديوانية والبيروقراطية. لقد قال الرئيس هواري بومدين معلقا على هذا الموقف في مجلة الفكر السياسي (دار دمشق للطباعة والنشر.. "انظر مثلا لنظام عبد الناصر. بعد المدة الطويلة التي مرت عليه لم يستطع حتى الآن أن ينطلق انطلاقة سليمة لماذا؟ لأن العقلية البيروقراطية وروح الوظيفة تحرك المسئولين.. إنني لا أشك في إخلاص عبد الناصر لقضية الشعب ولكن الثورة هي مسألة جماهيرية وتعبئة شعب والشعب لا يمكن أن يعبأ عن طريق الأوراق والأوامر الصادرة من المكاتب.."
والمشكلة الأخرى التي واجهت النظام الناصري هي أنه لم يجد معادلة يتعامل بها مع القوى السياسية العربية الأخرى حتى تلك التي تؤمن بأهداف الثورة العربية. لقد جعلت الأجهزة والدواوين التعامل الأخوي الحقيقي غير ممكن.
وفي الحالتين استعاض النظام عن التنظيم الشعبي الحي وعن التعامل الندي الدافئ مع القوى السياسية العربية بشخصية الرئيس جمال عبد الناصر وبدور أجهزة الإعلام القوية المؤثرة. ولكن هذا العوض لم يكن مشبعا ولا كافيا. وثمة مشاكل أخرى هي أن الانفجار السكاني في مصر ونشأة طبقة وسطى جديدة حريصة على مستواها الممتاز حالا دون أن تؤتى إجراءات الثورة الاجتماعية ثمارا لا تداخل حلاوتها مرارة. وعلى سبيل المثال فإن حجم ملاك الأرض في مصر ارتفع في الفترة من 1952 إلى 1964م بنسبة 12% بينما ارتفع حجم سكان الريف بنسبة 25%، فامتص، ذلك الإصلاح وحافظ على حده المشكلة الاجتماعية في الريف المصري.

- حروب وآثارها

لقد كانت حرب 1948م برهانا ساطعا على إخفاق النظم التقليدية العربية وما لازمها من وسائل ليبرالية زائفة. وبعد عشرين عاما من تلك النكبة واجهت الدول العربية وهي تحت قيادات ثورية نكبة أخرى في 1967م كشفت إخفاق النظم الثورية العربية ولكنها لم تضعف من قوة الفكر الثوري العربي. بل جاءت براهين جديدة تؤكد أن الخطر الاستعماري لا يمكن مواجهتة باتحاد الكلمة في العالم العربي وحده بل في كل دول العالم الثالث. واتضح أن التنمية الاقتصادية لا تتحقق التنمية بإطلاق الحرية الاقتصادية الفردية- كما حدث لأوروبا الغربية عندما حققت التنمية وذلك للأسباب الآتية:
أولا: لأن الحرية الاقتصادية الفردية سوف تخضع لنفوذ المال والخبرة الأجنبية وسوف تسخر لخدمة مصالح الدول الصناعية الكبرى.
ثانيا: لأن ثمة عوامل في المجتمع العربي تجعل المال الخاص يتجه نحو الحياة التفاخرية المترفة ويوجه استثماراته نحو العقارات والصفقات فلا يمكن الاعتماد عليه تماما في بناء القواعد الاقتصادية.
ثالثا: لأن التنمية الاقتصادية بوسيلة الحرية الفردية لا تشتمل على علاج لقضايا العدل الاجتماعي. ولم يعد في عالم اليوم مكان لبرنامج اقتصادي خال من محتوى اجتماعي أيضا. هذه المفاهيم صارت رائجة في كل العالم الثالث ناهيك عن العالم العربي الذي تشده نحو الاتحاد والعدل الاجتماعي عوامل أخرى بالغة القوة.
ولكن الحرب فضحت- مرة أخرى- أمرا كان معروفا قبلها وهو أن النظام السياسي في البلدان العربية الثورية لم يفلح في الخلاص من التوجه الفوقي وقد لخص هذه العلة أحد المفكرين البعثيين في كتاب نشره قبل نكسة 1967م قائلا: "لب نكسة العراق ولب نكسة سوريا ولب انقلاب بن بيلا على الحكومة الجزائرية المؤقتة ولب انقلاب بومدين على بن بيلا ولب انقلاب السلال على الزعماء الجمهوريين في اليمن هو قضية العلاقة بين المدنيين والعسكريين حول السلطة: هل تكون جماهيرية في شيء من الحرية وهو من طبيعة جماهيريتها؟ أم تكون عسكرية في شيء من الدكتاتورية هو من طبيعة عسكريتها؟".
وأقول إن نداء الجماهيرية لا يعني إبعاد العسكريين بل يعني أن يكون حجم مساهمتهم هو حجم مشاركة لا وصاية.
إن القوات المسلحة هي المؤهلة للقيام بدور الجراح في حالات التحرج الاجتماعي لفتح الطريق العريض لحركة المستقبل الصاعد.. ولكن لا بد من إيجاد معادلة تمنع الجراح من أن يصير جزارا فيحيل عمله الحاسم النافع إلى تحكم بونابرتي.
ا
- لحركة الشيوعية

في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي كان بعض المفكرين العرب ينظرون لأوروبا نظرة إعجاب وإكبار. وكانوا يرون أن صلاح عالمنا العربي الإسلامي وخلاصه يكمنان في الاقتباس من أوروبا صاحبة السر الحضاري المدهش.. فأوروبا بخيرها وشرها ودون مراعاة لواقعنا الاجتماعي والحضاري هي الإكسير الذي يمد حياتنا بالسعادة والرقي والرونق. هذه النظرة عبرت عنها كتابات طه حسين في الثلاثينات وكتابات عباس محمود عباس العقاد إلى حد أقل. هذه النظرة اختفت شيئا فشيئا على أثر الاحتكاك بأوروبا ومشاهدة الحضارة الأوروبية عارية تقتتل اقتتال الوحوش نهمة تستل موارد الضعفاء. وحل محل تلك النظرة التأليهية نظرة واقعية لأوروبا ولحضارتها ومعرفة لجوانب النفع الإيجابي فيها ومداخل النقص المرفوضة أيضا.
كما اتضح لأولئك الكتاب المعجبين بما وراء البحار تراثنا الإسلامي العربي ليس كوما من الظلام بل فيه من الإشراق والهداية ما فيه، حتى أن العقاد تحول كاتبا إسلاميا متجردا وطه حسين أدلى بدلوه في تيار البعث الإسلامي (كتاب مرآة الإسلام).
لقد انتشر الفكر الاشتراكي في البلاد العربية شيئا فشيئا منذ قبل الحرب العالمية الثانية ولكنه اكتسب أرضية معتبرة بعد الحرب العالمية. واستمر في اتساع وانتشار. ونشأت في البلدان العربية أحزاب شيوعية قبلتها الاتحاد السوفيتي وتبشيرها بعالم جديد تعالج فيه قضايا العدل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية ويتحالف فيه دعاة الحرية والاشتراكية ضد الاستعمار العالمي الذي دخلت بحلوله الرأسمالية آخر مراحلها وسوف يتلاشى ذلك الحال قريبا بقيام الثورة الاشتراكية العالمية.
لقد حلل ماركس وانجلز المجتمع الأوروبي الرأسمالي تحليلا دقيقا وجمعا بين تيارات فكرية وظواهر اجتماعية لمساها في أوروبا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر في نطاق واحد اعتبراه حاويا لتفسير شامل للكون والإنسان والحياة. وسبيلا لخلق وعي جديد يحرر الإنسان من الغفلة ويعده للزحف المقدس لبناء المجتمع الجديد: الجنة في الأرض.
قال ماركس إنه ربط بين الفكر السياسي المادي الذي نشأ حول الصراع الطبقي في فرنسا، والفكر الاقتصادي العلمي الذين نشأ أثناء الثورة الصناعية في بريطانيا، والفلسفة الشمولية الألمانية التي نشأت في ألمانيا واتخذ من هذه المادة الفكرية الثرية مواد البناء الفكري الاشتراكي العلمي.
ونظرة واحدة للبيان الشيوعي توضح أن التحليل التاريخي يفترض تطورا من مجتمع الرقيق إلى مجتمع الإقطاع إلى المجتمع الرأسمالي حيث ينشأ استقطاب بين طبقتين أساسيتين هما الطبقة البرجوازية صاحبة رأس المال والطبقة البروليتارية بائعة اليد العاملة.. وأن هذا الاستقطاب سوف يزداد حدة وتأزما فيقوم العمال بعد التسلح بالوعي الاشتراكي والتنظيم المحكم بالثورة الاشتراكية الكبرى ويطيحون بالنظام الرأسمالي.
وواضح من هذا التحليل أنه معمد تماما على الخلفية الأوروبية وأن مفاهيمه جميعها أوروبية الصبغة. فمراحل التطور التاريخي هي المراحل المستنسخة من تاريخ أوروبا. والصراع الطبقي هو الذى ظهر في أوروبا أثناء الثورة الصناعية، والفكر الفلسفي والاقتصادي غارس جذوره في الخلفية الأوروبية. والحديث عن الدين في حقيقته حديث عن دور الدين في أوروبا ودور الكنيسة إزاء الفكر العلماني والعلمي في أوروبا .. هذه المفاهيم والتصورات والتحليلات، دون اجتهاد جديد، أخذها الشيوعيون في البلدان العربية والإسلامية واتخذوا منها قوالب صبوا فيها التاريخ العربي، والواقع العربي، والتمسوا منها بيان الدور العربي في مسيرة التاريخ العالمي.. إن التحليلات الشيوعية في الأقطار العربية في الغالب تتحدث عن مجتمع متصور في الذهن ليس هو المجتمع الماثل للعيان المراد الانتقال به إلى حياة أفضل.
لقد بشرت الأحزاب الشيوعية بالاشتراكية ونتيجة لهذا ولمجهودات اشتراكيين غير شيوعيين انتشر الفكر الاشتراكي الماركسي في العالم العربي. وأدت مساندة الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية والدول الاشتراكية الأخرى لقضايا التحرير والتنمية في العالم الثالث إلى مزيد من الوزن والمكانة للفكر الاشتراكي ولكن الشيوعية لم تستطع أن تضرب بجذور عميقة في عقل ولب الشعوب العربية للأسباب الآتية:
1. إنها لا تقف عند حد العدل الاجتماعي بل تدعو لفلسفة مادية للكون وللإنسان وهذا يجرد الحياة من أي عوامل روحية ومن الأيمان بالله. والتفكير المادي في أوروبا يستند إلى خلفية معلومة وصار مدرسة لها أقلامها ومفكروها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ولكنة غريب في البيئة الإسلامية حيث لا توجد سلطة دينية تحدد نوع العقائد والمبادى الدينية المقبولة ، لذلك تشعبت الملل والنحل معبرة عن اختلافات الناس حول قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع ولم يجرؤ أحد أن يحتكر تفسير الدين ويعلن أن غيره كفرة . هذه الحرية الفضفافة لم تسمح للغلاة أن يخرجوا من ربقة الإسلام تماما ألا في حالات نادرة جدا . هذا الحال لا ينطبق علي الكنيسة في أوروبا حيث توجد سلطة دينية بابوية أومجلسية تحدد تفاضل العقائد وتفسير الدين وفق قراراتها . كما أن النظرة المسيحية روحانية مثالية لا تقر للمادة بدور الحياة والسلوك . والنقيض دائما يدفع إلى نقيضه مما دفع بعض المفكرين الأوروبيين إلى الاتجاه الأخر فلم يروا في الحياة والسلوك سوى الدور المادي .أما في الإسلام فالدين معترف بالناحية المادية في سلوك الأفراد و حياة المجتمعات .
2. والشيوعية تبني فهمها لحركة التاريخ علي أساس الصراع الطبقي _ وهو في أوروبا أثناء الثورة الصناعية مواجهة بين طبقتين أساسيتين يستوعب الصدام كل آفاق الأفراد واتجاهات الفئات.هذا الصراع الكلي الذي خلفه المجتمع الرأسمالي الصناعي ظاهرة جديدة في التاريخ وهو صراع لم يسمح له الأوروبيون أنفسهم أن يتطور حدة ونزاعا حتى يؤدي للحرب الحاسمة فتفادوا ذلك بالاعتراف بالحقوق الديمقراطية للعمال. وبالاعتراف بالكيانات والنقابات العمالية واقتسام النفوذ معها وبإنشاء دولة الرفاهية التي تقدم الخدمات الاجتماعية المجانية.. الخ. إن الصراع الطبقي بأوصافه الأوروبية الحادة لم يوجد في بلداننا. والصراع الموجود هو صراع بين القديم والجديد وبين الظالم والمظلوم وهو صراع يؤثر على الأحوال الاجتماعية والسياسية ولكنه لا يستغرق كل حياة الأفراد والجماعات بالصورة الشمولية التي نلمسها في أوروبا أثناء مرحلة الثورة الصناعية.
3. والشيوعية منحازة للمعسكر الشرقي في الوقت الذي تدفع اليقظة الوطنية الدول الحديثة الاستقلال أن تحافظ على ذاتيتها وسيادتها من حبائل الدول الكبرى كلها. وهذه النزعة الأممية النظرية لا تدرك المصالح والحقوق القومية والوطنية والدليل على هذا أن الأحزاب الشيوعية الأوروبية كانت تتوقع أن تتعاون الأحزاب الشيوعية العربية والحزب الشيوعي الإسرائيلي دون تأثر بالحق القومي الضائع. وروسيا نفسها لم تستطع التخلص من النظرة القومية والمصالح القومية التي أجبرتها على اتخاذ مواقف متناقضة من الحرب العالمية الثانية. والمصالح القومية هي سر النزاع السوفيتي اليوغسلافي والنزاع السوفيتي الصيني وهكذا..
هذه بعض أسباب عدم توغل جذور الشيوعية في العالم العربي. وكما أن المفتونين بأوروبا في الماضي اكتشفوا أن أوروبا ليست عملا خالصا فإن الساسة والمفكرين العرب اكتشفوا إن الصداقة السوفيتية ليست عملا خالصا. لقد اتضح أن الاتحاد السوفيتي يستخدم وزنه المكتسب في الدول العربية للتدخل في بعض شئونها.. حدث هذا في مصر أثناء حياة الرئيس جمال عبد الناصر وبعد موته حينما نشأ صراع على خلافته.
وكما أن الغرب كان يساعد قوى سياسية على الحفاظ على مكانتها فإن الأحزاب الشيوعية صارت أداة لتغيير السلطة لصالح اتجاهات يؤيدها الاتحاد السوفيتي. فانقلاب السودان في مايو (أيار) 1969م قاده مجموعة من ضباط جيشنا واحتضنه الاتحاد السوفيتي وحاول الحزب الشيوعي السوداني بعد ذلك أن يتولى السلطة كاملة في يوليه (تموز) 1971م وهذه التجارب أوضحت أن الأحزاب الشيوعية مستعدة أن تعمل لفرض نظام شيوعي قهري مهما قلت أعداد مؤيديها وتجد سندا سوفيتيا سياسيا وماليا ومعنويا ولإعطاء فكرة عن حجم الحزب الشيوعي السوداني. كان عدد الذين صوتوا لصالح مرشحيه في آخر انتخابات عامة في 1968م يبلغ 50 ألفا وهذا لا يتجاوز 3 % من الذين أدلوا بأصواتهم- علما بأن عضوية الحزب لم تكن تتجاوز خمس الخمسين ألفا؟
لقد اتضح أثناء فترة التعامل مع الاتحاد السوفيتي بغير تحفظات في السودان ومصر أنه لا يقدم مساعداته في سبيل الإخاء الاشتراكي وحده بل يضع مصالحه الوطنية في المقدمة. وعندما احتدم النزاع بين أمريكا من طرف والدول المنتجة للبترول من طرف لجأت أمريكا لطائفة من السياسات لتهديد تلك الدول وتجاوبا مع مصالحه القومية عقد الاتحاد السوفيتي اتفاقا مع أمريكا لمدها بنفط بأسعار أقل من أسعار منظمة الدول المنتجة للبترول بل دخل مع أمريكا في اتفاق اقتصادي استراتيجي طويل الأمد لتبادل النفط والقمح. ولا أحد يلوم الاتحاد السوفيتي وأمريكا على مراعاة مصالحهما ولكن يجب الاعتراف بأن المصالح الوطنية تحرك سياستهم كالآخرين. لقد آن الأوان أن يراجع الشيوعيون العرب كما راجع اللبراليون العرب نظرتهم للاتحاد السوفيتي لتكون نظرة واقعية خالية من الإعجاب المفرط والتأليه.
بصرف النظر عن الخلفية الأوروبية للشيوعية فإن لينين أضاف إليها إضافات أخرى. أضاف المركزية وصرامة القيادة المعهودة في التراث السياسي الروسي، وأضاف عناصر التخطيط الاقتصادي الموجه للإسراع بالتنمية الاقتصادية بوسيلة خاطفة وتعبئة شاملة للجميع. وهذا النحو وجده لينين في نموذج التخطيط والتعبئة في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى ولكنه هذبه وأضاف إليه عوامل عدالية اشتراكية.
بناء على تلك الإضافات وما صحبها من ممارسات قامت في الاتحاد السوفيتي وفي الصين الشعبية نماذج للتنمية الاقتصادية المخططة السريعة المستقلة من النفوذ الأجنبي الموجهة لتحقيق أهداف عدالية. تلك النماذج إنجازات حقيقية في تاريخ التنمية الاقتصادية في العالم. والعالم الثالث والعرب بعض منه لا بد أن يستفيد فوائد قصوى من تلك النماذج ولا بد أن نعترف أن الاتحاد السوفيتي في هذا الصدد كان وسيكون مدرسة لكل من يواجه قضايا التنمية بجدية.
لقد صار الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية قوة ذات وزن عالمي مهم في تحقيق التوازن الدولي بينهما وبين الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي وحليفه الياباني.
إن التوازن الدولي الخماسي هذا سوف يكفل مزيدا من العدل في تعامل الدول الكبرى مع العالم الثالث وربما حال ذلك التوازن دون تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين العمالقة. إنه من واجب الثورة العربية أن تتخلص من الافتتان في تعاملها مع الاتحاد السوفيتي. فتتعامل ناضجة رشيدة صديقة واعية. ولا بد من النظرة للتجربة السوفيتية والصينية مجردة من أحاديث الخرافة. علينا أن نتعامل مع الشرق والغرب خاليين من هيام العشاق.

- دور فلسطيني

لقد لعبت القضية الفلسطينية دورا في بعث الوعي العربي وكانت كارثة 1948م مرحلة حاسمة من مراحل اليقظة العربية.
وعندما حلت النكبة الثانية في 1967م وجدت ثلاث دول عربية أن جزءا هاما من أراضيها لحق بفلسطين ووقع تحت الاحتلال الصهيوني. وعلى أثر النكبة والموقف الجديد بدأ تراجع في موقف بعض الدول العربية من قضية فلسطين وكان أول مظهر لذلك التراجع هو قبول قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة ويشير إلى قضية فلسطين على أنها قضية لاجئين.
هذا التراجع لم يتضح تماما في وقته أي في نوفمبر ( تشرين الثاني) 1967م لأن الموقف العربي كان كله يومئذ مكان استخفاف. ولكن حرب رمضان 1973م أزالت أسباب الاستخفاف بالدول العربية.. لقد أثبتت الجيوش العربية أنها تستطيع أن تقاتل وأنها استطاعت استيعاب السلاح الحديث وأن الدول العربية تستطيع أن تتحد في موقف حازم، وأن تستخدم البترول سلاحا فعالا. لم يعد تجاهل العرب أو الاستخفاف بهم ممكنا.
إن الأضواء التي سلطها نصر 1973م على الموقف كشفت مدى التراجع في الموقف العربي الذي انطوى عليه قبول قرار مجلس الأمن رقم 242. إن السلام الوحيد الممكن والذي يمكن أن تقبله الإرادة العربية بعد صحوتها هو السلام الذي يحقق تصفية للصهيونية وليس لليهودية. فالصهيونية تعطي حقا بموجب قانون العودة لكل يهودي في العالم خارج إسرائيل وهم حيث هم لهم حقوق المواطن وعليهم واجباته.. فالصهيونية تفرض عليهم ولاء مزدوجا في أوطانهم الحالية وتخلق ذعرا للمنطقة العربية بسبب احتمال هجرتهم إلى الشرق الأوسط مما يجعل سياسة إسرائيل سياسة توسع دائم. والصهيونية هي التي تجعل المواطن العربي داخل بلاده مواطنا من درجة أدنى. وهي التي تحرم الشعب الفلسطيني العودة لدياره والتعويض عن حقوقه التي ضاعت. إن الصياغة الصحيحة للحق العربي ليست هي القرار 242 بل هي إزالة آثار العدوان وتصفية الصهيونية بإلغاء قانون العودة ورد اعتبار العربي في بلاده بأن يكون مواطنا حاصلا على كل امتيازات المواطن. ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير مصيره والمشاركة في بناء المصير العربي.

- الثورة الفلسطينية

هذا التوقع يفترض وجود عالم عادل يعطي كل ذي حق حقه، ولكن عالمنا يتحكم فيه الغرور بالقوة. لم تستطع الدول العربية أن تصنع شيئا ملموسا بعد نكسة 1948م لاسترداد الحق الفلسطيني الضائع مما أدى لنشأة اتجاهات جهادية كفاحية بين الشباب الفلسطيني قبل وبعد نكبة 1967م. هذه الاتجاهات أسفرت عن تكوين منظمات التحرير التي عمت الساحة الفلسطينية وصارت الوعاء السياسي للوجود الفلسطيني بعد عام 1968م.
وبالرغم من البطش الإسرائيلي بالحركات الفدائية الفلسطينية والعداء والقمع الذي واجهها على أيدي نظم عربية فإن الحركة الفدائية استطاعت أن تقلق أمن إسرائيل وأن تنبه الرأي العام العربي والعالمي لأهمية القضية الفلسطينية وتضعها في مكان الصدارة بعد أن أحاط بها الإهمال. فقرار مجلس الأمن رقم 242 لم يذكر الشعب الفلسطيني ولكن منذ عام 1969م تكررت قرارات الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي أكدت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ونادت بحق الشعب الفلسطيني في المساواة وتقرير المصير. وانتشلت الحركة الفدائية شعبها من غياهب اليأس والمرارة العاجزة إلى فاعلية الكفاح والاعتماد على الذات والثقة في النفس.
وواجهت الحركة الفدائية فيما واجهت أن الدول العربية تقبل وجودها ونشاطها في حدود مرسومة، وأن بعض هذه الدول لها تصور خاص للكفاح الفلسطيني فهي تؤيد منظمات معينة وتتعاطف معها، وأن ضيق ظروف الانطلاق من أراض عربية وضع قيدا على حركات التحرر، وأن اختلاف النظم العربية حول وسائل وغايات الكفاح الفلسطيني ضاعف من أسباب الخلاف الموجودة بين المنظمات الفلسطينية نفسها وهي اختلافات تدور أساسا حول المنظمة الفدائية الكبرى- فتح- ترى أن يحصر الكفاح المسلح في الانتصار للقضية الفلسطينية وأن تكون للحركة الفدائية ذاتيتها واستقلالها وحريتها في التعامل مع النظم العربية. ولكن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( جورج حبش) والجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمه) تربطان بين الكفاح المسلح الآن وبين النظام الاجتماعي المقبل في فلسطين، وتريان أن الحركة الفدائية رافد ثوري ماركسي من روافد الثورة العربية. وهناك منظمات أخرى مثل حركة الصاعقة التي هي رافد من روافد حزب البعث العربي السوري أو غيره من التيارات القومية العربية .

- احتمالات المستقبل

واحتمالات المستقبل هي:
أولا: إذا حصرت الدول العربية همها في رد أراضيها المحتلة بعدوان 1967م وسارعت بتقديم التنازلات لتحقيق ذلك مغفلة الحق الفلسطيني فإن الثورة الفلسطينية يغلب فيها الاتجاه الذي يقرن بين الكفاح ضد إسرائيل وضد الواقع العربي الحالي وسوف يلتحم كفاح الشعب الفلسطيني بالحركات الثورية العربية وثيقا.
ثانيا: وإذا صمدت الدول العربية في موقف مبدئي ولم تتنازل دول المواجهة عن الانتصار لحق الشعب الفلسطيني فإن الاتجاه الذي سوف يغلب على الثورة الفلسطينية سيكون الاتجاه الذي يحصر الكفاح في نطاق الانتصار للحق الفلسطيني متعاملا مع الدول العربية.
دور النفط
إن اتفاقيات الامتياز التي منحت للشركات الأجنبية في بداية هذا القرن تمت في أوقات الغفلة الوطنية عن الحقوق وهي عبارة عن تنازلات عن السيادة الوطنية هي في هذا تشبه جميع وجوه التعامل في الدول الكبرى فالعالم العربي تم تقسيمه بعد الحرب العالمية الأولى غصبا عن أهله وخلافا للوعود التي قطعها له مكماهون في المكاتبات الشهيرة. وكانت جميع الشئون تدار لصالح طرف دون مراعاة لحقوق ومصالح الطرف الوطني، وعلى هذا الأساس صدر وعد بلفور يعطي حقوق مواطنين لآخرين ويسمح بالهجرة اليهودية وبالوطن القومي لهم في ديار آخرين. هذا الإملاء من طرف واحد انتهت أيامه. لقد استنار العالم وتفتح وعيه للمطالبة بحقوق الإنسان والحقوق الأساسية. وهبت حركات الوعي الوطني والقومي في كل مكان وصار لا بد من بزوغ شمس عالم جديد تتم فيه تصفية نظام الإملاء والقهر والظلم ويتعامل الناس على أساس من الحق والعدل.
إن نظرة إلى حال النفط تؤكد أنه كان دائما مادة لصيقة بالسياسة. فبعد الحرب العالمية الأولى كان الصراع على الامتيازات بين الشركات البريطانية والأمريكية والفرنسية تساندها حكوماتها، والنزاع بين الدول المنتجة للبترول في أمريكا الجنوبية وبين الشركات الكبرى تساندها حكومة الولايات المتحدة معروف أمره في التاريخ. وفي الولايات المتحدة ضغطت الشركات المنتجة للنفط محليا على حكومة الرئيس ايزنهاور ليحد من استيراد البترول إلى السوق الأمريكي ففعل ذلك عام 1959م وهو إجراء إذا نظر إليه من الناحية الاقتصادية البحتة خاطئ لأنه احتكر معظم السوق الأمريكي للإنتاج الأمريكي وحده.. مع أن البترول المستورد أجود وارخص. ولا هو إجراء توجيه ضرورات الأمن والاكتفاء الذاتي، لأن الإجراء الصحيح من هاتين الناحيتين هو أن تستمر أمريكا تشتري من الإنتاج الخارجي ما دام ذلك ممكنا وتحتفظ بنفطها داخل أراضيها للجوء إليه في ساعة الحاجة القصوى . كان الإجراء الذي اتخذه الرئيس ايزنهاور عام 1959م سياسيا محضا لإرضاء الشركات المنتجة للبترول في أمريكا. ومن نتائج ذلك الإجراء تضييق فرص تسويق البترول في السوق العالمي فاتجهت نحو تخفيض أسعاره مما أضر بالدول المنتجة للبترول فقامت بتكوين منظمة الدول المنتجة للبترول ( أوبك) في عام 1960م لحماية مصالحها.
لقد استمر السوق العالمي طوال هذا القرن يشتري النفط بأسعار منخفضة، واستمر استهلاك النفط يتزايد في كل العالم وخاصة في الدول الصناعية، واستمر استبدال جميع أنواع الوقود الأخرى كالفحم بالبترول حتى صار الطلب على النفط قويا جدا في عام 1970م. ولكن الشركات الاحتكارية الكبرى كانت مسيطرة على الموقف توجه البترول إنتاجا وأسعارا وترحيلا وتأمينا كما تشاء.
وبالرغم من أن الدول العربية كانت تمد السوق العالمي بحوالي ثلث احتياجاته فأن تلك الحقيقة لم يكن لها وزن سياسي لأن هيمنة الشركات الأجنبية والنفوذ الأمريكي والبريطاني في المنطقة كان يمنع ذلك . ولذلك كان استخدام سلاح البترول في أزمتي الشرق الأوسط في 1956م وفي 1967م ضعيفا جدا.
ولكنن قيام الثورة الليبية كان رأس الرمح الذي قلب الموازين وفتح العهد الجديد في عالم البترول. ففي عهدها أحدثت الثورة الليبية ثورة في علاقة المنتج بالشركات العالمية إذ فرضت ارتفاعات في الأسعار وفي حصة الدولة التي تبلغ ربع الإنتاج وفرضت تخفيضا في كميات الإنتاج.
ومنذ ذلك الحين اتخذت منظمة الدول المنتجة للبترول سياسات جعلت الدول هي التي تقرر سياسة الإنتاج وأسعار التسويق.
وبدأت معركة الشراكة فطالبت ليبيا بشراكه بنسبة 51% وحصلت عليها، وحصلت السعودية على شراكة بنسبة 25% وطالب مجلس الأمة الكويتي بشراكة 51% أو تأميم الإنتاج كله.
وعندما بدأت معركة التأميم أممت العراق شركة العراق للبترول، وأممت ليبيا شركة إنجليزية لأن بريطانيا سمحت للقوات الإيرانية أن تحتل جزرا في الخليج لدى جلائها وأممت العراق شركات النفط الأخرى في عام 1973م وقبل ذلك أممت الجزائر الشركة الفرنسية التي تنتج البترول هناك، ولذلك عندما وقعت حرب رمضان1973م من كانت الدول المنتجة للبترول في موقف يمكنها من رفع أسعار منتجاتها ففعلت. وكانت الدول العربية في موقف قوي جعلها تستخدم سلاح البترول لأول مرة بفاعلية فخفضت الكميات المنتجة وحظرت تصدير منتجاتها لأمريكا وهولندا وطالبت أوروبا الغربية واليابان بموقف صريح من الصراع القائم في الشرق الأوسط.

- إستراتيجية مضادة

دعت أمريكا وتجاوب معها جزء من الرأي العام الأوربي باستثناء فرنسا إلى خطة هدفها إضعاف الدول المنتجة للبترول باتخاذ الإجراءات الآتية:إيجاد بديل للبترول كمصدر للطاقة. وإيجاد مصادر أخرى لاستخراج البترول. وكل ذلك سوف يؤدي لزيادة العرض في سوق البترول مما قد يؤدي لتنافس مخل بين أعضاء منظمة الدول المنتجة فتفكك وحدتها.
ومن أهداف هذه السياسية إدانة الدول المنتجة للنفط بأنها السبب في الكساد العالمي الحالي وفي التضخم الاقتصادي وفي المتاعب الحاصلة للدول النامية في العالم الثالث. وهذه الدعاية يراد لها أن تؤدي إلى عزل دول البترول وإجبارها على تخفض أسعار منتجاتها أو عزلها والتمهيد لإجراء دولي هدفه تدويل النفط وإخضاع إنتاجه وتسويقه وترحيله لهيئة عالمية على رأسها الدول الصناعية الكبرى.
أما فيما يختص بالأرصدة الكبيرة التي تحققت للدول المنتجة للبترول فالاتجاه هو أن هذه الدول لا تستطيع الاستفادة من هذه الأموال الطائلة ولذلك لا بد من وضع سياسات ومؤسسات توجه هذه الرصائد لدعم الشركات الغربية المنكوبة ولشراء منتجات من صناعة الغرب لينفق أكبر قدر من تلك الأموال في الدول الصناعية الكبيرة ليوازن ذلك الميل في ميزان مدفوعاتها لصالح الدول المنتجة للبترول. وكذلك يوضع جزء من الأموال المذكورة تحت يد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليستخدماه في مشروعات التنمية في البلدان المتخلفة.

- خطة عربية:

إن الدول العربية المنتجة للنفط تستطيع أن تتجه اتجاها محافظا فتؤمن موقفها من الشركات البترولية الكبرى بوسائل تقليدية كالمشاركة في الملكية وتفويضها للقيام بالتسويق والترحيل والتأمين تستطيع أيضا أن توظف عائدات النفط في تحقيق تنمية مواردها الوطنية وفي بناء قاعدة صناعية تستخدم خامات البترول. ويمكنها أيضا أن تساعد الدول النامية عن طريق مؤسسات دولية أو مؤسسات وطنية مثل صندوق التنمية الكويتي والسعودي. وتستطيع أن تضع أرصدتها في عملات الدول الصناعية الكبرى مع التحوط ضد انخفاض أسعار تلك العملات وضد التضخم، وفي هذا النطاق فإن الدول العربية المنتجة للنفط تستطيع دائما أن تستخدم النفط سلاحا تكتيكيا على نحو ما استعملته عام 1973م للحصول على أهداف سياسية محدودة.
وثمة بديل ثوري وهو أن تؤمم الدول العربية المنتجة للنفط إنتاج البترول في بلادها وأن تدخل في كل مجالات صناعة البترول: كالتنقيب والترحيل والتسويق والتأمين واستخدام المنتجات البترولية خامات للتصنيع على أن ينكمش دور الشركات العالمية فتكون استشارية وتعطى صولات مقابل الاستشارة الفنية وبيع الخبرات الواسعة المتراكمة لديها أو تقوم معها اتفاقيات مقاولة تنظمها عقود.
لقد كان توفر الوقود بأسعار منخفضة سببا في امتياز إنتاجية الولايات المتحدة على أوروبا منذ بداية القرن الحالي. وكان توفر الوقود البترولي بأسعار أكثر انخفاضا عاملا أساسيا ساعد أوروبا الغربية واليابان أثناء الخمسينات والستينات على الازدهار الاقتصادي والتفوق. واليوم يمكن أن يستخدم العرب موقفهم النفطي الممتاز لفرض قسمة جديدة عادلة لموارد العالم بين أصحاب المواد الخام والدول الصناعية. وهذه الفكرة التي برز صوت الجزائري في الدعوة لها لم تعد فكرة شاذة فأمريكا بعد معارضة رأت وجاهتها وصرحت بذلك . ويمكن للمنتجين العرب موقفهم النفطي الممتاز لفرض قسمة جديدة عادلة لموارد العالم بين أصحاب المواد الخام والدول الصناعية. وهذه الفكرة التي برز صوت الجزائر في الدعوة لها لم تعد فكرة شاذة فأمريكا بعد معارضة رأت وجاهتها وصرحت بذلك. ويمكن للمنتجين العرب استخدام عائدات النفط لإحداث تنمية اقتصادية متكاملة في أقطارهم وفي العالم العربي عامة وإحداث دفع مماثل للتنمية في العالم الثالث خاصة في أفريقيا. إن حالة التخلف في العالم العربي فظيعة وكل هذا الثراء الذي يشار إليه قليل في الحقيقة وموقوت بالبترول وهو مادة هالكة. فالدخل القومي لجميع الدول العربية وسكانها يزيد على مائة مليون نسمة يساوي ثلث الدخل القومي لبريطانيا وسكانها خمسون مليونا.
هذه التنمية سوف تحتاج لضلع آخر تستورد منه التكنولوجيا والخبرة ويمكن أن يستمد هذا من الغرب بشقيه أمريكا وأوروبا، ومن الشرق بشقيه الاتحاد السوفيتي والصين (إلى حد ما) واليابان.
وفي اختيار برنامج التنمية تستطيع الإرادة العربية أن تستخدم البترول وعائداته استخداما استراتيجيا فلا يدخل في معادلة التنمية المذكورة إلا دول تتخذ موقفا عادلا من الحق الضائع في فلسطين والحق الأفريقي الضائع في جنوب أفريقيا.

- نظرة أخيرة للفكر الثوري العربي

لقد لمسنا أن غياب التفاعل الشعبي والتنظيم الشعبي الحي في حركة الثورة العربية أضر بها إضرارا بليغا لأن القاعدة العسكرية مهما كانت مؤمنة ومخلصة لا تستطيع إلغاء دور التنظيم الشعبي الفعال بل لا بد من وجود تنظيم شعبي حقيقي لا مجرد أبواق دعاية وحملة لافتات. والتنظيم الشعبي المطلوب لا يقوم على تقسيمات طبقية غير موجودة في المجتمع العربي بل يقوم على أساس وحدة الشعب كله باستثناء أولئك الذين لا يؤمنون بأهداف الوثوب إلى حياة أفضل: دعاة التجزئة والتخلف، والظلم الاجتماعي، والتبعية الأجنبية، والذين لا يؤمنون بضرورة التعبئة الشعبية الدافقة للانتقال الخاطف من حال إلى حال. أولئك هم المارقون. وما سواهم لا بد من حشده في الماعون التنظيمي لزحف الشعب. وتبقى التقسيمات الفئوية الموجودة قائمة كالمهنية والنقابية وغيرها ولكن على أساس أنها فئات ليس لها دور سياسي مخالف لدورها السياسي الموحد في حركة الشعب الزاحفة.
ولا بد من وضع حد نهائي للفجوة بين الشعب وقواته المسلحة مما يتيح المجال للمغامرين أن يستغلوا القوات المسلحة لأغراض فردية أو أنانية.
لقد كان إهمال الإسلام في نظريات وبرامج مدارس الفكر العربي الثوري من أسباب برود التجاوب الشعبي مع ذلك الفكر، لأن الإسلام ليس هديا روحيا فحسب بل هو أنشط العناصر في الوجدان العربي. والإسلام ليس محايدا في الصراع الاجتماعي القائم ولا منحاز للتبعية والجمود والتجزئة والتخلف. بل الإسلام هو الداعية والجمود نقص فيهم لا فيه. وقد أوضحت لنا سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كيف كان الإسلام نصير الثورة الاجتماعية. ونحن في السودان نجد في سيرة الإمام المهدي إنه انطلاقا من الإسلام وبعثا له طبق أحكاما جماعية عدالية لبناء مجتمع عصري عادل.
إن الإسلام بالإضافة إلى كونه عقيدة وعبادة توجه نحو الحق وتحقق له عافية نفسية واطمئنانا، يمنح دعوة العدل الاجتماعي شرعية. والإسلام كذلك يمنح المسلم مهما كانت درجة إيمانه إحساسا بالذاتية، وإحساسا باستمرار عبر القرون، وسندا للأخلاق الفاضلة.. وإحساسا بالانتماء لإنجازات تاريخية عظمى.
لذلك فإن أولئك الذين يريدون القفز بالمواطن العربي إلى حياة أفضل لا يستطيعون إغفال دور الإسلام وإذا أغفلوه فقد عزلوا أنفسهم شعبيا، وسوف يستغل الإسلام دعاة الجمود والتخلف فيؤذون حركة الغد المنتظر وينكرون حقائق الإسلام ويدفعون الثائرين والمصلحين أن يلجئوا للاقتداء بأستاذية وافدة أفكارها لا تصلح في التربة العربية الإسلامية.
والإسلام في ظل اجتهاد جديد يحقق مقاصده في ظروف هذا العصر يعطي مكانة للعربي غير المسلم والمسلم غير العربي تمنع من شعور هؤلاء بانعزال إذا ارتبط البعث العربي بهداية إسلامية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 160 / 165994

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع الفكر السياسي   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010