الجمعة 10 نيسان (أبريل) 2015

الاستشراف الإستراتيجي

الجمعة 10 نيسان (أبريل) 2015

ـ مفهوم "الثورة داخل الشؤون العسكرية"

إن فكرة النظام بدأت في أخذ مكانها داخل المفردات الإستراتيجية،لاسيما بعد دخول فكرة الثورة في الشؤون العسكرية.أتت هذه الثورة في الشؤون العسكرية من قبل الولايات المتحدة الأميركية،وذلك من خلال أدب جديد وغزير تناول هذا المفهوم مع مطلع التسعينات.حاول الكثير من المنظرين البحث عن أصول بعيدة لمفهوم الثورة في الشؤون العسكرية،حتى أن بعضهم عاد به إلى منتصف القرن التاسع عشر،ولكن هذا المفهوم يبدو انه أحدث من ذلك بكثير. فقد عمد السوفييت إلى تطوير فكرة "الثورة في الأشياء العسكرية" منذ عام 1963،وفي عام 1980 فتحوا حوارا حول "الطرق التكتيكية الجديدة"،حتى أن بعض المعلقين أطلق عليه "الثورة التكتيكية" .

إن مصطلح Revolution in Military Affairs ( RMA)، ظهر في المفردات الأميركية في سنوات التسعينات وذلك بتحريض من مدير Net Assessment Office of Pentagone،وهو Andrew w. Marshall ،حيث وقف مع الفكر القائلة بأن الثورة العميقة التي نتجت عن التجديدات التقنية سيكون لها نتائج مذهبية doctrinales كبيرة. أما ( RMA) فقد كان موضوعا لتقرير سري في عام 1992،ثم تم نشره في السنة التالية. إذا الحوار حول المصطلح انطلق وبقوة،إن كان بين المحللين أو في جميع وحدات الجيش،والتي بدورها وضعت مجموعات متخصصة هدفها الوصل إلى بناء مذهب جديد.

إن الفكرة الأساسية للمفهوم ترتكز على أن الحرب من الآن فصاعدا قد تغيرت بشكل جذري فيما يتعلق بطريقة وآلية العمل،أو بطبيعتها،لاسيما مع قدوم وسائل أخرى جديدة في المراقبة و بناء جيوش لها قدرات كبيرة ودقيقة في نفس الوقت. أما الشجاعة والإرادة الإنسانية فقد وجدت أيضا من الآن فصاعدا أمام أو في مواجهة التقنية. فالتقنية تحكم في جميع المجالات،إنها تفرض تغيرات مذهبية وعملياتية لها اتساع كبير. وقد تحدث البعض،مثل الأميرال " Owens" عن مفهوم جديد في هذا المضمار وهو "نظام الأنظمة" من أجل الإشارة إلى أنه لا يوجد أي قطاع من السياسة أو الإستراتيجية لم تتدخل هذه التحولات الجديدة.

وقد ظهرت العديد من الكتب لاقت نجاحا كبيرا في هذا الموضوع،لاسيما War and Anti War في عام 1993 لمؤلفه Alvin and Heidi Toffler، وقد ترجم بشكل سريع إلى الكثير من اللغات،ترجمة ساهمت في تعميم ونشر فكر أن الحرب هي "كبسة زر".

إن مفهوم "الثورة في الشؤون العسكرية" قدم في مراحل متعددة بشكل مغال فيه،حتى أصبح البعض يعتقده أكثر أهمية من الثورة التي صاحبت السلاح النووي نفسه.أما المعلومات ستصبح من الآن فصاعدا من المفردات التي تضم بقوة على الإستراتيجية. حيث ستسمح بإبعاد الشك وعدم اليقين من أمام كل من يستخدمها ويسيطر عليها،ستساعد في معرفة ماذا نهاجم،كيف ومتى. حتى أن المرجع الأميركي المتعلق بالعمليات " FM 100-5" سيضاف إليه ملحقا تحت اسم " عمليات المعلومات" FM 100-6 .

هذان المرجعان سيضعان في التنفيذ مفاهيم عملياتية جديدة : المناورة الكبرى ،والتي تؤسس على القدرة في السيطرة على المعلومات والحركة ؛ الالتزام الدقيق،وفيه تحدد الوحدات أهدافها وكيفية الوصل إليها بجهد أقل؛ الحماية الكاملة، والتي تضمن الحرية الكاملة في الفعل وتقدر الخسائر ؛ اللوجستيك المدمج، حيث يحدث التوافق من خلاله في تقنيات المعلومات التي تسمح بدورها وسائل نقل تؤدي لردة فعل سريعة في الأزمات وعلى جميع المستويات.

ـ في نقد مفهوم وخطاب "الثورة في الشؤون العسكرية"

لقد كرّس الحوار حول مفهوم "الثورة في الشؤون العسكرية" نفسه ليقول بضرورة وجود هندسة شاملة و تماسك بين الجوانب التقنية و العملياتية. نتذكر هنا أن مساعد وزير الدفاع الأميركي Edward Warner يعرف الثورة في الشؤون العسكرية كتوافق في تقنيات جديدة،وتغيرات مذهبية، ثم بتغيرات في البنى. ويضيف أن الكثير من التغيرات هي متطورة عن أشياء سابقة أو عن غيرها،أكثر مما هي تغيرات ثورية ، وهذا ما يقود للقول بأن تلك التحولات و التغيرات الجذرية هي غامضة أو مبهمة.

أما البحث عن المعلومات فهو معطى دائم في تاريخ الإستراتيجية،وعدما نغير كلمة "معلومات" بكلمة أخرى هي "مخابرات" فهذا ليس مبررا للقول بأن تغيرا جذريا قد حصل .ويتابع المتشككون في هذه "الثورة" القول أو التساؤل: هل المخابرات أو المعلومات تستطيع بشكل فعلي القضاء على الشك وعدم اليقين،محولة الحرب بذلك إلى لعبة؟ أما جوابهم فهو أن العامل الإنساني يبقى له دور كبير في الموضوع،بحيث أنا لا نستطيع إعطاء أو توصيف ردة الفعل الإنسانية بشكل ناجز وكامل. وقد كانت الحرب في كوسوفو و حرب الخليج أمثلة جيدة على الاختلاف في وجهات النظر حول "الثورة داخل الشؤون العسكرية" .

ـ ماهية ومعنى خطاب "الثورة في الشؤون العسكرية"

الثورة داخل الشؤون العسكرية كانت خطابا في البداية أكثر مما هي إشارة على متغيرات تقنية،كما كانت في البداية "مبادرة الدفاع الإستراتيجي" التي وضعها الرئيس الأسبق ريغان.ولكن هذه الإثارة و الانتشار النظري كانت نتيجة لمفهوم يحاول الإجابة على منطقين: داخلي وخارجي. "فالثورة" هذه،كانت عملية من أجل شرعنة بنية وتطوير القوى المسلحة الأميركية. والمقصود هنا أن وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" قد تبنت التغيرات الكبيرة وفي جميع الميادين والتي تظهر اليوم بشكل كبير أو يتم إنتاجها على جميع المستويات،أو هي التجديد العسكري نفسه .إن خطاب هذه "الثورة" هو موضوع محرك على صعيد المذاهب العسكرية وخاصة في داخل المؤسسة العسكرية،وهو فعَّال على الصعيد السياسي في مواجهة محاولات تخفيض أو تقليص الميزانيات العسكرية.

أيضا خطاب "الثورة" يشكل رسالة هامة يمكن توجيهها إلى الخارج.فالولايات المتحدة تقترح من جديد نموذجا للعالم بأسره،فهي تبين وفي نفس الوقت أنها ما تزال متقدمة على العالم ومهما حصل،وأن المستقبل سيكون ملك الجيوش التي تتطابق مع هذا النموذج،أي النموذج الأميركي .أما الذين يرفضون هذا التطور الإجباري فهم في نظر أصحاب "الثورة" ليسوا إلا متأخرين عن التطور. ولكن تجربة اللحاق بالولايات المتحدة من قبل الدول العظمى مكلفة جدا وخاصة فيما يتعلق بالتحديث في الشؤون العسكرية.

فمن جهة،محاولة تقليد الولايات المتحدة تعني البقاء تحت خط قوتها،والسبب هو عدم وجود الإمكانيات أو حتى امتلاك مناهج عمل وسير التحديث الأميركي. ومن جهة أخرى،هناك العديد من القوى ترى أن الوسائل التقنية المعروضة من قبل مفهوم"الثورة داخل الشؤون العسكرية" ربما تكون مفيدة من اجل وضع أو بناء إستراتيجية ليس في الحقل العسكري فقط،بل في جميع المجالات.إذا، وفي قراءتنا لمفهوم أو خطاب "الثورة داخل الشؤون العسكرية" نعرف ما هي التطبيقات العملية التي يستطيع أن يقدمها مفهوم يتصف بأنه مجرد أكثر من مفهوم "النظام" الذي أوردناه سابقا. "فالثورة" هنا تذكرنا بضرورة فهم وإدراك الإستراتيجية بشكلها الشمولي وليس الجزئي،مهما كانت إستراتيجية تقنية أو تعتمد مذهبا بحد ذاته. أيضا،تحليل هذا الخطاب يسمح بمعرفة الخلفية الإيديولوجية للمفاهيم التي تقدم نفسها على أنها مفاهيم تقنية خالصة،وهي في الواقع تضع نفسها في خدمة وجهة نظر سياسية أو مشروع سياسي.

في النهاية،يرى الكثير من الإستراتيجيين أن البعد العسكري ليس إلا عنصر من العناصر الأخرى للإستراتيجية،فاليوم هناك صعود كبير وقوي للبعد الاقتصادي،طبعا من غير أن ننسى الثورة المعلوماتية التي لا تقل أهمية.إذا النظرة وحيدة الجانب أو التي تعتمد البعد العسكري فقط هي في نفس الوقت،نزعة ذاتية أو استعلائية تهدف للرفع من شأن بلد على حساب البلدان الأخرى،وتتجاهل التعددية الثقافية بين الأمم و تنطلق من موقف قومي يمكن أن نصفه بالتطرف، وهي أيضا معرفة غير عميقة بطبيعة الإستراتيجية،ومؤسسة على علاقة صراعية conflictuel و على إمكانية تحقيق إقصاء نهائي يصل لدرجة تغيب الخصم من الوجود نهائيا. إن مفهوم البعد الواحد للإستراتيجية ليس بمفهوم جديد فقد تحدث عنه إستراتيجيو الصين لاسيما Sun Zi عندما قال :" الحرب هي ميدان الحياة والموت،إنها الطريق الذي يؤدي للحياة أو للعدم والفناء" .

إذا نظرنا بعمق إلى تاريخ التحولات و التغيرات التي استمرت منذ 2500 عام،وبشكل خاص تلك التحولات التي نراها اليوم أمام أعيننا،نستطيع القول إن حكمة هذا الإستراتيجي الصيني بقيت وستكون الأساس أو جوهر كل فكر إستراتيجي. وهذا ما سنتابعه في دراسة لاحقة لهذا الكتاب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
  • الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 777 / 181128

    متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع العلوم العسكرية   ?

    موقع صمم بنظام SPIP 3.1.5 + AHUNTSIC

    Creative Commons License

    visiteurs en ce moment

    "تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

    الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010